من مشاهد یوم القیامة ، یوم الحساب و یوم الحسرة
من مشاهد یوم القیامة ، یوم الحساب و یوم الحسرة
(هَلْ یَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَهَ أَنْ تَأْتِیَهُمْ بَغْتَهً وَهُمْ لا یَشْعُرُونَ * الأَخِلاَّءُ یَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِینَ * یَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِینَ آَمَنُوا بِآَیَاتِنَا وَکَانُوا مُسْلِمِینَ * ادْخُلُوا الْجَنَّهَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُکُمْ تُحْبَرُونَ * یُطَافُ عَلَیْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَکْوَابٍ وَفِیهَا مَا تَشْتَهِیهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْیُنُ وَأَنْتُمْ فِیهَا خَالِدُونَ * وَتِلْکَ الْجَنَّهُ الَّتِی أُورِثْتُمُوهَا بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَکُمْ فِیهَا فَاکِهَهٌ کَثِیرَهٌ مِنْهَا تَأْکُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَکِنْ کَانُوا هُمُ الظَّالِمِینَ * وَنَادَوْا یَا مَالِکُ لِیَقْضِ عَلَیْنَا رَبُّکَ قَالَ إِنَّکُمْ مَاکِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاکُمْ بِالْحَقِّ وَلَکِنَّ أَکْثَرَکُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ یَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَیْهِمْ یَکْتُبُونَ) .
(هَل یَنُظرُونَ إِلاَّ السَاعَهَ أَن تَأتِیَهُم بَغتَهً وَهُم لاَ یَشعُرُونَ ).
استفهام تقریری ینطوی على الوعید المرعب فی قیام الساعه، وکأنّهم ینظرون إلیها حقیقه واقعه مذهله، والساعه وأمرها مما أنفرد الله بعلمه وتفصیلاته، وتدلّ الآیات القرآنیه فی أکثر من موضع على قیامها مقترناً بعنصر المفاجأه دون إنذار مسبق، أو وقت مبیت، وهو غیب ینطلق إیماننا به بالضروره لأنّه من أرکان هذا الدین، وهو فرع من إیماننا بالقرآن والرساله جمله وتفصیلاً. وتصاحب ذلک إمارات وعلامات فی التغییر الکونی لجمیع مظاهر العوالم فی السماوات والأرض وما فیهما حیث یتمّ الانقلاب الشامل المدهش إیذاناً بالقیامه، وکأنّ الدنیا لم تکن والآخره لم تزل، ووضعت الموازین، ورفع القلم،
والظاهره التی تثیرها الآیه هنا مضافاً إلى الظواهر الأخرى فی آیات أخرى، إنّ المتحابین فی الدنیا باستثناء المتقین، ینقلبون إلى أعداء متلاومین، ذلک أنّهم کانوا متعاضدین على الکفر والضلال، مجتمعین على الباطل والفسوق، وإذا بهم أعداء فی الروح والذات، وخصوم فی اللقاء، فأمّا المتقون فثباتهم فی الحیاه الدنیا عاد أداه استمراریه لثباتهم فی الحیاه الأخرى، فلا عداء یفهم ولا ملاحاه، بنی اتصالهم على الحقّ، وکان حبهم فی ذات الله، بعیداً عن المظهر المادی المغلف، والحبّ الدنیوی الکاذب، (الأَخِلاَّءُ یَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِینَ).
وما زال فی حدیثه عن المتقین فإنّه یشرّفهم بالقرب منه بندائه الکریم: ( یَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ )، إنّ اللذه الروحیه بهذا النداء لتفوق بأحاسیسها الإحساس بأیّ عطاء مادّی مهما کان قیماً، وباستقراء القرآن الکریم نجد هذه الصفه مطرده بأصفیاء الله، فکلّ صدّیق عبد له، وکلّ نبیّ من عباده، وکلّ مرسل یشرّف بهذا الوسام،
ولقد کانت هذه النفوس أکثر سروراً بإدخالها فی عباده وحشرها فی زمره أولیائه من إدخالها فی جنته، لأنّ النفس الزکیّه تتسمّ بشفافیه روحیه تجعلها تنظر بعین الغبطه والرضا إلى اندماجها فی عباد الله، فهی بذلک أشدّ فرحاً وتأثراً وانجذاباً من اندماجها فی دخول الجنه، وإن کان دخول الجنه جلیلاً، إلاّ أنّ مخالطتها للعباد الصالحین أمر یتصف بالروحانیه المطلقه، وهذه الروحانیه تحقق لهم مزیداً من الرغبه العارمه، فلقاء محمد وآل محمد، وإبراهیم وآل إبراهیم مثلاً، أکثر تقبلاً فی نفوس الخاصه من الأولیاء، وأسمى منزله من دخول الجنه، فإذا أضیفت لهذه الروحانیه البشاره بأن: لا خوف علیکم الیوم ولا أنتم تحزنون، تکاملت السعاده من أطرافها، إذ أمتزج القرب الروحی بالاطمئنان إلى الشعور النفسی بالاستقرار والأمن والسلامه، فلا الخوف یخشى، ولا الحزن یقترب، وهما مظهران من مظاهر القلق النفسی، وبابتعادهما یتفرغ الشعور لاستقبال الملاذ والمتع الحسیه، لهذا یأتی بعد هذا النداء تحقیق الوعد بما أدّخر لهم الله فی ذلک الیوم من نعم ومتع وسرور، جزاء على إیمانهم اللامحدود، وإسلامهم المقترن بصالح الأعمال: (الَّذِینَ آَمَنُوا بِآَیَاتِنَا وَکَانُوا مُسْلِمِینَ * ادْخُلُوا الْجَنَّهَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُکُمْ تُحْبَرُونَ ).
وتأتی سلسله اللذائذ الحسیه مسبوقه بأمر الدخول إلى الجنه غیر مستوحشین ولا فرادى، بل هم وأزواجهم لیجتمع الشمل، وتعمّ الفرحه بما یطفح بشره، ویتجلى أثره فی نضره الوجوه، فإذا حلّ الإشباع فی الأطعمه والأشربه، وهما من مظاهر التّرفّه والتنعم، أضیف مختلجات النفس الإنسانیه فیما تتطلبه من شهوات وملاذ وطرف، فإذا تکامل ذلک بقیت اللذه الکبرى فیما تتمتع به العیون، فأعطى ذلک لهم لتتمّ السعاده عندهم مادّیاً ونفسیاً وحسیاً، ولئلا یتنغص علیهم هذا المناخ فی إشاعته الحبور المتواکب: کرّموا بالأنباء عن إدامه ذلک وبخلودهم معه. وهنا تشریف لهم بالالتفات فی الخطاب، (یُطَافُ عَلَیْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَکْوَابٍ وَفِیهَا مَا تَشْتَهِیهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْیُنُ وَأَنْتُمْ فِیهَا خَالِدُونَ).
ویستمر الحدیث عن الجنه فی مجالین:
الأوّل: مجال استحقاقها بالأعمال الصالحه وتوفیق الله تعالى.
الثانی: بإیجاب أطایب الجنه بما فیها من فواکه کثیره متنوعه، ترغیباً فیها، وتسلیه عن الحرمان الذی أصاب بعضهم فی الحیاه الدنیا، وتعویضاً عن الفقر والفاقه حتى مع الغنى فی الدنیا، إذ جمیع ما فی الدنیا زائل متقلب متغیر، وذلک النعیم ثابت مستقرٌّ متجدد: (وَتِلْکَ الْجَنَّهُ الَّتِی أُورِثْتُمُوهَا بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَکُمْ فِیهَا فَاکِهَهٌ کَثِیرَهٌ مِنْهَا تَأْکُلُونَ).
هذا مشهد من مشاهد المتقین یوم القیامه، أمّا المجرمون الذین تمکنوا فی الإجرام فیصور حالتهم قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَکِنْ کَانُوا هُمُ الظَّالِمِینَ * وَنَادَوْا یَا مَالِکُ لِیَقْضِ عَلَیْنَا رَبُّکَ قَالَ إِنَّکُمْ مَاکِثُونَ).
یا لها من مراره قاتله، وحیاه مزعزعه مرعبه، خلود فی العذاب بلا انقضاء، وشده فی وقعه مع الخذلان، وإرتکاس بأعماقه إلى الحضیض، لا یقف لحظه، حتى إذا بلغ العذاب أشده، والتقت حلقتا البطان، نادوا من الأعماق بکلّ خیبه وذل واستکانه ( یَا مَالِکُ لِیَقْضِ عَلَیْنَا رَبُّکَ قَالَ إِنَّکُمْ مَاکِثُونَ) إنّه الهوان أن یتمنوا الهلاک لا النجاه، والموت لا الغوث،
ثُمّ یتجه الخطاب بالتوبیخ للمعرضین ولأضرابهم ممن انتهى بهم المطاف إلى هذا المصیر المؤلم نتیجه الإصرار على الخطأ، فهم یکرهون الحقّ عن قصد، وهم یحاربونه عن عرفان، لا یشتبهون فی إدراکه، ولا یخطئون فی تمییزه عن الباطل (وَلَکِنَّ أَکثَرَکُم لِلحَقِ کَرِهُونَ) غریزه جبلت علیها طبائعهم، لأنّه یسایر رغباتهم.
ثُمّ یعصف بهم التحذیر على وجه الإنکار، والتعجیز على جهه المقابله، والتحدی بأحکام التدبیر( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) فکیدهم ومکرهم یطوح به تدبیر الله وإبرامه، لأنّ مکرهم عاد وبالاً علیهم بما جنوا من ثمار الخیبه والخسران، أمّا کید الله وإحکامه للأمور فقد کان صاعقه انتهت بهم إلى الإخفاق فیما أعدّوه لمحاربه الله ورسوله، فقد طار هباء سرّهم ونجواهم، فلا حدیث النفس بخافٍ علیه، ولا التناجی بغائب عنه: (أَمْ یَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَیْهِمْ یَکْتُبُونَ ).
فهناک رصد یتعقب دقائق الأمور وجزئیاتها، یترجمه الکرام الکاتبون، بالتقاط الصور الواقعیه والمتخیله من الأحادیث والنیات والأعمال، فتحصى بأمانه لتعرض على الله، فیتقاصر حینذاک الجهله، لأنّهم أمام السمیع العلیم.
http://shiastudies.com/ar/