تبریر المعصیه

0

لیس الحدیث فی هذه العجاله عن قصه یوسف«علیه السلام» ولا عن تفسیر الآیات المذکوره، ولکن أرید التحدث عن قضیه أشارت إلیها هذه الآیات. وهی اننا نعلم ان زوجه عزیز مصر قد عشقت یوسف«علیه السلام» لسنین، ثم راودته عن نفسه لکنه امتنع وأبى وبتعبیر القران الکریم «استعصم» وهو الامتناع بشده، فلما انتشر الخبر فی أرجاء المدینه وبین نسائها، أخذن نسوه أشراف المدینه فی لوم زلیخا وانتقادها والحط من کرامتها، فبعثت علیهن واعتدت لهن متکأ، ثم أمرت یوسف«علیه السلام» بالخروج علیهن فلما نظرن إلى جماله وحسنه وعفته أکبرنه ووقعن فی حبه، ولذهولهن قطعن أیدیهن سهوا، فاستغلت زلیخا هذا المشهد فقالت هذا الذین لمتننی فیه …الخ.

وبهذه الطریقه حاولت هذه المرأه ان تبرر الجریمه التی حاولت اقترافها، والمعصیه التی همت بارتکابها، وکـأنها ترید ان تقول: إننی معذوره فی حبی لیوسف ومعذوره فی محاولتی لارتکاب الفاحشه لان جماله اسرنی وحسنه افقدنی صوابی، وعندما یکون الإنسان أسیرا للجمال، أو عندما تغلبه الشهوه، یکون معذورا فیما یقترف، لان لدیه ما یبرر المعصیه ویسوغها.

وهذه الظاهره أخطر من المعصیه، لأنها حاله تعطی للعاصی مبررات ومسوغات لفعله.

وإذا کان العاصی مقتنعا تماما بما یصنع من فاحشه ورذیله، ویعتبر ذلک حقا مشروعا له، فحینئذ سوف لا تنفعه الموعظه، بل لا یمکن زجره وتأدیبه، لأنه لا یعتقد بخطأ ما ارتکب ولا یسوء ما فعل.

وبتعبیر آخر إن رؤیه المعصیه طاعه، والرذیله فضیله، توجب ارتفاع الوازع النفسی والضمیر الباطنی الذی یعظ الإنسان عندما یخطأن، ویؤنبه عند المخالفه، وهذا مضمون ما ورد فی بعض الأحادیث ان من لم یکن من نفسه واعظ لا تنفعه المواعظ.

وفی القران الکریم نماذج لتبریر المعصیه وتسویغها سأذکر على سبیل المثال لا الحصر بعضها:

۱ـ اعتذار قریش عن الإیمان برساله الإسلام مع اعترافهم بأحقیه هذا الدین، لکنهم برروا هذا الامتناع وسوغوا هذا الکفر والإلحاد بان أتباعهم لهذا الدین سیعرض قوافلهم التجاریه للنهب والسرقه.

قال تعالى: «وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَکَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَکِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً یُجْبَى إِلَیْهِ ثَمَرَاتُ کُلِّ شَیْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لَا یَعْلَمُونَ» القصص«75».

۲ـ اعتذار فئه من الناس عن کفرهم بان ذلک کان بسبب إطاعه سادتهم وکبرائهم.

قال تعالى: «وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَکُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِیلَا» الأحزاب«67».

ان هؤلاء المساکین قد الغوا «عقولهم» وتنازلوا عن «ضمائرهم» لهؤلاء الأسیاد وترکوا لهم تقریر مصیرهم.

وهذه بحد ذاتها مشکله، ان یفکر لک غیرک، ویقرر لک مصیرک، ویقول لک دعک أنت عن هذا واترک التفکیر لی، أنت تأکل وتشرب وأنا أفکر لک، أنا اختار لک الطریق وأنت تسیر علیه.

۳ـ اعتذار إبلیس عن السجود لآدم«علیه السلام» بأنه أفضل منه.

قال تعالى: «قَالَ مَا مَنَعَکَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُکَ قَالَ أَنَاْ خَیْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِی مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِینٍ» الأعرف«12».

إذا المعصیه مشکله وجریمه ورذیله، ولکن تبریرها وتسویغها اشد منها رذیله وأکثر منها إشکالا، لان التبریر یجعل العاصی یعتقد انه لیس مخطئا، وانه لا یتحمل ما صدر منه من سوء وعلى الجمیع ان یحذروه لأنهم لو کانوا فی مکانه لصنعوا کما صنع ولارتکبوا ما ارتکب.

ومن هنا تکمن خطوره مشاهده بعض المسلسلات التی تبث على الفضائیات، کالمسلسلات «الترکیه» المدبلجه، لأنها تقوم على أساس تبریر المعصیه، وان الرذیله فضیله فی بعض الأحیان، والزنا وارتکاب الفاحشه عفه وطهاره وصدق!!!.

ان المسلسلات الترکیه هذه والتی عرضت قبل مده کمسلسل «نور و مهند» و «سنوات الضیاع» یثقف المتابع على ان بعض الانحرافات هی فی حقیقتها فضائل ونوع من الاستقامه.

فیصور لک المسلسل امرأه متزوجه تقوم بخیانه زوجها مع رجل آخر تربطها به علاقه حب، ثم یبرر المسلسل هذه الجریمه على انها إخلاص وعفه ووفاء، وانها لم تجد عند زوجها ما وجدته عند صدیقها من الحب والعطف والحنان.

وهی بذلک إنما تثقف للرذیله، وکأنها تقول: على المرأه المتزوجه إذا لم تجد فی زوجها الصفات الکامله، ان تبحث عن صدیق یمتلک تلک الصفات لتعوض ما فاتها من الحب والود.

وبعد ان یصور المسلسل هذه المرأه الخائنه على انها قدیسه، او ذاک الرجل المنحرف على انه شجاع نبیل، یقوم المشاهد بالتعاطف مع هذه المرأه ویقول فی نفسه «انها مسکینه، لقد عانت مع زوجها کثیرا، لیتها تجد صدیقها».

وبعد ذلک تصبح جریمه «الزنا» فی نظر المشاهد الذی وقع تحت تأثیر المسلسل مساله عادیه ولا تشکل انحرافا خلقیا کبیرا کما یقول الشرع والعرف.

وبسبب هذا النوع من المسلسلات حدثت مشاکل کثیره فی داخل الأسره منها.

أ ـ زوج اخرج زوجته من بیته وأرسلها إلى أهلها بسبب مسلسل «نور  و مهند».

ب ـ حدثت حالات طلاق کثیره وخلافات بین المتزوجین بسبب هذه المسلسلات.

وقد أثبتت الکثیر من الدراسات ان متابعه المسلسلات والأفلام من نوع معین ینعکس ذلک على سلوک المشاهد، فمثلا متابعه أفلام القتل والجریمه یقود المشاهد أحیانا إلى ممارسه ذلک بالفعل وهکذا متابعه أفلام العلاقات غیر المشروعه تقود المشاهد إلى ارتکاب ذلک.

ویمکن تلخیص لبعض أهداف هذه المسلسلات على المشاهد والمتابع.

۱ ـ تثقف الشاب والشابه على إقامه علاقات غیر مشروعه قبل الزواج وتعتبر ذلک حقا مشروعا لکل منهما.

۲ ـ فی هذه المسلسلات یتم اختیار شخصیات ممیزه، کان یکون الممثل شابا جمیلا یستهوی المشاهده، أو ممثله جمیله فاتنه تستهوی المشاهد.

فإذا نظر الشاب لهذه الممثله الجمیله لعده أیام خصوصا وان عدد حلقات هذه المسلسلات یتجاوز الحد المألوف قد تقل رغبته لزوجته ویقول فی نفسه ما أجمل هذه المرأه، وما أجمل شعرها وقامتها لو استطیع ان استبدلها بزوجتی، لماذا لم یعطنی ربی مثل هذه الشقراء، وأعطانی امرأه دمیمه، قصیره أو طویله، سمینه أو نحیفه، لا یرغب فیها أحد، وهکذا الأمر فی طرف الزوجه عندما تنظر لممثل شاب جمیل.

۳ ـ إعطاء صیغه شرعیه على الولد المتولد م الحرام.

۴ ـ ان الإنسان یجب ان یمارس رغباته وشهواته من دون قید أو شرط، ولیس لأحد ان یمنعه من ذلک، فلیس للأب ان یمنع ابنه من ارتداء الملابس التی یریدها، ولا یحق له ان یسأله عن أصدقائه ومع من یتکلم وأین یذهب وماذا یصنع، وهکذا البنت لا سلطان لامها علیها، لا یجوز للام ان تسألها عن میولها ولیس لها ان تمنعها عما تحب وترغب ولو کان ذلک سیئا یؤثر علیها عاجلا أو آجلا.

۵ ـ تشجع هذه المسلسلات على الخیانه الزوجیه کل من الزوجین وتهون الأمر علیهما وتسوغه، مع ان هذه الجریمه عظیمه عند ا… تعالى.

عن النبی«ص» «اشتد غضب ا… عز وجل على امرأه ذات بعل ملأت عینها من غیر زوجها»«[1]».

وعنه «ص» أیضا: «لما أسرى بی مررت بنسوان معلقات بثدیهن فقلت: من هؤلاء یا جبرائیل؟ فقال: هؤلاء الذین یورثون أموال أزواجهن أولاد غیرهم»«[2]»

وعن صادق أهل البیت«ع»: «اشد الناس عذابا یوم القیامه رجل أقر نطفته فی رحم تحرم علیه»«[3]»

وهناک أهداف وآثار أخرى لهذه المسلسلات اترک ذکرها لفرصه أخرى.

والشیء المهم الذی أرید قوله، ان على أولیاء الأمور ان یحافظوا على أنفسهم أولا وعلى عوائلهم ثانیا یقوا فی مزالق الرذیله، وذلک یتم عبر وسائل متعدده منها منع الأسباب التی تؤدی إلى ذلک والتی منها مشاهده هذا النوع من المسلسلات على ما تقدم توضیح ذلک.

وفی الختام أود ان أختم مقالی هذا بما روی عن المسیح«علیه السلام» انه قال: «لا تکونن حدید النظر إلى ما لیس لک فانه لن یزنی فرجک ما حفظت عینک، فان قدرت ان لا تنظر إلى ثوب المرأه التی لا تحل لک فافعل»«[4]»
ــــــــــــــ
[۱]ـ التفسیر المعین: ۳۶۶٫
[۲]ـ نفس المصدر.
[۳]ـ نفس المصدر.
[۴]ـ نفس المصدر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.