معرفه الله
الجواب: انّ الشعور الدینی أو الغریزه الدینیه لدى الإنسان هی کباقی الغرائز النفسیه، إذ یستیقظ هذا الشعور الدینی وینطلق فی باطن کلّ إنسان کبقیه الأحاسیس الباطنیه من دون حاجه إلى معلم ومن دون إرشاد أو توصیه من أحد.
فکما یحسّ الإنسان باطنیاً وذاتیاً فی فتره من فترات حیاته بمیل شدید ورغبه ملحه إلى أُمور، کالجاه أو الثروه أو الجمال أو الجنس، وذلک تلقائیاً ودون تعلیم معلم،کذلک یستیقظ فی باطنه «میل إلى اللّه» وإحساس تلقائی یدفعه بدون إرادته إلى التفتیش عنه، وهو إحساس یتعاظم ویتزاید ویظهر ویتجلّى أکثر فأکثر أثناء البلوغ، حتّى أنّ علماء النفس یتّفقون فی أنّ بین «أزمه البلوغ» و «القفزه المفاجئه فی المشاعر الدینیه» فی الفرد ارتباطاً وتلازماً لا ینکر.
ففی هذه الأوقات نشاهد نهضه قویه،وقفزه نوعیه، واندفاعه شدیده فی الشعور الدینی حتّى عند أُولئک الذین کانوا قبل تلک الفتره غیر مکترثین بالدین وقضایا الإیمان.
ویبلغ الشعور الدینی ذروته فی سن السادسه عشره حسب نظریه «استانلی هال».
وإذا ما أردنا أن نطرح هذا الموضوع بصوره مضغوطه ومختصره نرى أنّ هذا الشعور ینطلق من شخصیه الشاب الذی یخضع لمجموعه من المؤثرات المختلفه، والتی تسمح له لکشف علّه وجوده وحصرها فی اللّه تعالى.
إنّ ظهور «المیل المفاجئ» إلى الدین وإلى اللّه ومسائل الإیمان دون تعلیم أو توجیه لهو أحد الدلائل القاطعه على فطریه هذا الأمر، وکون هذا الإحساس یظهر فطریاً شأن بقیه الأحاسیس الإنسانیه الفطریه الأُخرى، وانّ هذه الأحاسیس تظهر فی سنین خاصه من عمر الشباب، ولکن علینا أن لا نغفل عن نقطه مهمه جدّاً، وهی: انّ هذا الإحساس، وکذا بقیه الأحساسیس والمشاعر الإنسانیه لو لم تحظ بالمراقبه الصحیحه والرعایه اللازمه یمکن ـ بل من المحتم ـ أن تعتریها سلسله من الانحرافات والتقلّبات.
وعندما نجد «الشعور الدینی» منتشراً و سائداً فی کلّ مکان من العالم، وفی کلّ عصر من عصور التاریخ البشری، فمن البدیهی أنّنا نستنتج أنّ هذا الشعور نداء باطنی فطری لا محرک له سوى الفطره، لأنّه لو کان للظروف الجغرافیه أو العوامل الأُخرى دخل فی انتشار هذا الشعور، لوجب أن یوجد فی مکان دون مکان، ولدى شعب دون شعب، ولدى طبقه خاصه من الناس ممّن تتوفّر لدیهم الظروف الجغرافیه أو السیاسیه أو الاقتصادیه الخاصه، فی حین
نرى أنّ الأمر على العکس من هذا تماماً حیث شمول الظاهره لجمیع الأعصار والأزمان وجمیع الأماکن والمجتمعات.
وعلى هذا الأساس یمکن أن یکون لعوامل الدعایه المضاده والخاطئه أثرها فی عرقله رشد ونمو الکثیر من النداءات والغرائز الإنسانیه، ولکنّها لا تستطیع القضاء علیها وإلغاءها بالکامل.
الشعور الدینی أو البعد الرابع فی الروح الإنسانیه
إذا کان القرآن الکریم وأحادیث أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) تعتبر الشعور الدینی أمراً نابعاً من الفطره، وراجعاً إلیها، فإنّ علماء الغرب وخاصه علماء النفس منهم یصفون هذا الشعور بأنّه البعد الرابع للروح الإنسانیه.
ومع اکتشاف الشعور الدینی لدى الإنسان، وإنّ غریزه الشعور الدینی تعدّ إحدى العناصر الأوّلیه والثابته والطبیعیه للروح الإنسانیه، تهافتت نظریه الأبعاد الثلاثه وانکسر سورها، وثبت انّه إضافه للأبعاد والغرائز الثلاث الموجوده فی الإنسان یوجد بعد وشعور آخر هو «الشعور الدینی» والذی لا یقل أصاله عن الغرائز الأُخرى.
وها نحن نشیر هنا بصوره مختصره إلى کلّ من هذه الأبعاد الأربعه:
۱٫ غریزه حبّ الاستطلاع:
والتی عبّروا عنها بغریزه الصداقه وبما أنّ هذا الاصطلاح غیر موصل لمقصودهم لذلک أبدلنا کلمه «الصداقه» بکلمه «الاستطلاع».
وهذه الغریزه هی التی دفعت وتدفع الفکر الإنسانی ـ منذ البدایه ـ إلى البحث وإلى دراسه المسائل والمشاکل والسعی لاکتشاف المجهولات وفک الرموز واستکناه الحقائق…، وهی الغریزه التی نشأت فی ظلها العلوم
والصناعات وتوّسعت المعارف وتطوّرت وتقدّمت…، وهی الغریزه التی ساعدت المکتشفین والمخترعین منذ القدم وکانت عوناً ومشجعاً لهم، على مواصله البحث المضنی لاکتشاف ألغاز الطبیعه وأسرار الحیاه وکشف القناع عنها وإزاحه الستار عن الحقائق المجهوله، وتحمّل کلّ الصعوبات والمتاعب فی ذلک الطریق الوعر والشائک.
۲٫ غریزه حب الخیر:
وهی منشأ ظهور الأخلاق، ومعتمد الفضائل والسجایا الإنسانیه والصفات النفسانیه المتعالیه.
وهی الغریزه التی تدفع الإنسان إلى أن یحب بنی نوعه ویطلب العدل، والحقّ، والسلام.
وهی التی توجد فی المرء نوعاً من المیل الفطری الباطنی إلى الأخلاق النبیله والسجایا الحمیده،ونفوراً من الرذائل والصفات الذمیمه.
۳٫ غریزه حب الجمال
وهی منشأ الفنون الجمیله قدیماً وحدیثاً، وسبب ظهور الأعمال الفنّیه فی شتّى مجالات الحیاه.
۴٫ غریزه التدیّن
وتعنی أنّ کلّ فرد من أبناء الإنسان یمیل بنحو ذاتی وفطری، وبحکم غریزته إلى (اللّه) ویمیل إلى التدیّن، وینجذب عفویاً إلى معرفه ماوراء الطبیعه والقوّه الحاکمه على هذا الکون الذی یعیش ضمنه ویکون وجود الإنسان فرعاً من وجوده وجزءاً من أجزائه.(۱)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[۱] . منشور جاوید:۲/۵۰ـ ۵۳٫