دواء الذنوب “الاستغفار والتوبه” -۳-

0

الاستغفار والتوبه الحقیقیان:
إنّ الاستغفار والتوبه اللذان یدعو اللهُ سبحانه وتعالى إلیهما فی العدید من آیات کتابه المجید، وتدعو لهما الروایات الشریفه المأثوره عن النبی "صلى الله علیه وآله" والأئمه الطاهرین "علیهم السلام"، واللذان لهما الثمار والآثار والفوائد التی أشرنا إلى بعضها، هما الاستغفار والتوبه الناتجان من ندم العبد الشدید على حیاته الماضیه التی قضاها فی أجواء الانحراف والطاعه للشیطان والشهوات بعیداً عن طاعه الله سبحانه وتعالى، واللذان یرافقهما العزم بإراده قویه وتصمیم أکید على عدم الرّجوع إلى ما کان علیه من انحرافات سابقه، (۱) فإذا کان استغفاره وتوبته واجدان لهذین الأمرین کان استغفاره استغفاراً حقیقیّاً صحیحاً وکانت توبته توبه نصوحا.
وعلى العبد العائد إلى ربه المستغفر والتائب من ذنبه أن یراعی أمرین اثنین یعدّان واجبان علیه وهما:
الأول: أن یحصی الفرائض التی فاتته فی وقت انحرافه إلى یوم استغفاره وتوبته ویقضی کل ما فاته من هذه الطاعات الواجبه کالصلاه والصیام والحج ویؤدی الحقوق المالیه کالزکاه والخمس وما لزمه من کفارات، فلا طریق للاستغفار والتوبه من هذه المخالفات جمیعاً إلاّ أن یجتهد فی قضائها وأدائها ولا یترک فی عهدته شیئاً منها.
الثانی: أن یؤدی إلى الآخرین حقوقهم التی اعتدى علیها أیّام انحرافه وأن یستحلَّ من اعتدائه علیهم فی أموالهم وأنفسهم وغیر ذلک، ففی الرّوایه عن النبی "صلى الله علیه وآله" أنه قال: (لو أخطأ أحدکم خطایا حتى تملأ ما بین السماوات والأرض ثم تاب، تاب الله علیه إلاّ من کانت معه مظلمه من الناس فإنه لا یستجیب له حتى یردها).
وینقل أنّ الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب "علیه السلام" سمع شخصاً بحضرته یقول: (أستغفرُ الله) فقال له: ثکلتک أمک أتدری ما الاستغفار؟ الاستغفار درجه العلیین، وهو اسم واقع على سته معان: أولها الندم على ما مضى، والثانی: العزم على ترک العود إلیه أبداً، والثالث: أن تؤدی إلى المخلوقین حقوقهم حتى تلقى الله عزَّ وجل أملس لیس علیک تبعه، والرابع: أن تعمد إلى کلِّ فریضه علیک ضیعتها فتؤدی حقّها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذی نبت على السحت فتذیبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم، وینشأ بینهما لحم جدید، السادس: أن تذیق الجسم ألم الطاعه کما أذقته حلاوه المعصیه، فعند ذلک تقول: أستغفر الله(۲).
فعلى العبد المستغفر من ذنوبه التائب والعائد إلى الله سبحانه وتعالى أن یکثر من الأعمال الحسنه الصالحه سواء کانت الأعمال الصالحه عباده روحیه أو اجتماعیه خیریه فعلیه أن یمارسها بشکل واسع وکبیر وکثیر، فکما ترتفع إلى النفس ظلمه من المعاصی فتجعلها سوداء مظلمه، فکذلک یرتفع نور من الطاعات فینورها، وبهذا النور تنمحی ظلمه المعاصی، فکل ظلمه ارتفعت إلى القلب لا یمحوها إلاّ نور یرتفع إلیه من حسنه تضاد تلک السیئه التی ارتکبها، قال رسول الله "صلى الله علیه وآله" : (وجدت الحسنه نوراً فی القلب، وزیناً فی الوجه، وقوهً فی العمل، ووجدت الخطیئه سواداً فی القلب، ووهناً فی العمل، وشیناً فی الوجه) (۳).
وإلى حقیقه تأثیر الحسنه فی محو السیئه أشار القرآن الکریم إلى ذلک فی قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاهَ ‏طَرَفَیِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّیْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئَاتِ ذَلِکَ ذِکْرَى ‏لِلذَّاکِرِینَ) (۴)، وقد أکدَّ ‏النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله) هذا المعنى ‏حین قال للصحابی معاذ بن جبل (اتَّق اللهَ حیثما کنت وأَتْبع السیّئه الحسنه تمحها وخالق النَّاس بخلق حسن) (۵).
وفی روایه أخرى عنه "صلى الله علیه وآله" أنّه قال لأصحابه: (أرأَیتم لو أن نهرا بباب أحدکم یغتسل منه کل یوم خمس مرّات، هل یبقى من درنه شیء؟ قالوا: لا یبقى من درنه شیء، قال: فذلک مثل الصلوات الخمس، یمحو اللّه بهنّ الخطایا) (۶).
فهذه الأدله تدل على أنّ الحسنات تمحو السیئات.
لا بدّ من مجاهده النفس:
إن المستغفرین التائبین الذین کانوا معتادین على ارتکاب المعاصی لیس من السهوله أن یتخلّوا عنها بسرعه، فالعاده مهما کان نوعها تتحول بمرور الزمن ولکثره ممارستها والمداومه علیها إلى سجیّه تشبه السجایا الطبیعیه فی سلوک الإنسان، فالعبد وإن ترک المعاصی عن قناعه، ولکن لیس من البعید جدّا أن یقع فیها عن غفله مره ثانیه، فیرجِع بعد الاستغفار والتوبه إلى ما کان علیه من انحراف؛ ولهذا لا بد من أن یقوم العبد بمراقبه ذاتیّه لنفسه ومحاسبتها بشکل یومی، فعلیه أنْ یعیّن فی کلِّ یوم ولیله وقتاً یحاسب فیه نفسه، فإن وجدها مقصّره فی فعل فریضه ومرتکبه لمعصیه عاتبها ولامها لوماً عنیفاً، ووبخها توبیخاً شدیداً، وقهرها على بعض الطاعات عقاباً لها على تقصیرها، وإنْ وجدها قد أتت بجمیعِ الفرائض والطاعات ولم ترتکب فی طول ذلک الیوم شیئاً من المحرمات شکر الله تعالى على ذلک، وطلب منه العون والتوفیق فی الاستمرار على هذه الحال.
قال رسول الله "صلى الله علیه وآله" : (حاسبوا أنفسکم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا، وتجهّزوا للعرض الأکبر) (۷).
وقال "صلى الله علیه وآله" : (لا یکون الرجل من المتقین حتى یحاسب نفسه أشد من محاسبه الشریک شریکه، فیعلم من أین مطعمه، ومن أین مشربه؟ ومن أین ملبسه؟ أمن حلٍّ ذلک أم من حرام ؟)(۸).
وفی صحیحه إبراهیم بن عمر الیمانی عن الإمام موسى بن جعفر الکاظم "علیه السلام" أنّه قال: (لیس منّا من لم یحاسب نفسه فی کل یوم فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمـل سیئاً استغفر الله منـه وتاب إلیه) (۹).
وقال الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب "علیه السلام" : (عباد الله: زنوا أنفسکم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ) (۱۰).
فمحاسبه النفسِ من أهمّ الطرق والوسائل لمجاهده النفس الذی دعت إلیه الشریعه الإسلامیه، فعلى العبد المسلم أن یجاهد نفسه لیکبح جماح الشهوات والرغبات والغرائز ولیسیطر علیها ویهذّبها ولا یسمح لها بالتعدی والخروج عن الصراط المستقیم وعلیه أن یستجیب لها فی حدود الشرع الشریف فقط.
وجهاد النفس لیس بالأمر السهل والبسیط، بل جهادها صعب وشاق وعسیر یحتاج إلى صبر قویّ شدید، فالرسول "صلى الله علیه وآله" وصف جهاد النفس بالجهاد الأکبر، فقد ورد أنَّه "صلى الله علیه وآله" استقبل سریه قد قدمت من جهاد العدو، فقال: (مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقی الجهاد الأکبر، فقالوا: یا رسول الله، وما الجهاد الأکبر ؟ قال : جهاد النفس) (۱۱).
فکما أنّ جهاد العدوّ یحتاج إلى صبر شدید یتحلى به المجاهد لصعوبته فکذلک المجاهد لنفسه یحتاج إلى أن یتمتع بصبر أقوى وأشد من الصبر الذی یتمتع به المجاهد فی سوح القتال، فنفس الإنسان هی أعدى أعدائه ، فقد ورد فی الروایه عن النبیِّ الأکرم "صلى الله علیه وآله" أنه قال : (أعدى أعدائِک نفسک التی بین جنبیک) (۱۲) .
والخلاصه، فإنَّ الانسان المستغفر التائب إلى ربّه مهما کان معتاداً على ارتکاب المعاصی واقتراف السیئات فإنّه بمجرد أن یشتغل بعد التوبه بمجاهده نفسه فإنَّ الله سبحانه وتعالى سیأخذ بیده إلى طریق الصالحین، قال تعالى: (وَالَّذِینَ جَاهَدُوا فِینَا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (۱۳).
فعلى المستغفر التائب العائد إلى ربّه أنْ لا ینهار أمام مغریات الشهوات ولا یسقط عن درجه التائبین عندما تتهیأ أمامه دواعی الانحراف، فینبغی على التائب المخلص فی توبته أن یکون صلباً تقیّاً أمام زخارف الدنیا وشهواتها المحرمه، وأن یکون ورعاً یخشى الله فی السرِّ والعلانیه، فإن ذلک دلیلاً واضحاً على صدق استغفاره وتوبته.
اجتنب رفقاء السوء:
کذلک على المستغفر التائب العائد إلى ربّه سبحانه وتعالى ولکی لا یعود مرهً أخرى إلى ممارسه الذنوب وارتکاب المعاصی أنْ یعتزل الأشخاص ذوی الأخلاق السیئه الذین کانوا سبباً فی انحرافه، وعلیه أن یفتش عن الأخلاء والأصدقاء والأصحاب والرفقاء الأخیار ویجالسهم ویتخذ منهم أصدقاء جدداً له .
لقد سُئل رسول الله "صلى الله علیه وآله" فقیل له: یا رسول الله ، أیُّ الجلساء خیر ؟ قال : (من ذکرکم بالله رؤیته ، وزادکم فی علمکم منطقه ، وذکرکم بالآخره عمله) (۱۴) .
فعلى المؤمن أن یجالس الأشخاص الذین تزید مجالستهم فی إیمانه وتقواه وورعه والذین یعینونه على فعل العمل الصالح، ویبتعد عن مجالسه ومصاحبه أصحاب الفسوق والفجور الذین یجرون صاحبهم وصدیقهم إلى ارتکاب المعاصی واقتراف الذنوب ویشجعونه علیها، ففی الروایهِ عن النبیِّ "صلى الله علیه وآله" قال : (إنما مثل الجلیس الصالح والجلیس السوء کحامل المسک ونافخ الکیر، فحامل المسک إما أن یحذیک وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ریحاً طیبهً، ونافخ الکیر إما أن یحرق ثیابک وإما أن تجد منه ریحاً خبیثهً) (۱۵).
والحمد لله رب العالمین، وصلى الله على محمد وآله الطیبین الطاهرین.
________________________________
(۱) لیس العزم على ترک العود إلى الذنب شرط فی تحقق التوبه فیکفی مجرّد الندم فی تحققها، فقد ورد فی الرّوایه عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه قال: «کفى بالندم توبه»(الکافی ج۲ ص ۴۲۷)، نعم العزم على ترک العود إلى الذنب یشترط فی تحقق التوبه النصوح کما یستفاد ذلک من بعض الروایات، ففی صحیحه أبی بصیر عن الإمام الصادق (علیه السلام) فی قوله تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَهً نَصُوحًا} قال: «هو الذنب الذی لا یعود فیه أبدا» (الکافی ج۲ ص ۴۳۳) وعن أبی الصباح الکنانی قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزّ وجل : {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَهً نَصُوحًا}قال: «یتوب العبد من الذنب ثم لا یعود فیه…» (الکافی ج۲ ص ۴۳۲) .
(۲) نهج البلاغه ج۴ ص ۹۸٫
(۳) میزان الحکمه ج۱ ص ۶۳۶٫
(۴) هود: ۱۱۴٫
(۵) المعجم الصغیر للطبرانی: ص ۱۹۲٫
(۶) المجموع للنووی ج۳ ص ۱۷٫
(۷) بحار الأنوار ج۶۷ ص ۷۳٫
(۸) بحار الأنوار ج ۷۴ ص ۸۶٫
(۹) الکافی ج۲ ص ۴۵۴٫
(۱۰) بحار الأنوار ج ۴ ص ۳۱۰٫
(۱۱) الکافی ج۵ ص ۱۳ .
(۱۲) بحار الأنوار ج۶۷ ص ۳۷٫
(۱۳) العنکبوت: ۶۹٫
(۱۴) الأمالی للطوسی: ص ۱۵۷٫
(۱۵) صحیح مسلم ج۸ ص ۳۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.