التوبه والغفران فی القرآن الکریم
قال الله تعالى فی محکم کتابه الکریم: ﴿ وَإِنِّی لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾[طه: ۸۲]
المعانی العامه لبعض المفردات:
«إنّی»: ضمیر عائد لله سبحانه وتعالى، أی: أنّ الله تعالى عهد على نفسه بالمغفره إلى من رجع له سبحانه وناب إلیه.
«الغفور»: اسم مشتق من المغفره، وهو الغافر الغفار، وأصله فی اللغه التغطیه والستر، وکلمه «غفّار» صیغه مبالغه، وتوحی أنّ الله سبحانه لا یقبل هؤلاء التائبین ویشملهم برحمته التی وسعت کلّ شیء مرّه واحده فقط، بل سیعمهم عفوه ومغفرته مرات ومرات.
«تاب»: لمن تاب من المعاصی والشرک.
«اهتدى»: ملازمه الإیمان إلى الموت. وبحسب تفسیر أهل البیت (علیهم السلام) إنّ المقصود من قوله «ثُمَّ اهْتَدَى» هو الاهتداء إلى ولایتهم.
تعریف التوبه
وعرّفها، الشیخ المفید، بقوله: «إنّ حقیقه التوبه هی الندم عن المعصیه والعزم على عدم العود إلى مثلها فی القبح». «أوائل المقالات، ص۱۹۲٫ مثله عرّفها الشیخ الطوسی فی التبیان ج۳، ص۱۴۵».
وعرّفها الشیخ محمد أمین زین الدین بقوله: «التوبه هی ندم العبد على ما فعل من المعاصی» [کلمه التقوى، ح۱، ص۱۹۳].
شروط التوبه
جاء فی جمله ما ذکره الإمام علی (علیه السلام) فی خصوص التوبه، أنّ شروطها سته:
أولها: النّدم على ما مضى من الذنب، وهو شرط صحه، أو قل هو الرکن الأول من أرکانها وبدونه لا تتحقق التوبه.
ثانیها: العزم على ترک الرجوع إلى الذنب، وهو شرط صحه أیضاً، وهو الرکن الثانی لها.
ثالثها: إرجاع حقوق الآخرین، شرط قبول؛ إذ قد یکون العمل صحیحاً ولکنه غیر مقبول عند الله تعالى، کمن یصلی صلاه یومیه صحیحه من حیث الشرائط، ولکن من حیث الواقع غیر مقبوله عند الله تعالى، کمن لا تنهاه صلاته عن فعل القبیح والمنکر ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاهَ إِنَّ الصَّلَاهَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ ﴾ [العنکبوت: ۴۵].
رابعها: تأدیه حقوق الله تعالى، وهو شرط قبول أیضاً.
خامسها: إذابه اللحم الذی بنی من الحرام، وهو شرط قبول أیضاً.
سادسها: إذاقه البدن ألم الطاعه، وهو شرط قبول أیضاً.
کما ذکرنا أنّ هذه الشروط المتقدّمه قد جاء ذکرها فی جواب لأمیر المؤمنین علی (علیه السلام) لمن قال فی حضرته: «استغفر الله»، قال (علیه السلام): «ثکلتک أمک أتدری ما الاستغفار، إنّ الاستغفار درجه العلیین وهو اسم واقع على سته معان أولها الندم على ما مضى، والثانی العزم على ترک العود إلیه أبداً، والثالث أن تؤدی إلى المخلوقین حقوقهم حتى تلقى الله أملس لیس علیک تبعه، والرابع أن تعمد إلى کل فریضه علیک ضیعتها تؤدی حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذی نبت على السحت فتذیبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وینشأ بینهما لحم جدید، والسادس أن تذیق الجسم ألم الطاعه کما أذقته حلاوه المعصیه، فعند ذلک تقول: أستغفر الله» [نهج البلاغه: المختار من الحکم رقم ۴۱۷].
شروط الغفران:
ذکرت الآیه مورد البحث شروطاً خاصهّ لتحقق المغفره الإلهیه، کان من بینها الشرط الأول وهو التوبه، أی لابد على العبد أولاً الإقلاع عن المعصیه وترکها بالابتعاد عمّا حرمه الله تعالى ورسوله (صلى الله وعلیه وآله) علیه؛ لکی یهیئ أرضیه نفسه بحیث تکون روحه نقیه زکیه خالیه من أثر جمیع المعاصی بغسلها بماء التوبه.
ثمّ ذکرت شرطاً ثانیاً، وهو الإقلاع عن الشرک بتحقق الإیمان؛ إذ إنّ ناقص الإیمان، الذی له أبواب وشعب متعدده، حتى قیل له أکثر من سبعین باباً، أعلاها شهاده أن لا إله الا الله، وأدناها إماطه الأذى عن الطریق.
ثم بعد التوبه والإیمان لابد أن یقوم بغرس الطیّب لکی یجنی ثماره بعد ذلک، وهو الشرط الثالث للمغفره، أعنی العمل الصالح، کما قال عزّ وجلّ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ ﴾[فاطر: ۱۰]. فمن لیس له إلا الإیمان ومقصر فی الأعمال، فإنه قریب من أن تنقلع شجره إیمانه إذا صدمتها الریاح العاصفه المحرکه للإیمان، کمجیء لحظه الموت وقدوم ملک الموت ووروده؛ بینما قال الله تعالى فی حق صاحب الإیمان ﴿ یَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِینَ آَمَنُوا مِنْکُمْ وَالَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾[المجادله: ۱۱]
ثم ذکرت الآیه الکریمه شرطاً رابعاً معتبره إیاه أهم من الشروط السابقه، وهو شرط الاهتداء، وجاء فی تفسیر أهل البیت (علیهم السلام) لها بأنّ المراد من الاهتداء هنا هو الاهتداء إلى ولایتهم (علیهم السلام)، کما جاء ذلک فی روایه عن الباقر (علیه السلام)، أنّه قال: «ثمّ اهتدى إلى ولایتنا أهل البیت» ثم أضاف «فو الله لو أنّ رجلاً عبد الله عمره ما بین الرکن والمقام، ثم مات ولم یجیء بولایتنا لأکبه الله فی النّار على وجهه» [تفسیر نور الثقلین، ج۳، ص۳۸۷].
والآیه قد أشارت إلى لزوم قبول الولایه، والالتزام بقیاده القاده الربانین، أی: أنّ المغفره لا تتحقق بدونها حتى مع تحقق التوبه والإیمان والعمل الصالح، والاستمرار علیها.
النتیجه:
إنّ طبیعه الإنسان میّاله للرغبات والشّهوات الحیوانیّه وأنّها ما أن تحس بالنعیم والتنعیم تطغى وتستغنی عن الله تعالى، کما قال الله تعالى: ﴿ کَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَیَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾[العلق: ۶ – ۷] ولکن الإنسان المؤمن بالله سرعان ما أن یلتفت إلى نفسه فیندم على ما فعل ویسرع بإعلان التوبه والإنابه إلى الله تعالى خصوصاً وأنّ الله تعالى جعل باب التوبه مفتوحاً دائماً أمام کل من یرید الدخول منه للرجوع عن معصیته؛ نتیجه الغفله عن ذکر الله فأنساهم الله أنفسهم﴿ وَلَا تَکُونُوا کَالَّذِینَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾[الحشر: ۱۹].
وعن الإمام الصادق (علیه السلام): أوحى الله عزّ وجلّ إلى داوود النبی: یا داوود إنّ عبدی المؤمن إذا أذنب ذنباً، ثم رجع وتاب من ذلک الذنب، واستحیا منی عند ذکره غفرت له، وأنسیته الحفظه وأبدلته الحسنه، ولا أبالی، وأنا أرحم الراحمین. [بحار الأنوار، ج۶ ص۲۸].