بناء المجتمع فی ظلّ یقظه الشعوب
لقد وصل المجتمع الإسلامی بعد کفاح طویل ضد قوى الشر والتکبر الى تخوم النصر ولم یبقى أمامه إلا العمل على بناء مجتمعه الأمثل والتغلب على منعطفات المکر الغربی والغل الصهیونی والرجوع الى الدستور السماوی الذی یؤمن حاجه المجتمع فی کل الظروف مهما تشعبت متطلباتها، وعندما ترید الشعوب الإسلامیه أن تبنی ذاتها وترجع هویتها الضائعه الى أبنائها وترسم بیدها خرائط مستقبل أجیالها لابد لها من القیام بانتفاضات ثلاث:
الأولى: وهی انتفاضه فکریه وثقافیه تعید الى الأمه حضارتها المسلوبه منها وترجع لها دورها التقدمی فی مجال المعرفه والعلم، خصوصا وأنها تحمل نظریه إلهیه لم یسبقها إلیها أحد ولا یستطیع أن یلحق بها لاحق حیث أنها صادره من إله السماوات والأرض، وإذا لاحظنا الماضی نرى أن الأمه الإسلامیه قدمت للشعوب أنموذجا متطورا فی شتى میادین الحیاه وتعایشت مع الشعوب والحضارات التی کانت قائمه وقتها على أسس العداله والاحترام ولم تسع الى رفض الأخر وإلغائه بل دعت الى التعارف بین القبائل والشعوب،
ولابد من بذل الطاقات والجهد العلمی والتقنی والاستفاده من وسائل الإعلام والإعلان وإقامه المؤتمرات الدولیه والعلمیه لتعریف الشعوب المسلمه بالإسلام وبثقافته وتعالیمه وترشید هذه المسأله فی برامج التعلیم والتربیه حتى تصبح من أسس المجتمع وتصبح المحرک الأساسی لحرکه المجتمع المسلم، ولا یمکننا أن ننسى أو نتناسى حجم الهجمه الثقافیه العلمانیه على بلادنا التی تسعى الى رفض الأحکام الإسلامیه وتبدیل الأعراف الشرعیه.
الثانیه: وهی انتفاضه فقهیه من ذوی الاختصاص أرباب العلوم الدینیه تسعى الى سدّ الثغرات التی تولدها حرکه المجتمع خصوصا فی هذه العصور التی تشهد تقدما علمیا وتقنیا وتشعبا فی کافه المجالات الاقتصادیه والاجتماعیه، فإن الشبهه التی یطرحها الأعداء تقول أن النظریه الإسلامیه قد طواها الزمن فقد نزلت على قوم کانوا فی غایه البدائیه والآن قد تزاحمت الدنیا بالمصانع والمصالح وقد توسعت البشریه وکثرت حاجاتها وتشعبت متطلباتها ولم یعد بمقدور الإسلام الذی نزل منذ قرون بعیده أن یغطی کل حاجات المجتمع، وهذه الشبهه تبعث الیأس فی نفوس المسلمین فلابد فی عملیه بناء المجتمع من ثوره فقهیه تکرس النظریه الإلهیه فی الأرض رغم أنوف الحاقدین المغرضین.
وطبعا فإن هذه الانتفاضه الفقهیه والعلمیه عند أرباب الشریعه لا بد لها أن تعمل على ترشید الأمه وتثقیفها وتعریفها بواجباتها وأحکام دینها وعلیها أیضا أن تسد الطریق أمام الحرکات الفقهیه الضاله التی تحمل عقلا تکفیریا والتی تفسد فی أرض الله تعالى. ومن هنا نعلم مدى أهمیه هذه الانتفاضه لأنها تدفع الشبهات عن الدین وتقنن مصادر الشریعه وتسد الطریق على العابثین بهذا المجال الواسع المتعلق مباشره بحیاه المجتمع، فمثلا عندما یظهر للعلن ظاهره مریبه کالحرکه التکفیریه الضاله تکون الانتفاضه الفقهیه لها بالمرصاد لأن هذه الظاهره تضر بالإسلام والمسلمین وتشوه صوره الدین عند الأجیال الناشئه والمجتمعات الأخرى.
الثالثه: وهی انتفاضه فی مجال السیاسه والحکم وتعتبر هذه حرکه مهمه فی نهوض الأمه وبناء مجتمعها لأن الحاکم إذا صلح صلح المجتمع وإذا فسد یسری فساده الى المجتمع فمن هنا کان لابد لمن یتصدى لمسأله الحکم والسیاسه فی الوطن الإسلامی من العمل على عده نقاط:
۱- العمل على توحید جهود الأمه الإسلامیه ورص صفوفها حتى تصبح کالجبل الشامخ لا تزیله العواصف،
۲- العمل على رفض النزاعات الطائفیه والمذهبیه التی لا تخدم إلا الأعداء ولا تصب إلا فی سبیل إضعاف المجتمع وتمزیق أواصل اجتماعه، فإن الشیء المشترک بین المذاهب والطوائف الإسلامیه هو الکثیر الکثیر من أحکام وتعالیم الدین، ومن هنا فکان اجتماعنا سهل المنال ودانی القطاف ولکن الأعداء بفعل سمومهم قد وسعوا رقعت الخلاف وغذوا الشقاق وزرعوا بذور الفتنه.
۳- العمل على إنشاء منظمه إسلامیه قویه یجتمع تحت رایتها جمیع الجیوش الإسلامیه بعد أن نغذی فکره الدوله الواحده التی تضم جمیع شعوب القطر الإسلامی حسب النظام الفدرالی وهذه المنظمه تتولى الدفاع عن المسلمین ورعایه مصالحهم فی کل الأرض وتکون سندا لهم فی السراء والضراء.
۴- العمل على إنشاء منظمه اقتصادیه تعمل على توحید الاقتصاد الإسلامی حتى لا تخرج خیرات المسلمین الى الغرب والشرق..،
هذه الانتفاضات هی التی تساهم فی بناء مجتمع إسلامی قوی متطور یسعى الى الرقی بالأمه الى أدراج التقدم والرفاه، وأما العمل خارج هذه الانتفاضات لن یتاح للمسلمین أن یجسدوا رساله دینهم وأن یتحولوا الى مکون أساسی یساهم فی صنع القرار العالمی ولم یستطیعوا أن یتخلصوا من الهیمنه الغربیه الورقیه على بلادهم.