إطلاله على دعاء العهد
وهذا ما یتمیّز به الدعاء المأثور الموسوم بـ (دعاء العهد)، والذی أحببت فی هذه المحطّه أنْ أطلّ علیه من خلال نوافذ متتابعه.
النافذه الأولى: مصدر دعاء العهد
لعلّ أوّل مرّهٍ ذُکِر هذا الدعاء کان فی الکتاب المعروف باسم (الکتاب العتیق)، الَّذِی یصفه العلامه المجلسی ـ رحمه الله ـ کثیراً بالغروی؛ نظراً لکونه قد وجده فی الغری الحسینی، ویقول عنه تاره إِنَّه: «لِبَعْضِ قُدَمَاءِ عُلَمَائِنَا»( )، وأخرى: «وَجَدْتُ فِی کِتَابٍ عَتِیقٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا أَظُنُّهُ مَجْمُوعَ الدَّعَوَاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلعُکْبَرِیِّ»( ). والتَّلعُکْبَرِیُّ هو: هارون بن موسى، یکنى أبا محمد، جلیل القدر عظیم المنزله، واسع الروایه عدیم النظیر، ثقه، وجه أصحابنا، معتمد علیه، لا یطعن علیه فی شیء، مات سنه خمس وثمانین وثلاثمائه( ).
هذا، وقد نقل هذا الدعاء قبل صاحب البحار کلٌّ من:
ـ محمد بن جعفر المشهدی الحائری، المتوفى سنه (۶۱۰هـ) فی کتابه المعروف بالمزار الکبیر، عن الإِمام الصادق.
ـ السَّیِّد رضیّ الدین ابن طاووس (۶۶۴هـ)، فی کتابه مهج الدعوات ومنهج العبادات.
ـ إبراهیم بن علی، الکفعمی العاملی (۹۰۵هـ)، فی کتاب المصباح.
ـ وفی کتاب مفتاح الجنان المطبوع بحاشیه کتاب (زاد المعاد) للعلامه المجلسی جاء ما لفظه: «رُوِیَ بِسَنَدٍ مُعْتَبَرٍ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَیْهِ السَّلَامُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ…»( )، وأورد دعاء العهد.
النافذه الثانیه: تعریف الإمام الصادق علیه السلام بهذا الدعاء
ورد فی الخبر بحسب المصادر المتقدّمه عن الإمام الصادق علیه السلام ما نصّه: «مَنْ دَعَا إِلَى الله أَرْبَعِینَ صَبَاحاً بِهَذَا الْعَهْدِ کَانَ مِنْ أَنْصَارِ قَائِمِنَا عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ أَخْرَجَهُ الله تَعَالَى مِنْ قَبْرِهِ، وَأَعْطَاهُ الله بِکُلِّ کَلِمَهٍ أَلْفَ حَسَنَهٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ سَیِّئَهٍ».
وفی هذا التعریف توجد أُمور یمکن الوقوف عندها والتأمّل بها:
الأمر الأوّل: الدلاله على کمال التوحید لله تعالى؛ وذلک عن طریق القرینتین التالیتین:
ـ الإِمام علیه السلام فی مستهلّ هذا المقطع أکّد على هذه الحقیقه التوحیدیه بقوله: «مَنْ دَعَا إِلَى الله»، أی: طلب وقدّم طلبه إِلَى الله تعالى، فهذا الدعاء الَّذِی کان الإِمام علیه السلام بصدد تعریفه للأُمّه کسائر الأدعیه المشروعه، الداعی فیه هو العبد، والمدعو هو المولى والخالق، ولیس کما یتوهّم بعض الناس أنَّنا ندعو إِلَى غیر الله تعالى، بل هو دعاء إِلَى الله. کما أنَّ فقرات هذا الدعاء ومقاطعه تشهد بذلک أیضا.
ـ تکرار لفظه الجلاله (الله) مع تمام الأفعال المذکوره فی هذا التعریف، من قبیل: «مَنْ دَعَا إِلَى الله»، و « أَخْرَجَهُ الله»، و «أَعْطَاهُ الله»، و «مَحَا عَنْهُ»، أیْ: محا الله عن الداعی بهذا الدعاء.
الأمر الثانی: أنَّ الإِمام علیه السلام حدّداً وقتاً معیّنا لهذا الدعاء، کما أنَّه عیّن للمرّات التی یُدعى بها عدداً معیّنا، فهو دعاء یقرأ فی الصباح، ویکرّر ذلک أربعین صباحاً.
أمّا تحدید الظرف الزمانی بالصباح، فمن الممکن أنْ یکون الغرض من ذلک أنْ یرتبط العبد بربّه تعالى بما یرجع إِلَى مَنْ اصطفاه تعالى فی أوّل ساعات عمل الإنسان؛ لینعکس أثر ذلک علیه فی تمام نهاره ویومه.
وأمّا تحدید المرّات بالأربعین؛ فإنّ الأعداد ـ کالأزمنه والأمکنه ـ لها خصائص لا بدّ من التسلیم بها إذا صدرت عن أهل بیت العصمه علیهم السلام المرتبطین بالوحی من دون أیّ نقاش أو جدال؛ فإنّ قصور علمنا فی کثیر من الأُمور یمنعنا عن معرفه الکثیر من الحقائق، ولا یعنی ذلک عدم ثبوتها.
کما أنَّ التکرار الموجب للتعوّد له الأثر الکبیر على نفسیه الإنسان وتأثّره بالمضمون الَّذِی یکرّره.
ثمّ إِنَّه لا ینبغی أنْ یکون ذکر العدد مانعاً عن الزیاده، فلو کُرّر هذا الدعاء أکثر من العدد المذکور کان ذلک نوراً على نور، ولو لم یستطع الداعی بلوغ ذلک العدد فلا یعنی أنْ یترک الدعاء. نعم الآثار الکامله لهذا الدعاء تکون بالالتزام بالوقت والعدد على النحو المذکور.
وأمّا الآثار المترتبه على هذا الدعاء فیأتی الحدیث عنه لاحقاً إنشاء الله تعالى.