جزاء المتقین
والى جانب ذلک ذکرت الآیات الکریمه أیضا الثواب الجزیل والمنازل العظیمه التی یتحلى بها من یتصف بهذا المفهوم السامی والراقی، فقد وعد الله سبحانه وتعالى المتقین بأحسن الوعود الطیبه والفضیله، وزخرت الآیات بذکر جزاء المتقین. وسوف نحاول بهذه العجاله جمع ما اشترک من هذه الآیات على مضمون واحد کی لا یتشتت المطلب، ونتمنى ان نکون على بینه ولو بسیطه بهذا الجزاء القرآنی العظیم.
۱٫ حب الله.
جاءت أکثر من آیه کریمه تبین ان جزاء المتقی ان یکون بموضع حب الله تعالى.
((بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله یحب المتقین))[۱]
((إلا الذین عاهدتهم من المشرکین……….إن الله یحب المتقین))[۲]
((کیف یکون للمشرکین عهد عند الله……….إن الله یحب المتقین))[۳]
لا نرید فی المقام تفسیر معنى الحب هذه الصفه الأخلاقیه التی ورد عنها انها من الإیمان، بل بتعبیر الإمام، وهل الإیمان إلا الحب وبالبغض؟[۴] وإن شاء الله تعالى نوفق لکتابه موضوع خاص عن هذا العنوان المبارک.
ولکن ذکر العلامه الطباطبائی فی معرض تفسیره للآیه الأولى أنه من قبیل وضع الکبرى موضع الصغرى إیثارا للإیجاز والتقدیر فأن الله یحبه – أی من وفى بعهده- لأنه متق والله یحب المتقین، والمراد أن کرامه الله لعباده المتقین حبه لهم…
ثم قال: فمفاد الکلام أن الکرامه الإلهیه لیست بذاک المبتذل السهل التناول حتى ینالها کل من انتسب إلیه انتسابا أو یحسبها کل محتال أو مختال کرامه جنسیه أو قومیه بل یشترط فی نیلها الوفاء بعهد الله ومیثاقه والتقوى فی الدین فإذا تمت الشرائط حصلت الکرامه وهی المحبه والولایه الإلهیه التی لا تعدو عباده المتقین وأثرها النصره الإلهیه والحیاه السعیده التی تعمر الدنیا وتصلح بال أهلها وترفع درجات الآخره . فهذه هی الکرامه الإلهیه. إنتهى.[۵]
۲٫ قبول الأعمال
من التوفیقات العظیمه أن یرضى الله على أعمالنا. فهناک من یصوم ویصلی ویحج، لکن لا یحصل من صومه سوى الجوع والعطش ومن صلاته سوى التعب والمشقه، ومن الحج لیس الا الضجیج بحسب تعبیر الامام[۶].
وما ذلک الا لخلو قلبه من تقوى الله قال تعالى:((واتل علیهم ابنی آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم یتقبل من الآخر قال لأقتلنک قال إنما یتقبل الله من المتقین))[۷]
۳٫العاقبه للمتقین.
منال الأولیاء وبلغه الأنبیاء ودعاؤهم هو حسن العاقبه، فالله جعل هذه العاقبه خاصه بمن أتقى، لو أجلینا البصر قلیلا ونظرنا فی القرآن لوجدنا هذه العباره –العاقبه للمتقین- فی عده آیات:
منها: قوله تعالى:((قال موسى لقومه استعینوا بالله واصبروا إن الأرض یورثها من یشاء من عباده والعاقبه للمتقین))[۸]
ومنها: قوله تعالى: ((تلک الدار الآخره نجعلها للذین لا یریدون علواً فی الأرض ولا فساداً والعاقبه للمتقین))[۹]
ومنها: قوله تعالى: ((تلک من أنباء الغیب نوحیها إلیک ما کنت تعلمها أنت ولا قومک من قبل هذا فاصبر ان العاقبه للمتقین))[۱۰]
ولصاحب المیزان کلمه، وهی: ((العاقبه ما یعقب الشیء کالبادئه لما یبدأ الشیء، وکون العاقبه مطلقاً للمتقین من جهه ان السنه الإلهیه تقضی بذلک وذلک انه تعالى نظم الکون نظماً یؤدی کل نوع الى غایه وجوده وسعادته التی خلق لأجلها فان جرى على صراط الذی رکب علیه ولم یخرج عن خط مسیره الذی خط له بلغ غایه سعادته لا محاله والإنسان الذی هو أحد هذه الأنواع أیضاً حاله هذه الحال إن جرى على صراطه الذی رسمته له الفطره واتقى الخروج عنه والتعدی منه إلى غیر سبیل الله بالکفر بآیاته والإفساد فی أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنه وإحیاء الحیاه الطیبه وأرشده إلى کل خیر یبتغیه))[۱۱] وأیضا لعلنا نوفق للحدیث بصوره مستقله عن حسن العاقبه وأهمیتها فی مسیره العباد.
4. الهدایه
((ذلک الکتاب لا ریب فیه هدى للمتقین))
ذلک الکتاب ألا وهو القرآن المنزل على الرسول الأعظم، ذلک الکتاب جعله الله هو المخطط الرئیسی والواضح لطریق المتقین وأکسبهم الله تعالى هدایتین (هدایه أولى صاروا بها متقین وهدایه ثانیه أکرمهم الله سبحانه وتعالى بعد التقوى)[۱۲]
فجعل القرآن هادیاً ومرشداً لهم لأعمال مسیرتهم دون خوف أو ضلال.
لو قلت: من الواضح أن القرآن هدایه للبشریه جمعاء، فلماذا خصت الآیه الکریمه المتقین بهذه الهدایه؟
هنا یشیر صاحب تفسیر الأمثل إلى أن السبب هو أن الإنسان لا یتقبل هدایه الکتب السماویه ودعوه الأنبیاء، ما لم یصل إلى مرحله معینه من التقوى (مرحله التسلیم أمام الحق وقبول ما ینطبق مع العقل والفطره).
وبعباره أخرى: الأفراد الفاقدون للإیمان على قسمین:
قسم یبحث عن الحق، ویحمل مقدارا من التقوى یدفعه لأن یقبل الحق أنى وجده.
وقسم لجوج متعصب قد استفحلت فیه الأهواء، لا یبحث عن الحق، بل یسعى فی إطفاء نوره حیثما وجده.
ومن المسلم به أن أفراد القسم الأول هم الذین یستفیدون من القرآن أو أی کتاب سماوی آخر، أما القسم الثانی فلا حظ لهم فی ذلک….
ولذلک قال سبحانه فی کتابه العزیز أنه : هدى للمتقین[۱۳].
4. کمال الصفات
قال تعالى فی محکم کتابه فی سوره البقره الآیه-۱۷۷
((لَّیْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَکُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـکِنَّ الْبِرَّ آمَنَ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِکَهِ وَالْکِتَابِ وَالنَّبِیِّینَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى مَنْ حُبِّهِ ذَوِی الْقُرْبَى وَالْیَتَامَى وَالْمَسَاکِینَ وَابْنَ السَّبِیلِ وَالسَّآئِلِینَ وَفِی الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاهَ وَآتَى الزَّکَاهَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِینَ فِی الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِینَ الْبَأْسِ أُولَـئِکَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَأُولَـئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ))
لو کانت هذه الآیه الوحید فی القران لبیان منزله المتقین لکفت، لأنها عرضت بصوره واضحه وصریحه صفات البر الراقیه والسامیه، وجمعتها ثم أطلقتها على المتقین، بمعنى أن هؤلاء الثله المؤمنه أصبحوا ببرکه هذه الصفات أبراراً.
ولو تأمل الإنسان هذه الصفات قلیلا لوجدها تمثل منازل الأنبیاء والمعصومین، عن النبی(ص) ((من یعمل بهذه الآیه فقد استکمل الإیمان))[۱۴]. فما أعظمها من صفه تزین بها المتقون ومیزهم عن الآخرین.
5- ثواب فی الدنیا وجنان فی الآخره
قال تعالى((وَقِیلَ لِلَّذِینَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّکُمْ قَالُواْ خَیْراً لِّلَّذِینَ أَحْسَنُواْ فِی هَذِهِ الدُّنْیَا حَسَنَهٌ وَلَدَارُ الآخِرَهِ خَیْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِینَ {۳۰} جَنَّاتُ عَدْنٍ یَدْخُلُونَهَا تَجْرِی مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِیهَا مَا یَشَآؤُونَ کَذَلِکَ یَجْزِی اللّهُ الْمُتَّقِینَ))[۱۵]
قد یقال: من یستکمل الإیمان ببرکه التقوى على ماذا یحصل؟ وما هو جزاؤه؟
هتان الآیتان توضح ان لهم خیر الجزاء فی الدنیا والآخره، ویعیشون حیاه طیبه ملیئه بالعدل والإحسان والسعاده فی الدنیا، ولهم الجنان فی الآخره.
والقرآن الکریم ملئ بوصف جنات المتقین خاصه فی الکثیر من الآیات الشریفه ووعدهم الله بها فجلالته وعده مسؤول ووعدهم بأنهم خالدین فیها (وأشار تفسیر المیزان إلى ان هذا الوعد من الأقضیه التی قضاها یوم خلق آدم وأمر الملائکه وإبلیس بالسجود له.
فعندما أبى إبلیس السجود والقصه معروفه، طلب إبلیس من الله عز وجل أن یمهله کی یغوی الناس فأجابه ربه بأن لا سلطان لدیه على عباد الله المخلصین المتقین قال عز وجل: ((إِنَّ عِبَادِی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْغَاوِینَ إلى أن قال – إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی جَنَّاتٍ وَعُیُونٍ))[۱۶].
ثم قال تعالى فی آیات أخرى فی وصف الجنه الخاصه بالمتقین فی سوره النبأ:(( إِنَّ لِلْمُتَّقِینَ مَفَازاً {۳۱} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً {۳۲} وَکَوَاعِبَ أَتْرَاباً {۳۳} وَکَأْساً دِهَاقاً )) .
هذه إطلاله سریعه على بعض صفات المتقین، ولیس الغرض إحصائها ودراستها تفصیلا بقدر سردها، کی تکون آفاقا ومفاتیح لبحوث مستقبلیه أکثر تفصیلا إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى ان یرزقنا التقوى ونکون من أصحاب هذه الجنان والرضوان الإلهی الأکبر.
المصادر:
[۱] آل عمران/۷۶
[۲] التوبه/۴
[۳] التوبه/۷
[۴] – الکافی ۱ : ۱۲۵ ، باب الحب فی الله والبغض فی الله، ح۵٫
[۵] – المیزان ۳ : ۲۶۳ تفسیر الآیه ۷۶ من سوره آل عمران.
[۶] – دعائم الإسلام ۱ : ۸۷٫
[۷] المائده/۲۷
[۸] الأعراف/۱۲۸
[۹] القصص/۸۳
[۱۰] هود/۴۹
[۱۱] تفسیر المیزان المجلد الثامن ص/۲۲۴
[۱۲] تفسیر المیزان المجلد الأول ص۴۹
[۱۳] – الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل ۱: ۷۴
[14] تفسیر المیزان المجلد الأول ص۴۳۱
[۱۵] النحل(۳۰-۳۱)
[۱۶] الحجر۴۵