دور العقل فی فهم وتفسیر القرآن
والواقع: أنّ هذا النزاع تارهً یمکن تصویره بین الاتّجاه الحسّی الذی لا یؤمن إلاّ بنتائج العلوم الطبیعیه القائمه على أساس المنهج التجریبی، وبین الاتّجاه العقلی الذی ذهب إلیه الفلاسفه عموماً حیث آمنوا بإمکان الاعتماد على نتائج العلوم العقلیه القائمه على أساس المنطق الأرسطی.
وأُخرى بین الاتّجاه الذی یصرّ على الاقتصار على ظواهر الکتاب والسنّه والاجتناب عن تعاطی الأُصول المنطقیه والعقلیه لفهم المعارف الدینیه عموماً ، وبین الاتّجاه الذی یعتقد أنّ الکتاب والسنّه هما الداعیان إلى التوسّع فی استعمال الطرق العقلیه الصحیحه ، وهی المقدّمات البدیهیه أو المتّکئه على البدیهیه.
قبل هذا وذاک لابدّ من تعریف العقل، وماذا یراد به فی مثل هذه الأبحاث؟
یطلق اسم العقل بالاشتراک على أربعه معان:
۱ـ الوصف الذی به یفارق الإنسان سائر البهائم ، وهو الذی به استعدّ لقبول العلوم النظریه وتدبیر الصناعات الخفیّه الفکریه ، وهو الذی أراده الحارث المحاسبی حیث قال فی حدّ العقل : إنّه غریزه یتهیّأ بها إدراک العلوم النظریه وتدبیر الصناعات وکأنّه نور یقذف فی القلب ، به یستعدّ لإدراک الأشیاء ، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم یسمّیان عاقلین باعتبار وجود هذه الغریزه مع فقد العلوم .
وکما أنّ الحیاه غریزه بها یتهیّأ الجسم للحرکات الاختیاریه والإدراکات الحسّیه ، فکذلک العقل غریزه بها یتهیّأ بعض الحیوانات للعلوم النظریه ، ویمکن تشبیه ذلک بالمرآه التی تفارق غیرها من الأجسام فی حکایه الصور والألوان ؛ لصفه اختصّت بها وهی الصقاله ، وکذلک العین تفارق الأعضاء بصفه غریزیه بها استعدّت للرؤیه.
فنسبه هذه الغریزه فی استعدادها لانکشاف العلوم کنسبه المرآه إلى صور الألوان ونسبه العین إلى صور المرئیات.
والعقل بهذا المعنى یستعمله الفلاسفه فی کتاب البرهان ، ویعنون به : قوّه النفس التی بها یحصل الیقین بالمقدّمات الصادقه الضروریه.
۲ـ علوم تستفاد من التجارب بمجاری الأحوال ، فإنّ من حنّکته التجارب وهذّبته المذاهب یقال: إنّه عاقل فی العاده ، ومن لا یتّصف بذلک یقال: إنّه غبیّ جاهل ، (ومرجعه إلى جوده الرویّه وسرعه التفطّن فی استنباط ما ینبغی أن یؤثر أو یتجنّب ، وإن کان فی باب الأغراض الدنیویه وهوى النفس الأمّاره بالسوء ، فإنّ الناس یسمّون من له هذه الرویّه المذکوره عاقلاً، أمّا أهل الحقّ فلا یسمّون هذه الحاله عقلاً ، بل أسماء أُخر کالدهاء ، أو الشیطنه وغیرهما) (۱).
۳ـ (أن ینتهی قوّه تلک الغریزه إلى أن یعرف عواقب الأُمور، فیقمع الشهوه الداعیه إلى اللذّه العاجله ویقهرها ، فإذا حصلت هذه القوّه سمّی صاحبها عاقلاً ، بحیث إنّ إقدامه وإحجامه بحسب ما یقتضیه النظر فی العواقب لا بحکم الشهوه العاجله ، وهذا أیضاً من خواصّ الإنسان التی یتمیّز بها عن سائر الحیوانات)(۲).
وهذا المعنى هو الذی أشارت إلیه الروایه عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: قلت له: ما العقل؟ قال: (ما عُبد به الرحمان ، واکتسب به الجنان)(۳). قال المجلسی فی (مرآه العقول): (والمراد من العقل ، ملکه وحاله فی النفس تدعو إلى اختیار الخیرات والمنافع واجتناب الشرور والمضارّ، وبها تقوى النفس على زجر الدواعی الشهوانیه والغضبیه والوساوس الشیطانیه)(۴).
۴ـ (وهو المذکور فی کتاب الإلهیات ومعرفه الربوبیات ، وهو الموجود الذی لا تعلّق له بشیء إلاّ بمبدعه وهو الله القیّوم ، فلا تعلّق له بموضوع کالعرض ولا بمادّه کالصوره ولا ببدن کالنفس ، ولیس له کمال بالقوّه ، ولا فی ذاته جهه من جهات العدم والإمکان والقصور إلاّ ما صار منجبراً بوجوب وجود الحقّ تعالى، ولهذا یقال لعالمه عالم الجبروت ، وکلّه نور وخیر لا یشوبه شوب ظلمه وشرّ إلاّ ما احتجب بسطوه الضوء الأحدی وهو أمر الله وکلمته)(۵) وهذا هو الذی ورد فی الروایات : (أوّل ما خلق الله العقل).
عن سماعه بن مهران قال: (قال أبو عبد الله الصادق (علیه السلام): (إنّ الله عزّ وجلّ خلق العقل ، وهو أوّل خلق من الروحانیین عن یمین العرش من نوره ، فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فأقبل ، فقال الله : خلقتک خلقاً عظیماً وکرّمتک على جمیع خلقی…)(۶).
والمراد من العقل فی هذه الأبحاث هو المعنى الأوّل، قال الطباطبائی: (إنّ الحسّ لا ینال غیر الجزئیّ المتغیّر، والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غیر القضایا الکلّیه ، وهی غیر محسوسه ولا مجرّبه ، فإنّ التشریح مثلاً إنّما ینال من الإنسان مثلاً أفراداً معدودین قلیلین أو کثیرین ، یعطی للحسّ فیها مشاهده أنّ لهذا الإنسان قلباً وکبداً مثلاً ، ویحصل من تکرارها عدد من المشاهده یقلّ أو یکثر وذلک غیر الحکم الکلّی فی قولنا: (کلّ إنسان له قلب أو کبد) ، فلو اقتصرنا فی الاعتماد والتعویل على ما یستفاد من الحسّ والتجربه فحسب من غیر رکون على العقلیات من رأس لم یتمّ لنا إدراک کلّی ولا فکر نظریّ ولا بحث علمیّ ، فکما یمکن التعویل أو یلزم على الحسّ فی مورد یخصّ به ، کذلک التعویل فیما یخصّ بالقوّه العقلیه ، ومرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصدیقات الکلّیه ولمدرک لهذه الأحکام العامّه، ولا ریب أنّ الإنسان معه شیء شأنه هذا الشأن)(۷).
وقال أیضاً: (العقل یطلق على الإدراک من حیث إنّ فیه عقد القلب بالتصدیق ، على ما جبل الله سبحانه الإنسان علیه من إدراک الحقّ والباطل فی النظریات ، والخیر والشرّ والمنافع والمضارّ فی العملیات ، حیث خلقه الله سبحانه خلقه یدرک نفسه فی أوّل وجوده ، ثمّ جهّزه بحواسّ ظاهره یدرک بها ظواهر الأشیاء ، وبأُخرى باطنه یدرک معانی روحیه بها ترتبط نفسه مع الأشیاء الخارجه عنها کالإراده والحبّ والبغض والرجاء والخوف ونحو ذلک ، ثمّ یتصرّف فیها بالترتیب والتفصیل والتخصیص والتعمیم ، فیقضی فیها فی النظریات والأُمور الخارجه عن مرحله العمل قضاءً نظریاً ، وفی العملیات والأُمور المربوطه بالعمل قضاءً عملیاً ، کلّ ذلک جریاً على المجرى الذی تشخّصه له فطرته الأصلیه، وهذا هو العقل)(۸).
بعد أن اتّضح معنى العقل نقول: إنّ الحیاه الإنسانیه قائمه على أساس الإدراک والفکر، ولازم ذلک أنّ الفکر کلّما کان أصحّ وأتمّ کانت الحیاه أقوم ، وقد دعا القرآن إلى الفکر الصحیح وترویج طرق العلم فی آیات کثیره وبطرق وأسالیب متنوّعه کقوله: (أَوَمَنْ کَانَ مَیْتاً فَأَحْیَیْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً یَمْشِی بِهِ فِی النَّاسِ کَمَنْ مَثَلُهُ فِی الظُّلُمَاتِ لَیْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: ۱۲۲) ، (هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَالَّذِینَ لا یَعْلَمُونَ) (الزمر: ۹) ، (یَرْفَعِ اللهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَالَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادله: ۱۱) ، (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمْ اللهُ وَأُوْلَئِکَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ) (الزمر: ۱۷ ـ ۱۸).
ولم یعیّن فی الکتاب العزیز هذا الفکر الصحیح القیّم الذی یندب إلیه إلاّ أنّه أحال فیه إلى ما یعرفه الناس بحسب عقولهم الفطریه وإدراکهم المرکوز فی نفوسهم ، ولو تتبّعت الکتاب الإلهی ثمّ تدبّرت فی آیاته وجدت ما لعلّه یزید على ثلاثمائه آیه تتضمّن دعوه الناس إلى التفکّر أو التذکّر أو التعقّل ، أو تلقّن النبی (صلى الله علیه وآله) الحجّه لإثبات حقّ أو لإبطال باطل کقوله: (قُلْ فَمَنْ یَمْلِکُ مِنَِ اللهِ شَیْئاً إنْ أَرَادَ أَنْ یُهْلِکَ الْمَسِیحَ ابْنَ مَرْیَمَ وَأُمَّهُ) (المائده: ۱۷) أو تحکی الحجّه عن أنبیائه وأولیائه کنوح وإبراهیم وموسى وسائر الأنبیاء العظام ، ولقمان ومؤمن آل فرعون وغیرهما ، کقوله: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِی اللهِ شَکٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (إبراهیم: ۱۰) وقوله: (وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ یَعِظُهُ یَا بُنَیَّ لاَ تُشْرِکْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ) (لقمان:۱۳ ) ،(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ یَکْتُمُ إیمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ یَقُولَ رَبِّی اللهُ وَقَدْ جَاءَکُمْ بِالْبَیِّنَاتِ مِنْ رَبِّکُمْ) (غافر: ۲۸) وقوله حکایه عن سحره فرعون : (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَکَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَیِّنَاتِ وَالَّذِی فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِی هَذِهِ الْحَیَاهَ الدُّنْیَا … ) (طه: ۷۲).
ولم یأمر الله تعالى عباده فی کتابه ولا فی آیه واحده أن یؤمنوا به أو بشیء ممّا هو من عنده أو یسلکوا سبیلاً وهم عمی لا یشعرون ، حتّى أنّه علّل الشرائع والأحکام التی جعلها لهم ـ ممّا لا سبیل للعقل إلى تفاصیل ملاکاته ـ بأُمور تجری مجرى الاحتجاجات کقوله: (إنَّ الصَّلاَهَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ وَلَذِکْرُ اللهِ أَکْبَرُ) (العنکبوت: ۴۵) وقوله: (کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (البقره: ۱۸۳) وقوله فی آیه الوضوء: (مَا یُرِیدُ اللهُ لِیَجْعَلَ عَلَیْکُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَکِنْ یُرِیدُ لِیُطَهِّرَکُمْ وَلِیُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکُمْ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ) (المائده: ۶) إلى غیر ذلک من الآیات.
وهذا الإدراک العقلی ـ أعنی الفکر الصحیح الذی یحیل إلیه القرآن الکریم ویبنی على تصدیقه ما یدعو إلیه من حقّ أو خیر أو نفع، ویزجر عنه من باطل أو شرّ أو ضرّ ـ إنّما هو الذی نعرفه بالخلقه والفطره ممّا لا یتغیّر ولا یتبدّل ولا یتنازع فیه إنسان وإنسان ولا یختلف فیه اثنان ، وإن فرض فیه اختلاف أو تنازع فإنّما هو من قبیل المشاجره فی البدیهیات ، ینتهی إلى عدم تصوّر أحد المتشاجرین أو کلیهما حقّ المعنى المتشاجر فیه ؛ لعدم التفاهم الصحیح.
ـــــــــــــــــــ
(۱) شرح أصول الکافی، لصدر الدین محمّد بن إبراهیم الشیرازی، عنی بتصحیحه: محمّد خواجوی، مؤسّسه مطالعات وتحقیقات فرهنگى، إیران، الطبعه الأولى: ج۱ ص۲۲۵، کتاب العقل والجهل.
(۲) آداب النفس، للعارف الحکیم السیّد محمّد العینانی، حقّقه وصحّحه السیّد کاظم الموسوی المیاموی، منشورات المکتبه الرضویه: ص۷ فی الحاشیه.
(۳) الأصول من الکافی، مصدر سابق: ج۱ ص۱۱، کتاب العقل والجهل، الحدیث: ۳٫
(۴) مرآه العقول فی شرح أخبار آل الرسول، تألیف: العلاّمه شیخ الإسلام المولى محمّد باقر المجلسی، الطبعه الثانیه،۱۴۰۴هـ، دار الکتب الإسلامیه، إخراج ومقابله وتصحیح: السیّد هاشم الرسولی: ج۱ ص۲۵٫
(۵) شرح أصول الکافی، للشیرازی، مصدر سابق: ج۱ ص۲۲۷٫
(۶) الأصول من الکافی، مصدر سابق: ج۱ ص۲۱، کتاب العقل والجهل، الحدیث: ۱۴٫
(۷) المیزان فی تفسیر القرآن: ج۱ ص۴۸٫
(۸) المصدر نفسه: ج۲ ص۲۴۹٫