حقیقه القول بالصِّرفه فی الإعجاز القرآنی ورأی السید المرتضى

0

هناک قول فی وجه الإعجاز ـ لعلّه یخالف رأی الجمهور ـ هو : أنّ الآیه والمعجزه فی القرآن إنّما هی لجهه صَرف الناس عن معارضته ، صَرفَهم الله تعالى أن یأتوا بحدیث مثله ، وأمسک بعزیمتهم دون القیام بمقابلته ، ولولا ذلک لاستطاعوا الإتیان بسوره مثله ، وهذا التثبیط فی نفسه إعجاز خارق للعاده ، وآیه دالّه على صدق نبوّته ( صلّى الله علیه وآله ) .
وهذا المذهب فضلاً عن مخالفته لآراء جمهور العلماء ، فإنّه خطیر فی نفسه ، قد یُوجب طعناً فی الدین والتشنیع بمعجزه سید المرسلین ( صلّى الله علیه وآله ) الطاهرین : أن لا آیه فی جوهر القرآن ولا معجزه فی ذاته ، وإنّما هو لأمر خارج هو الجبر وسلب الاختیار ، وهو ینافی الاختیار الذی هو غایه التشریع والتکلیف ، وغیر ذلک من التوالی الفاسده (۱) ؛ الأمر الذی استدعى تفصیل الکلام حوله والتحقیق عن جوانبه .
حقیقه مذهب الصرف :
الصَّرف : مصدر ( صرفه ) بمعنى ردّه ، والأکثر استعماله فی ردّ العزیمه ، قال تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آیَاتِیَ الَّذِینَ یَتَکَبَّرُونَ فِی الأَرْضِ ) (۲) .
قال السیّد شبّر : أی عن إبطال دلائلی ، ومعناه ـ کما ذکره الطبرسی فی المجمع ـ : سأفسخ عزائمهم على إبطال حججی بالقدح فیها وإمکان تکذیبها ؛ وذلک بوفره الدلائل الواضحه والتأیید الکثیر ، بما لا یدع مجالاً لتشکیک المعاندین ولا ارتیاب المرتابین ، کما یقال : فلان أخرسَ أعداءه عن إمکان ذمّه والطعن فیه ، بما تحلّى به من أفعاله الحمیده وأخلاقه الکریمه .
ومنه قوله تعالى ـ بشأن المنافقین ـ : ( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ یَفْقَهُون ) (۳) ، وهذا دعاء علیهم بصَرف قلوبهم عن إراده الخیر ؛ لکونهم قوماً حاولوا التعمیه على أنفسهم فضلاً عن الآخرین ..
وعلى ذلک فقد اختلفت الأنظار فی تفسیر مذهب الصَرف على ما أراده أصحابه ، قال الأمیر یحیى بن حمزه العلوی الزیدی ( توفّی سنه ۷۴۹ هـ ) : واعلم أنّ قول أهل الصِّرْفَه یمکن أن یکون له تفسیرات ثلاثه ؛ لِما فیه من الإجمال وکثره الاحتمال :
التفسیر الأوّل : أن یُریدوا بالصرفه أنّ الله تعالى سلب دواعیهم إلى المعارضه ، مع أنّ أسباب توفّر الدواعی فی حقّهم حاصله : من التقریع بالعجز ، والاستنزال عن المراتب العالیه ، والتکلیف بالانقیاد والخضوع ، ومخالفه الأهواء .
التفسیر الثانی : أن یریدوا بالصرفه أنّ الله تعالى سلبهم العلوم التی لا بدّ منها فی الإتیان بما یشاکل القرآن ویقاربه .
ثمّ أنّ سلب العلوم یمکن تنزیله على وجهین :
أحدهما أن یقال : إنّ تلک العلوم کانت حاصله لهم على جهه الاستمرار ، لکنَّ الله تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم .
وثانیهما أن یقال : إنّ تلک العلوم ما کانت حاصلهً لهم : خلا أنّ الله تعالى صرف دواعیهم عن تجدیدها مخافهَ أن تحصل المعارضه .
التفسیر الثالث : أن یراد بالصرفه أنَّ الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهه القسر عن المعارضه مع کونهم قادرین ، وسلب قُواهم عن ذلک ؛ فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضه ، وحاصل الأمر فی هذه المقاله : أنّهم قادرون على إیجاد المعارضه للقرآن ، إلاّ أنّ الله تعالى منعهم بما ذکرناه … (۴) .
وحاصل الفرق بین هذه التفاسیر الثلاثه ، أنّ الصرف على الأَوّل : عباره عن عدم إثاره الدواعی الباعثه على المعارضه . کانوا مع القدره علیها ، ووفره الدواعی إلیها ، خائری القُوى وخاملی العزائم عن القیام بها ، وهذا التثبیط من عزائمهم وصرف إراداتهم کان من لطیف صنعه تعالى ؛ لیُظهره على الدین کلّه ولو کره المشرکون .
وعلى التفسیر الثانی : کانوا قد أعوزتهم عمده الوسائل المُحتاج إلیها فی معارضه مثل القرآن ، وهی العلوم والمعارف المشتمل علیها آیاته الحکیمه ، حتّى إنّهم لو کانت عندهم شیء منها فقد أُزیلت عنهم ومُحیت آثارها عن قلوبهم ، أَو لَم تکن عندهم ولکنّهم صُرفوا عن تحصیلها من جدید خشیهَ أن تقوم قائمتهم بالمعارضه .
وعلى الثالث : أنّ الدواعی کانت متوفّره ، والأسباب والوسائل المحتاج إلیها للمعارضه کانت حاضرهً لدیهم ، لکنّهم مُنعوا عن القیام بالمعارضه منع إلجاءٍ ، وقد أمسک الله بعنان عزیمتهم قهراً علیهم رغم الأُنوف .
قلت : والمعقول من هذه التفاسیر ـ نظراً لموقع أصحاب هذا الرأی من الفضیله والکمال ـ هو التفسیر الوسط ، لکن بمعنى أنّهم افتقدوا وسائل المعارضه لقصورهم بالذات من جانب ، وشموخ موضع القرآن من جانب آخر .. ومن المحتمل القریب إراده هذا المعنى ، حسبما جاء فی عرض کلامهم ولا سیّما فی کلام الشریف المرتضى ما ینبّه علیه .
وهکذا رجّح ابن میثم البحرانی ( توفّی سنه ۶۹۹ هـ ) إراده هذا المعنى من کلام السیّد ، قال : وذهب المرتضى ( رحمه الله ) إلى أنّ الله تعالى صرف العرب عن معارضته ، وهذا الصرف یُحتمل أن یکون لسلب قُدَرهم ، ویُحتمل أن یکون لسلب دواعیهم ، ویُحتمل أن یکون لسلب العلوم التی یتمکّنون بها من المعارضه ، نقل عنه أنّه اختار هذا الاحتمال الأخیر (۵) ؟
وقد تنظّر سعد الدین التفتازانی ( توفّی سنه ۷۹۳ هـ ) فی صحّه التفاسیر الثلاثه جمیعاً ، قال : الصرفه إمّا بسلب قدرتهم ، أو بسلب دواعیهم ، أو بسلب العلوم التی لابدّ منها فی الإتیان بمثل القرآن ، بمعنى أنّها لم تکن حاصلهً لهم ، أو بمعنى أنّها کانت حاصلهً فأزالها الله .
قال : وهذا ( الأخیر الذی هو أوسط التفاسیر ) هو المختار عند المرتضى ، وتحقیقه أنّه کان عنده العلم بنظم القرآن والعلم بأنّه کیف یؤلّف کلام یساویه أو یدانیه ، والمعتاد أنّ مَن کان عنده هذان العِلمان یتمکّن من الإتیان بالمثل ، إلاَّ أنّهم کلّما حاولوا ذلک أزال الله تعالى عن قلوبهم تلک العلوم ، وفیه نظر … (۶) .
قال عبد الحکیم السیالکوتی الهروی ـ فی تعلیقته على شرح المواقف بعد نقل کلام التفتازانی هذا ـ : لعلّ وجه النظر استبعاد بعض الأقسام ، أو کون سلب القدره عباره عن سلب العلوم (۷) .
وعلى أیّ حال ، فالأجدر هو النظر فی تفاصیل مقالاتهم ، ماذا یریدون ؟
… وفی مقالات الإسلامیّین لأبی الحسن الأشعری ( توفّی سنه ۳۳۰ هـ ) تصریح بأنّه المعنى الثالث ، وهو المنع بالإلجاء والقهر ، قال : وقال النظّام : الآیه والأُعجوبه فی القرآن ما فیه من الإخبار عن الغیوب . فأمّا التألیف والنظم ، فقد کان یجوز أن یقدر علیه العباد لولا أنّ الله منعهم بمنع وعَجز أحدثهما فیهم (۸) .
وأمّا عبد الکریم الشهرستانی ، فقد خلط بین المعنى الأَوّل والأخیر ، قال : التاسعه : قوله فی إعجاز القرآن ، أنّه من حیث الإخبار عن الأمور الماضیه والآتیه ، ومن جهه صرف الدواعی عن المعارضه ، ومنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجیزاً . حتّى لو خلاّهم لکانوا قادرین على أن یأتوا بسوره من مثله بلاغهً وفصاحهً ونظماً (۹) .
غیر أنّ الأرجح فی النظر هو ما ذکره القاضی عضد الإیجی والسیّد شریف الجرجانی فی تفسیر مذهبه ، فقد فصَّلا رأیه عن رأی الشریف المرتضى القائل بسلب العلوم ، والتفصیل قاطع للشرکه على ما قیل .
ویتأیّد هذا المعنى أیضاً بما جاء فی عرض کلام تلمیذه المتأثّر برأیه أبی عثمان الجاحظ (۱۰) ، قال : ورفع الله من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضه للقرآن … (۱۱) .
 
مذهب الشریف المرتضى :
المعروف من مذهب الشریف المرتضى ( المتوفّى سنه ۴۳۶ هـ ) فی الإعجاز هو القول بالصِّرفه ، نسبه إلیه کلّ من کَتب فی هذا الشأن ، قولاً واحداً ، وکذا شیخه أبو عبد الله المفید ( المتوفّى سنه ۴۱۳ هـ ) فی أحد قولیه (۱۲) ، وتلمیذه أبو جعفر الطوسی ( المتوفّى سنه ۴۶۰ هـ ) فی کتابه ( تمهید الأُصول ) ، الذی وضعه شرحاً على القسم النظری من رساله ( جمل العلم والعمل ) تصنیف المرتضى ، لکنَّه رجع عنه فی کتابه ( الاقتصاد بتحقیق مبانی الاعتقاد ) ، کَتَبَه متأخّراً ، واعتذر عنه تأییده للسیّد فی شرح الجمل باحتشام رأی شیخه عند شرح کلامه ، قال : کنت نصرتُ فی شرح الجمل ( تمهید الأُصول ) القول بالصِّرفه ، على ما کان یذهب إلیه المرتضى ( رحمه الله ) ، حیث شرحت کتابه فلم یحسن خلاف مذهبه (۱۳) .
وأمّا تلمیذه الآخر ، أبو الصلاح تقیّ الدین الحلبی ( المتوفى سنه ۴۴۷ هـ ) فقد سار على منهج الأستاذ وارتضاه وجعله الأوجه من وجوه إعجاز القرآن ، واستدلّ بما یکون تلخیصاً لدلائل السیّد ، ولم یزد علیه (۱۴) .
ویبدو من کلام السید ـ وفیما نُقل عنه الشیخ وغیره (۱۵) ـ أنّه أراد المعنى الوسط من التفاسیر المتقدّمه عن صاحب الطراز ، وهو : أنّ العرب سُلبوا العلوم التی یحتاج إلیها فی معارضه مثل القرآن ، فخامهً وضخامهً ، فی وجازه اللفظه وظرافته ، فی سمّو معناه ورفعته … من أین کانت العرب تأتی بمثل معانیه حتّى ولو فرض قدرتها على صیاغه مثل لفظه ولو یسیراً ؟!
ومعنى السلب : عدم المنح ، على ما سبق فی تفسیر الآیه الکریمه : ( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ یَفْقَهُون ) (۱۶) وکذا قوله تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آیَاتِیَ الَّذِینَ یَتَکَبَّرُونَ فِی الأَرْضِ ) (۱۷) أی أنّهم لفرط جهلهم وصمودهم فی رفض الحقّ ، حُرموا من فیضه تعالى فلم یَحظوا ببرکات رحمته : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) (۱۸) وذلک هو الخذلان والحرمان المقیت .
قال الطبرسی : ( سَلب قدرتهم على التکذیب ، بمعنى توفیر الدلائل والبراهین القاطعه بحیث لا تدع مجالاً للشک فضلاً عن الردّ وإمکان التکذیب ) ، ( ذَلِکَ الْکِتَابُ لاَ رَیْبَ فِیهِ ) (۱۹) .
فقد توفّرت المعانی الضخمه وازدحمت المعارف الجلیله بین أحضان القرآن الکریم ، بما بهر العقول وطار بالألباب ، الأمر الذی سلب قدره المعارضه عن أیّ معارض متى رامها ، ولم یدع مجالاً للتفکیر فی مقابلته لأیّ صندید عنید ، مادام هذا الکتاب العزیز قد شمخ بأنفه على کلّ مستکبر جبّار عارض طریقه إلى الإمام !!
فلعلّ الشریف المرتضى أراد هذا المعنى ، وأنّ اللفظ مهما جلّ نظمه وعزّ سبکه ، فإنّه لا یبلغ مرتبه المعنى فی جلاله وکبریائه ، والتحدّی إنّما وقع بهذا الأهمّ الأَشمل ، قال : فإن قال : الصرف عمّاذا وقع ؟ قلنا : عن أن یأتوا بکلام یساوی أو یقارب القرآن فی فصاحته وطریقه نظمه ، بأن سَلَب کلّ مَن رام المعارضه العلومَ التی تتأتّى بها مِن ذلک ، فإنّ العلوم التی بها یُتمکّن من ذلک ضرورهً مِن فعله تعالى بمجرى العاده (۲۰) .
تأمّل هذه العباره وأَمعن النظر فیها تجدها صریحه تقریباً فی إراده القدره العلمیه ، التی هی حکمه إلهیه یهبها لمَن یشاء من عباده ( وَمَنْ یُؤْتَ الْحِکْمَهَ فَقَدْ أُوتِیَ خَیْرًا کَثِیراً ) (۲۱) ، فهؤلاء حُرموها ؛ مغبّه لجاجهم وعنادهم مع الحقّ .
وهکذا فهم الأُستاذ الرافعی تفسیر مذهب السیّد فی الصرفه ، قال : وقال المرتضى من الشیعه : بل معنى الصرفه أنّ الله سلبهم العلوم … التی یُحتاج إلیها فی المعارضه لیجیئوا بمثل القرآن … فکأنّه یقول : إنّهم بلغاء یقدرون على مثل النظم والأسلوب ، ولا یستطیعون ما وراء ذلک ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعانی ؛ إذ لم یکونوا أهل علم ولا کان العلم فی زمنهم (۲۲) .
ومن قبلُ قال التفتازانی : أو بسلب العلوم التی لابدّ منها فی الإتیان بمثل القرآن ، بمعنى أنّها لم تکن حاصلهً لهم ، أو بمعنى أنّها کانت حاصلهً فأزالها الله ، قال : وهذا ( سلب العلوم ) هو المختار عند المرتضى (۲۳) .
قلت : ظاهر قول المرتضى هو الشقّ الأوّل من المعنیینِ : ( أنّها لم تکن حاصله لهم ) .
وللأستاذ توفیق الفکیکی البغدادی محاوله مشکوره بشأن الدفاع عن موقف السیّد فی مذهب الصرفه ، إذ استبعد أن یأخذ مثل الشریف المرتضى ـ وهو عَلَم الهدى ـ موضعاً یبتعد عن موضع الشیعه الإمامیه وإجماع محقّقیهم وهو رأسهم وسیّدهم ، وکذا شیخه أبو عبد الله المفید الذی هو أستاذ الکلّ ومفخر المتکلّمین .
قال : إنّ أقوال أئمّه الإمامیه المعتمده المعتبره لا تختلف عن کلام أهل التحقیق من أساطین العلم وزعماء البیان فی حقیقه الإعجاز ، حتّى لقد اشتهر قولهم : ( القول بالصدفه کالقول بالصرفه ) فی الامتناع ، کما نبّه علیه العلاّمه الحجه الشیخ محمّد الحسین آل کاشف الغطاء (۲۴) .
قال : فنسبه القول بالصرفه ـ بمعناها الباطل ـ إلى العلاّمه الجلیل ( المفید ) والى تلمیذه ( الشریف المرتضى ) ، لا یحتملها النظر الصحیح بعد کون هذا الاحتمال مخالفاً لعقیده الشیعه الإمامیه ولأصول مبانیها .
قال : والذی نحتمله ، بل ونعتقده ، أنّ الشیخ المفید معروف بقوّه الجدل والتمرّس بفنون المناظره ، وکان کسقراط یُلقی على تلامیذه مسائل دقیقه ویناقشهم فیها لاختبار عقولهم ، ولا سیّما شبهات المعتزله کآراء النظّام وأصحابه القائلین بالصرفه ، وهی إحدى المسائل التی ناظر بها أقطاب المعتزله ، فلعلّه وقع فی نفوس البعض أنّه یقول بها ، وهو اشتباه لا یستند إلى تحقیق (۲۵) .
وهکذا احتمل العلاّمه السید هبه الدین الشهرستانی بشأن الشریف المرتضى أنّه کان معروفاً بقوّه الجدل والتحوّل فی حوار المناظرین إلى هنا وهناک ، فلم یُعلم کونها عقیدهً له ونظریّهً ثابتاً علیها (۲۶) .
وبعد ، فالإیفاء بأمانه البحث یستدعی نقل کلام المرتضى بکامله ، حسبما وصل إلینا من کتبه وعن طریق تلمیذه الأکبر الطوسی وغیره من الأقطاب .
قال السیّد فی کتابه ( الجُمل ) ، فی باب : ما یجب اعتقاده فی النبوّه :
وقد دلّ الله تعالى على صِدق رسوله محمّد ( صلّى الله علیه وآله ) بالقرآن ؛ لأنّ ظهوره معلوم ضروره ، وتحدّیه العرب والعجم معلوم أیضاً ضروره ، وارتفاع معارضته أیضاً بقریب من الضروره ، فإنّ ذلک التعذُّر معلوم بأدنى نظر ؛ لأنّه لولا التعذّر لعورض ، فأمّا أن یکون القرآن من فعله تعالى على سبیل التصدیق له فیکون هو العلم المعجز ، أو یکون تعالى صرف القوم عن معارضته ، فیکون الصرف هو العلم الدالّ على النبوّه ، وقد بیّنا فی کتاب ( الصرف ) الصحیح من ذلک وبسطناه (۲۷) .
وقد أوضح السیّد جانباً من مذهبه ، فی أجوبه المسائل الرسیّه ، عندما تعرّض لسؤال القائل : إنّکم تقولون إنّ وجه الإعجاز هو الصرفه ، والعلم به مفتقر إلى معرفه مراتب الفصاحه لکی یَعرف الناظر عدم الفرق البائن بین المُعجز والممکن ، الأمر الذی یقتضی توقّف إثبات النبوّه على معرفه العربیه المتعذّره على عامّه المکلّفین ، فیلزم على ذلک إبطال النبوّه لا سمح الله .
فأجاب بأنّ هذه الشبهه إنّما خطرت ببال من تصفّح کُتبی وقرأ کلامی فی نصره القول بالصرفه ، واعتمادی فی نصرتها على أنّ أحداً لا یفرّق بین مواضع من القرآن وبین أفصح کلام للعرب فی الفصاحه … فإن کان یفرّق ما بین أفصح کلامهم وأدونه فمحال أن یفرّق بین المتقاربینِ .
والناظر إذا علم أنّ القرآن قد تُحدّی به ولم تقع المعارضه لتعذّرها على العرب ، فلیس ذلک إلاّ أن یکون القرآن قد خرق العاده ، إمّا بفصاحته أو بصرف القوم عن معارضته ، وأیّ الأمرین کان فقد صحّت المعجزه وثبتت النبوّه ، وبعد ذلک لا حاجه إلى معرفه الوجه على سبیل التفصیل .
ثمّ قال : ولکن مَن لیس من أهل العلم بالفصاحه ومراتبها ، من أعجمیّ أو عامیّ ، متمکّن من العلم بفصل فصیح الکلام عن غیره ، ومرتبته فی الفصاحه ، بمراجعه أهل الصناعه والسؤال منهم ، فیُعلم من ذلک ما تدعو الحاجه إلى علمه ، وإن لم یکن هو من أهل الصناعه … وبذلک جاز أن یعلم عدم الفرق البائن بین أفصح کلام للعرب وبین بعض قصار المفصّل فی الفصاحه ، وحینئذٍ یُعلم أنّ جهه إعجازه هی الصرفه ، لا فرط فصاحته ، فلیس إلاّ الصرف (۲۸) .
 
فذلکه القول بالصرفه :
یتلخّص مذهب الصرفه ـ على ما قاله وجوه أصحاب هذا الرأی ـ حسبما یلی :
أوّلاً : قوله النظّام ( مبتدع هذه الفکره ) أنّ فی نثر العرب ونظمهم ما لا یخفى من الفوائد ، یعنی : فصاحه بالغه تضاهی فصاحه القرآن ، وقد صرّح بذلک الشریف المرتضى ، استناداً إلى قوله تعالى ـ حکایه عن العرب ـ : ( لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا … ) (۲۹) یدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدره على الإتیان بمثله سبکاً وصیاغهً ، لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته ، وأمسک بعزیمتهم دون القیام بمعارضته .
ثانیاً : ربط ابن حزم مسأله الإعجاز بمسأله الجبر فی الاختیار ، وأن لا میزه جوهریه فی القرآن لولا المنع الخارجی . واستند إلى ما یوجد فی القرآن من تفاوت فی درجه البلاغه ، ومن سرد أسماء زعم أن لا عجیبه فی نضدها بما یفوق کلام العرب ، کما أنّ فیه حکایه أقوال آخرین لم تکن معجزهً ، فلمّا حکاها الله تعالى فی القرآن أصارها معجزهً ومنع من مماثلته وحال دون إمکان النطق بمثلها أبداً .
قال : وهذا برهان کافٍ لا یحتاج إلى أزید منه ، وحمد الله أن هداه إلى هذا البرهان الکافی الشافی … لولا أنّ الأستاذ الرافعی سَخر من عقلیّته هذه الساذجه ، قائلاً : بل هو فوق الکفایه ، وأکثر من ذلک أنّه لمّا جعله ابن حزم رأیاً له أصاره کافیاً ولا یحتاج إلى مزید بیان ! (۳۰) .
ثالثاً : استند السیّد وأصحابه إلى عدم ظهور فرق بیّن بین قصار السور والمختار من کلام العرب ، وإلاّ لما احتیج إلى مراجعه الأذکیاء من العلماء .
والنظم لا یصحّ فیه التزاید والتفاضل ، کما لا یصحّ معارضه المنثور بالمنظوم ، وقاس الخفاجی (۳۱) تلاؤم الکلمات فی الجمل بتلاؤم حروف الکلم لیکون خارجاً عن اختیار المتکلّم .
ودلیلاً على ذلک قالوا : لا شکّ أنّ العرب کانوا قادرینَ على التکلّم بمثل مفردات الجمل وقصار تراکیبها مثل ( الحمد الله ) و ( ربّ العالمین ) وهکذا ، فأجدر بهم أن یکونوا قادرین على تراکیب أکبر وجمل أطول .
وأیضاً فإنّ الصحابه الأوّلینَ ربّما تردّدوا فی آیه أنّها من القرآن ، وکذا بعض السور القصار کالمعوّذتین ، رفض ابن مسعود کونهما منه ! فلو کان النظم والبلاغه هما الکوفیینَ للشهاده على القرآنیه ، فما وجه هذا التوقّف وذلک التردید أو الرفض ؟! (۳۲) .
وأخیراً ، قوله تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آیَاتِیَ الَّذِینَ یَتَکَبَّرُونَ فِی الأَرْضِ ) أی أصرفهم عن إبطالها بالمعارضه … هکذا زعموا .
وقد تقدّم الکلام علیها عند توجیه مذهب السیّد فی الصرفه .
ـــــــــــــــــــــــــ
(۱) قال الرافعی بشأن الآثار السیّئه التی خلّفها القول بالصِّرفه : على أنّ القول بالصِّرفه هو المذهب الناشئ من لدن قال ابن النظّام ، یصوّبه فیه قوم ویشایعه علیه آخرون . ولولا احتجاج هذا البلیغ لصحّته وقیامه علیه وتقلّده أمره ، لکان لنا الیوم کتب ممتعه فی بلاغه القرآن وأسلوبه وإعجازه اللغوی وما إلى ذلک ، ولکن القوم ( عفا الله عنهم ) أخرجوا أنفسهم من هذا کلّه ، وکفُّوها مؤونته بکلمه واحده تعلّقوا علیها ، فکانوا فیها جمیعاً کقول هذا الشاعر الظریف الذی یقول :
کأَنّنا والماء من حولنا قومٌ جلوس حولهم ماءُ ( الإعجاز : ص۱۴۶ ) .
(۲) الأعراف : ۱۴۶ .
(۳) التوبه : ۱۲۷ .
(۴) الطراز : ج۳ ، ص۳۹۱ ـ ۳۹۲ .
(۵) قواعد المرام : ص۱۳۲ .
(۶) شرح المقاصد : ج۲ ، ص۱۸۴ .
(۷) شرح المواقف ( بالهامش ) : ج۳ ، ص۱۱۲ .
(۸) مقالات الإسلامیّین : ج ۱ ص ۲۹۶ .
(۹) الملل والنحل : ج ۱ ص ۵۶ ـ ۵۷ .
(۱۰) هو الکاتب أبو عثمان عمرو بن بحر ، کان من غلمان النظّام ، وتعلّم علیه ، توفّی سنه ۲۵۵ هـ .
(۱۱) کتاب الحیوان : ج ۴ ص ۳۱ .
(۱۲) قال بذلک فی کتابه ( أوائل المقالات : ص ۳۱ ) ، جاء فیه : إنّ جهه ذلک هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحه واللسان عن معارضه النبیّ بمثله فی النظام عند تحدّیه لهم ، وجعل انصرافهم عن الإتیان بمثله ، وإن کان فی مقدورهم ، دلیلاً على نبوّته ( صلّى الله علیه وآله ) ، واللطف من الله تعالى مستمرّ فی الصرف عنه إلى آخر الزمان . وهذا من أوضح برهان فی الإعجاز وأعجب بیان ، وهو مذهب النظّام ، وخالف فیه جمهور أهل الاعتزال .
غیر أنّ المعروف عنه فی کتب الإمامیه هو مواکبته مع جمهور العلماء . قال المجلسی ( فی البحار : ج ۱۷ ، ص ۲۲۴ ) فی إعجاز أُمّ المعجزات القرآن الکریم : وأمّا وجه إعجازه ، فالجمهور من العامّه والخاصّه ، ومنهم الشیخ المفید ( قدّس الله روحه ) على أنّ إعجاز القرآن بکونه فی الطبقه العلیا من الفصاحه ، والدرجه القصوى من البلاغه ، هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغیّبات الماضیه والآتیه ، وعلى دقائق العلوم الإلهیه ، وأحوال المبدأ والمعاد ، ومکارم الأخلاق ، والإرشاد إلى فنون الحکمه العلمیه والعملیه ، والمصالح الدینیّه والدنیویّه ، على ما یظهر للمتدبّرین .
وهکذا ذکر عنه القطب الراوندی فی " الخرائج والجرائح : ص ۲۶۹ " ، قال بعد أن جعل الوجه الأوّل وهو القول بالصرفه قولاً للسیّد المرتضى : والثانی : ما ذهب إلیه الشیخ المفید ، وهو أنّه کان معجزاً من حیث اختصّ برتبه فی الفصاحه خارقه للعاده …
(۱۳) الاقتصاد : ص ۱۷۳ .
(۱۴) فی کتابه : ( تقریب المعارف ) الذی وضعه فی أُصول المعتقدات : ص ۱۰۵ ـ ۱۰۸ .
(۱۵) وتقدّم أیضاً فی ص ۷۸ عن ابن میثم فی رسالته قواعد المرام فی علم الکلام : ص ۱۳۲ .
(۱۶) التوبه : ۱۲۷ .
(۱۷) الأعراف : ۱۴۶ .
(۱۸) الصفّ : ۵ .
(۱۹) البقره : ۲ .
(۲۰) بنقل الشیخ فی التمهید .
(۲۱) البقره : ۲۶۹ .
(۲۲) إعجاز القرآن : ص ۱۴۴ .
(۲۳) شرح المقاصد : ج ۲ ص ۱۸۴ .
(۲۴) فی موسوعته القیّمه ( الدین والإسلام ) : ج ۲ ص ۱۳۷ .
(۲۵) رساله الإسلام القاهریه ، السنه الثالثه ، العدد ۳ ص ۳۰۰ ـ ۳۰۱ .
(۲۶) المعجزه الخالده : ص ۹۷ ـ ۹۸ .
(۲۷) جمل العلم والعمل للسیّد المرتضى ( طبعه النجف ۱۳۸۷ هـ ) : ص ۴۱ ، وطُبعت مع المجموعه الثالثه من رسائله ، راجع : ص ۱۹ .
(۲۸) المجموعه الثانیه من رسائل الشریف المرتضى : ص ۳۲۳ ـ ۳۲۶ ، المسأله الثالثه من المسائل الرسیّه الأُولى .
(۲۹) الأنفال : ۳۱ .
(۳۰) راجع الفصل فی الملل والنحل : ج ۳ ص ۱۷ ـ ۱۹ ، والتمهید : ج ۴ ص ۱۴۶ .
(۳۱) راجع کلامه فی : سرّ الفصاحه ، ص ۸۹ ـ ۹۰ ، والتمهید : ج ۴ ص ۱۴۹ .
(۳۲) ذکرهما التفتازانی فی : شرح المقاصد ، ج ۲ ص ۱۸۴ .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.