حرّیّه التعبیر فی ظلّ الحکومه الإسلامیّه

0

واستناداً إلى هذا الحقّ، فإنّ الناس أحرار فی إظهار آرائهم ومعتقداتهم، ولهم کامل الحقّ فی نشرها وإعلانها عبر الإعلام، بجمیع وسائله المتاحه: المرئیّه والمسموعه والمقروءه. ولأجل هذا سُمّی هذا الحقّ بـ (حقّ البیان والقلم) أو بـ (حرّیّه المطبوعات) أو بـ (حرّیّه الصحافه) أو (حرّیّه الإعلام)… حیث إنّ هذه التعابیر ـ کلّها ـ من التعابیر الرائجه والمتداوله بکثره فی مجال حرّیّه التعبیر. 

إنّ الحکومه الإسلامیّه تقرّ مبدأ حرّیّه التعبیر على أوسع نطاقٍ ممکن لها، انطلاقاً من الاعتقاد الراسخ بأنّ من أهمّ النتائج والآثار السلبیّه التی تترتّب على منع حرّیّه التعبیر هو الإضرار بأوضاع الناس ومصالحهم، وإذا کان الحدیث عن أمرٍ لا یصبّ فی صالح الشعب، بل کان مضرّاً به، ویستتبع لحوق مفاسد وآثارٍ سیّئه به، فإنّ الحکومه الإسلامیّه تمنع ذلک ولا تجیزه. وبالانطلاق من نفس المبدأ، فهی تقرّ أنّه کلّما کان بیان الآراء یصبّ فی مصلحه الشعب، فهو جائز، بل مرغوب به، وللناس أن یمارسوا حرّیّه التعبیر فی ذلک. 

وتجدر الإشاره هنا إلى أنّ من الأمور المهمّه جدّاً فی مجال التعبیر: البحث عن حدود حرّیّه التعبیر وسعه دائرتها، فبالرغم من أنّ مبدأ حرّیّه التعبیر هو مبدأ مقبول لدى معظم، بل جمیع، أرباب العلم والفکر والرأی، إلّا أنّنا نجد أنّ أکثر ما یدور الحدیث حوله فی المجتمع هو حدود هذه الحرّیّه، ومدى اتّساعها، ویکثر الحدیث عن أنّه هل ثمّه ضوابط تقیّدها وتحدّها، فی ضمن الحدیث عن الحرّیّات العامّه. 

ولذلک نقول: إنّ المهمّ فی البحث عن حرّیّه التعبیر هو تشخیص حدود هذه الحرّیّه، فإنّ هذا البحث لو تمّ تناوله بشکلٍ غیر موضوعیّ، أو غیر متّزن، أو لا أخلاقیّ، لأدّى فی النهایه إلى ضرب إنسانیّه الإنسان وأصل کرامته، وما نفع الحرّیّه بعد زوال الإنسانیّه والکرامه؟! فإنّ الحرّیّه هی من لوازم الإنسانیّه، ومن نتائجها وتداعیاتها وآثارها، فحیث تزول الإنسانیّه والکرامه، لا تبقى قیمه لحرّیّه، ولا یبقى لها معنى، بل لا یعود بالإمکان تحقّق ما یُسمّى بالحرّیّه أصلاً. 

إنّ توجیه الإهانات للناس، أو الافتراء علیهم، أو اقتحام منازلهم، أو الاعتداء على حقوق الآخرین، أو إفشاء الأسرار الحکومیّه الخطیره، أو نشر المقالات المسیئه لمشاعر فئات المجتمع الأُخرى، أو تعمیم ثقافه الکفر والإلحاد، والفساد والإفساد، أو إشاعه الفاحشه والمنکرات، أو النیل من المقدّسات، أو الاعتداء على حقوق الأقلّیّات ومصادره آرائهم، ونحو ذلک من النماذج والأمثله والمصادیق، هی ـ کلّها ـ نماذج من الاعتداء على حقوق المجتمع، التی قد یغفل البعض عنها فی إطار دعوته إلى تعمیم وتوسعه نطاق حرّیّه التعبیر بحیث لا تقف عند حدٍّ، ولا تعترف بخطوطٍ حمر، ولا تنتهی عند مستوىً معیّن.. 

وهذا یعنی: أنّ حرّیّه التعبیر فی الحکومه الإسلامیّه مکفوله لکلّ مواطنٍ فی المجتمع، ولکلّ فردٍ من أفراد الشعب، مهما کانت مهنته، أو طبقته، أو وظیفته، أو انتماؤه الدینیّ، أو الحزبیّ، أو الفکریّ، أو… ولکن شریطه أن لا یضرّ بسائر الناس، أو بالشؤون العامّه للمجتمع، أو المصالح العامّه للبلاد، وخارج هذه الدائره (دائره عدم الإضرار وإلحاق الأذى بالآخرین) لا یُسمح بالحرّیّه؛ لأنّها ساعتئذٍ سوف تکون فساداً فی فساد. 

ولکنّ الذی تؤکّد علیه النصوص الإسلامیّه، هو أنّ منح الحقّ فی حرّیّه التعبیر للمواطنین شیء، والسماح لبعض الأفراد الفاسدین بالتآمر على أوطانهم وإخوانهم شیء آخر، فإنّ حرّیّه التعبیر لا بدّ وأن تکون معتمدهً على قوّه الحجّه ووضوح المنطق والبرهان والدلیل، وأمّا التآمر والتعامل مع العدوّ وبثّ الأفکار الضالّه والمنحرفه التی تخرّب عقول الشباب من دون أن تستند إلى حجّهٍ بیّنه، أو منطقٍ قویم، (ولو لم تکن المنطلقات والخلفیّات دینیّه) فهو أبعد ما یکون عن حرّیّه التعبیر بمعناها الإیجابیّ، بل هو یدخل فی نطاق ما ذکرناه قبل قلیل: من أن یکون مضرّاً بأحوال المجتمع بشکلٍ عامّ. 

فالحکومه الإسلامیّه ـ إذاً ـ لا ترى مشکلهً لها مع حرّیّه التعبیر، وهی لا تخشاها ولا تتهرّب منها؛ ذلک لأنّها تعتمد فی أصل قیامها على المنطق الصحیح والحجّه الواضحه، فإعطاء حرّیّه التعبیر للشعب لا تخیفها، ولا ترعبها، ولا تهزّ ثباتها، فهی ـ لذلک ـ تعمل على تقویه هذه الحرّیّه، وذلک عن طریق توعیه الناس وإرشادهم إلى ضروره تصویب استعمالاتهم لهذا الحقّ، وإبعادها عن خانه الاستهداف للمصالح الوطنیّه أو الإسلامیّه أو الإنسانیّه الکبرى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.