الإسلام دینٌ لعموم الأنبیاء

0

شبهه لمسیحی: یرد فی القرآن أن إبراهیم الخلیل هو مسلمٌ أیضاً مع أنّه ظهر سنه۲۷۰۰ قبل ظهور الدعوه المحمدیه، فی جنوب بلاد ما بین النهرین (العراق حالیاً) فکیف یصح هذا …؟
أسمع القول: ما کان إبراهیم یهودیّاً ولا نصرانیّاً ولکن کان حنیفاً مسلماً… (آل عمران ۶۷).
ثم إنَّ محمداً ذاته یقول فی الأنعام (أنا أول المسلمین)، فمن نصدق یا ترى …!
الجواب:
المراد من وصف المسلم فی القرآن الکریم هو المسلًم والمذعن لله تعالى وحده فیما یأمر به من شرائع الدین والذی هو دینٌ واحد لا یختلف من نبیٍّ لآخر فی أُصوله العامه کما أفاد تعالى فی قوله: ﴿شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِی أَوْحَیْنَا إِلَیْکَ وَمَا وَصَّیْنَا بِهِ إِبْرَاهِیمَ وَمُوسَى وَعِیسَى أَنْ أَقِیمُوا الدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِیهِ کَبُرَ عَلَى الْمُشْرِکِینَ﴾(۱).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْیًا بَیْنَهُمْ وَمَنْ یَکْفُرْ بِآَیَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِیعُ الْحِسَابِ﴾(۲).
 لذلک فجمیع الأنبیاء وأتباعهم على إمتداد تاریخ الرسالات یصحُّ وصفهم بالمسلمین کما وصفهم الله تعالى فی مواطنَ عدیده من القرآن الکریم، فلم یکن إبراهیم (ع) وحده مَن وصفه القرآن بالمسلم بل إنَّ نبیَّ الله نوحاً (ع) الذی بُعث قبل إباهیم (ع) بمئات السنین وکذلک مَن آمن بنوحٍ من قومه قد وصفهم القرآن بالمسلمین، قال تعالى یحکی خطاب نوحٍ لقومه: ﴿وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ یَا قَوْمِ إِنْ کَانَ کَبُرَ عَلَیْکُمْ مَقَامِی وَتَذْکِیرِی بِآَیَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَکَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَکُمْ وَشُرَکَاءَکُمْ ثُمَّ لَا یَکُنْ أَمْرُکُمْ عَلَیْکُمْ غُمَّهً ثُمَّ اقْضُوا إِلَیَّ وَلَا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّیْتُمْ فَمَا سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِیَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَکُونَ مِنَ الْمُسْلِمِینَ﴾(۳).
ووصف القرآن الکریم نبیَّ الله لوط (ع) الذی کان معاصراً لإبراهیم ووصف مَن آمن معه من أُسرته بالمسلمین فی قوله تعالى حکایهً عن الملائکه الذین أُرسلوا لایقاع العذاب على قوم لوط: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُکُمْ أَیُّهَا الْمُرْسَلُونَ / قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِینَ / لِنُرْسِلَ عَلَیْهِمْ حِجَارَهً مِنْ طِینٍ / مُسَوَّمَهً عِنْدَ رَبِّکَ لِلْمُسْرِفِینَ / فَأَخْرَجْنَا مَنْ کَانَ فِیهَا مِنَ الْمُؤْمِنِینَ / فَمَا وَجَدْنَا فِیهَا غَیْرَ بَیْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِینَ﴾ (۴) فوصف بیت لوط (ع) أی أُسرته بالمسلمین.
وکذلک فإنَّ إبراهیم کان قد أوصى أبناءه بالثبات على دین الإسلام وبأنْ لا یموتوا إلا وهم مسلمون، وهکذا کانت وصیه یعقوب (ع) لبنیه قال تعالى یحکی وصیه إبراهیم لبنیه ووصیه یعقوب لبنیه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِیمُ بَنِیهِ وَیَعْقُوبُ یَا بَنِیَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَکُمُ الدِّینَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (۵).
وقال تعالى: ﴿أَمْ کُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ یَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِیهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِی قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَکَ وَإِلَهَ آَبَائِکَ إِبْرَاهِیمَ وَإِسْمَاعِیلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(۶).
ولهذا کان یوسف (ع) یسألُ ربَّه الثبات على الدین وانْ یتوفَّاه مسلماً: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَیْتَنِی مِنَ الْمُلْکِ وَعَلَّمْتَنِی مِنْ تَأْوِیلِ الْأَحَادِیثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِیِّی فِی الدُّنْیَا وَالْآَخِرَهِ تَوَفَّنِی مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِی بِالصَّالِحِینَ﴾(۷).
هذا وقد کانت دعوه سلیمان (ع) وهو من أنبیاء بنی إسرائیل هی الإسلام وقد صرَّح بذلک فی مراسلته لبلقیس – ملکه سبأ- وقومها، قال تعالى على لسانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَیْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ / أَلَّا تَعْلُوا عَلَیَّ وَأْتُونِی مُسْلِمِینَ﴾(۸).
وقال سلیمان(ع) مخاطباً قومه من الجن والإنس: ﴿قَالَ یَا أَیُّهَا الْمَلَأُ أَیُّکُمْ یَأْتِینِی بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ یَأْتُونِی مُسْلِمِینَ﴾(۹).
ثم إنَّ سلیمان(ع) قال حین جاءته بلقیس ووجدت عرشها عنده و: ﴿قَالَتْ کَأَنَّهُ هُوَ﴾ (۱۰) قال: ﴿وَأُوتِینَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَکُنَّا مُسْلِمِینَ﴾(۱۱).
ثم إنَّ بلیقس حین أذعنت بدعوه سلیمان (ع) کان إعلانها عن ذلک بقولها: ﴿رَبِّ إِنِّی ظَلَمْتُ نَفْسِی وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَیْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ﴾(۱۲).
بل إنَّ دعوه موسى (ع) نبیِّ الیهود کانت هی الإسلام، فلم یکن یقبل من قومه إلا انْ یکونوا مسلمین کما تُؤکد ذلک آیاتٌ عدیده، قال تعالى على لسان موسى (ع) مخاطباً لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى یَا قَوْمِ إِنْ کُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَیْهِ تَوَکَّلُوا إِنْ کُنْتُمْ مُسْلِمِینَ﴾(۱۳).
ولهذا قال السحره بعد انْ آمنوا مخاطبین فرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَیَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَیْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِینَ﴾(۱۴).
وبعد انْ وقع الغرق لفرعون وجنوده قال فرعون قبل انْ یُدرکه الموت: ﴿قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِی آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِیلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِینَ﴾(۱۵) فهو یعلم انَّ الإیمان بما آمنت بنو إسرائیل یساوق الدخول فی زمره المسلمین.
وکذلک فإنَّ الوسام الذی حرص الحواریون على الثبات علیه وانْ یشهد لهم السید المسیح (ع) عند ربه انَّهم ملتزمون به هو انَّهم مسلمون، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسَى مِنْهُمُ الْکُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِی إلى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِیُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(۱۶).
والمتحصَّل انَّ الدین الذی شرعه الله تعالى لعموم أنبیائه هو الإسلام، فهو تعالى لا یقبل من عباده غیره کما قال تعالى: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَیْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَإِسْمَاعِیلَ وَإِسْحَاقَ وَیَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِیَ مُوسَى وَعِیسَى وَالنَّبِیُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَیْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ / وَمَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلَامِ دِینًا فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِی الْآَخِرَهِ مِنَ الْخَاسِرِینَ﴾(۱۷).
فالدین الذی آمن به إبراهیم (ع) وبلَّغه لعباد الله تعالى کان هو الإسلام، وکذلک هو ماجاء به موسى (ع) ودعى إلیه قومه، وهو کذلک الذی بُعث علیه السید المسیح (ع).
فالرسول محمد (ص) کان إمتداداً لهذه الرسالات، فلم یکن یدعو لنسف ما جاءت به الرسالات المتعاقبه بل جاء مصدِّقاً لها کما صرَّحت بذلک العدیدُ من الآیات کقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ نَزَّلَ عَلَیْکَ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَیْنَ یَدَیْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاهَ وَالْإِنْجِیلَ﴾(۱۸).
وجاء ناسخاً لبعض الأحکام التی نشأ تشریعها فی الرسالات السابقه عن الرعایه لمصلحه الوقت.
کما جاء مکمِّلاً لما کانت علیه تلک الرسالات من نقصٍ نشأ عن إقتضاء العنایه الإلهیه للتدریج فی بیان وتبلیغ شرائع الدین، فنظراً لتأهُّل البشریه حین المبعث النبوی الشریف لتلقِّی الدین کاملاً بعد ان أهَّلتهم لذلک الرسالات المتعاقبه صدع النبیُّ الکریم (ص) بالدین الکامل الذی لا مندوحهَ لأحدٍ من عباد الله تعالى إلا التدیُّن به دون سواه قال تعالى: ﴿الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِینًا﴾(۱۹).
وأما ما حکاه القرآن عن انَّ النبیَّ الکریم (ص) انَّه قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِینَ﴾(۲۰) فالمراد منه أنَّه کان أول المسلمین بالإضافه إلى أُمته، فلا یُناقض ذلک ما أفاده القرآن من وصف إبراهیم بالمسلم ووصف نوحٍ وعموم الأنبیاء وأتباعهم بالمسلمین.
ولعمری إنَّ ذلک أوضح من أن یخفى إلا على مَن تعمَّد المکابره والتشویش على ما هو بیِّنٌ لکلِّ مَن له أدنى تأمُّل، فالنبیُّ الکریم (ص) لو لم یکن نبیَّاً فهو عاقل بل لا یرتاب أحدٌ فی تمیُّزه وتفوقه فی مدارکه، فکیف یتلو آیاتٍ لیلَ نهار یُصرِّح فیها بأنَّ نوحاً کان من المسلمین وانَّ إبراهیم کان مسلماً، وانَّ عموم الأنبیاء کانوا مسلمین وهم قد سبقوه بمئات وبعضهم بآلاف السنین ثم یقول انَّه أول المسلمین ویقصد من ذلک أنَّه لم یسبقه أحدٌ من الأنبیاء بالإتصاف بهذا الوصف، إنَّ ذلک لایصدر من أبسط الناس وأقلِّهم إدراکاً فضلاً عن مثل محمد (ص) الذی لم تعرف البشریهُ له من نظیر.
وکیف خفیَ على أتباع محمد(ص) ومناوئیه ماتفطَّن له هذا المورد للشبهه وکأنَّه قد وقف على ما غفل عنه الأولون والآخرون!!
والحمد لله رب العالمین
ـــــــــــــــ
۱- سوره الشورى آیه رقم ۱۳٫
۲- سوره آل عمران آیه رقم ۱۹٫
۳- سوره یونس آیه رقم ۷۱٫
۴- سوره الذاریات آیات رقم ۳۱-۳۶٫
۵- سوره البقره آیه رقم ۱۳۲٫
۶- سوره البقره آیه رقم ۱۳۳٫
۷- سوره یوسف آیه رقم ۱۰۱٫
۸- سوره النمل آیتان رقم ۳۰-۳۱٫
۹- سوره النمل آیه رقم ۳۸٫
۱۰- سوره النمل آیه رقم ۴۲٫
۱۱- سوره النمل آیه رقم ۴۲٫
۱۲- سوره النمل آیه رقم ۴۴٫
۱۳- سوره یونس آیه رقم ۸۴٫
۱۴- سوره الاعراف آیه رقم ۱۲۶٫
۱۵- سوره یونس آیه رقم ۹۰٫
۱۶- سوره آل عمران آیه رقم ۵۲٫
۱۷- سوره آل عمران آیتان رقم ۸۴-۸۳٫
۱۸- سوره آل عمران آیه رقم ۳٫
۱۹- سوره المائده آیه رقم ۳٫
۲۰- سوره الأنعام آیه رقم ۱۶۳٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.