وارثه مبادئ علی (علیه السّلام)
وإنّما یُبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنه . فمَن صحّ دینه وحسن عمله ، اشتدّ بلاؤه ؛ ذلک أنّ الله لم یجعل الدنیا ثواباً للمؤمن ولا عقوبه للکافر .
ومَن سخف دینه ضعف عمله وقلّ بلاؤه ، وأنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقی من المطر إلى قرار الأرض )) .
وإذا کنّا قد تکلّمنا حتّى الآن عن معجزات الشهاده الروحیّه التی ردّت إلى الضمائر إحساسها البشری ، وجعلتها تقف على فداحه تقصیرها تجاه الحسین (علیه السّلام) ودَور زینب (علیها السّلام) فی إزکاء الحمیّه فی الرؤوس ، وإیقاظ النفوس الهاجعه وحمل لواء النفسیّه التی هی تتمّه للحرب التی نفّذها أخوها الحسین (علیه السّلام) فوق ثرى کربلاء ، فإنّ لبقیّه عقیلات آل البیت أدوارهن المکمّله لدور الحوراء فی تبیان الحقیقه ، وإثاره شعور الندم فی القلوب .
فها هی فاطمه بنت الحسین (علیها السّلام) ما أن رأت عمّتها زینب (علیها السّلام) تنتهی من خطبتها فی جموع الکوفه حتّى وقفت تخطب فی هذه الجموع وتوضّح لها دَورها المتخاذل عن نصره أبیها ، وحقدها على رساله النبی ، وحذّرتهم ألاّ یشتطوا کثیراً فی فرحتهم بما أصابوا من دمائهم ، ونبّهتهم إلى توقّع اللّعنه والعذاب من السماء ، ولعنه الظالمین منهم .
وما أن أتمّت خطبتها حتّى ارتفعت الأصوات بالبکاء والنحیب ندماً وحزناً ، وصاحت الجموع بصوتٍ واحد : حسبکِ یابنه الطاهرین ، فقد أحرقتِ قلوبنا وأنضجتِ نحورنا وأضرمتِ أجوافنا(۱) .
ـــــــــــــ
(۱) لقد ثبت علمیاً أنّ مشاعر الغضب والحزن والندم ، تُبدِّل کیماویه الجسم ، فیشعر صاحبه بالحرقه فی قلبه ، والاکتواء فی حجابه الحاجز ، والتآکل فی معدته .
وتلتها فی اللوم والتقریع وإثاره الضمائر اُمّ کلثوم ، فقرّعتهم على نزع الرحمه من قلوبهم ، وحذّرتهم من لعنه الدماء الذکیّه التی سفکوها ، ومن غضبه الله على قتلهم خیر الرجالات بعد النبی .
فضجّ الجمع بالبکاء ، ونشرت النساء شعورهنّ وخمشن وجوههنّ ولطمن خدودهنّ ، ودعون بالویل والثبور ، حتّى صار الجمع بین باکٍ ولاطمٍ .
بلاغه السجّاد (علیه السّلام)
ولمّا جیء بعلی بن الحسین (علیه السّلام) على بعیر والجامعه فی عنقه ، والغلّ فی یدَیه إلى عنقه ، وأوداجه تشخب دماً ، بادر الجمع بهذه الأبیات :
یا اُمّهَ السوءِ لا سُقیاً iiلربعِکُمُ یـا اُمّـهً لم تراعی جدَّنا iiفینا
لو أنّنا ورسولُ الله iiیجمعُنا یـومَ الـقیامهِ مـا iiکنتم تقولونا
تُسیّرونا على الأقتاب عاریهً کـأنّنا لـم نـشیّد فیکُمُ iiدینا
وأومأ إلى الناس فسکتوا ، بینما أخذ (علیه السّلام) یعرّفهم مَن هو قائلاً : (( أیّها الناس ، مَن عرفنی فقد عرفنی ، ومَن لم یعرفنی فأنا علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب . أنا ابنُ مَن انتهکت حرمته وسُلبت نعمته ، وانتهب ماله وسُبی عیاله , أنا ابنُ المذبوح بشطّ الفرات من غیر ذحل ولا ترات ، أنا ابنُ مَن قُتل صبراً وکفى بذلک فخراً . . . )) .
ثمّ أخذ (علیه السّلام) یبیّن لهم کیف خانوا أباه بعد أن أعطوه من أنفسهم العهود والمیثاق والبیعه ، وقاتلوه . وسألهم بأیّه عین ینظرون إلى رسول الله بعد قتلهم لعترته وانتهاک حرمته ؟ فارتفعت الأصوات ضاجّه بالبکاء وقالوا بأجمعهم : نحن یابن رسول الله سامعون مطیعون ، حافظون لذمامک غیر زاهدین فیک ولا راغبین منک ، فمُرنا بأمرک یرحمک الله ؛ فإنّا حرب لحربک ، وسِلم لسِلمک ، نبرأ ممّن ظلمک وظلمنا .
ولکنّ الوقت کان قد فات ، ولم یعد ینفع الندم ، فردّ علیهم السّجّاد (علیه السّلام) : (( هیهات هیهات أیّها الغدره المکره ! حیل بینکم وبین شهوات أنفسکم . أتریدون أن تأتوا إلیّ کما أتیتم إلى أبی من قبل ؟ کلاّ وربّ الراقصات ؛ فإنّ الجرح لمّا یندمل ، قُتل أبی بالأمس وأهل بیته ، ولم ینسَ ثکل رسول الله وثکل أبی وبنی أبی ))(۱) .
وکان لهذه الخُطَب ردّ فعل قویّ فی النفوس فانفعلت معها انفعالاً عمیقاً ، کان کفیلاً ببعث الروح النضالیّه الهامده فی جذوه جدیده ، وهزّ الضمائر المیّته هزّات أحیتها ، فکان أن خطت ثوره الحسین الولیده اُولى خطواتها فی الدرب الذی طمحت للسیر فیه ، ففتحت عیون الناس على زیف الحیاه الروحیّه التی کانت تحتویهم .
وبدأ الإطار الدینی المغلّف لحکم الاُمویّین باسم الإسلام یتزعزع ویتشقّق تمهیداً لانهیاره القادم ، وتنبّهت النفوس إلى الروح الجاهلیّه التی تغلغلت فی أرکان الحکم ، وبدأ الشعور بالإثم یتفاعل داخل القلوب ، وبدأت معه اُولى خطوات نقد الذات وتقویم المجتمع لنفسه ، والبحث عن مناقبیه جدیده للإنسان المسلم بعد أن فقد إنسانیّته ، فجاءت ثوره الحسین (علیه السّلام) لتنبّهه إلى فقدان هذه الإنسانیّه .
ـــــــــــ
(۱) کلّ هذه الخطب ذکرها ابن طاووس فی اللهوف ، وابن نما فی مثیر الأحزان .
وقد ساهمت معرکه الطّفِّ وحوادث السبی فی إیقاد جذوه الإیمان من جدید فی وجدان الاُمّه ، ساعدها فی ذلک ما ظهر من وحشیّه الاُمویّین فی مناجزه الحسین وقتله مع نخبه کریمه من آله وصحبه (علیهم السّلام) ، وما رافق ذلک من مظاهر البربریّه المتمثّله فی حمل الرؤوس على الحراب إلى دمشق، وما برهن ذلک على تجرّد الاُمویّین من کلّ نزعه دینیّه وإنسانیّه .
وکانت الیقظه الروحیّه لاُمّه الإسلام هی الاُعجوبه الخارقه التی تشکّل أساس کلّ المعجزات التی أتتها الشهاده فوق أرض کربلاء ، والتی شکّلت فیما بعد المحوَر الذی دارت علیه المعجزات المتتالیه الاجتماعیّه منها والزمنیّه .
إذ کما هو متّفق علیه فی نظریّات علم النفس أنّ یقظه الضمیر وتفتّح البصیره بعد موات وهمود من شأنه أن یقلب حیاه الإنسان رأساً على عقب ، ویجعله یحطّم کلّ ما یحیط به ویذکّره بهوانه وتقصیره الذی أدّى به إلى ما وقع له أو به(۱) .
ولعلّ ما زاد فی تأجّج عامل الندم فی نفوس المسلمین تلک الفرص التی أتاحها لهم الشهید ، سواء ما کان منها قبل المعرکه أو خلالها ، للکفّ عن قتاله وتلویث أیدیهم بدماء آل البیت وتجنیبهم الندم ، کما سبق ذکره فی متن الکتاب .
وعندما یبدأ التأجّج ـ کما عرف فی علم الطبیعه والفیزیاء ـ فإنّ الحمم تصبّ فوق بعضها ، وتحمی ذرّات بعضها البعض ، فیزداد اللهب وتتضاعف الحراره . وکما قیل : فإنّ الإقناع یزداد کلّما کان الشاهد أقرب الى المشهود علیه(۲) ، وهذه نقطه مهمّه ودالّه على معجزات شهاده الحسین الروحیّه ؛ فقد کشف همجیّه مجزره الطفّ الجنود العائدون ، وأذاعوا تفاصیلها فی طول البلاد الإسلامیّه وعرضها ، وکان لکلامهم وشهاداتهم أبلغ الأثر فی تأجیج نار المشاعر ضدّ الذین فکّروا وقاموا بهذه المجزره المشینه .
ـــــــــــــ
(1) لـ ( سیجموند فروید ) رأی فی کتابه ( سیکولوجیّه الشذوذ النفسی ) / ۱۸۹ یقول فیه : إنّ یقظه ضمیر الإنسان تحیل صاحبها إلى دیّان رهیب لا یخاف لوم ذاته ومعاقبتها بأقصى العقوبات الممکنه .
(۲) السیّد المسیح قال : ( من فمِک اُدینک ) .