التفکیر والتکفیر
مازلت أتذکر أستاذنا فی الثانویه وکأنه حاضرٌ أمامی الآن. فعندما کان یجیبُ طالبٌ من الطلاب بإجابه خاطئه على سؤال مطروح فی الدرس، یبادر زملاؤه إلى تصحیح ما قاله بطریقه جماعیه غیر منظَّمَه، تتداخل فیها الأصوات المرتفعه والخافته معاً، وکأننا فی جَلبَه سوق. فیردُّ علیهم الأستاذ مبتسماً ومهدئاً: مهلاً مهلاً لا تأکلوه… إن زمیلکم لم یکفر عندما أجاب خطأً!
الیوم أتذکر هذه المواقف التی بها جانبٌ من الفکاهه ونحن نعیش فعلاً حالات مشابهه (لکنها جادَّه وحقیقیه) من الجَلِبَات التی تعقب ظهور إجابات یتبناها أفراد من المجتمع، وکأنها ضربٌ من الکفر واجبه الصَّد، دون إعطاء أیّ مجال لمناقشتها أو معرفه دوافعها، وإلامَ تؤشر حتى! لیس بالضروره أن یکون تکفیراً یجبُّ الإیمان، بل هو یمتد إلى حیث التکفیر الاجتماعی أیضاً.
لقد أصبحت ثقافه التکفیر، تغطی مساحات واسعه من أرضنا وخطابنا ومشاعرنا وعقولنا. وحتى إذا لم ترِد کلمه «الکفر» صریحهً ضد أحد، بُطِّنَت بکلمات أخرى تمنح المعنى ذاته، مرهً تأتی مخففهً وتاره أخرى تأتی ثقیله مُغلظهً، لکن کِلا الحالتیْن تؤدیان إلى معنى واحد وهو «الکفر».
بالتأکید، هناک قطاعات من المجتمع العربی والإسلامی باتت تتقبَّل أن تستمع إلى آراء أخرى، بسبب فَوَرَان الصوره والإعلام والانفتاح على ثقافات العالَم، لکن تلک الأصوات تبقى أصواتاً خافته، وذات قامه مربوعه. فالصوت الأمضى والأکثر جَلجَلَه مازال هو صوت التطرف والإبعاد والإزاحه. وللأسف، جزء من أولئک الإقصائیین، یتحدثون لیل نهار عن تقبلهم للرأی والرأی الآخر، کَوْن الإسلام یحثهم على ذلک، لکنهم یمارسون قمع الرأی أکثر مما یتنفسون، وبلا حیاء أو خجل.
إذا کان الجمیع یعتقد ویقرّ، بأن الإنسان یجب أن یکون له مسکن وعمل وأسره کحقوق أساسیه من حقوق الحیاه، فمن واجبهم أیضاً أن یؤمنوا أن ذلک الإنسان یجب أن یکون له رأی ومعتقد ودین بالطریقه التی یختارها ویعبِّر عنها، وإلاَّ أصبحت حقوقه منقوصه والعالَم قائماً على الإکراه، وبالتالی نعود إلى المربع ذاته الذی تقاتِل ضده الشعوب الحره والمتحرره، وهو مربع الدیکتاتوریه.
قبل أیام، أصدر حزب التحریر الإسلامی التونسی بیاناً قال فیه، بأن الرئیس التونسی المنصف المرزوقی، هو کافرٌ أو فاسقٌ أو خائن، وأن علیه أن «یلزم غرزه ویصمت»! والغریب أن کل هذه الأوصاف ذات الأوزان «النوویه»، مؤذیه لأمنه وحیاته. فإن حَدَّدوهُ بالکفر، فسیفصِّلون فی أمره هل هو کافرٌ حربی أو ذمِّی أو مستأمن. وإن نعتوه بالفسق أو الخیانه، فهو لن یخرج عن الوصف الأول ومن مآله. فی حین أنه لم یقل ما یستحق الأولى ولا الثانیه ولا الثالثه.
المشکله أنهم لم یکتفوا فی أوصافهم بالمسمَّیات الدینیه، بل إنهم جرُّوها إلى حیث التجریم الاجتماعی. فقد زاد حزب التحریر فی نعت المرزوقی على أن الأخیر وقفَ موقفًا «مقرفًا مخزیاً یجعله فی أحسن الأحوال مثل الرویبضات الذین سبقوا وحکموا البلاد». مثل هذه الخطابات، لا تقزِّز الجماعات وأصحاب الدیانات الأخرى فقط، بل هی تنفّر حتى المسلمین، الذین اعتاد الکثیر منهم العیش بسماحه واشتراک اجتماعی متعدد، ولیس على الزوایا الحاده.
خلال إحدى حلقات النقاش الإذاعیه التی کنت أستمع إلیها، قال أحد مشایخ الدِّین، إنه لا حکم فی العالَم یطبق شرع الله. سبعه وخمسون دوله إسلامیه وأحزابها الدینیه وتجاربها جَرَى علیها ذلک الرأی، لأنهم باعتقاده لا یطبقون حکم الله. أکثر من ذلک، لم یعجب ذلک الرجل حتى حکم حرکه طالبان فی أفغانستان (۱۹۹۶ – ۲۰۰۱)، التی کانت تحکم بطریقه نصوصیَّه جافه! لنا أن نتخیَّل ماذا سیحلّ بالمجتمع عندما تعطَى مثل هذه النماذج من العقول فرصه التفکیر والقیاده الاجتماعیه.
إن مثل هذه التیارات، التی قد یلجمها المحیط المحلی والإقلیمی والدولی وتعقیداته إلى حدٍّ ما عندما تأتی إلى السلطه، ستکون نیرونیَّه عندما تکون قائدهً لحرکه المجتمع، وبدون قیود ولا محاسبه، حیث لا التزام سیاسی ولا ثقافی، وبالتالی فإنها ستمارس وبحریهٍ، کل ما تراه مناسباً ما دامت تعتقد أنها تستطیع أن تقرأ وتفکر وتخطط وتتمنطق وتدرک أکثر من أیِّ أحد فی المجتمع.
البعض یعتقد أن التسلُّط هو فقط عند أنظمه الحکم، وهذا الاعتقاد خاطئ. فالتسلُّط الاجتماعی هو أیضاً دیکتاتوریه. وهذا النوع من الدیکتاتوریات هو أکثر إیغالاً فی القمع؛ کونه لصیقاً بزفیر وشهیق الناس، وبالتالی هو مَنْ یحاسبهم على قیامهم وقعودهم. کما أنه غیر مراقَبٍ من أحد، کونه السلطه الأعلى ضمن النسیج الذی یحکمه، لعوامل دینیه واجتماعیه.
لقد مرَّت البشریه (وبالتحدید فی أوروبا) بمثل هذا الجو، وأبیْدَت فی أتونه قطاعات عریضه من خیره المفکرین والأدباء والمبدعین والمصلحین. وکان الاستسهال بالأمور، قد وصَلَ إلى حدٍّ لا یطاق. وکانت المقاصل تنصَب فی الشوارع العامه، لمعاقبه أیٍّ من الخارجین عن قول وفعل الکرسی الرسولی، أو الطغمه الحاکمه، التی کانت تتذرَّع بالدفاع عن المسیحیه ویسوع ومریم العذراء (ع). وعندما تخلَّص الأوروبیون من ذلک الدَّاء، انفتحت أمامهم أبواب التقدم والتطور. والحال کذلک، أمام النماذج الاجتماعیه والسیاسیه الأخرى فی الشرق الأدنى، الذی عاش هو أیضاً فاشیهً قاتلهً لسنین طویله.
هذه هی عقده الدول والشعوب مع أنواع شتى من التکفیر السیاسی والاجتماعی والدینی، وأیضاً هکذا کان الخلاص من ذلک، وبالکیفیه ذاتها.