حریه الفرد فی المجتمع الإسلامی

0

لقد وجد الإنسان مفطورا على الإجتماع والتکامل مع بنی نوعه ومن حوله من المکونات حیث إن حیاته لا تستقیم فی ظلّ الانزواء والانعزال فی کهف خلواته وزوایا مملکته الصغیره البعیده عن عناصر مجتمعه الملبی لنداء فطرته ووجدانه، وهذه مسأله بدیهیه یتحسسها الفرد فی أعماق خلقته وخبایا هویته ویشعر بنبضها المستمر المرافق له فی مسیره حیاته، ولا یمکن أن یوجد مجتمع بشری مستقیم من دون فرد وکذا لا یوجد مجتمع من دون أفراد تکون حضارته وترسم مبانی أخلاقه وتعالیمه.
ویمثل المجتمع الحاجه الملحه للفرد حتى تستقیم حیاته وتشبع رغباته وهذه الحاجه أقوى من کل الحاجات وأنشط من کل الرغبات التی تنبع من صمیم الخلقه الإنسانیه، نعم إن المجتمع البشری عندما تشکل کان جماعه صغیره تتکون من أسره واحده شکلت النواه الأساسیه لوجود البشریه بکمها الهائل فی زماننا، ومنذ ذلک الحین أخذت هذه الأسره الواحده بالتوسع حتى أصبحت مع تقدم الزمن قبائل وشعوب وأمم وحضارات. 

ولا زال الفرد الإنسانی منذ أن تشکل مجتمعه متأرجحا بین النوازع الفردیه الشخصیه التی تضج بالأنانیه البغیضه وبین الرغبه الشدیده الملحه فی الانضمام الى المجتمع، فتاره یمیل کل المیل نحو نزعاته الشخصیه ومصالحه الضیقه فیشعر أن الجماعه تضایقه وتحد من حریته وتقیّد رغباته، وأخرى یفزع نحو المجتمع بلهفه وعطش لیطفأ حراره تخرج من أعماقه تدفعه نحو المجتمع لأنه یرى أن حیاته الانعزالیه ضیّقت علیه الأرض بما رحبت فیلجأ الى المجتمع لیفر من قضبان الوحده الخانقه ویلبی غریزته الجامحه نحو الجماعه لما فیها من تکامل له. 

وعلى هذا فإن الفرد حین یبالغ فی أنانیته ولا ینظر إلا لما ینفع وجوده الشخصی یکون قد بدأ بالاعتداء على الآخرین لأن نظرته الشخصیه هذه ستبیح له کل شیء یرى فیه إشباعا لعطش أنانیته ومع هذا فهو یعیش فی مجتمعه ویرید من هذا المجتمع أن یقدم له کل شیء وأن یسخر العباد والبلاد لخدمه منافعه الشخصیه ولا یرید أن یقدم شیئا للأفراد الآخرین بل یرى أنهم فی خدمته ویجب أن یستفید منهم بإشباع غرائزه ونزواته الحیوانیه ویرى أن ما یفعله هو حق له وحریه مکتسبه له، ولکنه نسی أن المجتمع والفرد متلازمان فحین یرى أن المجتمع بخدمته لابد أن یرى بعینه الأخرى أنه هو فی خدمه المجتمع حتى یحصل التکامل ویستمر العیش، فإن الوحوش فی الغابات یوجد عندها واجبات وحقوق وأعراف لا تتخطاها حتى تستمر حیاتها. 

فإن الفرد لا یستطیع أن ینعزل عن المجتمع ویستقر بحیاته الخاصه الفردیه وبأنانیته الحمقاء ومع هذا یرید من المجتمع أن یکون خادما له، وقلنا أن الفرد مادام یعیش على هذه الأرض لا یمکن له أن ینزوی عن مجتمعه لأن حیاته حینئذ لا تستقر بل لا تستمر، فإذا أراد أن یعیش کفرد من المجتمع فعلیه أن یحترم تقالیده وأعرافه ویقوم بواجباته وعند ذلک یأخذ حقوقه. 

لنفرض أن فرد من المجتمع أراد أن ینزع عن کاهله کل الأعراف والتقالید والواجبات فأطلق رغباته وشهواته الى أبعد الحدود التی لا یقبلها المجتمع قطعا ولا تسمح بها تقالیده وأعرافه، فإن هذا الفرد سیرى أن المجتمع بنظرته هذه یحد من حریته ویضع على عاتقه السلاسل والأغلال ویکبت نوازعه ورغباته الفطریه لأنه لا یسمح له بإطلاق العنان لرغبته الجنسیه مثلا أو السلطویه أو المالیه وغیر ذلک من رغبات یقیدها المجتمع لمصالح تعود الى بقائه واستمرار حیاته، ولکن هنا نقول أن هذا الشخص الذی أراد أن یطلق العنان لشهواته ونوازعه فعارضه المجتمع وقیده لنفرض أن شخصا آخرا أراد أن یفعل نفس الفعل فإن أول المعترضین علیه سیکون زمیله الأول، وهکذا فإن کل فرد لو أراد أن یعطی لنفسه استقلالیه مطلقه فی مجتمعه تصل الى حد الإسراف فی استغلال الشهوات والرغبات فعندها ستسود الفوضى وتصبح هی سیده المجتمع خصوصا إذا لا حظنا أن الرغبات متعارضه ومتصارعه وکل فرد یرید أن یتمادى فی تطبیقها. 

ومن هنا فلا یمکن لنا أن ندعی أن التقالید الموجده فی المجتمع هی أغلال وقیود وضعناها على أنفسنا ولیس لها أیه قیمه أخلاقیه ولا واقعیه ویجب أن نعمل على تذویبها وتقلیلها شیئا فشیئا حتى تصبح نسیا منسیا، لأن التقالید والأعراف الموجوده فی مجتمعا لیست أوهام وأعراف لا قیمه لها خصوصا إذا لاحظنا أن مجتمعنا مجتمع إسلامی تلقى هذه الأعراف والتقالید من الشریعه بل هی فی الواقع أحکام شرعیه إسلامیه عمل بها المجتمع وتعود علیها حتى صارت تسمى تقالید وأعراف فی لغته وإلا فهی أحکام دینیه منبعثه من عبق الشریعه الإلهیه ذات مصالح تعود على المجتمع بالفوائد الجمه الکثیره والبرکه الوفیره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.