خصائص المجتمع الإسلامی

0

وبالإمکان استخلاص جمله عناوین تعبّر عن أهم الخصائص: 

أولاً: الأساس الفکری والعقائدی:
الفکر والعقیده یشکلان القاعده التی یُبنى علیها المنهج العملی والسلوکی لکل إنسان, لأنّ طبیعه فهم الإنسان لمبدئه ومعاده ونظرته للوجود وأصله وأبعاده, ونظرته لبقیه الموجودات التی تحیط به, کل ذلک یؤثّر تأثیراً مباشراً فی علاقته معها, وأسلوب تعامله وتعاطیه, ولذا کان للعقیده الإسلامیه التأثیر المباشر فی صیاغه خصائص المجتمع الإسلامی وتحدید البنیه الاجتماعیه له. 

ولکن ینبغی لفت النظر هنا إلى أنّ واقع المجتمعات الإسلامیه التی نعیش فیها لا تمثّل الأنموذج الأمثل والمعبّر عن الإراده الإسلامیه والشکل المطلوب, والسبب لیس فی انعدام تأثیر الانتماء الدینی والعقیده الإسلامیه, بل لأنّ المسلمین لم یأخذوا الإسلام أخذاً صحیحاً وشاملاً, وإنّما أخذوا منه قسطاً وترکوا آخر, ومن الواضح جداً أن مجد التمسک بالشعار وأداء الطقوس العبادیه لا یتیح الفرصه کامله لظهور معالم الفکر الإسلامی والنهج العملی للشریعه. 

فکلمه التوحید التی تمثّل المحور الأساس للفکر والعقیده والنظام, لها مستلزماتها, حیث إنّ التوحید یقتضی التعلّق التام بالباری روحاً وجسداً وفکراً وعملاً, ویقتضی رفض ما عداه, وما لا یمتّ إلیه من أفکار وأنظمه وشرائع. 

ثانیاً: حاکمیه القیم والأخلاق الاجتماعیه:
لا یمکن لنا أن نتصوّر مجتمعاً یتحلّى بالقیم ویحکّم الأخلاق فی علاقاته الاجتماعیه ما لم یکن الدین هو الذی زرع هذه الأخلاق والقیم, وإذا کان بإمکان الفلاسفه أن یسلکوا طریق العقل لإثبات الأخلاق والاستدلال على حسنها, فإنّهم لیس بإمکانهم أن یربّوا الناس علیها وعلى التمسک بها, کما تمکّن الأنبیاء والرسل (ع), ولذا عُدَّت الأدیان الأصل والمصدر الأول للأخلاق. 

ومهما یکن, فإنّ الإسلام قد وضع للناس منظومه من القیم والأخلاق تحدّد المنهج السلوکی الأمثل للإنسان فی حیاته الفردیه والاجتماعیه, لو أخذ بهذه المنظومه بکلّ تفاصیلها وأحاط بجوانبها لتمکّن لا محاله من بناء المجتمع الأرقى والأکمل والأمثل, لیس فقط على المستوى المادی, وإنّما على المستوى الروحی والعاطفی أیضاً. 

ثالثاً: العداله الاجتماعیه:
تظهر العداله الاجتماعیه فی الإسلام بأبهى صورها من خلال تکریس مساواه الناس جمیعاً أمام القانون, والحیلوله دون التمییز على أسس غیر منطقیه, وإقامه نظام اقتصادی متوازن لا یسمح بطغیان رؤوس الأموال من خلال الاحتکار وتمرکز المال بید الأغنیاء, من دون أن یقع فریسه القضاء على الطموحات والحوافز نحو العمل؛ ولا شکّ فی أنّ تطبیق العداله الاجتماعیه بشکلها الکامل یتوقف على حکومه تتمتع بالتقوى والصلاح. 

وقد شهد العالم منذ القدیم الکثیر من المآسی التی جرها علیهم غیاب العداله الاجتماعیه, وحتى فی عصرنا الحاضر, هناک الکثیر من الأنظمه المتحضره التی تزعم الدفاع عن حقوق البشر, تعانی من غیاب العداله الاجتماعیه الواقعیه, وهذه بعض العناوین التی أخلّت بها الأنظمه المعاصره: 

۱- التمییز العنصری: عاش الغرب ولا یزال التمییز ضد السود والشرقیین, حتى أمریکا التی لا تنفک تنصّب نفسها للدفاع عن حقوق الإنسان مارست التمییز العنصری بأبشع صوره. 
أمّا الإسلام فقد حارب التمییز العنصری وأسّس لقاعده المساواه والعداله, وجعل أساس التمیّز فی العمل والتقوى, قال تعالى: (إنّ أکرمکم عند الله أتقاکم). 

۲- الاحتکار وتمرکز المقدرات بین أیدی الأغنیاء. هذه النقطه من أهم ما یشهده عالمنا الیوم, إذ بلغت سیطره الغرب القوی على مقدرات الدول الفقیره والمستضعفه حداً مخیفاً ومذهلاًو وصار العالم کلّه خدماً عند جماعه یحکمون العالم من خلال الإمساک برؤوس الأموال, وعندما تقام المؤتمرات لمساعده الدول الفقیره یقصدون إعطاءها جرعات مسکّنه تبقیها على الحیاه, وکیف لا؟ وهی مصادر استثماراتهم وأسواق تصریف بضائعهم. 

منع الإسلام الاحتکار بشتى صوره, وخاصه فیما یرتبط بحیاه الناس, ووضع نظاماً مالیاً واقتصادیاً أضفى علیه مسحه عبادیه, ضمن من خلاله حقوق الفقراء والمستضعفین, ولمن یمنع الأغنیاء من العمل واستثمار أموالهم, لکنّه وضع لهم ضوابط تمنع طغیان رأس المال, فمنع الربا والاحتکار, وفرض الزکاه والخمس والصدقات, وحرّم الغبن والغش والاحتیال.
وهذا یمیّز النظر الإسلامیه عن الأنظمه المالیه العالمیه المعاصره, التی طغت وأمسکت بمصادر الثروات ومناجم المواد الأولیه, وخلقت أنظمه مصرفیه عالمیه تحتکر التداول بالأموال لمصلحتها, حتى تلک التی یجنیها المستضعفون فی بقاع العالم. 

۳- من الأمور التی تشکّل خللاً فی العداله الاجتماعیه, احتکار المرجعیه القانونیه الدولیه من خلال سیطره بعض الدول دائمه العضویه فی مجلس الأمن, واستعمال حق النقض (الفیتو) لمنع أی قرار لا ینسجم مع مصالحها السیاسیه والأمنیه والاقتصادیه. والمؤسف أنّ هؤلاء هم الذین یرفعون شعار الحریات, لکنهم یستعبدون العالم أجمع, ویفرضون علیه قرارات لا تخدم إلاّ مصالحهم الخاصه, وقد شاهدنا کیف ینتفض مجلس الأمن کالصقر ویجمع ترسانته العسکریه لمحاربه دوله معتدله, لأنّها هدّدت مصادر النفط التی یریدونها تحت سیطرتهم.. فی حین لم یعترفوا بالروح العدائیه للعدو الصهیونی الذی یرتکب الجرائم والمجازر ویحتل الأرض على مرأى ومسمع من المنظمات الدولیه التی تغضّ النظر ولا تحرّک ساکناً, فأیّه عداله هی تلک؟ 

۴- من مظاهر الخلل فی العداله الاجتماعیه الذی یتفشى الیوم فی العالم, موضوع الحریات الثقافیه وثقافه الشعوب, فقد نصّبوا أنفسهم مدافعین عن الحریات العقائدیه والصحافیه والثقافیه, ولکنّهم اتخذوا ذلک ذریعه لتدمیر ثقافه الشعوب وإحلال ثقافتهم محلها, فی الوقت الذی لا یُسمح لأحد فی العالم أن یعرض فکره وثقافته ورؤیته بشکل حرّ من دون عقبات وعراقیل مختلفه. فهم لا یقصدون من الحریه إلاّ حریّتهم هم, وما یسمح لهم بالتحرک والعمل والغزو والسیطره, وکل ما عدا ذلک یوصف بأبشع الأوصاف ویمنع ویعاقب علیه. 

فالعداله الاجتماعیه إذاً, تقتضی إعطاء الفرص المتساویه لکل فرد من أبناء المجتمع کی یعمل ویتعلم ویمارس حقّه فی التعبیر والاعتقاد وإبداء الرأی, وتقضی بإعطاء فرص متساویه لاحتلال المناصب وتحمّل المسؤولیات, وهکذا یتحوّل المجتمع إل فریق یتکامل بالتواصی بالحق والصبر, ویصبح کیاناً واحداً کالجسد الواحد, إذا اشتکى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.