البصمات وشخصیه الإنسان
قال الله جل ثناؤه: {لا أُقْسِمُ بِیَوْمِ الْقِیَامَهِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَهِ * أَیَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِینَ عَلَى أَنْ نُسَوِّیَ بَنَانَهُ} [القیامه: ۱-۴].
التفسیر اللغوی: قال ابن منظور فی لسان العرب: البنان: أطراف الأصابع من الیدین والرجلین، البنانه: الإصبع کلها، وتقال للعقده من الإصبع.
مقدمه تاریخیه:
فی عام ۱۸۲۳ اکتشف عالم التشریح التشیکی "برکنجی" (Purkinje) حقیقه البصمات ووجد أن الخطوط الدقیقه الموجوده فی رؤوس الأصابع (البنان) تختلف من شخص لآخر، ووجد ثلاثه أنواع من هذه الخطوط: أقواس أو دوائر أو عقد أو على شکل رابع یدعى المرکبات، لترکیبها من أشکال متعدده.
وفی عام ۱۸۵۸ أی بعد ۳۵ عاماً، أشار العالم الإنکلیزی "ولیم هرشل" (William Herschel) إلى اختلاف البصمات باختلاف أصحابها، مما جعلها دلیلاً ممیزاً لکل شخص.
وفی عام ۱۸۷۷ اخترع الدکتور "هنری فولدز" (Henry Faulds) طریقه وضع البصمه على الورق باستخدام حبر المطابع.
وفی عام ۱۸۹۲ أثبت الدکتور "فرانسیس غالتون" (Francis Galton) أن صوره البصمه لأی إصبع تعیش مع صاحبها طوال حیاته فلا تتغیر رغم کل الطوارىء التی قد تصیبه، وقد وجد العلماء أن إحدى المومیاء المصریه المحنّطه احتفظت ببصماتها واضحه جلیه.
وأثبت جالتون أنه لا یوجد شخصان فی العالم کله لهما نفس التعرجات الدقیقه وقد أکد أن هذه التعرّجات تظهر على أصابع الجنین وهو فی بطن أمه عندما یکون عمره بین ۱۰۰ و ۱۲۰ یوماً.
وفی عام ۱۸۹۳ أسس مفوّض اسکتلند یارد، "إدوارد هنری" (Edward Henry) نظاماً سهلاً لتصنیف وتجمیع البصمات، لقد اعتبر أن بصمه أی إصبع یمکن تصنیفها إلى واحده من ثمانیه أنواع رئیسیه، واعتبر أن أصابع الیدین العشره هی وحده کامله فی تصنیف هویه الشخص. وأدخلت فی نفس العام البصمات کدلیل قوی فی دوائر الشرطه فی اسکتلند یارد. کما جاء فی الموسوعه البریطانیه.
ثم أخذ العلماء منذ اکتشاف البصمات بإجراء دراسات على أعداد کبیره من الناس من مختلف الأجناس فلم یعثر على مجموعتین متطابقتین أبداً.
حقائق علمیه:
– یتم تکوین بصمات البنان عند الجنین فی الشهر الرابع، وتظل ثابته وممیزه طوال حیاته.
– البصمات هی تسجیل للتعرّجات التی تنشأ من التحام طبقه الأدمه مع البشره.
– تختلف هذه التعرجات من شخص لآخر، فلا تتوافق ولا تتطابق أبداً بین شخصین.
– أصبحت بصمات الأصابع الوسیله المثلى لتحدید هویه الأشخاص.
التفسیر العلمی:
یقول الله تعالى ذکره فی سوره القیامه آیه [۱-۴]: {لا أُقْسِمُ بِیَوْمِ الْقِیَامَهِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَهِ * أَیَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِینَ عَلَى أَنْ نُسَوِّیَ بَنَانَهُ}، لقد أثارت الإشاره فی الآیات الکریمه من سوره القیامه انتباه المفسرین ودهشتهم حیث أقسم الله تعالى بالیوم الآخر وبالنفس الباقیه على فطرتها التی تلوم صاحبها على کل معصیه أو تقصیر، لقد أقسم الله تعالى بهما على شیء عظیم یعدّ الرکن الثانی من أرکان العقیده الإسلامیه ألا وهو الإیمان ببعث الإنسان بعد موته وجمع عظامه استعداداً للحساب والجزاء، ثم بعد أن أقسم الله تعالى على ذلک بین أن ذلک لیس مستحیلاً علیه لأن من کان قادراً على تسویه بنان الإنسان هو قادر أیضاً على جمع عظامه وإعاده الحیاه إلیها.
ولکن الشیء المستغرب لأول نظره تأمل فی هذا القسم هو القدره على تسویه البنان، والبنان جزء صغیر من تکوین الإنسان، لا یدل بالضروره على القدره على إحیاء العظام وهی رمیم، لأن القدره على خلق الجزء لا تستلزم بالضروره القدره على خلق الکل.
وبالرغم من محاولات المفسرین إلقاء الضوء على البنان وإبراز جوانب الحکمه والإبداع فی تکوین رؤوس الأصابع من عظام دقیقه وترکیب الأظافر فیها ووجود الأعصاب الحساسه وغیر ذلک، إلا أن الإشاره الدقیقه لم تُدرک إلا فی القرن التاسع عشر المیلادی، عندما اکتشف عالم التشریح التشیکی "برکنجی" أن الخطوط الدقیقه الموجوده على البشره فی رؤوس الأصابع تختلف من شخص لآخر، حیث وجد ثلاثه أنواع من هذه الخطوط فهی تکون إما على شکل أقواس أو دوائر أو عقد، أو على شکل رابع یدعى المرکبّات وذلک لترکیبها من أشکال متعدده.
ولقد حدث أن بعض المجرمین بمدینه شیکاغو الأمریکیه تصوروا أنهم قادرون على تغییر بصماتهم فقاموا بنزع جلد أصابعهم واستبداله بقطع لحمیه جدیده من مواضع أخرى من أجسامهم، إلا أنهم أصیبوا بخیبه الأمل عندما اکتشفوا أن قِطَع الجلد المزروعه قد نمت واکتسبت نفس البصمات الخاصه بکل شخص منهم.
ولقد قام الأطباء بدراسات تشریحیه عمیقه على أعداد کثیره من الناس من مختلف الأجناس والأعمار، حتى وقفوا أمام الحقیقه العلمیه ورؤوسهم منحنیه ولسان حالهم یقول: لا أحد قادر على التسویه بین البصمات المنتشره على کامل الکره الأرضیه ولو بین شخصین فقط.
وهذا ما حدا بالشرطه البریطانیه إلى استعمالها کدلیل قاطع للتعرّف على الأشخاص، ولا تزال إلى الیوم أمضى سلاح یُشهر فی وجه المجرمین.
وهنا نلاحظ أن الآیه فی سوره العلق تتحدث أیضاً عن إعاده خلق بصمات الأصابع جمیعها لا بصمه إصبع واحده، إذ إن لفظ "البنان" یُطلق على الجمع أی مجموع أصابع الید، وأما مفرده فهو البنانه، ویلاحظ أیضاً التوافق والتناغم التام بین القرآن والعلم الحدیث فی تبیان حقیقه البنان، کما أن لفظه "البنان" تُطلق کذلک على أصابع القدم، علماً أن بصمات القدم تعد أیضاً علامه على هویه الإنسان.
ولهذا فلا غرابه أن یکون البنان إحدى آیات الله تعالى التی وضع فیها أسرار خلقه، والتی تشهد على الشخص بدون التباس فتصبح أصدق دلیل وشاهد فی الدنیا والآخره، کما تبرز معها عظمه الخالق جل ثناؤه فی تشکیل هذه الخطوط على مسافه ضیقه لا تتجاوز بضعه سنتیمترات مربعه.
ترى ألیس هذا إعجازاً علمیاً رائعاً، تتجلى فیه قدره الخالق سبحانه، القائل فی کتابه: {سَنُرِیهِمْ آیَاتِنَا فِی الآفَاقِ وَفِی أَنْفُسِهِمْ حَتَّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ یَکْفِ بِرَبِّکَ أَنَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ شَهِیدٌ} [فصلت: ۵۳].
المراجع العلمیه:
جاء فی الموسوعه البریطانیه ما ترجمته: "قام المشرّحون الأوائل بشرح ظاهره الأثلام فی الأصابع، ولکن لم یکن تعریف البصمات معتبراً حتى عام ۱۸۸۰ عندما قامت المجله العلمیه البریطانیه (الطبیعه: Nature) بنشر مقالات للإنکلیزیّیْن "هنری فولدز" و "ولیم جایمس هرشل" یشرحان فیها وحدانیه وثبوت البصمات، ثم أثبتت ملاحظاتهم على ید العالم الإنکلیزی "فرانسیس غالتون". الذی قدم بدوره النظام البدائی الأول لتصنیف البصمات معتمداً فیه على تبویب النماذج إلى أقواس، أو دوائر، أو عقد. لقد قدم نظام "غالتون" خدمه لمن جاء بعده، إذ کان الأساس الذی بنی علیه نظام تصنیف البصمات الذی طوره "إدوارد هنری"، والذی أصبح "هنری" فیما بعد المفوّض الحکومی الرئیسی فی رئاسه الشرطه فی لندن".
وذکرت الموسوعه البریطانیه أیضا:"
أن البصمات تحمل معنى العصمه –عن الخطأ- فی تحدید هویه الشخص، لأن ترتیب الأثلام أو الحزوز فی کل إصبع عند کل إنسان وحیداً لیس له مثیل ولا یتغیر مع النمو وتقدم السن.
إن البصمات تخدم فی إظهار هویه الشخص الحقیقیه بالرغم من الإنکار الشخصی أو افتراض الأسماء، أو حتى تغیر الهیئه الشخصیه من خلال تقدم العمر أو المرض أو العملیات الجراحیه أو الحوادث".
وجه الإعجاز:
بعد أن أنکر کفار قریش البعث یوم القیامه وأنه کیف لله أن یجمع عظام المیت، رد علیهم رب العزه بأنه لیس قادر على جمع عظامه فقط بل حتى على خلق وتسویه بنانه، هذا الجزء الدقیق الذی یعرّف عن صاحبه والذی یمیز کل إنسان عن الآخر مهما حصل له من الحوادث. وهذا ما دلت علیه الکشوف والتجارب العلمیه منذ أواخر القرن التاسع عشر.