السبیل إلى تطهیر النفس ومحو الذنوب

0

وتستهل حدیثها بالإشاره إلى قول الله سبحانه وتعالى فی (سوره النساء الآیه ۱۱۰): (وَمَنْ یَعْمَلْ سُوءًا أَوْ یَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ یَسْتَغْفِرِ اللَّهَ یَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِیمًا)، فإنّ الاستغفار هو السبیل إلى تطهیر النفس ومحو الذنوب، وهو نعمه من الله سبحانه وتعالى على عباده لأنّه یعلم بأنّ العبد یذنب ویخطئ ویقصّر، فإذا لجأ إلى الله تعالى وتاب وأناب واستغفر، سیجد رحمه واسعه ومغفره منه عزّ وجلّ.

وقد عظّم الله سبحانه وتعالى شأن التوبه بأن أشار إلیها فی مَواطن عدیده فی القرآن الکریم، حیث نجد فی باب التوبه ۸۰ آیه من آیات القرآن الکریم تحث على التوبه والاستغفار، وتتحدث عن الکیفیه التی یکفّر بها العبد عن ذنوبه ویتوب إلى الله عزّ وجلّ، إلى جانب آیات عدیده سلطت الضوء على أهمیه الاستغفار وکیفیه إدراک مغفره الله عزّ وجلّ، ومنها قول الله تعالى فی (الآیات ۱۳۳-۱۳۶ من سوره آل عمران): (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَجَنَّهٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِینَ * الَّذِینَ یُنْفِقُونَ فِی السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْکَاظِمِینَ الْغَیْظَ وَالْعَافِینَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ * وَالَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَهً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَکَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ یُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ یَعْلَمُونَ * أُولَئِکَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَهٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِینَ). وقد بین الله سبحانه وتعالى فی هذه الآیات الکریمه کیفیه المسارعه إلى إدراک المغفره، فأشار الله عزّ وجلّ إلى (الَّذِینَ یُنْفِقُونَ فِی السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، و(الْکَاظِمِینَ الْغَیْظَ)، و(الْعَافِینَ عَنِ النَّاسِ)، و(وَالَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَهً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَکَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ).
– عمل السوء وظُلم النفس:
یقول الله سبحانه وتعالى فی (سوره النساء الآیه ۱۱۰): (وَمَنْ یَعْمَلْ سُوءًا أَوْ یَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ یَسْتَغْفِرِ اللَّهَ یَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِیمًا)، فمن یعمل سوءاً، أی من تجرأ على المعاصی وارتکب الآثام، ثمّ استغفر الله استغفاراً تاماً، یستلزم الإقرار بالذنب والندم علیه والإقلاع عنه والعزم على ألا یعود، بهذا قد وعده من لا یُخلف وعده بالمغفره والرحمه، فیغفر له ما صدر عنه من الذنب، ویزیل عنه ما ترتب علیه من النقص والعیب، ویعید إلیه ما تقدم من الأعمال الصالحه، ویوفقه فی ما یستقبله من عمره، ولا یجعل ذنبه حائلاً عن توفیقه لأنّه قد غفره، وإذا غفره غفر ما یترتب علیه.

ولیعلم المسلم أن عمل السوء على الإطلاق یشمل سائر المعاصی الصغیره والکبیره، وسُمی "السوء" لکونه یسوء عامله بعقوبته ولکونه فی نفسه سیئاً غیر حسن. وکذلک ظُلم النفس عند الإطلاق یشمل ظلمها بالشرک فما دونه، ولکن عند اقتران أحدهما بالآخر قد یفسر کل واحد منهما بما یناسبه، فیفسر عمل السوء هنا بالظلم الذی یسوء الناس، وهو ظلمهم فی دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ویفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصی التی بین الله تعالى وعبده.

ونجد فی کتب التفسیر أن ظلم النفس سُمی (ظُلماً) لأن نفس العبد لیست ملکاً له یتصرف فیها بما یشاء، وإنما هی ملک لله تعالى قد جعلها أمانه عند العبد وأمره أن یقیما على طریق العدل، بإلزامها الصراط المستقیم علماً وعملاً، فیسعى فی تعلیمها ما أمر الله تعالى به، ویسعى فی العمل بما یجب. فسعیه فی غیر هذا الطریق ظلم لنفسه وخیانه، وعدول بها عن العدل الذی ضده الجور والظلم.
– إنّ الله یغفر الذنوب جمیعاً:

یقول الله سبحانه وتعالى فی (سوره الزمر الآیه ۵۳): (قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ). وفی هذه الآیه الکریمه یخبر الله تعالى عباده المسرفین، أی المکثرین من الذنوب، بسعه کرمه ویحثهم على الإنابه قبل أن لا یمکنهم ذلک فقال "قُلْ…" یا أیها الرسول ومن قام مقامه عن الدعوه إلى دین الله مُخبر العباد عن ربهم، (.. یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ…) باتّباع ما تدعوهم إلیه أنفسهم من الذنوب وارتکاب المعاصی التی تثیر سخط علاّم الغیوب، (.. لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللَّهِ…) أی لا تیأسوا منها فتلقوا بأیدیکم إلى التهلکه وتقولوا، قد کثرت ذنوبنا وتراکمت عیوبنا فلیس لها طریق یزیلها ولا سبیل یصرفها، فتبقوا بسبب ذلک مصرین على العصیان متزودین منه بما یغضب علیکم الرحمن. ولکن اعرفوا ربکم بأسمائه الداله على کرمه وجوده، واعلموا (.. إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا…) من الشرک والقتل والزنا والربا والظلم وغیر ذلک من الذنوب الکبار والصغار، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ) أی وصفه المغفره والرحمه وصفان لازمان ذاتیان لا تنفک ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما ساریه فی الوجود مالئه الموجود تفیض یداه بالخیرات آناء اللیل وأطراف النهار، ویوالی النِّعم والمنن على العباد فی السر والجهر. وإنّه تعالى العطاء أحب إلیه من المنع، والرحمه سبقت الغضب وغلبته. لکن لمغفرته ورحمته ونیلهما أسباب، إن لم یأت بها العبد فقد أغلق على نفسه باب الرحمه والمغفره، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غیر الإنابه إلى الله تعالى بالتوبه النصوح والدعاء والتضرع والتعبد، فهلم أیها العبد المنیب إلى هذا السبب الأجل والطریق الأعظم، ولهذا أمر الله تعالى بالإنابه إلیه.
– العمل الصالح والعمل السیِّئ:

یقول سبحانه وتعالى فی (سوره التوبه الآیه ۱۰۲): (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَیِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ). وقد نزلت هذه الآیه الکریمه فی أبی لبابه ونفر معه، فعن ابن عباس أنّه قال: فی قوله تعالى (آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَیِّئًا…) قال: کانوا عشره رهط تخلفوا عن رسول الله (ص) فی غزوه تبوک، فلما حضر رسول الله (ص) أوثق سبعه منهم أنفسهم بسواری المسجد، وکان یمرُّ النبی (ص) إذا رجع فی المسجد علیهم، فلما رآهم قال: "من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواری؟" قالوا: هذا أبو لبابه وأصحاب له تخلفوا عنک یا رسول الله أوثقوا أنفسهم حتى یُطلقهم النبی (ص) ویعذرهم. قال: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى یکون الله هو الذی یطلقهم، رغبوا عنی وتخلفوا عن الغزو مع المسلمین" فلما بلغهم ذلک قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى یکون الله هو الذی یطلقنا. فأنزل الله عزّ وجلّ (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَیِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْهِمْ…)، وعسى من الله واجب.. (وَأنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ…) فی (الآیه ۱۰۴ سوره التوبه، فلما نزلت أرسل إلیهم النبی (ص) فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا یا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا. قال ما أمرت أن آخذ أموالکم فأنزل الله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَهً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَکِّیهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ) (التوبه/ ۱۰۳)، فأخذ منهم الصدقه واستغفر لهم.

ویقول بعض المفسرین فی تفسیر الآیه: جماعه آخرون من أهل المدینه تخلفوا عن الجهاد لغیر عذر، وأقروا بمعاصیهم واعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً، وهو التزام شرائع الإسلام، بعمل سیِّئ وهو التخلف عن غزوه تبوک، ثمّ تابعوا من هذا الفعل لعل الله أن یقبل توبتهم، فهم تحت عفو الله، إنّ الله غفور لمن تاب، رحیم بمن أحسن وأناب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.