التقیه فی التشریع الإسلامی
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین، وصلى الله وسلم على أشرف أنبیائه ورسله، حبیب إله العالمین، أبی القاسم محمد، وعلى آله الطیبین الطاهرین، ثم اللعن الدّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدین.
﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِی صَدْرِی ~ وَیَسِّرْ لِی أَمْرِی ~ وَاحْلُلْ عُقْدَهً مِن لِسَانِی ~ یَفْقَهُوا قَوْلِی ﴾ [۱] .
اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نیتنا خالصه لوجهک الکریم، یا رب العالمین.
إطلاله على التقیه:
فی الحدیث الشریف عنهم (علیه السلام) أن الإمام الصادق (علیه السلام) قال لهشام بن الحکم: «صلوا فی عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم… والله ما عُبدَ الله بشیءٍ أحبَّ إلیه من الخَبْء، قلت: وما الخبء؟ قال (علیه السلام): التقیه» [2] .
هذا الحدیث نقله العلامه والمحدث الکبیر الشیخ الحر العاملی فی وسائل الشیعه، الذی یعتبر من أهم الموسوعات الحدیثیه فی مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) وعلیه مدار التوثیق والدلیل الذی یتحرک ضمن جنباته، حیث بذل الشیخ الجلیل الحر العاملی جهداً کبیراً فی لملمه أوراق الحدیث فی أکثر من مصدر ومصدر، وانتهى إلى هذه الموسوعه الکبرى التی تقع فی عشرین مجلداً منظمه مرتبه، على أن الکمال یبقى لأهل الکمال، ولکن هذا الکتاب له من القیمه العلمیه الکثیر الکثیر، کما أن مؤلفه کالشمس فی رابعه النهار، لا یحتاج إلى مزید من التوضیح والتبیین.
التقیه موضوع مهم وحساس وله مسایره مع جمیع الأزمنه والظروف مهما تقلبت، لذلک أسس لها القرآن الکریم، وجاء النبی (صلى الله وعلیه وآله) فسافر بمفهومها إلى آفاق بعیده، ولما استشرى الظلم والجور وسیطره الجائرین، لم یألُ الأئمه (علیهم السلام) جهداً أن یفرّعوا فی هذا المفهوم، لذا تجد أن الروایات الصادره عنهم (علیهم السلام) تحمل أکثر من لون ولون، لذلک تقلب حکم التقیه لدى فقهائنا فی أقسامه الخمسه ـ کما سنقف علیها إن شاء الله على نحو العجاله ـ لکن لملمه نثار أحادیث هنا وهناک یختصرها حدیث عن الإمام الباقر (علیه السلام) یقول: «من لا تقیهَ لهُ لا دینَ له» [3] .
وربما یقول البعض منا: إن تلک الروایات جاءت فی ظروف معینه، والظروف الیوم تختلف تماماً، والأوضاع سلط علیها الضوء، ولیس بمقدور الطرف الآخر أن یمارس لوناً من التعسف الزائد الذی لا یُحتملُ عادهً، وبناء على ذلک علینا أن نغلق الباب على هذا المفهوم، وأن نحتفظ به تحت درجه الصفر إلى وقت الحاجه، لکننا إذا رجعنا إلى ثوابت فی مذهبنا الشریف نجد أن نظر الأئمه (علیهم السلام) عندما یسلطونه على موضوع ما فإنهم یسبرون غوره ویقرؤون ما هو المترتب على ذلک الموضوع من أمور مستقبلیه، لذلک نجد فی أحکام أهل البیت (علیهم السلام) المرونه من جهه، والعمق من جهه، وبُعد النظر من جهه ثالثه، ومن یجمع بین هذه الأضلاع الثلاثه فإنه یقف على حیاض حکمٍ لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه، أما عدم احتیاج الناس فهو أمر نسبی تتحکم فیه الظروف والأوضاع والأحداث، لکن ذلک لا یعنی أن یُقسر أحدُنا الآخر الآخر لیأخذه إلى ما شَخَّصَ وتبین.
الضرر ملاک التقیه:
إن موضوع التقیه یُحدُّ «بوجود الضرر» فمتى ما وُجد الضرر فرضت التقیه نفسها، ومن المعلوم أن مقوله «وجود الضرر» مطاطه وسهله، ویمکن أن تُفرَض هنا وتُمنَع هناک، حسب من یتعاطى مع هذا الوجود.
وهذا الضرر قد یکون شخصیاً، وهو ما ینحصر بالفرد دون النوع، فأحیاناً یکون الضرر متوجهاً لشخص بعینه، ولا یترتب شیءٌ منه على الآخرین، وقد یکون ضرراً نوعیاً، على طائفه أو نحله أو مله أو جماعه، فلا یتضرر منه فرد بعینه.
وهنا لا بد من وضع علامه استفهام، والتوقف عندها قلیلاً للفت الأنظار إلیها وهی أن بعض الأحبه المؤمنین یقول: إننی لا أجد ضرراً متوجهاً إلیَّ، وبما أننی لا أشعر بضرر شخصی فلا یعنینی أن یکون ثمه ضرر أو لا یکون، فأنا بالنتیجه أتحمل هذ الأمر. وفی هذه النظره تجاوز لحدود التقیه، وللثوابت والضوابط التی بینها مراجعنا العظام فی رسائلهم العملیه، فعلینا أن نلتفت إلى هذا الأمر باهتمام.
إن الضرر إذا ما حصل، وهو أعم من أن یکون ضرراً جسدیاً أو مالیاً أو عرضیاً، فحینئذٍ یجب على المرء أن یدفعه عن نفسه، والتقیه تدور مدار ذلک الضرر المتوجه لأحد الأبعاد الثلاثه: الجسد والمال العرض، وجوداً وانتفاءً، فإن وجد الضرر المذکور وجد الموضوع، وکانت التقیه ثابته وحاکمه، والملاذ بها وإلیها، وإن انتفى فلا تقیه.
التقیه والأحکام الخمسه:
وبناء على أن موضوع التقیه یشتد ویضعف، وقد یکون له شیء من البسط أو الانکماش، فإن الأحکام الشرعیه تدور مدار هذا الأمر، وأعنی بها الأحکام الخمسه المعروفه: الوجوب أو الحرمه أو الاستحباب أو الکراهه أو الإباحه المطلقه.
وقد یکون للتقیه، لشخص واحد، فی مکان واحد، وضع ما یختلف عما هو علیه فی ظرف آخر، ومن باب المثال التقریبی لیس إلا، والقیاس مع الفارق، أن الاستحاضه لها ثلاث مراحل: صغرى ووسطى وکبرى، وقد تنتقل المرأه من حاله إلى أخرى خلال دقائق یسیره، لذا نلاحظ فی بعض صور الاستحاضه أن المرأه یتعین علیها أن تجدد الوضوء بین صلاتین. وفی مورد التقیه کذلک، علماً أنها تشمل الجمیع رجالاً ونساءً، لا سیما فی هذا الزمان، فربما کانت المرأه غیر معنیه بها فی الأزمنه السابقه، وبعیده عن دائرتها، أما الیوم فهی فی خضم الحدث، لأنها الیوم فی المدرسه والمستشفى والمدرسه والمکتب وبعض المؤسسات، وتلتقی بألوان الطیف من حولها، وربما یفرض علیها الواقع شیئاً من ذلک، فعلیها أن تلتفت للأحکام من حولها.
فالتقیه قد تأخذ طابع الحرمه، بمعنى أن المرء لا یمکنه أن یتعاطى التقیه، وأن یوجِد مبرراً له بناء علیها فیما لو کان موضوعها منتفیاً من أساسه، بمعنى أن التقیه تسقط لسقوط الموضوع، إذ لا موضوع لها فی الخارج، فعندما أکون فی بیتی، بین أهلی وقومی وجماعتی، فیجب علیَّ أن أصلی صلاتی کما هی، ولو أن أحداً أراد أن یتجاوز ذلک، ویصلیها کما هی الحال فی ظرف التقیه، فإنه یکون قد ارتکب محرماً. وکذا فی معرض المعاملات، إذ یتعرض المرء لشیء من هذا القبیل، فلا یجوز له أن یمارس دور التقیه فی حال انتفاء موضوعها.
ومن جهه أخرى فإن الضرر على ضربین: قد یکون ضرراً عاجلاً، وقد یکون آجلاً، فلا یکفی أن أقول: لا موجب للتقیه لعدم تحقق الموضوع، فالضرر غیر محتمل، ولکن بعد أیام قد یحصل الضرر، وهذا الأمر التقدیری الاحتمالی، إذا کان العرف یعطی له قیمه، وکان العقل یثبت له نصیباً من القدر، فعلى المرء أن یرتب علیه أثراً، فمثلاً: عندما یسافر الفرد من منطقه إلى أخرى، ویتوقف فی إحدى محطات الاستراحه أو تعبئه البنزین، ویرید الصلاه، ویرى أن لا مشکله فی أن یصلی صلاته کما هی، ولکن عند النظر إلى الأمور بدقه قد یجد أن الضرر ربما ترتب لاحقاً، لا فی تلک الساعه التی أدى فیها الصلاه. وعندئذٍ یتحقق موضوع التقیه، ولو بهذا الجعل التقدیری، ولا بد من ترتیب الآثار علیها.
وهنا ألفت الانتباه إلى أمر مهم، وهو: إننا نذهب إلى مکه والمدینه، ونجتاز مجموعه من المحطات، ونتوقف فیها، وقد تصادف أوقات الصلوات، وربما أقیمت الصلوات جماعهً فی بعض الأحیان، فیسقط جزء کبیر من مستوجبات التقیه، وربما أقیمت فُرادى. فمن الأمور التی یتعقبها المرء وراءه بعیداً عن دائره المسؤولیه والشعور بالمذهبیه، هو أن یستقطع مجموعه من الأوراق أو القراطیس أو «الکرتون» لیصلی علیها، ثم یخرج ویترکها فی المسجد، فی حین أن المسجد لیس ملکاً لأحد، حتى الباذل، فلو فرضنا أن أحداً بنى مسجداً من ماله لم یشارکه فیه أحد، ثم جعله وقفاً، فإنه یخرج من ملکیته، وکان المسلمون فیه شرع سواء، فلا مسجد شیعیاً ولا مسجد سنیاً، إن هی إلا أسماء سمیتموها أنتم ومذاهبکم، فالمساجد للمسلمین، ولکن مع الأسف، لسوء الأوضاع، وللتشنج الذی یسود الکثیر من المشهد الإسلامی، أن «الشیعی» عند حلول وقت الصلاه، یرتسم فی مخیلته ألف محذور، واقعیاً کان أم خیالیاً، یحجبه من الدخول فی المسجد «السنّی» لأداء الصلاه فیه، ویحرمه من أجر عظیم. والعکس صحیح أیضاً، حیث تجد «السنی» یدور حول المسجد «الشیعی» ثلاث أو أربع مرات، ویتردد فی صراع مع نفسه حول خاصیه المسجد والمصلین فیه، وکأنه داخل فی معرکه، فی حین أن المسجد «الشیعی» للمسلمین جمیعاً، وکذلک المسجد «السنی». وخیر دلیل وشاهد على ذلک ما یجری فی بیت الله الحرام، حیث یسجد الجمیع لرب واحد باتجاه إلى قبله واحده للتخلص من تکلیف واحد، وکذلک عند مسجد النبی الأعظم محمد (صلى الله وعلیه وآله).
نعم، لا تقیهَ فی الدماء، أی أن الحاکم الظالم إذا أعطى أحداً سیفاً، وطلب منه أن یقتل فلاناً من الناس، فلا حباً ولا کرامه، ولا بد من الاستجابه إلى نداء الحق دون الحاکم الظالم، ولا تقیه فی هذا المورد، وإن آلت الأمور إلى أن یقتل ذلک المأمور.
وإذا کان الأمر کذلک، فما بالک بمن یحمل بضاعه مزجاهً لأطراف ربما لم یکلفوه بذلک، رغبه منه فی الإیقاع بالطرف الآخر؟! وفی بعض الأحیان تکون البضاعه لا أساس لها، ولم یکن هنالک شیء قد حصل، لکن البعض یتبرع من نفسه متطوعاً.
ومن هنا تجد أن الکثیر من المشاکل التی تعترض المؤمنین فی حیاتهم، ومباشره الأعمال التی یفترض أن یقوموا بها وفق الضوابط التی تملیها علیهم الأحکام الشرعیه الصادره عبر مراجعهم عن أئمتهم (علیهم السلام) نُسهم نحن فی جزء منها مع شدید الأسف.
وقد تکون التقیه واجبه، وقد تکون مستحبه، لا هی فی حد الوجوب الذی لا بد أن یمتثل له الإنسان، ولا هی فی حد الحرمه، کما فی الدماء، إنما وقوع الضرر یساعد علیه احتمالٌ راجح، أی ترجیح کفه مستقبلیه فی احتمال وقوعه، فإن المکلف یعمل طبق التقیه، وفی هذا العمل عنوان الاستحباب، والتقیه فی هذا المورد تتصف بصفه الاستحباب. ویفترض هنا أن لا یکون التقدیر عبثیاً، إنما یکون بملاک مُرجِّح لذلک الاستنطاق والقراءه، أی أن الضرر وإن لم یکن واقعاً بالفعل، إلا أنه یحتمل فی المستقبل أن یکون کذلک، سواء کان ضرراً شخصیاً بأبعاده الثلاثه المذکوره، أم نوعیاً، بمعنى أنه یتعدى للمذهب الذی أنتمی إلیه، فأکون بسوء سلوکی ومنطقی متسبباً فی إرباک أوراق ذلک المذهب. أما إذا رتبنا الآثار على أساس دفع المحذور المستقبلی بمستوجب مرجح للتقیه، فلا کلام ولا إشکال بأنه أمر مستحب ومطلوب.
فنحن أیها الإخوه ـ لا سیما الشباب الذین هم فی معرض البلوى فی الکثیر من جوانب حیاتهم هذه الأیام لکثره التنقلات بسبب الدراسه والعمل وبعد المسافات ـ علینا أن نعطی هذا المفهوم وقتاً معیناً لیقرؤوه بدقه لتکون الأمور معهم سهله ومرنه.
أما الکراهه فهی عدل الاستحباب، وفی الطرف المقابل له، وهو حد لا یصل إلى الحرمه، بمعنى أن المکلف یترک الراجح ویأخذ بالمرجوح، فی حدود أقل من مستوى الحرمه کما ذکرنا.
أما إذا تساوت الأطراف فی احتمال وقوع الضرر المستقبلی وعدم وقوعه، حینئذٍ تکون الإباحه هی الحاکمه فی هذا المورد.
من خلال هذا العرض السریع والتقسیم نلاحظ أن التشخیص یحتاج إلى ثقافه دینیه ووعی وإدراک للمفاهیم التی استعرضتها الشریعه عند جمیع من هو فی دائره الابتلاء، نعم، لا یجب علینا أن نتعلم من الأحکام ما هو خارج دائره الابتلاء، أما إذا دخلت فی تلک الدائره تعیّن فعلینا أن نتعلمها، والتقیه واحده من أمهات المسائل التی ینبغی أن نلتفت إلیها.
ومن الأمور الجدیره بالذکر فی هذا المجال، أننا فی الزمن السابق عندما کنا نذهب إلى حرم النبی الأعظم (صلى الله وعلیه وآله) أو الحرم المکی، أو أی موقع من المواقع، کان بعضنا یضع حصیراً من القصب أو غیره للصلاه علیه، ولکن هذه الظاهره انحسرت بعد تطور الفتوى لدى علمائنا الأعلام، وتوسع دائره تشخیص الموضوعات لدیهم. والسؤال هنا: هل کان أولئک المصلون فی الماضی بدرجه من الجهل أنهم کانوا لا یجیدون الربط بین أقسام التقیه التی ذکرناها، أو أن الأمور کانت تجری بشکل عفوی؟ الذی أتصوره أنها أنها کانت تجری بشکل عفوی، ولم تکن مبنیه على الفرض الأول، وحاشا أولئک أن یکونوا على هذه الصفه. لکن هذا مؤشر على أن شباب الیوم، رجال المستقبل، باتوا على درجه من الوعی أکثر مما کان علیه أولئک السابقون، الذین کانوا أیضاً على درجه کبیره من الوعی الذی یتناسب ووضع المرحله آنذاک. فشباب الیوم أکثر وعیاً، باعتبار الظروف والأحوال الجدیده، لا أن السابقین لم یکونوا واعین. وأؤکد هنا أن شباب الیوم أکثر وعیاً وقدره على التشخیص، بدلیل أن الزوابع التی تعصف بمجتمعنا لم تعد کما کانت بالأمس، فالشباب أصبح قادراً على أن یتخطى کل تلک الزوابع التی یحاول أن یثیرها بعض الناس، وهذا إن دل على شیء فإنما یدل على الوعی والرغبه فی أن یلغی الشباب الماضی لیستشرف مستقبلاً أکثر إشراقاً ونورانیه وقدره على التعاطی والفهم والدرک، لأن المسؤولیه الیوم بطبیعه الحال أکبر مما کانت علیه فی الماضی، والقرآن یدعونا لهذا الموقع، ومحمد وآل محمد یدعوننا لهذا أیضاً.
اشتراط عدم المندوحه فی التقیه:
أما عن «المندوحه» التی کثیراً ما نسمعها فی هذا الموضوع، وأنها إذا وجدت انتفت التقیه، ومع احتمال وجودها لا بد للملکلف أن یبحث عنها لیتخلص من غائله المخالفه للحکم فنقول: المندوحه هی طلب السعه فی الزمان أو المکان، ولهذا مصادیق کثیره فی الخارج، لکنها عند اللغویین تعنی الفسحه أو السعه، والمکلف أدرى بتلک المساحه إن کانت موجوده أو لا.
أما فی الاصطلاح، فالمندوحه هی إمکان المکلف الإتیان بالواجب التام الشرائط والأجزاء، وذلک بأن یأتی به فی وقت آخر أو مکان غیر. أی أننی أستطیع أن أصلی الصلاه جامعهً لشرائطها کافه ولکن فی مکان آخر، وزمان آخر، لکن فی وقتها المعین، أو أن أتخلص من جماعه محیطه بی إلى ظرف آخر. هذه هی المندوحه فی الاصطلاح.
ولأن للمندوحه صله مباشره بموضوع التقیه، سلط علماؤنا الضوء علیها، وکان لها من الأثر الشیء الکثیر فی فک معضلات التقیه وجریها فی عالم الخارج.
فالتقیه مرتبطه بالمندوحه وطلب السعه، ومن تلک المندوحه والسعه «التوریه» کأن یُسأل المرء عن تبعیته لأیه طائفه، فتجیبه بجواب لا یوصله إلى حقیقه الأمر، أو أن تُسأل عن بلد فتجیبه بجواب لا یهدیه إلى ما یرید، کأن تجیبه عن أصلک وموطن أجدادک لا عن الوطن الفعلی الذی تعیش فیه.
والأمر المهم الذی وددت الإشاره إلیه هنا أننا یجب أن لا ننساق مع التوریه بحیث توجب لنا إرباکاً وتزعزع ثقه البعض بالبعض الآخر، فالتوریه قد یستخدمها الأزواج مع الزوجات، أو الآباء مع الأبناء، أو الصدیق مع صدیقه. فمن الأمثله على ذلک أیضاً أن أقوم بزیاره زید من الناس، وهو مؤمن من أهل التقوى، لکن لا یرغب أن أزوره، فیتخلص منی بطریقه شرعیه، فیرسم دائره مثلاً، ویضع یده فیها ثم یقول لولده: قل للضیف إن أبی لیس موجوداً، أی أنه لیس موجوداً فی الدائره تلک، فیذهب الولد ویبلغ الضیف بذلک، إلا أن الذهنیه الفطریه له لم تدرک معنى التوریه بعد، فعندما یرجع إلى الدار یرى أن أباه موجود، وقد قال للضیف توّاً إنه لیس موجوداً، فیکون الأب فی نظره کاذباً، ومع شدید الأسف أن البعض من رجال الدین یمارس هذا اللون من التوریه، ویستخدمها استخداماً خاطئاً، فی حین یفترض أن یکون هو المناره والشمعه التی تضیء للناس. وإذا فُتح هذا الباب على مصراعیه جعلنا ندور فی دوامه من المهزله والسخریه، ثم ینتهی الأمر إلى فقدان الثقه بحیث لا یستطیع أحد أن یصدق أحداً.
إن للفقهاء فی موضوع التقیه آراءً متقدمه جداً، منها أن البعض یشترط عدم وجود المندوحه لترتیب أحکام التقیه، وهذا ما عمل به المتقدمون، ومنهم الشهید الأول والثانی والمحقق الکرکی فی أحد قولیه ـ وربما یکون القول المتقدم له ـ وجماعه آخرون. فهؤلاء یرون عدم وجود المندوحه، أما مع وجودها فلا بد من ترتیب الآثار علیها ولا موضوع للتقیه. والقول الثانی لا یشترط ذلک، فلو حصلت المندوحه أو لم تحصل فلست ملزماً بها، ولمقلدی السید الخوئی مثلاً أن یراجعوا المسأله «28» فی المسائل المنتخبه، ولا یلتفتوا إلى من یزوّق الفتاوى ویسوّقها ویفتی بغیر علم.
وهناک قول ثالث فی موضوع المندوحه وهو التفصیل، وهؤلاء فی الأعم الأغلب من المعاصرین، وقد بنوا بناءهم هذا على ما ورد فیه نص وما لم یرد فیه، فالصلاه معهم مثلاً، ورد فیها نص، وکقول آمین فی الصلاه، والسجود على ما یصح السجود علیه، وفی جهات أخرى لم یرد نص، کالصلاه عکس القبله مثلاً.
التقیه المداراتیه:
أما عن السبب وراء التقیه المداراتیه التی یراها السید المرجع السیستانی «حفظه الله تعالى» ومن قبله السید الإمام «قدس سره الشریف» الذی أصّل لها وذهب معها إلى البعید جداً، فهو التألیف بین القلوب، والمحبه الاجتماعیه بین أبناء الطن الواحد والأمه الواحده والإقلیم الواحد والإسلام بأسره. فعند إلغاء التقیه من حیاه المسلمین سوف تتحول إلى جحیم، على الشخص أو على المجموع، أما العمل بها فی موردها فهو منجاه للجمیع.
قد یقول قائل: إن بعض المسلمین یعتبرون التقیه کذباً ویتهموننا بذلک، فی حین أن المذاهب الإسلامیه التی تعتقد بعداله الصحابه بعد النبی (صلى الله وعلیه وآله) تنقل عنهم فی البخاری وغیره أنهم قاموا بالکثیر من الممارسات انطلاقاً من التقیه. ومن الملاحظ أن جُلّ من عمل بالتقیه منهم کان محسوباً على الطیف العام لا على الطیف الخاص، وعلى رأس أولئک أبو هریره، الراوی المعروف، الذی یصرح بأن لدیه وعاءین، أما الأول فقد بثه فی الناس، وأما الثانی فلو أنه بثّه لقُطع منه البلعوم [۴] ، وهذا عین التقیه، إلا أن المصطلحات والأسماء تختلف عند غیرنا، کما هو الحال فی المتعه، إذ یمکنک أن تقول «مسیار» أو «مطیار» أو غیره، لکن لا تقل «متعه»، هکذا الحال فی التقیه، سمّها ما شئت إلا التقیه.
خاتمه:
فالتقیه لها تطبیقات کثیره، قد تکون فی العقیده أو العباده أو غیر ذلک، وقصه عمار بن یاسر معروفه فی المعتقد، إذ تجاوز الظرف وأخذ بالتقیه، وفیه نزل قوله تعالى: ﴿ إلّا مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالِإیْمَانِ ﴾ [۵] .
ومن الأمثله علیها فی مجال الأحکام السجود على التربه الحسینیه، التی یمکن الاستعاضه عنها فی ظرف التقیه بالسجود على الفرش، وللإمام الخمینی «قدس سره» فتوى فی هذا المجال یقول فیها: استعمال التربه فی حال التقیه فی مسجد رسول الله محمد (صلى الله وعلیه وآله) حرامٌ، والصلاه فی هذه الصوره لا تخلو من إشکال.
ومن موضوعاتها أیضاً الوقوف بعرفه، ومن نعم الله علینا فی هذه السنه أن الهلال واحد لمن وفق للحج فی هذه السنه.
إن مصادرنا التشریعیه المتمثله بالقرآن الکریم وروایات النبی (صلى الله وعلیه وآله) وأهل البیت (علیهم السلام) تنص بوضوح على مشروعیه التقیه، یقول الإمام الصادق (علیه السلام): «أما والله إنَّ عندنا ما لا نحتاجُ إلى أحدٍ والناسُ یَحتاجون إلینا، إن عندنا الکتاب بإملاء رسول الله (صلى الله وعلیه وآله) وخطّهُ علیٌّ بیده، صحیفهٌ طولها سبعون ذراعاً، فیها کلُّ حلال وحرام» [6] .
أسأل الله تعالى لنا ولکم التوفیق، والحمد لله رب العالمین.