المرأه فی التأریخ القدیم
فاعتبرت حیناً من الدهر مخلوقاً قاصراً منحطاً ، ثم اعتبرت شیطاناً یسول الخطیئه ویوحی بالشر ، ثم اعتبرت سیده المجتمع تحکم بأمرها وتصرفه بمشیئتها ، ثم اعتبرت عامله کادحه فی سبیل عیشها وحیاتها . وکانت المرأه فی أغلب العصور تعانی الشقاء والهوان ، مهدوره الحق مسترقه للرجل ، یسخرها لأغراضه کیف یشاء . وهی فی تقییم الحضاره الرومانیه فی تأرجح واضطراب ، بین التطفیف والمغالاه : اعتبرتها رقیقاً تابعاً للرجل ، یتحکم فیها کما شاء . ثم غالت فی قیمها فحررتها من سلطان الأب والزوج ، ومنحتها الحقوق الملکیه والإرثیه وحریه الطلاق ، وحریه التبذل والإسفاف ، فکانت الرومانیه تتزوج الرجل بعد الآخر دونما خجل أو استحیاء . فقد کتب «جوونیل ۶۰ ـ ۱۴۰ م» عن امرأه تقلبت فی أحضان ثمانیه أزواج فی خمس سنوات . وذکر القدیس «جروم ۳۴۰ ـ ۴۲۰ م» عن امرأه تزوجت فی المره الأخیره الثالث والعشرین من أزواجها ، وکانت هی أیضاً الحادیه والعشرین لبعلها (۱) . ثم أباحوا لها طرق الغوایه والفساد ، مما سبب تفسخ المجتمع الرومانی ثم سقوطه وانهیاره . وهی فی عرف الحضاره الیونانیه تعتبر من سقط المتاع ، تباع وتشترى ، وتعتبر رجساً من عمل الشیطان . وقضت شرائع الهند القدیمه (أن الویاء والموت والجحیم والسم والأفاعی والنار . . خیر من المرأه) وکان حقها فی الحیاه ینتهی بانتهاء أجل زوجها الذی هو سیدها ومالکها ، فإذا رأت جثمانه یحرق ألقت بنفسها فی نیرانه ، وإلا حاقت علیها اللعنه الأبدیه . وأما رأی التوراه فی المرأه ، فقد وضحه سفر الجامعه فی الکلمات الآتیه : «درت أنا وقلبی لأعلم ولأبحث ولأطلب حکمه وعقلاً ، ولأعرف الشر أنه جهاله ، والحماقه أنها جنون ، فوجدت أمر من الموت المرأه ، التی هی شباک ، وقلبها شراک ، ویداها قیود» (الإصحاح ۱۴ الفقره ۱۷) (۲) . وکانت المرأه من وجهه نظر المسیحیه ـ خلال العصور الوسطى ـ مخلوق شیطانی دنس ، یجب الابتعاد عنه . قال «لیکی» فی کتاب تأریخ أخلاق أوروبا : «وکانوا یفرون من ظل النساء ، ویتأثمون من قربهن والاجتماع بهن ، وکانوا یعتقدون أن مصادفتهن فی الطریق والتحدث إلیهن ـ ولو کن أمهات وأزواجاً أو شقیقات ـ تحبط أعمالهم وجهودهم الروحیه» (3) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الحجاب للمودودی ص ۲۲ . (۲) مقارنه الأدیان ج ۳ الإسلام ص ۱۹۶ بتصرف للدکتور أحمد شبلی . (۳) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمین ، للسید الندوی ص ۱۶۰ . وهکذا کان المجتمع الغربی فیما خلا تلک العصور ، یستخف بالمرأه ولا یقیم لها وزناً . (فقد عقد فی فرنسا اجتماع سنه ۵۸۶ م یبحث شأن المرأه وما إذا کانت تعد إنساناً أو لا تعد إنساناً . وبعد النقاش ، قرر المجتمعون أن المرأه إنسان ولکنها مخلوقه لخدمه الرجل) (۱) . وفی انجلترا حرم «هنری الثامن» على المرأه الإنجلیزیه قراءه الکتاب المقدس ، وظلت النساء حتى سنه ۱۸۵۰ م غیر معدودات من المواطنین ، وظللن حتى سنه ۱۸۸۲ م لیس لهن حقوق شخصیه ، ولا حق لهن فی التملک الخالص ، وإنما کانت المرأه ذائبه فی أبیها أو زوجها (۲) . المرأه فی المجتمع العربی الجاهلی
وقد لخص الأستاذ الندوی حیاه المرأه فی المجتمع العربی الجاهلی ، حیث قال : «وکانت المرأه فی المجتمع الجاهلی عرضه غبن وحیف ، تؤکل حقوقها وتبتز أموالها ، وتحرم من إرثها ، وتعضل بعد الطلاق أو وفاه الزوج من أن تنکح زوجاً ترضاه ، وتورث کما یورث المتاع أو الدابه ، وکانت المرأه فی الجاهلیه یطفف معها الکیل ، فیتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هی بحقوقها ، ومن المأکولات ما هو خالص للذکور ومحرم على الإناث ، وکان یسوغ للرجل أن یتزوج ما یشاء من النساء من غیر تحدید . وقد بلغت کراهه البنات إلى حد الوأد ، وکانوا یقتلون البنات بقسوه ، فقد یتأخر وأد الموؤده لسفر الوالد وشغله ، فلا یئدها إلا وقد کبرت وصارت تعقل ، وکان بعضهم یلقی الأنثى من شاهق» (3) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) ، (۲) مقارنه الأدیان ، للدکتور أحمد شلبی ج ۳ ص ۲۰۰ . (۲) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمین ، للسید الندوی ص ۵۷ بتصرف .
المرأه فی الحضاره الغربیه الحدیثه
ولما بلغت الحضاره الغربیه الحدیثه أوجها ، نالت المرأه فیها ـ بعد جهاد شاق وتضحیات غالیه ـ حریتها وحقوقها ، وغدت تشستشعر المساواه بالرجل ، وتشاطره الأعمال فی الدوائر والمتاجر والمصانع ، ومختلف الشؤون والنشاطات الاجتماعیه . وابتهجت المرأه الغربیه بهذه المکاسب التی نالتها بالدموع والمآسی ، متجاهله واقع غبنها وخسرانها فی هذا المجال . ولو أنها حاکمت وعادلت فی میزان المنطق بین المغانم التی حققتها والمغارم التی حاقت بها . . . لأحست بالأسى والخیبه والخسران . فقد خدعها دعاه التحرر فی هذه الحضاره المادیه ، وغرروا بها واستغلوا سذاجتها استغلالاً ماکراً دنیئاً . استغلوها لمضاربه الرجل ، ومکایدته حینما بدأ یطالب بمضاعفه أجور العمل وتخفیف ساعاته ، فاستجابت لذلک . . . تعمل أعمال الرجل قانعه بأجر دون أجره . واستغلوا أنوثتها فی الحقل التجاری لمضاعفه الأرباح المادیه ، لقدرتها على اجتذاب الزبائن وتصریف البضائع ، مستثیرین کوامن الجنس فی نفوسهم فأی استغلال أنکى وأسوأ من هذا الاستغلال ؟ وکان علیها بعد هذا أن تضطلع بمهامها النسویه من الحمل والوضع والتربیه والتدبیر المنزلی ، إلى جانب کفاحها فی سبیل العیش کیلا یمسها السغب والحرمان لنکول الرجل عن إعالتها فی الغالب . وبالرغم مما حققته المرأه الأوروبیه من صنوف الإنجازات والمکاسب ، فإنها تعتبر فی المعیار المنطقی خاسره مخفقه ، قد خسرت إزاء تحررها دینها واخلاقها وکرامتها ، وأصبحت فی حاله مزریه من التبذل والإسفاف . کما شهد به الغربیون أنفسهم مما أوضحناه سالفاً ونزیده إیضاحاً فی الأبحاث التالیه .