مصادر التشریع عند « أهل السنه والجماعه »
فالمصادر عندهم ـ بالإضافه إلى الکتاب والسنه ـ هی سنه الخلفاء الراشدین ، وسنه الصحابه ، وسنه التابعین وهم علماء الأثر وسنه الحکام ویسمونها صوافی الأمراء ، ثم القیاس ، والاستحسان ، والإجماع ، وسد باب الذرائع .
وهی کما ترى عشره مصادر عندهم کلها تتحکم فی دین الله ، وحتى لا نتکلم بدون دلیل ونلقی الکلام على عواهنه ، أو یتهمنا البعض بالمبالغه ، لابد من إعطاء بعض الأدله من أقوالهم وکتبهم کی یتبین للقارىء الکریم ذلک واضحاً .
ونحن لا نناقش « أهل السنه والجماعه » فی المصدرین الأولین المتمثلین فی الکتاب والسنه ، فهو أمر لا خلاف فیه ، بل هو الواجب الذی جاء به النقل والعقل والإجماع ، وهو من باب قوله تعالى : «ما آتاکم الرسول فخذوه وما نهاکم عنه فانتهوا» ( الحشر : ۷ ) وقوله : «وأطیعوا الله وأطیعوا الرسول» ( المائده : ۹۲ ) وقوله : «إذا قضى الله ورسوله» (الأحزاب : ۳۶) وغیرها من الآیات البینات الداله على وجوب تشریع الأحکام من کتاب الله وسنه رسوله فقط ، ولکن نقاشنا معهم فی المصادر الأخرى التی أضافوها من عندهم .
أولاً : سنه الخلفاء الراشدین
فقد احتجوا بحدیث « علیکم بسنتی وسنه الخلفاء المهدیین الراشدین تمسکوا بها وعضوا علیها بالنواجذ » (1) .
وقد بینا فی کتاب « مع الصادقین » بأن المقصود من الخلفاء الراشدین فی هذا الحدیث هم أئمه أهل البیت ، وأضیف هنا بعض الأدله الأخرى لمن فاته ذلک البحث .
أخرج البخاری ومسلم وکل المحدثین بأن رسول الله حصر خلفاءه فی اثنی عشر ، فقال : الخلفاء من بعدی اثنا عشر کلهم من قریش . فدل هذا الحدیث الصحیح على أن المقصود هم أئمه أهل البیت ( (علیهم السلام) ) ولیسوا الخلفاء « الحکام » الذین اغتصبوا الخلافه .
ولقائل أن یقول : سواء أکان المقصود بالخلفاء أئمه أهل البیت الاثنی عشر کما یقول الشیعه ، أم الخلفاء الراشدین الأربعه کما یقول «أهل السنه» فإن مصادر التشریع ثلاثه : القرآن والسنه وسنه الخلفاء ؟
وهذا صحیح على رأی « أهل السنه » ولکنه لا یصح على رأی الشیعه لأن أئمه أهل البیت کما قدمنا لم یکونوا یشرعوا باجتهادهم وآرائهم بل کل ما قالوه هو سنه جدهم رسول الله تعلموها منه واحتفظوا بها کی یظهروها للناس إذا اقتضت الحاجه ذلک .
أما « أهل السنه والجماعه » فقد حفلت کتبهم بالاستدلال سنه أبی بکر وسنه عمر کمصدر للتشریع الإسلامی ولو خالفت الکتاب والسنه .
ومما یزیدنا یقیناً بأن أبا بکر وعمر غیر مقصودین بحدیث النبی ، أن علیاً رفض أن یحکم بسنتهم عندما اشترط علیه الصحابه ذلک .
فلو کان الرسول یقصد بالخلفاء الراشدین أبا بکر وعمر لما جاز لعلی أن یرد على رسول الله ویرفض سنتهم ، فدل الحدیث على أن الخلفاء الراشدین لیس منهم أبو بکر ولا عمر .
____________
(1) أخرجه الترمذی وابن ماجه والبیهقی وأحمد بن حنبل .
على أن « أهل السنه والجماعه » یقصدون بالخلفاء الراشدین أبا بکر وعمر وعثمان دون سواهم . لأن علیاً لم یکن معدوداً عندهم من الخلفاء وإنما ألحق فی زمن متأخر کما قدمنا ، ولأنه کان یلعن على المنابر فکیف یتبعون سنته ؟ ؟ !
وإذا قرأنا ما رواه جلال الدین السیوطی فی تاریخ الخلفاء تحقق لدینا صحه ما ذهبنا إلیه .
قال السیوطی نقلاً عن حاجب بن خلیفه : شهدت عمر بن عبد العزیز یخطب وهو خلیفه ، فقال فی خطبته :
« ألا إن ما سن رسول الله (صلى الله علیه وآله) وصاحباه فهو دین نأخذ به وننتهی إلیه ، وما سن سواهما فإنا نرجئه » (1) .
والحقیقه أن جل الصحابه والحکام الأمویین والعباسیین کانوا یرون أن ما سن أبو بکر وعمر وعثمان هو دین یأخذون به وینتهون إلیه :
وإذا عمل هؤلاء الخلفاء الثلاثه على منع سنه الرسول (صلى الله علیه وآله) کما عرفنا ذلک فی ما سبق ، فلا یبقى بعد ذلک من السنه إلا ما سنوه ومن الأحکام إلا ما احکموه .
ثانیاً : سنه الصحابه عموماً
إننا نجد أدله کثیره وشواهد عدیده على اقتداء « أهل السنه والجماعه » سنه الصحابه عموماً بدون اسثناء .
فهم یحتجون بحدیث مکذوب وافینا البحث فیه فی کتاب « مع الصادقین» والحدیث یقول : « أصحابی کالنجوم بأیهم اقتدیتم اهتدیتم » وقد احتج ابن القیم الجوزیه بهذا الحدیث على حجیه رأی الصحابی (۲) .
وقد اعترف بهذه الحقیقه أیضاً الشیخ أبو زهره إذ قال : « لقد وجدناهم
____________
(1) تاریخ الخلفاء للسیوطی ص ۱۶۰ .
(2) أعلام الموقعین ج ۴ ص ۱۲۲ .
(یعنی فقهاء أهل السنه ) جمیعاً یأخذون بفتوى الصحابی » ثم یضیف فی مقطع آخر قوله :
« والاحتجاج بأقوال الصحابه وفتاویهم هو مسلک جماهیر الفقهاء وخالفهم الشیعه (۱) ولکن ابن القیم الجوزیه أید الجمهور بنحو سته وأربعین وجهاً وکلها حجج قویه … » .
ونحن نقول للشیخ أبی زهره : کیف تکون الحجه ـ التی تخالف کتاب الله وسنه رسوله ـ قویه ؟ !
فکل الحجج التی جاء بها ابن القیم واهیه کبیت العنکبوت وأنت بنفسک قد نسفتها عندما قلت :
« ولکننا وجدنا الشوکانی یقول : والحق أن قول الصحابی لیس بحجه فإن الله سبحانه وتعالى لم یبعث إلى هذه الأمه إلا نبینا محمداً (صلى الله علیه وآله) ولیس لنا إلا رسول واحد ، والصحابه ومن بعدهم مکلفون على السواء باتباع شرعه فی الکتاب والسنه ، فمن قال بأنه تقوم الحجه فی دین الله بغیرهما ، فقد قال فی دین الله بما لا یثبت وأثبت شرعاً لم یأمر الله به » (2) .
فتحیه إلى الشوکانی الذی قال حقاً ونطق صدقاً ، ولم یتأثر بالمذهب فکان قوله موافقاً لأئمه الهدى من العتره الطاهره ورضی الله عنه وأرضاه إن کانت أعماله مطابقه لأقواله .
ثالثاً : سنه التابعین « علماء الأثر » :
کذلک نجد « أهل السنه والجماعه » یأخذون بآراء التابعین ویسمونهم « علماء الأثر » کالأوزاعی وسفیان الثوری وحسن البصری وابن عیینه وغیرهم کثیر ، کما أنهم متفقون على الأخذ باجتهادات أئمه المذاهب الأربعه وتقلیدهم رغم أنهم من تابعی التابعین .
____________
(1) وهذه شهاده أخرى من الشیخ أبی زهره تؤید ما قلناه بأن الشیعه لا یقبلون فی شرع الله إلا الکتاب الکریم والسنه النبویه .
(2) کتاب الشیخ أبی زهره ص ۱۰۲ .
وإذا کان الصحابه أنفسهم یعترفون بخطأهم فی عدید من المرات وأنهم یقولون ما لا یعلمون .
فهذا أبو بکر یقول عندما یسأل عن مسأله : سأقول فیها برأیی فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمنی أو من الشیطان . وهذا عمر یقول لأصحابه : لعلی آمرکم بالأشیاء التی لا تصلح لکم وأنهاکم عن أشیاء تصلح لکم (۱) .
وإذا کان هذا هو مبلغهم من العلم وأنهم یتبعون الظن الذی لا یغنی من الحق شیئاً ، فکیف یحق لمسلم عرف الإسلام أن یجعل أفعال هؤلاء وأقوالهم سنه متبعه ومصدراً من مصادر التشریع ؟ وهل یبقى بعد هذا الحدیث «أصحابی کالنجوم » من أثر ؟
وإذا کان هؤلاء هم الصحابه الذین حضروا مجالس النبی وتعلموا منه یقولون مثل هذه الأقوال ، فکیف تکون حال من جاء بعدهم وأخذ عنهم وشارک فی القتنه ؟
وإذا کان أئمه المذاهب الأربعه یقولون فی دین الله بآرائهم مصرحین ومعترفین بإمکانیه الخطأ ، فیقول الواحد منهم : هذا ما أعتقد أنه صحیح وقد یکون رأی غیری هو الصحیح ، فلماذا ألزم المسلمون أنفسهم بتقلیدهم؟! رابعاً : سنه الحکام
ویسمى عند « أهل السنه والجماعه» صوافی الأمراء ، وقد استدلدوا علیه بقوله تعالى : «أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم» (النساء : ۵۹ ) (۲) .
فأولی الأمر عندهم الحکام وإن کانوا متسلطین بالقوه والقهر ، وهم یعتقدون بأن الحکام أمرهم الله على رقاب العباد فیجب لذلک طاعتهم والأخذ بسنتهم .
____________
(1) تاریخ بغداد ج ۱۴ ص ۸۱ .
ونحن نقول لهؤلاء : إن کان هذا هو مبلغکم من العلم ، فماذا تقدمتم من عنده علم الأولین والآخرین وحرمتم الأمه من هدیه ونوره وترکتموها تتخبط فی الفتنه والجهاله والضلاله ؟ !
(2) لقد أوضحنا بالأدله فی کتاب « مع الصادقین » بأن أولی الأمر هم أئمه الهدى من العتره الطاهره ولیس المقصود بهم الحکام الغاصبین ، ومن المستحیل أن یأمر الله سبحانه بطاعه الظالمین والفاسقین والکافرین .
ورد بان حزم الظاهری على « أهل السنه والجماعه » رداً عنیفاً بقوله : «بناء على ما تقولون فللأمراء أن یبطلوا ما شاؤوا من الشرائع التی أمر الله ورسوله بها ، کما لهم أن یزیدوا فیها ، ولا فرق بین الزیاده والنقص فی ذلک ، وهذا کفر ممن أجازه بلا خلاف » (1) .
ورد الذهبی على ابن حزم بقوله :
« هذا تقریر فاسد وخطأ فاحش ، فإن الأمه أجمعت إلا داود بن علی ومن مشى خلفه ، على أن أولی الأمر هلم الحکم بالرأی والاجتهاد إذا لم یکن فی النازله نص ، ویقولون : لا یحل لهم الحکم بالرأی والاجتهاد مع علمهم بالنص فی النازله ، فظهر بهذا أن لهم أن یزیدوا فی الشرع زیاده ساغت فی الشرع ولییس لهم أن یبطلوا ما شاؤوا من الشرع » .
ونحن نقول للذهبی : کیف تدعی إجماع الأمه وأنت نفسک استثنیت داود بن علی ومن مشى خلفه ! ؟ ولماذا لم تسم من مشى خلفه ؟ ثم لماذا لم تستثن الشیعه وأئمه أهل البیت ، ألأنهم عندک لیسوا من الأمه الإسلامیه ؟ ! أم أن تزلفک للحکام هو الذی جعلک تبیح لهم أن یزیدوا فی الشرع ، لکی یزیدوا فی عطائک وشهرتک ؟
وهل کان الحکام الذین حکموا المسملین باسم الإسلام یعرفون النصوص القرآنیه والنصوص النبویه حتى یقفوا عند حدودها ؟
وإذا کان الخلیفتان أبو بکر وعرم تعمدا مخالفه النصوص القرآنیه والنبویه کما قدمنا فی أبحاث سابقه ، فکیف یلتزم من جاء بعدهما بتلک النصوص التی بذلت وغیرت وأعفیت آثارها ؟
وإذا کان فقهاء « أهل السنه والجماعه » یفتون للأمراء بأن یقولوا فی دین الله ما یشاؤون ، فلیس غریباً على الذهبی أن یقلدهم .
فقد جاء فی طبقات الفقهاء عن سعید بن جبیر قال : سألت عبد الله بن عمر عن الإیلاء ؟ فقال : أترید أن تقول : قال ابن عمر قال ابن عمر ؟ !
____________
(1) ابن حزم فی ملخص إبطال القیاس ص ۳۷ .
قال : قلت : نعم ، ونرضى بقولک ونقنع . فقال ابن عمر : یقول فی ذلک الأمراء ، بل یقول فی ذلک الله ورسوله ومن یقول عنهما .
وعن سعید بن جبیر قال : کان رجاء بن حیوه یعد فی أفقه فقهاء الشام ولکن کنت إذا حرکته وجدته شامیا یقول : قضى عبد الملک بن مروان فیها بکذا وکذا (۱) .
کما جاء فی طبقات ابن سعد عن المسیب بن رافع قال : کان إذا جاء النبی من القضاء ولیس فی الکتاب ولا فی السنه سمی « صوافی الأمراء » فدع إلیهم فجمع له أهل العلم ، فما اجتمع علیه رأیهم فهو الحق (۲) .
ونحن نقول : « ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، بل جاءهم بالحق وأکثرهم للحق کارهون » . خامساً : بقیه مصادر التشریع عند « أهل السنه »
ونذکر منها القیاس والاستحسان والاستصحاب وسد باب الذرائع ، والإجماع فمشهوره جدا ومعروفه عندهم .
وقد اشتهر الإمام أبو حنیفه بالعمل بالقیاس ورد الأحادیث کما اشتهر الإمام مالک بالرجوع لعمل أهل المدینه وسد باب الذرائع واشتهر الإمام الشافعی بالرجوع إلى فتاوى الصحابه وقد رتبهم على أقسام ودرجات فقال بأولویه العشره المبشرین بالجنه ، ثم المهاجرین الأولین ، ثم الأنصار ، ثم مسلمه الفتح ویقصد بهم الطلقاء والذین أسلموا بعد فتح مکه (۳) .
کما اشتهر الإمام أحمد بن حنبل بعدم الاجتهاد والابتعاد عن الفتوى وأخذه برأی أی صحابی کان .
فقد نقل عنه الخطیب البغدادی أن رجلاً سأله عن مسأله فی الحلال
____________
(1) طبقات الفقهاء ترجمه سعید بن جبیر .
(2) طبقات ابن سعد ج ۶ ص ۱۷۹ .
(3) مناقب الإمام الشافعی ج ۱ ص ۴۴۳ .
والحرام ، فقال له أحمد : سل عافاک الله غیرنا ، قال : إنما نرید جوابک یا أبا عبد الله ، قال : سل عافاک الله غیرنا ، سل الفقهاء سل أبا ثور (۱) .
کما نقل عن المروزی قوله : أما الحدیث فقد استرحنا منه وأما المسائل فقد عزمت إن سألنی أحد عن شیء فلا أجیبه (۲) .
ولا شک بأن أحمد بن حنبل هو الذی أوحى بفکره عداله الصحابه کلهم بدون استثناء فأثر مذهبه فی « أهل السنه والجماعه » .
فقد ذکر الخطیب فی تاریخ بغداد فی جزئه الثانی بالإسناد عن محمد بن عبد الرحمان الصیرفی قال : قلت لأحمد بن حنبل : إذا اختلف أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی مسأله ، هل یجوز لنا أن ننظر فی أقوالهم ، لنعلم مع من الصواب منهم ، فنتبعه ؟
فقال لی : لا یجوز النظر بین أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، فقلت : کیف الوجه فی ذلک ؟
قال : تقلد أیهم أحببت .
ونحن نقول : وهل یجوز تقلید من لا یعرف الحق من الباطل ؟ وغریب أن یفتی أحمد وهو الذی یتهرب من الفتوى ، بتقلید أی صحابی أحب وبدون النظر فی أقوالهم لمعرفه الصواب !
وبعد هذا العرض الوجیز لمصادر التشریع الإسلامی عند الشیعه وعند «أهل السنه والجماعه » ، یتبین لنا بوضوح لا لبس فیه بأن الشیعه هم الذین یتقیدون بسنه النبی (صلى الله علیه وآله) ولا یبغون عنها حولاً حتى کانت سنه النبی هی شعارهم کما شهد بذلک أعداؤهم .
أما « أهل السنه والجماعه » فهم یتبعون سنه أی صحابی وأی تابعی وأی حاکم .
____________
(1) تاریخ بغداد ج ۲ ص ۶۶ .
(2) مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص ۵۷ .
وهذه کتبهم وأقوالهم تشهد علیهم وکفى بها شهیداً وسوف نبحث فی فصل قادم إن شاء الله تعالى أفعالهم لنعرف بأنها لیست من سنه النبی فی شیء.
وأترک للقارئ نفسه أن یستنتج من هم أهل السنه ، ومن هم أهل البدعه؟
تعلیق لابد منه لإکمال البحث
وتجدر الإشاره إلى أن الشیعه تقیدوا بمصادر التشریع من الکتاب والسنه ولم یزیدوا علیها شیئاً وذلک لوجود النصوص الکافیه عند أئمتهم لکل مسأله من المسائل التی یحتاجها الناس .
وقد یستغرب ذلک بعض الناس ویستبعدون أن یکون لأئمه أهل البیت نصوص کافیه لکل ما یحتاجه الناس لمواکبه کل العصور حتى تقوم الساعه .
ولتقریب هذا الواقع لذهن القارئ لابد من الإشاره إلى الأمور التالیه :
إذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه بعث محمداً بشریعه مکمله لکل الشرائع السابقه ومهیمنه علیها لتکمل مسیره الإنسانیه فوق هذه الأرض لتعود بعدها إلى الحیاه الإبدیه .
«هو الذی أرسل رسوله بالهدى ودین الحق لیظهره على الدین کله» (التوبه : ۳۳ ) .
وإذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه أراد من الإنسان أن یکون خاضعاً لأحکامه فی کل أقواله وأفعاله ویسلم إلیه مقالید أموره .
«إن الدین عند الله الإسلام» ( آل عمران : ۱۹ ) ، «ومن یبتغ غیر الإسلام دیناً فلن یقبل منه» ( آل عمران : ۸۵ ) .
وإذا کان الأمر کذلک فلابد أن تکون أحکام الله کامله وشامله لتغطیه کل ما یحتاجه الإنسان فی مسیرته الشاقه للتغلب على کل العقبات والصمود أمام التحدیات والوصول إلى الهدف المنشود .
ولکل ذلک عبر سبحاه وتعالى عن هذه الحقیقه بقوله :
«ما فرطنا فی الکتاب من شیء» ( الانعام : ۳۸ ) .
وعلى هذا الأساس فلیس هناک من شیء إلا وهو مذکور فی کتاب الله تعالى ، ولکن الإنسان بعقله المحدود لا یدرک کل الأشیاء التی ذکرها الله سبحانه وتعالى لحکمه بالغه لا تخفى على أهل المعرفه . وذلک کقوله سبحانه وتعالى :
«وإن من شیء إلا یسبح بحمده ولکن لا تفقهون تسبیحهم» ( الإسراء : ۴۴ ) .
و « إن من شیء » بدون استثناء تدل على الإنسان والحیوان والجماد یسبح وقد یقبل الإنسان تسبیح الحیوان والکائنات الحیه من النباتات ولکن عقله لا یفقه تسبیح الحجاره مثلاً . قال تعالى :
«أنا سخرنا الجبال معه یسبحن بالعشی والإشراق» ( ص : ۱۸ ) .
وإذا سلمنا بذلک وآمنا به ، فلابد من التسلیم والإیمان بأن کتاب الله فیه کل الأحکام التی یحتاجها الناس إلى یوم القیامه ، ولکننا لا ندرکها إلا إذا رجعنا لمن أنزل علیه وفهم کل معانیه ، وهو رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال تعالى :
«ونزلنا علیک لکتاب تبیاناً لکل شیء» ( النحل : ۸۹ ) .
وإذا سلمنا بأن الله سبحانه بین کل شیء إلى رسوله لیبین للناس ما نزل إلیهم ، فلابد أن نسلم بأن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قد بین کل شیء ولم یترک شیئاً یحتاجه الناس إلى یوم القیامه إلا وأعطى فیه حکماً .
وإذا لم یصلنا ذلک البیان أو لم نعرفه نحن الیوم فذلک ناتج عن قصورنا وتقصیرنا وجهلنا ، أو هو ناتج عن خیانه الواسطه التی بیننا وبینه أو هو ناتج عن جهل الصحابه وعدم وعیهم لما بینه (صلى الله علیه وآله) .
ولکن الله سبحانه وتعالى جلت حکمته یعلم أن کل هذه الاحتمالات ممکنه أو واقعه فلا یترک شریعته تضیع ، فاصطفى من عباده أئمه أورثهم علم الکتاب وتبیانه ، لکی لا یکون للناس على الله حجه ، قال تعالى : «ثم أورثنا الکتاب الذین اصطفینا من عبادنا» ( فاطر : ۳۲ ) .
ورسول الله (صلى الله علیه وآله) بین للناس ما یحتاجون إلیه واختص وصیه علیاً بکل ما یحتاج الناس بعده إلى قیام الساعه وذلک للمزایا التی کان یتمتع بها علی من بین الأصحاب جمیعاً من ذکاء مفرط وفهم حاد وحفظ قوی ووعی لکل ما یسمع ، فعلمه النبی کل ما یعلم وأرشد الأمه إلیه على أنه بابه الذی منه یؤتى.
وإذا قال قائل بأن رسول الله بعثه الله للناس کافه فلیس من حقه أن یختص بالعلم أحدهم ویحرم الآخرین ، قلنا : لیس لرسول الله فی ذلک الأمر شیء إنما هو عبد مأمور ینفذ ما یوحى إلیه من ربه ، فالله هو الذی أمره بذلک ، لأن الإسلام هو دین التوحید ومبنی على الوحده فی کل شیء فلابد لتوحید الناس وجمعهم من قیاده واحده ، فهذا أمر بدیهی قرره کتاب الله وحکم به العقل والوجدان قال تعالى :
«لو کان فیهما آلهه إلا الله لفسدتا» ( الأنبیاء : ۲۲ ) وقال أیضاً : «وما کان معه من إله إذا لذهب کل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض» (المؤمنون : ۸۱ ) .
کذلک لو أرسل الله رسولین فی زمن واحد ، لانقسم الناس إلى أمتین وتفرق أمرهم إلى حزبین متعارضین . قال تعالى : «وإن من أمه إلا خلا فیها نذیر» ( فاطر : ۲۴ ) .
کذلک کان لکل نبی وصی یخلفه فی قومه وأمته ، کی لا یتشتت امرهم ویتفرق جمعهم .
وهذا لعمری أمر طبیعی یعرفه الناس کافه سواء کانوا علماء أو جاهلین مؤمنین أو کافرین ، ألا ترى أن کل قبیله وکل حزب وکل دوله لابد لها من رئیس واحد یتزعمها ویقودها ، ولا یمکن أن یخضعوا لرئیسین فی نفس الوقت .
لکل هذا اصطفى الله سبحانه من الملائکه رسلا ومن الناس ، وشرفهم بمهمه القیاده لعباده وجعلهم أئمه یهدون بأمره . قال تعالى : «إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهیم وآل عمران على العالمین» ( آل عمران : ۳۳ ) . والأئمه الذین اصطفاهم الله سبحانه لختم الرساله المحمدیه ، هم أئمه الهدى من عتره النبی وکلهم من آل إبراهیم ذریه بعضها من بعض هؤلاء هم الذین أشار إلیهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) بقوله : « الخلفاء من بعدی اثنا عشر کلهم من قریش » (1) .
ولکل زمان إمام معلوم ، فمن مات ولم یعرف إمام زمانه مات میته جاهلیه .
والله سبحانه وتعالى إذا اصطفى إماماً طهره وعصمه وعلمه فلا یؤتى الحکمه إلا لأهلها ومستحقیها .
وإذا رجعنا إلى أصل الموضوع وهو معرفه الإمام کل ما یحتاج إلیه الناس من أحکام الشریعه من خلال النصوص التی جاءت فی الکتاب والسنه والتی تواکب مسیره البشریه إلى قیام الساعه ، فإننا لا نجد فی الأمه الإسلامیه من ادعى ذلک غیر أئمه أهل البیت ( (علیهم السلام) ) الذین صرحوا عدید المرات بأن عندهم الجامعه وهی من إملاء رسول الله وخط علی بن أبی طالب وفیها کل ما یحتاجه الناس إلى یوم القیامه حتى أرش الخدش .
وقد أشرنا إلى هذه الصحیفه الجامعه التی کان یحملها علی معه وقد أشار إلیها البخاری ومسلم فی صحیحهما ولا یمکن لأی واحد من المسلمین تکذیب ذلک .
وعلى هذا الأساس فإن الشیعه الذین انقطعوا لأئمه أهل البیت حکموا فی الشریعه بنصوص القرآن والسنه ولم یضطروا لغیرها وذلک على الأقل طیله ثلاثه قرون حیاه الأئمه الاثنی عشر .
____________
(1) أخرج الحدیث البخاری فی صحیحه ج ۸ ص ۱۲۷ وصحیح مسلم ج ۶ ص ۳ وفی بعض الروایات کلهم من بنی هاشم بدلاً من قریش ، وسواء أکان من بنی هاشم أم من قریش فکلهم من آل إبراهیم کما هو معلوم .
أما « أهل السنه والجماعه » فقد اضطروا للاجتهاد والقیاس وغیر ذلک لفقدان النصوص وجهل أئمتهم من أیام الخلافه الأولى .
وإذا کان الخلفاء عندهم قد عمدوا لحرق النصوص النبویه والعمل على منعها وکتمانها .
وإن کان کبیرهم یقول : حسبنا کتاب الله ، ضارباً بالسنه النبویه عرض الجدار ، فمن الطبیعی جداً أن یفتقروا إلى النصوص المبینه لأحکام القرآن نفسه .
فکلنا یعلم بأن أحکام القرآن الظاهریه قلیله جداً وهی فی عمومها تفتقر إلى بیان النبی ، ولذلک قال تعالى : «وأنزلنا إلیک الذکر لتبین للناس ما نزل إلیهم» ( النحل : ۴۴ ) .
وإذا کان القرآن یفتقر للسنه النبویه لتبین أحکامه ومقاصده .
وإذا کان أقطاب « أهل السنه والجماعه » قد أحرقوا السنه المبینه للقرآن ، فلم یبق عندهم بعدها نصوص لا لبیان القرآن ولا لبیان السنه نفسها .
فلابد والحال هذه أن یعمدوا للاجتهاد والقیاس واستشاره العلماء عندهم فیأخذوا بالاستحسان وبما یرون فیه مصلحتهم الوقتیه .
ومن الطبیعی جداً أن یحتاجوا إلى کل ذلک لفقد النصوص ویضطروا إلیه اضطراراً .