غضُّ البصر وعواقبه المحموده

0

لعل من أعظم النعم الإلهیه على الإنسان أن أنعم علیه بعد إیجاده من العدم، وبعد أن سلَّحه بالعقل أنعم علیه بنعمه البصر، هذه النعمه العظیمه التی بها یبصر ما حوله فیتفاعل معها، وبها یقرأ وبها یرى جمال صنع الله فی هذا الکون، ویدخل على نفسه کل ألوان السرور النابعه من رؤیه المناظر المناظر الطبیعیَّه وعجائب الکون، ولکن هذه العین قد تنقلب وتتحول من مصدر أنس وعلم ومتعه للإنسان إلى مصدر للشقاء والتعاسه فی آخرته إذا لم یحسن استخدامها ضمن الحدود والضوابط التی وضعها له خالقه سبحانه وتعالى، ولذلک ورد عن أمیر المؤمنین (ع) قوله: "کم من نظره جلبت حسره"، وکذلک ورد عنه (ع) قوله: "لیس فی البدن شیء أقل شکرا من العین فلا تعطوها سؤلها فتشغلکم عن ذکر الله".
ولخطوره انزلاق العین إلى المحارم فقد جاء الأمر الإلهی ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِینَ﴾ أن یغضوا أبصارهم عن کل ما هو محرّم علیهم، ولا یجعلوا للشیطان فرصه بأن یتسلسل إلى قلوبهم عن طریق هذه النظره المحرمه، فللعین اتصال بالقلب، لأنَّ کل ما تلتقطه عدسه العین یترک صورته وأثره على النفس والقلب، وتبقى هذه الآثار لتتفاعل وتنفعل داخل النفس فی أوقات خاصه وأجواء معینه فتوجه السلوک الإنسانی نحو الهاویه، لأنَّ العین هی أحد أبواب حصن النفس، وفتح هذا الباب یفتح المجال لدخول کل الأطیاف والألوان، وتتسرب کل الصور والأفکار فتثیر مشاعر الإنسان. ولذلک جاء عن أمیر المؤمنین (ع) قوله: "إذا أبصرت العین الشهوه عمی القلب عن العاقبه".
 وجاء عن الإمام الصادق (ع) قوله لأحد الأصحاب: یا ابن جندب، إن عیسى بن مریم (ع) قال لأصحابه: "إیّاکم والنظره فإنها تزرع فی القلب الشهوه، وکفى بها لصاحبها فتنه، طوبى لمن جعل بصره فی قلبه ولم یجعل بصره فی عینه".
 ولأنَّ الله تعالى أراد لعباده الخیر والصلاح فقد حذَّرهم من الوقوع فی هذه المزالق التی هی صوره من صور الفجور، ودفعهم نحو التزام التقوى لیذوقوا حلاوه الإیمان ویفوزوا بالجنه والرضوان، ولذلک قال ﴿ذَلِکَ أَزْکَى لَهُمْ﴾ فهو الأطهر لقلوبهم وبصرهم وهو أحد طرق النجاه لهم، وقد جاء عن الإمام علی (ع): "من غض طرفه أراح قلبه".
 وعن الإمام الصادق (ع): "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغض البصر، فإن البصر لا یغض عن محارم الله إلا وقد سبق إلى قلبه مشاهده العظمه والجلال".

Leave A Reply

Your email address will not be published.