قراءه تأملیه فى خطاب الإمام الحسین یوم عاشوراء
لاشک أن خطب الإمام الحسین (علیه السلام) فى یوم عاشوراء، تعد أحد أرکان وأضلاع مکونات الثوره التى فجرها ضد طغاه الحکم الأموی الظالم.
وقد تجسد بروز مضامین أهم هذه الخطب الثوریه مع تصاعد حده المواقف الغاشمه، التى واجهها الإمام على خلفیه دعوته للإصلاح ورفضه للمبایعه الأمویه، وقد توضحت أبرزصورومشاهد هذه الخطب فى خطبته یوم عاشوراء، وحینما کان الحسین یواجه الموت وهو یقف بکل صلابه وشجاعه مع ثله قلیله من أنصاره وأهل بیته أمام تلک الجموع الکبیره من القوى المعادیه التى جاءت وإجتمعت وتکالبت لمحاربته وقتاله، بقیاده عمر بن سعد، الذى قاد هذه الجموع لمواجهه الحسین.
ولاشک أیضا بأنها کانت خطبه تاریخیه خالده مزلزله وفریده فى حقبه تاریخ خطب القاده والزعماء القلائل الذین خلدهم التاریخ، وحتى بقیت آثارزلزالها الثوری المدوی والخالد مستمرإلى الیوم، مهددا بدک عروش الطغاه والظالمین والفاسدین والمنحرفین، کما کان ومازال صدى وبعد وعمق تأثیرمفردات معانی کلماتها البلاغیه والفلسفیه والمنطقیه والإعلامیه بمنطق العصرمثارإعجاب ودهشه إلى الیوم، من قبل کثیرمن المفکرین فى الشرق والغرب، الذین أعدوا وکتبوا وقدموا لها الکثیرمن الأعمال الفکریه والبحثیه والدراسیه بجمیع اللغات، التى تناولت تشریح وتقریض أبعاد قوتها وفلسفتها ومنطقها البلاغی والإعلامی المؤثر.
وبذلک تمثل خطب الحسین فى هذه الثوره رکنا هاما لمسیره کفاحه وجهاده الإصلاحی ضد الطغاه والفاسدین من حکام الدوله الأمویه الظالمه، وتعد نموذجا فریدا لمنظومه فکریه مستقله، وفریده فى تکوینها ونوعها الإنشائی واللغوی والبلاغی، وإلى حد یفوق التصورویعجزعنه الوصف، وهی رائعه من الروائع الأدبیه والفکریه الناذره فى القاموس الفکری والأدبی القدیم والحدیث نثرا وشعرا، کما یصفه الکثیرمن المفکرین والعلماء فى العالم الإسلامی، وأرى من هذا المنطلق أنه لایمکن من وجهه نظری تقییم ووصف منجزها ومشروعها الفکری بنفس أسالیب القوالب المعروفه فى التعاطی الأدبی والفکری الکلاسیکی المتداول والمطروح فى الساحات الأدبیه الحدیثه.
وأعتقد أیضا فى هذا بأن مضامین وقوالب ماجاء فى هذه الخطب «الإنشائیه والبیانیه» لاتحتاج منا إلى أی تعلیق أومدح أوثناء أوإطراء على قیمتها الإبداعیه، فهذه الخطب تفرض نفسها، وتعطی المتتبع والدارس والباحث مدلولات واضحه للمشاهد التسجیلیه النوعیه المبهره والفریده، وتنقل إلیه صوره واضحه وبلیغه للمتحدث، وبأنه کیان مختلف عما ألفه من قبل فى مثل تلک الخطابات التقلیدیه الحدیثه أوحتى المتأخره فى العهود السابقه.
وأود هنا أن أشیرإلى تنویه هام حول الموضوع، وهوأن هذه القراءه المتواضعه، تتناول فقط بعض أجزاء مقتضبه ومختصره ومجتزئه ومأخوده من بعض أهم خطبه (علیه السلام) فى یوم عاشوراء، وبحسب ترتیب إیجازها من بعض مراجعها ومصادرها المعروفه، وقد خصت أبرزالجوانب الهامه مما ورد فى هذه الخطب، وخاصه أهم ما تناقلته مصادرخطبه (علیه السلام) فى یوم عاشوراء.
والحقیقه أن المتتبع لهذه الخطب القیمه والمتفرده فى لغتها وإشاراتها یلحظ بوضوح تام أهمیه النماذج والدلالات البارزه فى قیمه هذه الخطب، والداله على عمق وبلاغه وفصاحه وقوه مضامینها ومحتواها، وما تعکسه من تأثیرات، وخاصه ماترکته من إنعکاسات فى نفوس الکثیر من رواد الفکرالإسلامی والمهتمین بمتابعه ودراسه هذه الخطب، یقول أحد الکتاب المهتمین بثوره الحسین.. إعتمد الحسین على قوه المنطق، لبینما إعتمد عدوه على منطق القوه، فلما سقطت قوه عدوه إنتصر منطق الحسین وکان إنتصاره أبدیا.
ویقول آخر: فتح الإمام الحسین کتابا صیغ بدمه وعرقه أمام المجتمع کله لینهل منه حسب قابلیته.
وقیل فى السیاق نفسه، أراد الحسین أن تکون ثورته ثوره حق ضد الباطل، وثوره الإسلام کله، ضد الشرک کله.
وحینما نتابع تفاصیل وقائع هذه الخطب، نکتشف حقیقه أن کل ماقیل عن الحسین من أقوال دونتها أقلام المفکرین والباحثین، لاتفی بحقه، فالحسین مشروع کبیرلیس بوسع أحد أن یفیه حقه، ولکنها على کل حال مجرد إجتهادات خیره، تصب فى خدمه الحسین وأهل بیته الطیبین الطاهرین، صلوات الله وسلامه على نبینا الکریم وعلیهم أجمعین، ونسأل الله تعالى أن یتقبلها فى موازین أعمالهم.
وأما مواقف الأحداث فى التسلسل الدرامی لسیناریو خطبه (علیه السلام) القویه فى کربلاء یوم عاشوراء، فسنجدها تتجلى بدایه فى خطبته الأول کما تذکر المصادر، وبدایتها حینما إمتطى الحسین (علیه السلام) راحلته «فرسه» ونادى بصوت عال موجها حدیثه لجیش عمر بن سعد سمعه جلهم وقال لهم.. «أیّها الناس اسمعوا قولی، ولا تعجلوا حتّى أعظکم بما هو حق لکم علیَّ، وحتّى أعتذرإلیکم من مقدمی علیکم، فإن قبلتهم عذری، وصدّقتم قولی، وأعطیتمونی النصف من أنفسکم، کنتم بذلک أسعد، ولم یکن لکم علیّ سبیل، وإن لم تقبلوا منّی العذر، ولم تعطونی النصف من أنفسکم، فاجمعوا أمرکم وشرکاءکم، ثمّ لا یکن أمرکم علیکم غمّه، ثم اقضوا إلیّ ولا تنظرون، إن ولیی الله الذی نزل الکتاب وهو یتولّى الصالحین»
وتشیرسیره الحدث فى هذا السیاق إلى أن النساء لمّا سمعن هذا منه صحن وبکین، وارتفعت أصواتهن، فأرسل إلیهن أخاه العباس، وابنه علیاً الأکبر وقال لهما: «سکتاهن، فلعمری لیکثربکاؤهن»
ولمّا سکتن، تابع الحسین خطابه وحمد الله وأثنى علیه، وصلى على محمّد وعلى الملائکه والأنبیاء، وقال فی ذلک ما لا یحصى ذکره، ولم یسمع متکلم قبله ولا بعده ولا أبلغ منه فی منطقه.
وتبدو هنا ومن أول وهله رباطه جأش الحسین (علیه السلام) وشجاعته، من خلال هذه التوجیهات الصارمه الحاسمه، وتکمن أولا من خلال مبادئته فى الخطاب الذى وجهه لجیش إبن سعد بصوره حاسمه ومباشره وهادئه فى ذات الوقت أراد الحسین من خلاله أن یعضهم، وقد رفع صوته لیسمعه الجمیع وهو یقول لهم بکل هدوء ودون إنفعال، کما هوواضح من خلال لغه وصیغه الخطاب «أیّها الناس اسمعوا قولی، ولا تعجلوا حتّى أعظکم بما هو حق لکم علیَّ» ونجد أن الحسین هنا کان یرید من خلال ذلک إلقاء الحجه على القوم إبراء لذمته وتعریفهم بنفسه وبمکانته التى یجهلونها أویتجاهلونها، محاولا تذکیرهم بأسباب مقدمه لهم الذى جاء بدعوه منهم، «ولیبین لهم بالتالی مصداقیه قوله، فإن صدقوا قوله کانوا بذلک أسعد، وإن لم یصدقوا فعلیهم أن یجمعوا أمرهم وشرکاءهم، ثمّ لا یکن أمرهم علیهم غمّه، إلى أن یقول (علیه السلام) فى هذا.. ثم اقضوا إلیّ ولاتنظرون، إن ولیی الله الذی نزل الکتاب وهو یتولّى الصالحین.
وهذا یبین دون ریب صوره الحسم فى موقفه المصیرى مع القوم من خلال إسترساله فى وعضهم بهذا الخطاب، وبالتالى ماتصوره مفردات کلاماته الحاسمه الفاصله لهم بهذه المعانی الراقیه فى سموها وبعدها المنطقی، قمه السلاسه والوضوح فى إنسیاب کلماتها بصوره السهل الممتنع، فى لغه الخطاب وبلاغته وقوته وفصاحته وسهوله فهمه فى ذات الوقت، وهذا أیضا، هوما أکده بالتحدید راوی السیره الحسینیه نفسه الذى وثق هذه المشاهد والصورالتاریخیه الخالده، وذلک حینما إشار إلى إستطراد الإمام فى خطابه الموجه لجیش إبن سعد، بعد أن أمربإسکات نسائه، بقوله أی الراوی أنه قال فى فحوى ومضمون ذلک الخطاب.. بما لا یحصى ذکره، ولم یسمع متکلم قبله ولا بعده ولا أبلغ منه فی منطقه، ولاغرابه فى أن یقیم الخطاب من هذا المنظور، بأنه من أکثرالخطب فى التاریخ بلاغه وقوه ومنطقا وفصاحه.
وهذا الواقع بالتأکیدهونفسه ماعکس الحقائق الجلیه الواضحه والملموسه فعلا لمصداقیه هذا الخطاب عند إستطراد الإمام لخطابه لجیش عدوه، وهو یبین مایرید توضیحه لهم برفعه وسموتلک المفردات الفصیحه والبلیغه مما تضمنته، والتى تبین ذروه الرقى فى بعدها وعمقها الدینی والعقائدی والفکری، ومایتمیزبه الحسین (علیه السلام) من حس ووعی وإدراک یعجزعنه الوصف، تضاف إلى جمله رصیده وقائمه موقعه ومکانته الدینیه والعلمیه، والتى تکون فى مجموعها کل الممیزات الفریده لباکوره التمیزالتى خص وأکرم بها الله سبحانه وتعالی رسوله صلوات الله علیه وعلى آله وأهل بیته الکرام، من العلوم العقائدیه والمعرفیه بما یغطی حاجه المجتمع فى ذلک العصر، وکذلک بما یزید فى سبقها لمختلف العصورالتى تلتها، وهو مایتضح الآن فعلا، ومن ثم لاننسى أیضا أبعاد وأعماق مواقف الإمام الدعویه والجهادیه البطولیه الإیمانیه، فى مقارعه الطغاه والظلم والإنحراف الذى ساد فى ضل حکم إبن زیاد، برفضه لهذا الوضع الشاذ الذى لایمکن السکوت والتغاضی عنه، بعد أن رأى.. ان الامر بالمعروف لا یعمل به وان المنکر لا یتناهى عنه.
ومن هنا جاء مصداقیه قوله «إنّی لا أرى الموت إلاّ سعاده والحیاه مع الظالمین إلاّ برما»
ولأجل ذلک کانت هذه الثوره لحسینیه الخالده، التى إنتصر فیها الحسین کعقیده وکمشروع ثوری نهضوی لمقارعه الظلم والجوروالفساد، خلدها التاریخ للأجیال الطالعه لکی یستلهمون منها مستقبلهم المشرق.
وحینما نتتبع قراءه خطابه (علیه السلام) فى ذلک الموقف، نکتشف وبسهوله فائقه هذه السمات التى ینذرمن أن یماثلها أحد فى عطائها، وفى أوصاف وتفصیلات کلماتها ومفرداتها البلاغیه والفکریه، وخاصه من خارج الدائره المطهره لشجره أهل بیت النبوه (علیهم السلام) فى ذلک العصر، ولذا فإنی أؤکد جازما ومن هذا المنطلق وبحسب رأیی المتواضع، أن الحسین (علیه السلام) فى خطابه هذا، قد سبق عصره الذى کان یعیش فیه، لیس فقط فى صیغه وضع مفردات الکلمات والعبارت التى إحتواها مضمون الخطاب ووضعها فى موقعها وموضعها الصحیح والدقیق، ولکن أیضا فى قدرته الفائقه فى التوصیف البلاغی والمنطقی الحاسمین فى دقتهما وفصاحتهما، ولا أعتقد جازما أیضا بأن أحدا من المفکرین والعباقره ورواد الثقافه والفکر، سواء فى العصورالتى تلته وحتى عصرنا الحدیث قد جاء بهذه العبقریه الفذه فى نهجه ولغته الخطابیه الفریده.
ولکی نلامس عبقریه الإمام (علیه السلام) فى خطابه نتابعه، وهو یستأنف (علیه السلام) مخاطبته للقوم الذین کانوا یحیطونه من کل جانب.. فیقول:
«الحمد لله الذی خلق الدنیا، فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفه بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرورمن غرته، والشقی من فتنته، فلا تغرنّکم هذه الدنیا، فإنّها تقطع رجاء من رکن إلیها، وتخیب طمع من طمع فیها، وأراکم قد اجتمعتم على أمرقد أسخطتم الله فیه علیکم، وأعرض بوجهه الکریم عنکم، وأحلّ بکم نقمته، وجنبکم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبید أنتم.
أقررتم بالطاعه، وآمنتم بالرسول محمّد (صلى الله وعلیه وآله) ثمّ إنّکم زحفتم إلى ذرّیته وعترته تریدون قتلهم، لقد استحوذ علیکم الشیطان فأنساکم ذکر الله العظیم، فتباً لکم ولما تریدون، إنا لله وإنا إلیه راجعون، هؤلاء قوم کفروا بعد إیمانهم، فبعداً للقوم الظالمین»
ثم یتابع (علیه السلام) خطابه فى تشریح واقع الموقف الذى یثقف منه عدوه لقتله ظلما وعدوانا بعد أن جحدوا فضله وأنکروا علیه مکانته، متسائلا عن الأسباب التى جعلهم بموجبها یحلون فیه هدردمه وقتله، مبینا بأنه إبن بنت نبیهم وإبن وصیه وإبن عمه وأول المؤمنین بالله والمصدق لرسوله بماجاء من عند ربه..؟ وبأن حمزه سید الشهداء هوعم أبیه، وأن جعفر الطیارهوعمه..؟ مستشهدا بشهاده قول رسول الله صلى الله علیه وعلى آله فیه وفى أخیه، بأنهما سیدا – شباب أهل الجنه – وأن هناک بینهم ممن یعرفه حق المعرفه، فلو سألوه سیخبرهم بصدق مقالته، فیشیرإلى جابربن عبد الله الأنصاری، وأبا سعید الخدری وسهل بن ساعد الساعدی، وزید بن الأرقم، وأنس بن مالک، فهؤلاء هم من سمعوا هذه المقاله من رسول الله (صلى الله وعلیه وآله) له ولأخیه، فیسألهم أما فی هذه الشواهد والدلالات الواضحه من شفاعه أوحاجز یمنعهم عن سفک دمه..؟. فیوضح لهم جمله هذه الحقائق الدامغه من خلال إسترساله فى الخطاب قائلا:
«أیها الناس: انسبونی من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسکم وعاتبوها، وانظروا هل یحل لکم قتلی، وانتهاک حرمتی، ألست ابن بنت نبیکم، وابن وصیه وابن عمّه، وأوّل المؤمنین بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه..؟ أولیس حمزه سید الشهداء عم أبی..؟ أولیس جعفر الطیار عمی..؟
أولم یبلغکم قول رسول الله (صلى الله وعلیه وآله) لی ولأخی: «هذان سیّدا شباب أهل الجنّه» فإن صدّقتمونی بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الکذب منذ علمت، أنّ الله یمقت علیه أهله، ویضرّبه من اختلقه، وإن کذّبتمونی، فإنّ فیکم من أن سألتموه عن ذلک أخبرکم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاری، وأبا سعید الخدری، وسهل بن سعد الساعدی، وزید بن أرقم، وأنس بن مالک، یخبرونکم أنّهم سمعوا هذه المقاله من رسول الله (صلى الله وعلیه وآله) لی ولأخی، أما فی هذا حاجز لکم عن سفک دمی..؟»
وفى هذا السیاق وبینما کان الحسین (علیه السلام) یواصل توجیه خطابه فى تبیان المشهد العام لرسالته للقوم، یشیرالراوی فى تلک الأثناء إلى ظهور «الشمر» وهویقاطع الحسین قائلا – هو یعبد الله على حرف إن کان یدری مایقول – فییجیبه الصحابی الجلیل حبیب بن مظاهرالأسدی ساخرا وموبخا – والله إنّی أراک تعبد الله على سبعین حرفاً، وأنا أشهد أنّک صادق ما تدری ما یقول، قد طبع الله على قلبک.
فیستمر الحسین (علیه السلام) بعد ذلک فى إستئناف خطابه قائلا:
«إن کنتم فی شک من هذا القول، أفتشکّون فیّ أنّی ابن بنت نبیکم..؟ فوالله ما بین المشرق والمغرب ابن بنت نبی غیری فیکم، ولا فی غیرکم، ویحکم أتطلبونی بقتیل منکم قتلته..؟ أومال لکم استهلکته..؟ أوبقصاص جراحه..؟»
و هنا یبدوأن القوم قد بیتوا له النیه وأصروا على غیهم وعنادهم فى الخاینه والغدرونکث مواثیقهم وعهودهم، فأخذوا لا یکلّمونه، فنادى الحسین (علیه السلام): «یا شبث بن ربعی، ویا حجاربن أبجر، ویا قیس بن الأشعث، ویا زید بن الحارث، ألم تکتبوا إلیّ أن أقدم، قد أینعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لک مجنده..؟
فقالوا: لم نفعل.. فقال (علیه السلام) سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم.
فقالوا: لم نفعل.. فقال (علیه السلام): «سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم»
ثمّ قال (علیه السلام) «أیها الناس: إذا کرهتمونی فدعونی انصرف عنکم إلى مأمن من الأرض» فقال له قیس بن الأشعث: أولا تنزل على حکم بنی عمّک..؟ فإنّهم لن یروک إلاّ ما تحب، ولن یصل إلیک منهم مکروه..؟
فقال (علیه السلام) «أنت أخو أخیک، أترید أن یطلبک بنوهاشم أکثرمن دم مسلم بن عقیل، لاوالله، لا أعطیهم بیدی إعطاء الذلیل، ولا أفرّفرارالعبید، «اومثلی یبایع مثله – هیهات منا الذله یابى الله ذلک لنا ورسوله وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمیه، ونفوس أبیه، من أن نؤثرطاعه اللئام على مصارع الکرام»
عباد الله إنی عذت بربّی وبربّکم إن ترجمون، أعوذ بربّی وربّکم من کل متکبّرلا یؤمن بیوم الحساب»
الخطبه الثانیه فى کربلاء
وما سطرته مضامین محتوى خطبه الحسین (علیه السلام) الثانیه فى کربلا ء، وهی کذلک ضمن خطب عدیده، وتأتی إستطرادا لذات المضمون التبلیغی الرسالی للقوم الذین أحتشدوا لقتاله، وتعد هذه الخطبه کمثیلاتها من الخطب، وبکل المقاییس العلمیه والفکریه، تعد رائعه من روائع الخطب التاریخیه التراثیه لهذا الإمام الجلیل من رموزوأقطاب الأمه، آلا وهوأبی الأحراروسید شباب أهل الجنه الإمام الحسین بن علی (علیه السلام)، الذى فجر هذه الثوره، وهی أول ثوره عربیه إسلامیه خالده فى تاریخ الإسلام، سطرمدادها بدمه الطاهروأهله وأصحابه فى ملحمه کربلاء الخالده، ووثقها التاریخ ومصادرالمسلمین بحروف من نور.
وفى سیاق ومضمون هذا الخطاب الذى أعرضه مفصلا لتکتمل صوره هذا المشهد الفرید لهذا الخطاب، نتعرف على المزید من الحقائق عن خصوصیه الإمام فى نهجه العقائدی الإصلاحی والدعوی الحازم والحاسم، فنجد من خلال مضامین مفرداته اللغویه، الصمود والقوه والحزم فى تفنید الأکاذیب ودفع الحقائق للقوم، والرد على المتأولین والناکثین للعهود من الذین کتبوا له المکاتیب، وهم یطالبون بقدومه وإلإیحاء له بأیعان الثمارواخضرارالجناب، دلاله على تسویه الأمور، وبأن مقدمه سیکون على جند له مجنده أی أنهم سینضمون لثورته وتحت طاعته وإمرته، وقد خص هؤلاء بذکرهم بالإسم حین قال «یا شبث بن ربعی، ویا حجاربن أبجر، ویا قیس بن الأشعث، ویا زید بن الحارث، ألم تکتبوا إلیّ أن أقدم، قد أینعت الثمار، واخضرّالجناب، وإنّما تقدم على جند لک مجنّده..؟»
فلم یکن ردهم علیه، إلا بالکذب والنکران لهذه المواثیق بکل عنجهیه وصلافه، بل ودعوته للإستسلام والجبن والخضوع من قبل أحدهم وهوقیس بن الأشعث، للنزول على حکم إبن زیاد لمبایعته، والذى دفع إلیه الحسین (علیه السلام)، برد قاطع حازم حاسم قائلا: اومثلی یبایع مثله – هیهات منا الذله یابى الله ذلک لنا ورسوله وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمیه، ونفوس أبیه، من أن نؤثرطاعه اللئام على مصارع الکرام لا والله لا أعطیهم بیدی إعطاء الذلیل، ولا أفرّفرارالعبید.
وهناک تأکد للحسین (علیه السلام) مکروغدرهؤلاء القوم به وماتنطوی علیه نفوسهم الخبیثه من خداع وخیانه، وتخاذلهم عن نصرته والإنقلاب علیه لقتله، وکشف الحسین لهم نوایاهم، مشخصا طبیعه ما ترجع إلیه أصولهم الخبیثه فى الغدرواللؤم والخیانه، وتشریح هذا الواقع.
ودعونا أعزائی نستطرد فى هذه القراءه التأملیه المقتضبه لنتابع أحداث تسلسل جانبا من نص بعض ما جاء فیما أصطلح علیه فى خطبه الحسین الثانیه یوم عاشوراء، وهی بالطبع صوره مختصره لأبرزماجاء فى ذات الخطبه، ولنترک التعلیق مؤقتا، حتى لانفسد جمالیه نصوص ومفردات محتواها من العبارات المضیئه، ولنلمس کیفیه ترابط قواعدها ومراجعاتها واستشهاداتها المؤثره، بصوره مبهره، ولنعطی بعضا من الرؤى المتواضعه فى قرائتنا على هذه المشاهد المسجله فى سیناریوهذا الخطاب بعد نهایته – مع ملاحظه الإنتباه لوجود بعض التداخلات فى نص بعض العبارات فیمابین الخطبتین الأولى والثانیه من نفس المصدر.
تقول سیره الحدث فى هذ الفصل من الخطبه، أن الإمام الحسین فى ذلک الموقف قد إمتطى فرسه، وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه، ووقف أمام القوم وقال لهم:
یاقوم إن بینی وبینکم کتاب اللّه وسنّه جدّی رسول اللّه صلى اللّه علیه وآله وسلم ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسه، وما علیه من سیف النبی ودرعه وعمامته، فأجابوه بالتصدیق، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله – قالوا: طاعهً للامیرعبیداللّه بن زیاد.
فقال (علیه السلام): تباً لکم أیّتها الجماعه وترحاً أحین استصرختمونا والهین، فأصرخناکم موجفین، سللتم علینا سیفاً لنا فی أیمانکم، وحششتم علینا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّکم فأصبحتم ألباً لأعدائکم على أولیائکم، بغیرعدل أفشوه فیکم، ولا أمل أصبح لکم فیهم، فهلاّ لکم الویلات ترکتمونا والسیف مشیم والجأش طامن والرأی لما یستصحف، ولکن أسرعتم إلیها کطیره الدبا، وتداعیتم علیها کتهافت الفراش ثمّ نقضتموها، فسحقاً لکم یا عبید الاُمّه، وشذاذ الأحزاب، ونَبَذَهَ الکتاب، ومحرّفی الکلم، وعصبه الإثم، ونفثه الشیطان، ومطفئی السنن، ویحکم أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون أجـَلْ واللّه غدرٌ فیکم قدیم، وشجت علیه اُصولکم، وتأزرت فروعکم فکنتم أخبث ثمرشجٍ للناظر، وأکله للغاصب، ألا وإنّ الدّعی بن الدّعی «یعنی ابن زیاد» قدْ رکزبین اثنتین، بین السـّله والذّله، وهیهات منّا الذّله یأبى اللّه لنا ذلک ورسوله والمؤمنون، وحـُجورطابت وحجورطهرت واُنوف حمیه، ونفوس أبیه من أن نؤثرطاعه اللئام على مصارع لکرام، فسلام علیکم یوم ولدت ویوم تموت ویوم تبعث حیا.
ألا وإنی زاحف بهذه الاُسره على قله العدد وخذلان الناصر.. ثم انشد هذه الأبیات:
فإن نهزم فهزّامون قدما وإن نـُهْزَم فغیرمُهزَّمینا
وما ان طبنا جُبـْن ولکن منایانا ودوله آخرینا
فقل للشامتین بنا أفیقوا سیلقى الشامتون کما لقینا
ویسترسل (علیه السلام) فى توجیه خطابه قائلا:
أما واللّه لا تلبثون بعدها إلاّ کریثما یرکب الفرس، حتى تدوربکم دورالرحى، وتقلِقَ بکم قلق المحور، عهد عهدهُ الیّ أبی عن جدّی رسول اللّه صلى اللّه علیه وآله وسلم، فأجمعوا أمرکم وشرکاء کم ثمّ لا یکن أمرکم علیکم غـُمّه، ثمّ اقضوا إلیّ ولا تـُنظرون إنی توکلت على اللّه ربّی وربکّم، ما من دابه إلاّ هوآخذ بناصیتها، إنّ ربّی على صراط مستقیم.
ثم رفع یدیه وقال:
اللّهم احبس عنهم قطرالسماء، وابعث علیهم سنین کسنیّ یوسف وسلّط علیهم غلام ثقیف یسقیهم کأساً مصبـّره فإنهم کذّبونا وخذلونا، وانت ربُّنا علیک توکّلنا وإلیک المصیر.
عبارات وکلمات ومفردات صیغت بماء الذهب، سهله وبلیغه، وعمیقه وقویه وصلبه، وضعت نصوص کلماتها الموجهه لشخوصها فى مکانها وموقعها الصحیح، وقد إنطلقت بلسان عربی فصیح وکأنها تنساب من ماء رقراق، تلمس فى معانیها القوه، وفى نظمها الشعروالفلسفه والذکاء والمنطق والنفس الطویل، تم توظیفها بصوره إبداعیه مذهله، تنطلق بسرعه البدیهه، ولکنها محکمه فى إستدلالاتها وإشاراتها الصارمه، وفى بناء روابط إستشهاداتها، وتأصیل کلماتها ومفرداتها، بذات الأهداف والأحداث والوقائع والشخوص المنوه عنها، وبصوره جریئه وقاطعه ومباشره وجلیه لاتقبل التشکیک.
وإجمالا أستطیع أن أقول أن خطب الحسین (علیه السلام)، جاءت کمکون رئیسی لثورته ضد الظلم والفساد والعدوان أبانت بتفاصیلها جمیع الأحداث المأساویه، حتى نهایه مقتله وأستشهاده وأهل بیته وأصحابه (علیهم السلام)، وکشفت فضائح الطغاه الذین ذهبوا إلى مزابل التاریخ، لبینما بقی مجد الحسین خالدا عبر التاریخ والأزمان تسطرمجده وتستلهم إشعاعه العباقره والزعماء ورموزالأمه من العارفین بموقعه وبمکانته فى الشرق وفى الغرب من الذین أرخوا لتراثه وثورته الخالده.
فسلام الله على الحسین یوم ولد ویوم أستشهد ویوم یبعث حیا.