القناعه کنز لا یفنى
ولقد وضع الإسلام الحنیف العلاج الناجع لتلک الحاله من حب الدنیا المفرط الذی أشار إلیه الحدیث النبوی الشریف بتوجیه المؤمن إلى "القناعه" ذلک الکنز المفقود لدى کثیر من الناس فی زماننا.
والحق أن من رُزق "القناعه" بات فی راحه، فبها یتحقق الفلاح، ویهدأ القلب وتنشرح النفس وترضى بما قسمه الله، لأنها لن تتطلع إلى ما فی أیدی الآخرین، وهنا یکون العبد أقرب ما یکون إلى ربه جل وعلا؛ لانصراف مطامع الدنیا عنه.
ولا شک أنّ الرضا بما قسم المولى عزّ وجلّ یحقق غنى النفس الذی یدرب المرء على القناعه ویحققها، وصدق رسول الله (ص) حین قال: "وارْضَ بما قسم الله لک تکن أغنى الناس".
وقال أحد الحکماء: مَن أراد أن یعیش حرّاً أیام حیاته، فلا یسکن قلبَه الطمعُ.. وقیل: عزّ من قنع، وذل مَن طمع.
وقیل: العبید ثلاثه: عبد رِقّ، وعبد شهوه، وعبد طمع.
نعم.. إنّ السعی من أجل الرزق مطلوب فالعمل فی الإسلام یرقى إلى درجه العباده، لکن الإسلام یحذرنا من الغرق فی الدنیا بکل زخارفها لدرجه أن یکون شغل المرء الشاغل والوحید هو "جمع المال"، ولم یزد الله سبحانه صاحب المال فضلاً على الفقیر، ولکن جعل الفضل فی الزیاده من خلال التقوى وذلک فی قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقره/ ۱۹۷).
وقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَجَنَّهٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِینَ) (آل عمران/ ۱۳۳).
وقد بین الرسول (ص) أنّ المسلم القانع الذی یتعفف عن سؤال الناس یکون ثوابُه الجنه، فقال: "من یکفل لی ألا یسأل الناس شیئاً، وأتکفل له بالجنه؟" فقال ثوبان (رض): أنا. فکان لا یسأل أحداً شیئاً. (وفی الحدیث القدسی: "یابن آدم تفرغ لعبادتی أملأ صدرک غنىً، وأسُدّ فقرک، وإن لم تفعل، ملأتُ صدرک شُغْلاً، ولم أسدّ فقرک".
وقد أخبر الرسول (ص) الأُمّه بأفضل مراتب الغنى، فقال (ص): "لیس الغنى عن کثره العرض، ولکن الغنى غنى النفس".
وقال (ص): الید العلیا خیر من الید السفلى، وابدأ بمن تعول، وخیر الصدقه عن ظهر غنى، ومن یستعفف یعفَّهُ الله، ومن یستغن یغنه الله".
وأختتم الحدیث عن القناعه بقول الشافعی یرحمه الله:
رأیتُ القناعه رأسَ الغِنَى **** فصرت بأذیالها ممتسک
فلا ذا یرانی على بابه **** ولا ذا یرانی به منهمک
فصرت غنیاً على بلا درهم **** أمرُّ على الناس شِبه الملک