الإمام الرضا (ع) والتمیز العلمی

0

 
عند تصفح سیره الإمام الرضا (علیه السلام) نجد العدید من المواقف الجدیره بالتأمل والتدقیق لاستلهام الدروس والعبر منها.
ففی عصره کانت أحداث سیاسیه جدیره بالتوقف والتأمل فیها، وما الحرب التی اشتعلت بین الأمین والمأمون إلا واحده من الأحداث التی تمیز بها عصر الإمام (علیه السلام).
وکذلک تولی الإمام زمام «ولایه العهد» بضغط من المأمون وما رافقها من تطورات على الساحه الإسلامیه، إلا حادثه أخرى کان لها أثرها الکبیر فی الأمه.
وکذلک المواقف والأحداث التی ترافقت مع تولی الإمام منصب ولایه العهد، لهی مواقف تتطلب منا قراءه متأنیه ودقیقه.
لا أرید التفصیل فی هذا الجانب وإنما سأخصص هذه المقاله للحدیث عن جانب مهم فی حیاه الإمام الرضا (علیه السلام) ألا وهو الجانب العلمی (علیه السلام).
الإمام الرضا (علیه السلام)… المرجعیه العلمیه.
إن " الشیء البارز فی شخصیه الإمام الرضا (علیه السلام) هو إحاطته التامه بجمیع أنواع العلوم والمعارف، فقد کان بإجماع المؤرخین والرواه اعلم أهل زمانه، وأفضلهم وأدراهم بأحکام الدین، وعلوم الفلسفه والطب وغیرها من سائر العلوم، وقد تحدّث عبدالسلام الهروی عن سعه علومه، وکان مرافقاً له، یقول:
«ما رأیت اعلم من علی بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتی، ولقد جمع المأمون فی مجالس له عدداً من علماء الأدیان، وفقهاء الشریعه والمتکلمین، فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقی منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، واقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته یقول: کنت أجلس فی «الروضه» والعلماء بالمدینه متوافرون فإذا عیّ الواحد منهم عن مسأله أشاروا إلی بأجمعهم، وبعثوا إلیّ المسأله فأجیب عنها..».
لقد کان الإمام أعلم أهل زمانه، کما کان المرجع الأعلى فی العالم الإسلامی الذی یرجع إلیه العلماء والفقهاء فیما خفی علیهم من أحکام الشریعه، والفروع الفقهیّه.
قال إبراهیم بن العباس: «ما رأیت الرضا یسأل عن شیء قط إلاّ علم، ولا رأیت اعلم منه بما کان فی الزمان الأول، إلى وقته وعصره، وکان المأمون یمتحنه بالسؤال عن کل شیء فیجیبه الجواب الشافی».
قال المأمون: «ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل ـ یعنی الإمام الرضا ـ على وجه الأرض…».
معرفته بجمیع اللغات:
وظاهره أخرى من علومه هی: معرفته التامه، وإحاطته الشامله بجمیع اللغات، قال أبو إسماعیل السندی: «سمعت بالهند أن لله فی العرب حجه، فخرجت فی طلبه، فدُلِلت على الرضا (علیه السلام) فقصدته وأنا لا أحسن العربیه، فسلّمت علیه بالسندیه، فرد علیَّ بلغتی، فجعلت اکلمه بالسندیه، وهو یرد علیّ بها، وقلت له: إنی سمعت إن لله حجه فی العرب، فخرجت فی طلبه، فقال (علیه السلام): أنا هو، ثم قال لی: سل عما أردته فسألته عن مسائل فأجابنی عنها بلغتی» [1] .
وقد أکد هذه الظاهره الکثیرون ممن اتصلوا بالإمام، یقول أبو الصلت الهروی: کان الرضا (علیه السلام) یکلم الناس بلغاتهم، فقلت له: فی ذلک فقال:
یا أبا الصلت أنا حجه الله على خلقه، وما کان الله لیتخذ حجه على قوم، وهو لا یعرف لغاتهم. أومأ بلغک قول أمیر المؤمنین (علیه السلام): أوتینا فصل الخطاب، وهل هو إلاّ معرفته اللغات.
وروى یاسر الخادم فقال: کان لأبی الحسن (علیه السلام) فی البیت صقالبه، وروم، وکان أبو الحسن قریباً منهم فسمعهم یتکلمون بالصقلبیه والرومیه، ویقولون: إنا کنا نفصد کل سنه فی بلادنا، ولا نفصد ها هنا، ولمّا کان من الغد بعث إلیهم من یقصدهم.
دروس وعبر
من خلال هاتین الحادثتین نود أن نذکر بعض النقاط التی تهمنا وتسهم فی بناء شخصیاتنا بناءاً علمیاً ممیزاً.
المتمیزون علمیاً
لابد من السعی لبناء أجیال تتمیز بهذه المیزه «التمیز العلمی»، وترسیخ ثقافه التمیز فی الوسط التربوی والعلمی، من خلال تبنی مؤسسات تهتم بهذا الجانب، وبث روح التنافس الإیجابی، وروح الابتکار، وتوجیه الطاقات نحو التمیز العلمی فی المجالات التی تخدم المجتمع.
تعلم اللغات الأجنبیه
إن تعلم اللغات الأجنبیه، فضلا عن اللغه الرسمیه، یعتبر أمرا ضروریا لا بد منه، ولهذا تکثر المعاهد ومراکز تعلم اللغات الأجنبیه، بل توجد کلیات وجامعیه حکومیه متخصصه فی اللغات، فضلا عن الکلیات الأهلیه، والمعاهد الأجنبیه التی تستثمر فی هذا الجانب، کما أن الحاجه لتلک اللغات تتنامى یوما بعد یوم فی ظل العولمه وعصر الاتصالات والمعلومات والإنترنت الذی زاد من أهمیه اللغات الأجنبیه بحکم أن المواقع والمعلومات المهمه تعنى بها جیدا.
البحث عن التخصصات النوعیه
فی عصر التطور والتکنولوجیا، وثوره المعلومات، ینبغی على طلاب الجامعات عدم البحث عن التخصصات السهله، بل یجب البحث عن التخصصات النادره التی تتماشى مع متطلبات العصر.
کما أن سوق العمل یفرض التوجه للتخصصات النادره، لذا لابد من البحث ودراسه متطلبات العصر دراسه دقیقه، ومن ثم اختیار التخصص المناسب الذی یلبی طموح الفرد.
التعلیم المستمر
وأخیراً، فإننا مهما بلغنا مرتبه من العلم إلا أنه یبقى علماً محدوداً، یقول تعالى: «وما أوتیتم من العلم إلا قلیلاً» ویقول «وقل رب زدنی علماً» وهذا یعمی أنه ینبغی علینا أن نکون فی عملیه مستمره من التعلم، من خلال عده وسائل کالقراءه والمطالعه المستمره، حضور الدورات العلمیه، تعلم العلوم الحدیثه، وغیرها.
و لا ننس أن الوقوف عند حد معین من العلم یُعد «جهلاً» فی هذا العصر المتسارع فی التطورات العلمیه والاکتشافات المذهله.
ـــــــــــــــــ
 [1] أعلام الهدایه، الإمام علی بن موسى الرضا ، ص ۳۱، الطبعه الأول ۱۴۲۶هـ ۲۰۰۵م، دار الأمیره، بیروت، لبنان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.