الاستقامه.. هل هی خُلق أم عباده؟

0

 
لأن خلق الاستقامه یعین الإنسان على الإصلاح فی الأرض. قال تعالى: (.. وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِیلَ الْمُفْسِدِینَ) (الأعراف/ ۱۴۲). لأن أوّل الإفساد هو اعوجاج عن طریق الإصلاح، فیجب علیک أن تقاوم فی نفسک مَیْلها إلى الاعوجاج وتُجاهد نفسک أعظم المجاهده، ولا یکون ذلک إلا بالاستقامه.
الاستقامه هل هی خُلق أم عباده؟ هل هی فی التعامل مع الناس أم فی العلاقه مع الله فقط؟
الاستقامه، خلق من الأخلاق الإسلامیه، لذلک عندما جاء أبو عمرو سفیان بن عبدالله الثقفی (رض)، قال: قلت: "یا رسول الله، قُل لی فی الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحداً غیرک"؟ یَسأل عن الکلّیات لا ویسأل عن التفاصیل. الرجل یسأل عن الأمور الجامعه. بالتالی، فالرد النبوی سیکون أیضاً فی الکلیات الجامعه. قال له رسول الله (ص): "قُل أمَنت بالله، ثمّ استَقم". فالاستقامه خلق جامع شامل للدین والإسلام وللأخلاق.
والعجیب أنّ الرجل لم یسأل النبی عن معنى الاستقامه أو کیف أستقیم، وهل هی صعبه أم سهله، لأنّه فهم أن کل هذه الأسئله نوع من الالتواء، والاعوجاج الذی هو عکس الاستقامه وخروج عن الاستقامه نفسها، مثل الاعوجاج الموجود عند بنی إسرائیل، عندما قال لهم موسى (ع): (إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَهً) (البقره/ ۶۷). فکثرت الأسئله التی أخرجتهم من الاستقامه عن اللون وأن یُبیّن ما هی، ولکن الرجل فهم ببساطه أن (استَقِم) هی: لا للالتواء ولا للاعوجاج.
ولکن، ما هی الاستقامه؟ وما هی حدودها؟
الاستقامه فی اللغه عکس الالتواء والاعوجاج، مثل الخط المستقیم، فکل ما فیه التواء خرج من الاستقامه، وکل ما فیه اعوجاج خرج عن الاستقامه.
فالاستقامه کلمه جامعه للخیر، ولجمیع السجایا الحمیده، والخلال الکریمه، وأسمَى ما یطلبه الإنسان فی هذه الحیاه أن یُوصف بأنه مستقیم.
وجمیع الأنبیاء (صلوات الله علیهم) کانت رسالاتهم والهدف منها أن یستقیم الناس، وتستقیم بهم أحوالهم، وتستقیم بهم دنیاهم، وتستقیم بهم أمور آخرتهم.
فأمر الله جلّ جلاله نبیه محمد (ص)، أن یستقیم ومَن تاب معه على جاده الحق، غیر عادلین عنها، وألا یتجاوزوا ما أمروا به، فذلک هو الطغیان: (فَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَکَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ) (هود/ ۱۱۲).
وأمر الله تعالى المؤمنین بالالتزام بالصراط المستقیم، فقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذَلِکُمْ وَصَّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام/ ۱۵۳). وقد جاء عن الرسول (ص)، أنه خطّ خطاً مستقیماً، وخطّ عن یمینه خطوطاً، وعن شماله خطوطاً. ثمّ قال مشیراً إلى الخط المستقیم: "هذه سبیل الله". وقال مشیراً إلى الخطوط التی عن یمینه وعن شماله: "هذه سُبل.. على کل سبیل منها شیطان یدعو إلیه". ثمّ قرأ الرسول الکریم (ص)، قول الحق تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیمًا فَاتَّبِعُوهُ…) (الأنعام/ ۱۵۳).
لذلک، نُردّد فی کل صلاه، کل یوم، فی سبع عشره رکعه، قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیمَ) (الفاتحه/ ۶). ونُدرک من الآیه مدى قیمه الاستقامه على طریق الحق. فالطریق المستقیم هو أقرب الطرق إلى الهدف، أما الطرق المعوَجّه فلا تؤدی إلى شیء سوى الهلاک. والطریق المستقیم هو طریق المؤمنین الذین أنعم الله علیهم فی الدنیا والآخره (صِرَاطَ الَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلا الضَّالِّینَ) (الفاتحه/ ۷٫
هل أنت مستقیم أم معوَجّ؟ کل اعوجاج خروج عن الاستقامه، فالاستقامه جامعه للنزاهه والعدل والإنصاف وأداء الحقوق وعدم الغش.
ومن الاستقامه اجتناب الکذب والخیانه والتزویر والتدلیس وخلف الوعود.
ومن أهم أشکال الاستقامه استقامه الفکر، بأن یکون الفکر وسطیّاً بلا تطرّف، ویکون باعتدال من دون تشدّد.
واستقامه منهج التفکیر تکون باتّباع الأدله والحجج العلمیه والعقلیه، بلا تردید للکلام، من دون فهمه.
ومن الاستقامه أن یستقیم قلبک، فتحب لأخیک ما تحب لنفسک. هل رأیت کیف أنّ الاستقامه کلمه أخذت بمجامع الأخلاق کلها؟ وصدق رسول الله (ص): "قُل آمنتُ بالله ثمّ اسْتَقِم" أی: لسان مستقیم، عمل مستقیم، نیّه مستقیمه غیر مخادعه، فکر مستقیم، عقیده مستقیمه.. إلخ. لذلک یقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلا هُمْ یَحْزَنُونَ) (الأحقاف/ ۱۳).
هل أنت شخصیتک غالبٌ علیها الاستقامه أم توجد منطقه فی حیاتک الشخصیه أو الاجتماعیه أو المالیه ملتویه؟ احذر أن تفسد کل حیاتک بسبب هذه المنطقه، من الیوم استقم، ولیستقم کل واحد منّا فی منطقته لننال ثمار الاستقامه.
وللإستقامه ثمار عدیده لا تنقطع، فهی باب من أبواب الخیر، وبرکتها لا تقتصر على صاحبها فحسب، بل تشمل کل مَن حوله، ویُفهم هذا من قوله تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِیقَهِ لأسْقَیْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن/ ۱۶). هذا فی الدنیا وفی الآخره قال تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ…) (فصلت/ ۳۰). الملائکه تنزل لهم بخصوصیه کامله. لماذا؟ لتُبشّرهم: (إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِیَاؤُکُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَفِی الآخِرَهِ وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَشْتَهِی أَنْفُسُکُمْ وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِیمٍ) (فصلت/ ۳۰-۳۲).
هذا عن الإستقامه فی الأقوال والأفعال. ولکن، إذا أردنا أن تتحقق الاستقامه فی البدن، فلابدّ من استقامه القلب أوّلاً، لأنّ القلب هو مَلِک الأعضاء. فمتى استقام القلب على معانی الخوف من الله ومحبّته وتعظیمه، استقامت الجوارح على طاعه الله، ثمّ یلیه فی الأهمیه: استقامه اللسان، لأنّه الناطق بما فی القلب والمعبّر عنه.
وبعد هذا العرض السریع لهذا الخُلق العظیم، یأتی السؤال: کیف أستطیع تطبیق هذا الخلق فی حیاتی حتى یصبح صفه من صفاتی؟ نستطیع ذلک بخطوات عدیده منها:
۱- اختر آیه أو حدیثاً أو قولاً مأثوراً من داخل المقال، أو متعلقاً بخلق الاستقامه ویکون أثّر فیک، واجعله شعارک هذا الأسبوع.
۲- جرّب بنفسک، وحاول أن تعید الاستقامه فی أمر من الأمور التی تشعر بأنّک ابتعدت عن الاستقامه فیها، وحاول دائماً حتى تتحقق الاستقامه فی حیاتک کلها.
۳- شجع غیرک على خلق الاستقامه لتضمن انتشار هذا الخلق بین الناس، ولیعم الخیر على الجمیع، وعندما تشجع غیرک یزداد فی داخلک الدافع إلى التطبیق.
۴- الدعاء.. ادْعُ ربنا بصدق واخلاص أن یجعلک مستقیماً ویعینک على الاستقامه فی حیاتک کلها، مع الناس ومع أهلک ومع نفسک.
وأخیراً، أکْثِر من دُعاء النبی (ص): "واهدنی لأحسن الأخلاق لا یهدی لأحسنها إلا أنت، واصرف عنی سیئها لا یصرف عنی سیئها إلا أنت".

Leave A Reply

Your email address will not be published.