المعاییر الإسلامیه والمواصفات القیادیه لنجاح الثورات

0

تعتبر الثوره الإیرانیه الإسلامیه فی نظر أکثر العلماء والمحللین، واحدهً من أعظم وأهم الحرکات الثوریه التی شهدها الإنسان على مرّ التاریخ، ذلک بالنظر إلى التغییر النوعی الذی أحدثته هذه الصحوه فی حرکه الأمه، والتی لا زالت تصدّر قطوفها وثمارها إلى یومنا هذا.
إنّ أوّل ما یمیّز هذه الثوره هو الارتباط الوثیق بین قائدها وبین الرؤى الدینیه، واعتماده على الفکر الإسلامی کدستور تتحدد من خلاله الأهداف والنتائج والأسالیب. وحیث إن النهضه الحسینیه لم تکن بأجنبیه عن الدین الإسلامی، بل هی جزء لا یتجزأ من مفاهیم الإسلام، ودرس من تعالیمه السماویه، من هنا کان من الطبیعی جداً أن تکون ثوره کربلاء هی المنهل الأساسی للثوره الإیرانیه، یستفاد من مخزونها الفکری والثوری. 

إن من یعرف الواقع المأساوی الذی عایشه الشعب الإیرانی أثناء حکم الشاه ، والدعم الاستکباری العالمی الذی تلقاه هذا النظام الفاسد عسکریاً وسیاسیاً وإعلامیاً، لا بد أن یکتشف أنّ المستوى الانحراف والضعف الذی أصاب الأمه لم یکن من طریقه لعلاجه إلاّ بإحیاء الروح الحسینیه، وهی وحدها القادره على إعاده الحیاه فی شرایین الأمه، وإعاده الاعتبار لقیم الجهاد والشهاده والانتصار فی مواجهه أعتى مشاریع الظلم والاستکبار والهیمنه. 

نعم، لم یکن هناک طریق لمواجهه الاستهداف المباشر للهویه الإسلامیه والثقافیه والوطنیه التی یتحلى بها الشعب الإیرانی إلاّ بالإعلان عن ضروره التضحیه والصبر على البلاء، وتقدیم قوافل الشهداء فی حرکه دائمه ومستمره لا تعرف التعب أو الیأس، ولو أفضى ذلک إلى سنوات عدیده ملیئه بالمواجهات والمظاهارات والسجن والأسر والنفی.. وهو القرار الذی اتخذته قیاده الثوره بحکمه وشجاعه وجرأه فی الوقت الذی کان کثیر من الفقهاء یستشکلون حتى بالتصریح بکلمه مناهضه للحکم الظالم. 

وهذا القرار وإن کان یتطلب قیاده حکیمه واثقه من نفسها، جریئه فی اتخاذ القرار ما دامت المصلحه الإسلامیه تقتضیه، إلاّ أنّه لم یکن هذا القرر لیتخذ بمنأى عن الشعب الإیرانی وإرادته، فلولا أنّ الشعب الإیرانی قد وقف خلف قیادته بقوه وثبات، وأبدى جهوزیته لتحمل عبء هذه المواجهه بکل اقتدار، لم یکن لمثل هذا القرار أن یتخذ، ولو اتخذ لم یعطی ثماره التی تحصدها جمیع الشعوب المستضعفه الیوم. 

ومن الواضح أن مثل هذه القناعه التی تتولّد من الثقافه الحسینیه الأصیله، تجسد أروع معانی الذوبان والانسجام مع الدین الإسلامی، وتدل على کمال التسلیم بالإراده الإلهیه، والاطمئنان للوعد الإلهی بضروره النصر على قاعده أن التغییر لا یحصل دون روحیه العطاء والبذل، قال تعالى (ومن الناس من یشری نفسه ابتغاء مرضاه الله والله رؤوف بالعباد). 

حین ذاک نهض الشعب الإیرانی متسلحاً بروح الإیمان ومنتهجاً الشعار المعروف (لن نتفرج على قتل الحسین کما فعل أهل الکوفه)، هذا الشعر الذی رأى فیه البعض تعریضاً بأهل الکوفه، وتنکراً لتضحیاتهم التی لا یمکن لأحد أن ینکرها، وأن هذا الشعار محاکمه تاریخیه لا تصح بحق مجتمع عاش ظروفاً صعبه وقاسیه، وغیر ذلک من الانتقادات، إلاّ أنّه عبر بدرجه کبیره موقف والتزام صادقین فی البقاء مع القائد والمشرد إلى خط النهایه، وهذا ما یعد بحد ذاته انتصاراً على کل حملات الدعایه والتشکیک والتضلیل التی واجهها الشعار بغرض إزاله التصمیم من قلوب منتهجیه، ووأد إراده الأمه التواقه إلى الحریه.

لا ینکر أحد أن الثوره مهما کانت سلیمه الأرکان حکیمه القیاده فإنها لا تنفک عن بذل الدماء، ولا یمکن عزلها بالمره عن تقدیم القرابین الإنسانیه، ولم یکن یوماً یقاس نجاح الثوره بحجم الخسائر المادیه والبشریه.
 
من هنا، فإنّ ما تعرّض له الشعب الإیرانی من ألم، وما عاناه من أوجاع وغصات کادت أن تفقد الأمه فی لحظه فرصه استعاده النصر والمجد والهویه، یصبح أمراً عظیماً یستحق منا نحن المستفدین کل تقدیر واحترام، کیف لا؟ ونحن الیوم نستفید من حرکه تعرضت لأشرس وأبشع وأکبر حملات التضلیل من قبل الأعداء، طالت فی قسم کبیر منها شخص الإمام الخمینی وشککت بأهدافه ونوایاه، وحملته مسؤولیه عشرات الألوف من الشهداء، فی حین کان الأولى لها أن تحملها للاستکبار وأدواته. 

لقد عبّر وفاء الشعب الإیرانی لقیادته والالتزام بتوجیهاته عن مستوى عالٍ من الروح والتضحیه والصدق، وعن درجه عالیه من الوعی والتصمیم والإراده، لیستحق الشعب الإیرانی بذلک أن تکون ثورته هی النموذج الأول لحرکه کربلاء نهجاً وتطبیقاً.

Leave A Reply

Your email address will not be published.