محبه أهل البیت علیهم السلام

0

ومن الواضح أیضا بأنّ متابعه الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله) تعنی الالتزام بأقواله وأفعاله ، التی منها أوامره المتتابعه بالتمسّک بالعتره الطاهره ، وبذلک خلص لدینا أنّ متابعه النبیّ الأکرم (صلى الله علیه وآله) وأهل بیته (علیهم السلام) ومحبّتهم جمیعاً ، کاشف عن الحبّ الحقیقیّ الذی یحمله العبد لمولاه ، وأنّ تلک المتابعه والمحبّه موجبه لتحقّق محبوبیه المولى للعبد .

والآن نرید أن نقف قلیلاً عند حقیقه هذا الحبّ وکیفیه ترجمته ؟ بعباره أخرى : لماذا هذا الحبّ ؟ وأیّ درجه منه تُطلب من المحبّ ؟

تقدّم منّا أنّ الإنسان خُلق مفطوراً على حبّ الکمال والسعی لاکتسابه ، وأنّ هذا الحبّ یمثّل درجه شدیده فی وجوده ، فهو أمرٌ وجودیّ ذاتیّ شدید ، فلا یحتاج إلى تعلیل ؛ لأنّ الذاتی لا یُعلّل ، والسؤال عنه هو بعینه سؤال عن أصل وجوده .

وفی ضوء ذلک یتبیّن لنا ، أنّ جمیع الموارد والمواطن الکمالیه ـ سواء کانت مُلکیه أو ملکوتیه (۱) ، إنسیه أو ملائکیه ـ تقع هدفاً أمام سیر الإنسان التکاملی ، یتزوّد بحسب مراتبها للوصول إلى الغایه العُلیا ، وهی الکمال المطلق ، إذا أضفنا إلى ذلک أنّ الإنسان بحدّ ذاته هو مظهر من مظاهر أسماء الله الحُسنى ، حیث تجلّت فیه القدره الإلهیه والعلم والحیاه والإبداع وغیر ذلک .

ولاشکّ أنّ الإنسان کلّما حاز کمالات أکثر ، وبمراتب أعلى وأشدّ وأکبر ، فإنّ مظهریه الأسماء الحسنى فیه تشتدّ ، والعکس بالعکس .

ولاشکّ أنّ کلّ إنسان حائز على کمالات یکون محلّ جذب واستقطاب الآخرین له ، هذا فضلاً عمّن حاز کمالات أکثر وأشدّ وأکبر ، فکیف بمن خلت ساحته من أیّ قصور أو نقص ، سوى الفقر إلى الله تعالى ، فلا ریب أنّه سوف یکون قطب الرُّحى ، والنقطه الفریده فی مرکز دائره عالم الإمکان ، وهو الجوهر المنظور إلیه من جمیع أفلاک عالم الإمکان .

فإذا تعیّن لنا ـ کما هو ثابت فی محلّه ـ أنّ أهل البیت (علیهم السلام) هم المصداق الأوّل والأشدّ لکلّ ما تقدّم ، وأنّهم حازوا کلّ الکمالات الوجودیه السامیه ، وأنّهم الأقرب إلى الکمال المطلق ، والفاقدون لکلّ مفقود سوى الفقر للغنیّ الفاقد لکلّ مفقود(۲) ، ومن ینحدر عنهم السیل ولا یرقى إلیهم الطیر (۳) , عُلم أنّ متابعه ومحبّه أهل البیت (علیهم السلام) قضیه فُطر الناس علیها ، فالمتمسّک بهم ، والداعی لهم یکون عاملاً فی ضوء فطرته الأولى .

وهکذا یتّضح لنا سبب حبّ أهل البیت (علیهم السلام) ، وأنّه أمرٌ وجودیّ فینا تبعاً لحبّ الکمال المتّصل بهم ، وعندئذ ینقطع السؤال عن سبب هذه المحبّه ، کانقطاعه عن أصل طلب الکمال وحبّه .

فی ضوء ذلک سوف تنفتح أمامنا أسرار کثیره وطلاسم (۴) وفیره ، لعلّ من أبرزها اشتراط الإقرار بالنبوّه للنبیّ الأکرم (صلى الله علیه وآله) ، والإمامه لعلیّ وأهل بیته (علیهم السلام) على سائر الأنبیاء السابقین ، والالتزام بولایتهم ، کما جاء فی الأخبار المستفیضه (۵) .

وهکذا سوف نعرف وجهاً آخر للحدیث النبوی المعتبر (( یا علیّ أنت قسیم النار ، تقول هذا لی وهذا لکِ )) (۶) ، وفی روایه أخرى : (( أنتَ قسیم الجنّه والنار ، فی یوم القیامه تقول للنار : هذا لی ، وهذا لکِ )) (۷) .

فهو الکمال المأمول ، من بلغه کان نصیبه الجنّه ، فطوبى لمن تمسّک برکبه وسار على نهجه ، وذلک هو الفوز العظیم ، والبؤس والحسرات لمن ضاقت نفسه ، وعجزت عن إراءه ذلک الکمال السامی لنفسه ، ولم یتّبع ما أنزل إلیه من ربِّه ، فأولئک (( یُرِیهِمُ اللهُ أَعْمَالَـهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَیْهِمْ )) (۸) ، وأیّ حسرات تلک ! إنّها حسرات تتحطّم على جنباتها جبال الأرض ، وتلتهب منها نیران جهنّم ، على ما فرّط به وما أبداه من سخریه واستهزاء ، (( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ یَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِی جَنْبِ اللهِ وَإِنْ کُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِینَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِی لَکُنْتُ مِنَ المُتَّقِینَ * أَوْ تَقُولَ حِینَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِی کَرَّهً فَأَکُونَ مِنَ المُحْسِنِینَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْکَ آیَاتِی فَکَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَکْبَرْتَ وَکُنْتَ مِنَ الْکَافِرِینَ )) (۹) ، وهنالک یفرح المؤمنون ، ویخسر المبطلون .

عن أمیر المؤمنین علی (علیه السلام) أنّه قال : (( أنا عین الله ، وأنا ید الله ، وأنا جنب الله ، وأنا باب الله )) (۱۰) ، وعن الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) فی قول الله عزّ وجلّ : (( یَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِی جَنْبِ اللهِ )) ، قال: (( جنب الله : أمیر المؤمنین (علیه السلام) ، وکذلک ما کان بعده من الأوصیاء بالمکان الرفیع ، إلى أن ینتهی الأمر إلى آخرهم )) (۱۱) .

وربّ قائل یقول : إذا کانت محبّه أهل البیت (علیهم السلام) أمراً فطریّاً ، فُطر علیه الإنسان فی أصل وجوده ، فلماذا نرى أعداءهم کثیرین قد امتلأت بهم صفحات التأریخ ؟

والجواب هو : أنّ الإنسان قد تُرک له الخیار فی الحیاه الدُّنیا ، فی تحدید من یتولاّهم أو یتبرّأ منهم ، وهذا لا ینافی فطریه أصل الشیء ، کما هو الحال فی معرفه الله تعالى وتوحیده ، فإنّ الله تعالى قد خلق الخلق مفطورین على معرفته وتوحیده ، ولکنّنا مع ذلک نجد أنّ نسبه الملحدین والمشرکین فی الأرض من مجموع سکّانها لیست قلیله (۱۲) ، ولا ریب أنّهم قد اعتقدوا وعملوا وفق إرادتهم الشخصیه ، واختیارهم خلافاً لما فطروا علیه .

وقد تقدّم منّا ، أنّه لا منافاه بین فطریه الشیء ، واختیار الفاعل لغیره ، وفی ذلک أمثله کثیره لا یسع المقام لذکرها ، ونکتفی بما تقدّم من مثال معرفه الله وتوحیده .

____________________________
(۱) أی سواء کانت من عالم الملک أو الملکوت ، والملک هو عالم الشهاده والمادّه والحسّ ، والملکوت هو عالم الغیب ، انظر : لطائف الأعلام فی إشارات أهل الإلهام ، ص۵۵۱ .
(۲) جاء فی بعض الأدعیه المأثوره عن أهل البیت (علیهم السلام) : (( وشاهد کلّ مشهود ، ومُوجد کلّ موجود ، ومُحصی کلّ معدود ، وفاقد کلّ مفقود ، لیس دونک من معبود … )) .
انظر : مصباح المتهجّد لشیخ الطائفه الطوسی ، نشر مؤسّسه فقه الشیعه ، الطبعه الأولى ، ۱۴۱۱هـ ، بیروت : ص۸۰۴ .
(۳) جاء فی الخطبه الشقشقیه لأمیر المؤمنین (علیه السلام) : (( ینحدر عنّی السیل ولا یرقى إلیَّ الطیر … )) ، نهج البلاغه ، تحقیق محمد عبده : ج۱ ص۳۱ .
(۴) جمع طلسم ، وهو اسم للسرّ المکتوم ، انظر : تاج العروس من جواهر القاموس ، لمحمّد مرتضى الزبیدی ، نشر مکتبه الحیاه ، بیروت : ج۸ ص۳۸۱ .
(۵) قال الرسول الأکرم (صلّى الله علیه وآله) یوم أسری به : (( أتانی ملک فقال لی : یا محمّد ، سل من أرسلنا من قبلک من رسلنا على ما بُعثوا ؟ قلت : على ما بُعثوا ؟ قال : على ولایتک وولایه علیّ بن أبی طالب )) ، انظر : معرفه علوم الحدیث للحاکم النیسابوری ، نشر دار الآفاق الجدیده ، بیروت ، الطبعه الرابعه ، ۱۴۰۰هـ : ص۹۶ .
وأیضاً : مناقب آل أبی طالب لابن شهرآشوب ، طبع مکتبه الحیدریه ، ۱۹۵۶م ، النجف الأشرف : ج۱ ص۲۴۷ .
مئه منقبه من مناقب أمیر المؤمنین ، للشیخ محمّد بن أحمد بن الحسن بن شاذان القمّی ، نشر وتحقیق مدرسه الإمام الهادی ، الطبعه الأولى ، ۱۴۰۷ هـ ، قم : ص۱۵۰ .
کنز الفوائد للکراجکی ، نشر مکتبه المصطفوی ، الطبعه الأولى ، قم : ص۲۵۸٫
الصراط المستقیم لعلیّ بن یونس العاملی ، تحقیق محمد باقر البهبودی ، نشر المکتبه المرتضویه لإحیاء الآثار الجعفریه ، الطبعه الأولى ، ۱۳۸۴ هـ : ج۲ ص۲۴۰٫
المحتضر لحسن بن سلیمان الحلّی ، نشر المطبعه الحیدریه ، الطبعه الأولى ، ۱۹۵۱م ، النجف الأشرف : ص۱۲۵٫
الاستنصار لأبی الفتح الکراجکی ، نشر دار الأضواء ، الطبعه الثانیه ، ۱۴۰۵ هـ ، بیروت : ص۳۶ .
بحار الأنوار : ج۱۵ ص۲۴۷ ، ج۱۸ ص۲۹۷ ، ج۲۶ ص۳۰۱- ۳۰۷، ۳۱۸ .
الغدیر للأمینی : ج۱ ص۳۸۸ .
مناقب الخوارزمی : ص۳۱۲ .
شواهد التنزیل للحاکم الحسکانی ، تحقیق محمد باقر البهبودی ، نشر مجمع إحیاء التراث الإسلامی ، إیران : ج۲ ص۲۲۳ .
تاریخ مدینه دمشق لابن عساکر ، تحقیق علی شیری ، نشر دار الفکر ، ۱۴۱۵ هـ ، بیروت : ج۴۲ ص۲۴۱ .
بشاره المصطفى لمحمّد بن علی الطبری ، تحقیق جواد القیّومی ، نشر مؤسسه النشر الإسلامی ، الطبعه الأولى ، ۱۴۲۰ هـ ، قم: ص۳۱۱ ، وکتب أخرى یطول المقام بذکرها .
(۶) تفسیر القمّی لأبی الحسن علی بن إبراهیم القمّی ، مؤسّسه دار الکتاب ، الطبعه الثالثه ، ۱۴۰۴هـ ، قم : ج۲ ص۳۸۹ .
(۷) الصواعق المحرقه لابن حجر الهیتمی ، تحقیق عبد الوهاب عبد اللطیف ، نشر شرکه الطباعه الفنّیه المتّحده ، ۱۹۶۵م، القاهره : ص۷۵ .
جدیر بالذکر أنّ هذا الحدیث النبویّ الشریف ورد بشکل مستفیض فی کتب الفریقین ، ولشهرته یقول ابن أبی الحدید : ( فقد جاء فی حقّه الخبر الشائع المستفیض أنّه قسیم النار والجنّه ، وذکر أبو عبید الهروی فی الجمع بین الغریبین : إنّ قوماً من أئمّه العربیه فسّروه فقالوا : لأنّه لمّا کان محبّه من أهل الجنّه ، ومبغضه من أهل النار ، کان بهذا الاعتبار قسیم النار والجنّه ، قال أبو عبید : وقال غیر هؤلاء : بل هو قسیمهما بنفسه فی الحقیقه ، یُدخل قوماً إلى الجنّه ، وقوماً إلى النار ، وهذا الذی ذکره أبو عبید أخیراً ، هو ما یطابق الأخبار الوارده فیه ، یقول للنار : هذا لی فدعیهِ ، وهذا لکِ فخذیه ) .
نهج البلاغه شرح ابن أبی الحدید : ج۹ ص۱۶۵٫
وقد سُئل أحمد بن حنبل عن الحدیث ( یا أبا عبد الله ! ما تقول فی هذا الحدیث الذی یُروى أنّ علیّاً قال : أنا قسیم النار ؟ فقال أحمد : وما تنکرون من هذا الحدیث ؟ ألیس روینا أنّ النبیّ (صلّى الله علیه وسلم) قال : (( یا علیّ ! لا یحبّک إلاّ مؤمن ،  ولا یبغضک إلاّ منافق ؟ ) قلنا : بلى ، قال : فأین المؤمن ؟ قلنا : فی الجنّه ، قال : فأین المنافق ؟ قلنا : فی النار ، قال : فعلیّ قسیم النار . انظر : الغدیر : ج۳ ص۲۹۹ .
ولشهره هذا الحدیث النبویّ ، جاء فی الأذکار والأدعیه والزیارات والأشعار ، حتّى اشتهر على الألسن بیتان من الشعر منسوبان للإمام الشافعی ، حیث کان ینشد قائلاً :
علی حُبّه جُنّه *** قسیم النار والجنّه
وصیّ المصطفى حقّاً *** إمام الإنس والجِنّه
انظر : ینابیع المودّه للحافظ سلیمان بن إبراهیم القندوزی الحنفی ، منشورات الشریف الرضیّ ، الطبعه الثانیه ، ۱۴۱۷هـ ، قم : ص۹۸ ، علماً أنّ الحافظ القندوزی قد عقد باباً مستقلاًّ لهذا الحدیث فی کتابه هذا ، حیث بیّن فیه أنّ علیّاً (علیه السلام) هو قسیم النار والجنّه .
ورحم الله تعالى نقیب الطالبیین الشریف الرضی حیث کان یقول :
قسیم النـار جـدّی یـوم یـلفى ***  به باب النجاه من الـعذابِ
وساقی الخلق والمهجات حرّى *** وفاتحه الصراط إلى الحسابِ
انظر : حقائق التأویل فی متشابه التنزیل للشریف الرضی ، شرح محمد الرضا آل کاشف الغطاء ، نشر دار المهاجر ، بیروت : ص۷۳ .
(۸) البقره : ۱۶۷٫
(۹) الزمر: ۵۶ ـ ۵۹٫
(۱۰) أصول الکافی : ج۱، ص۱۴۵، ح۸ .
(۱۱) المصدر السابق: ج۱، ص۱۴۵، ح۹٫
والجنب هو القُرب ، وقوله : (( علَى مَا فَرَّطتُ فِی جَنبِ اللَّهِ )) ، أی فی قرب الله . انظر : لسان العرب : ج۱ ص۲۷۵ .
وقد کنّی عن أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) بالجنب لشدّه قربه من الله تعالى ، وهذا هو المعنى الذی کان سیّدنا الأستاذ بصدد تعریفه وإیصاله ، وهو أنّ أمیر المؤمنین (علیه السلام) ، هو الکمال المُوصل إلى الکمال المطلق بلا فاصله ، فهو جنب الله وفی جواره .
(۱۲) ففی الصین ـ على سبیل المثال لا الحصر ـ یُوجد زهاء ملیار إنسان غیر موحِّد (وثنیّ) ، ونصف هذا العدد تجده فی الهند ، فضلاً عن الغالبیه العظمى من سکّان الیابان والکوریتین ، وجمله من دول أفریقیا ، فکلّ هؤلاء لم یخرجوا عن أصل فطره التوحید فی خلقهم ، ولکنّهم اثّاقلوا إلى الأرض ، بعدما أُمروا بالنظر فی أمور دینهم ، ولعلّهم لم تصل إلیهم المعارف کما ینبغی ، والتی لا تخرج عن کونها منبّهات لذلک الأمر الفطری ، الذی غیّبه الرکون إلى الدنیا ، والانغماس فی ملذّاتها .

Leave A Reply

Your email address will not be published.