وصیه الإمام الصادق (ع) لعبد الله بن جندب
أنسوا بالله واستوحشوا مما به استأنس المترفون أولئک أولیائی حقا وبهم تکشف کل فتنه وترفع کل بلیه یا ابن جندب حق على کل مسلم یعرفنا أن یعرض عمله فی کل یوم ولیله على نفسه فیکون محاسب نفسه فإن رأى حسنه استزاد منها وإن رأى سیئه استغفر منها لئلا یخزى یوم القیامه طوبى لعبد لم یغبط الخاطئین على ما أوتوا من نعیم الدنیا وزهرتها طوبى لعبد طلب الآخره وسعى لها طوبى لمن لم تلهه الأمانی الکاذبه ثم قال (علیه السلام) رحم الله قوما کانوا سراجا ومنارا کانوا دعاه إلینا بأعمالهم ومجهود طاقتهم لیس کمن یذیع أسرارنا یا ابن جندب إنما المؤمنون الذین یخافون الله ویشفقون أن یسلبوا ما أعطوا من الهدى فإذا ذکروا الله ونعماءه وجلوا وأشفقوا وإذا تلیت علیهم آیاته زادتهم إیمانا مما أظهره من نفاذ قدرته وعلى ربهم یتوکلون یا ابن جندب قدیما عمر الجهل وقوی أساسه وذلک لاتخاذهم دین الله لعبا حتى لقد کان المتقرب منهم إلى الله بعلمه یرید سواه أولئک هم الظالمون یا ابن جندب لو أن شیعتنا استقاموا لصافحتهم الملائکه ولأظلهم الغمام ولأشرقوا نهارا ولأکلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما سألوا الله شیئا إلا أعطاهم یا ابن جندب لا تقل فی المذنبین من أهل دعوتکم إلا خیرا واستکینوا إلى الله فی توفیقهم وسلوا التوبه لهم فکل من قصدنا ووالانا ولم یوال عدونا وقال ما یعلم وسکت عما لا یعلم أو أشکل علیه فهو فی الجنه یا ابن جندب یهلک المتکل على عمله ولا ینجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمه الله قلت فمن ینجو قال الذین هم بین الرجاء والخوف کأن قلوبهم فی مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب یا ابن جندب من سره أن یزوجه الله الحور العین ویتوجه بالنور فلیدخل على أخیه المؤمن السرور یا ابن جندب أقل النوم باللیل والکلام بالنهار فما فی الجسد شیء أقل شکرا من العین واللسان فإن أم سلیمان قالت لسلیمان (علیه السلام) یا بنی إیاک والنوم فإنه یفقرک یوم یحتاج الناس إلى أعمالهم یا ابن جندب إن للشیطان مصائد یصطاد بها فتحاموا شباکه ومصائده قلت یا ابن رسول الله وما هی قال أما مصائده فصد عن بر الإخوان وأما شباکه فنوم عن قضاء الصلوات التی فرضها الله أما إنه ما یعبد الله بمثل نقل الأقدام إلى بر الإخوان وزیارتهم ویل للساهین عن الصلوات النائمین فی الخلوات المستهزءین بالله وآیاته فی الفترات أولئک الذین لا خلاق لهم فی الآخره ولا یکلمهم الله یوم القیامه ولا یزکیهم ولهم عذاب ألیم یا ابن جندب من أصبح مهموما لسوى فکاک رقبته فقد هون علیه الجلیل ورغبمن ربه فی الربح الحقیر ومن غش أخاه وحقره وناوأه جعل الله النار مأواه ومن حسد مؤمنا انماث الإیمان فی قلبه کما ینماث الملح فی الماء یا ابن جندب الماشی فی حاجه أخیه کالساعی بین الصفا والمروه وقاضی حاجته کالمتشحط بدمه فی سبیل الله یوم بدر وأحد وما عذب الله أمه إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم یا ابن جندب بلغ معاشر شیعتنا وقل لهم لا تذهبن بکم المذاهب فو الله لا تنال ولایتنا إلا بالورع والاجتهاد فی الدنیا ومواساه الإخوان فی الله ولیس من شیعتنا من یظلم الناس یا ابن جندب إنما شیعتنا یعرفون بخصال شتى بالسخاء والبذل للإخوان وبأن یصلوا الخمسین لیلا ونهارا شیعتنا لا یهرون هریر الکلب ولا یطمعون طمع الغراب ولا یجاورون لنا عدوا ولا یسألون لنا مبغضا ولو ماتوا جوعا شیعتنا لا یأکلون الجری ولا یمسحون على الخفین ویحافظون على الزوال ولا یشربون مسکرا قلت جعلت فداک فأین أطلبهم قال (علیه السلام) على رءوس الجبال وأطراف المدن وإذا دخلت مدینه فسل عمن لا یجاورهم ولا یجاورونه فذلک مؤمن کما قال الله وجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِینَهِ رَجُلٌ یَسْعى والله لقد کان حبیب النجار وحده یا ابن جندب کل الذنوب مغفوره سوى عقوق أهل دعوتک وکل البر مقبول إلا ما کان رئاء یا ابن جندب أحبب فی الله واستمسک بالعروه الوثقى واعتصم بالهدى یقبل عملک فإن الله یقول إِلَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى فلا یقبل إلا الإیمان ولا إیمان إلا بعمل ولا عمل إلا بیقین ولا یقین إلا بالخشوع وملاکها کلها الهدى فمن اهتدى یقبل عمله وصعد إلى الملکوت متقبلا والله یهدی من یشاء إلى صراط مستقیم یا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجلیل فی داره وتسکن الفردوس فی جواره فلتهن علیک الدنیا واجعل الموت نصب عینک ولا تدخر شیئا لغد واعلم أن لک ما قدمت وعلیک ما أخرت یا ابن جندب من حرم نفسه کسبه فإنما یجمع لغیره ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه من یثق بالله یکفه ما أهمه من أمر دنیاه وآخرته ویحفظ له ما غاب عنه وقد عجز من لم یعد لکل بلاء صبرا ولکل نعمه شکرا ولکل عسر یسرا صبر نفسک عند کل بلیه فی ولد أو مال أو رزیه فإنما یقبض عاریته ویأخذ هبته لیبلو فیهما صبرک وشکرک وارج الله رجاء لا یجریک على معصیته وخفه خوفا لا یؤیسک من رحمته ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتکبر وتجبر وتعجب بعملک فإن أفضل العمل العباده والتواضع فلا تضیع مالک وتصلح مال غیرک ما خلفته وراء ظهرک واقنع بما قسمه الله لک ولا تنظر إلا إلى ما عندک ولا تتمن ما لست تناله فإن من قنع شبع ومن لم یقنع لم یشبع وخذ حظک من آخرتک ولا تکن بطرا فی الغنى ولا جزعا فی الفقر ولا تکن فظا غلیظا یکره الناس قربک ولا تکن واهنا یحقرک من عرفک ولا تشار من فوقک ولا تسخر بمن هو دونک ولا تنازع الأمر أهله ولا تطع السفهاء ولا تکن مهینا تحت کل أحد ولا تتکلن على کفایه أحد وقف عند کل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فیه فتندم واجعل قلبک قریبا تشارکه واجعل عملک والدا تتبعه واجعل نفسک عدوا تجاهده وعاریه تردهافإنک قد جعلت طبیب نفسک وعرفت آیه الصحه وبین لک الداء ودللت على الدواء فانظر قیامک على نفسک وإن کانت لک ید عند إنسان فلا تفسدها بکثره المن والذکر لها ولکن أتبعها بأفضل منها فإن ذلک أجمل بک فی أخلاقک وأوجب للثواب فی آخرتک وعلیک بالصمت تعد حلیما جاهلا کنت أو عالما فإن الصمت زین لک عند العلماء وستر لک عند الجهال یا ابن جندب إن عیسى ابن مریم (علیه السلام) قال لأصحابه أ رأیتم لو أن أحدکم مر بأخیه فرأى ثوبه قد انکشف عن بعض عورته أ کان کاشفا عنها کلها أم یرد علیها ما انکشف منها قالوا بل نرد علیها قال کلا بل تکشفون عنها کلها فعرفوا أنه مثل ضربه لهم فقیل یا روح الله وکیف ذلک قال الرجل منکم یطلع على العوره من أخیه فلا یسترها بحق أقول لکم إنکم لا تصیبون ما تریدون إلا بترک ما تشتهون ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تکرهون إیاکم والنظره فإنها تزرع فی القلب الشهوه وکفى بها لصاحبها فتنه طوبى لمن جعل بصره فی قلبه ولم یجعل بصره فی عینه لا تنظروا فی عیوب الناس کالأرباب وانظروا فی عیوبکم کهیئه العبید إنما الناس رجلان مبتلى ومعافى فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافیه یا ابن جندب صل من قطعک وأعط من حرمک وأحسن إلى من أساء إلیک وسلم على من سبک وأنصف من خاصمک واعف عمن ظلمک کما أنک تحب أن یعفى عنک فاعتبر بعفو الله عنک أ لا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجار وأن مطره ینزل على الصالحین والخاطئین یا ابن جندب لا تتصدق على أعین الناس لیزکوک فإنک إن فعلت ذلک فقد استوفیت أجرک ولکن إذا أعطیت بیمینک فلا تطلع علیها شمالک فإن الذی تتصدق له سرا یجزیک علانیه على رءوس الأشهاد فی الیوم الذی لا یضرک أن لا یطلع الناس على صدقتک واخفض الصوت إن ربک الذی یعلم ما تسرون وما تعلنون قد علم ما تریدون قبل أن تسألوه وإذا صمت فلا تغتب أحدا ولا تلبسوا صیامکم بظلم ولا تکن کالذی یصوم رئاء الناس مغبره وجوههم شعثه رءوسهم یابسه أفواههم لکی یعلم الناس أنهم صیامى یا ابن جندب الخیر کله أمامک وإن الشر کله أمامک ولن ترى الخیر والشر إلا بعد الآخره لأن الله جل وعز جعل الخیر کله فی الجنه والشر کله فی النار لأنهما الباقیان والواجب على من وهب الله له الهدى وأکرمه بالإیمان وألهمه رشده ورکب فیه عقلا یتعرف به نعمه وآتاه علما وحکما یدبر به أمر دینه ودنیاه أن یوجب على نفسه أن یشکر الله ولا یکفره وأن یذکر الله ولا ینساه وأن یطیع الله ولا یعصیه للقدیم الذی تفرد له بحسن النظر وللحدیث الذی أنعم علیه بعد إذ أنشأه مخلوقا وللجزیل الذی وعده والفضل الذی لم یکلفه من طاعته فوق طاقته وما یعجز عن القیام به وضمن له العون على تیسیر ما حمله من ذلک وندبه إلى الاستعانه على قلیل ما کلفه وهو معرض عما أمره وعاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانه فیما بینه وبین ربه متقلدا لهواه ماضیا فی شهواته مؤثرا لدنیاه على آخرته وهو فی ذلک یتمنى جنان الفردوس وما ینبغی لأحد أن یطمع أن ینزل بعمل الفجار منازل الأبرار أما إنه لو وقعت الواقعه وقامت القیامه وجاءت الطامه ونصب الجبار الموازین لفصل القضاء وبرز الخلائق لیوم الحساب أیقنت عند ذلک لمن تکون الرفعه والکرامه وبمن تحل الحسره والندامه فاعمل الیوم فی الدنیا بما ترجو به الفوز فی الآخره یا ابن جندب قال الله جل وعز فی بعض ما أوحى إنما أقبل الصلاه ممن یتواضع لعظمتی ویکف نفسه عن الشهوات من أجلی ویقطع نهاره بذکری ولا یتعظم على خلقی ویطعم الجائع ویکسو العاری ویرحم المصاب ویؤوی الغریب فذلک یشرق نوره مثل الشمس أجعل له فی الظلمه نورا وفی الجهاله حلما أکلؤه بعزتی وأستحفظه ملائکتی یدعونی فألبیه ویسألنی فأعطیه فمثل ذلک العبد عندی کمثل جنات الفردوس لا یسبق أثمارها ولا تتغیر عن حالهایا ابن جندب الإسلام عریان فلباسه الحیاء وزینته الوقار ومروءته العمل الصالح وعماده الورع ولکل شیء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البیت یا ابن جندب إن لله تبارک وتعالى سورا من نور محفوفا بالزبرجد والحریر منجدا بالسندس والدیباج یضرب هذا السور بین أولیائنا وبین أعدائنا فإذا غلى الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الأکباد من طول الموقف أدخل فی هذا السور أولیاء الله فکانوا فی أمن الله وحرزه لهم فیها ما تشتهی الأنفس وتلذ الأعین وأعداء الله قد ألجمهم العرق وقطعهم الفرق وهم ینظرون إلى ما أعد الله لهم فیقولون ما لنا لا نرى رجالا کنا نعدهم من الأشرار فینظر إلیهم أولیاء الله فیضحکون منهم فذلک قوله عز وجل أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِیًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ وقوله فَالْیَوْمَ الَّذِینَ آمَنُوا مِنَ الْکُفَّارِ یَضْحَکُونَ عَلَى الْأَرائِکِ یَنْظُرُونَ فلا یبقى أحد ممن أعان مؤمنا من أولیائنا بکلمه إلا أدخله الله الجنه بغیر حساب.