التزکیه ومعرفه النفس

0

 
تزکیه النفس تعنی: تنمیتها بالفضائل والأخلاق الحسنه حتى یقوى فیها جانبها الإنسانی وبعدها المعنوی.
– أهمیه تزکیه النفس:

إنّ أهمیه التزکیه وصلت إلى درجه أنّ الله تعالى جعلها هدفاً أساسیاً لبعثه الأنبیاء (ع).

وقد سأل: أین تکمن أهمیه التزکیه؟

والجواب: إنّ البناء الصحیح لشخصیه الإنسان وسعادته فی الدنیا والآخره کل ذلک یرتبط بتزکیه النفس، ومن هنا جاء الأنبیاء (ع) من أجل مساعده الناس على بناء أنفسهم وذلک بتعلیمهم مکارم الأخلاق وفضائلها تربیتهم علیها، وإرشادهم إلى طرق کبح المیول والرغبات النفسیه المخالفه للعقل والشرع.

قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ إِذْ بَعَثَ فِیهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ) (آل عمران/ ۱۶۴).

وعن رسول الله (ص): "علیکم بمکارم الأخلاق فإنّ الله عزّ وجلّ بعثنی بها".

وقال (ص): "إنما بُعثت لأتمم مکارم الأخلاق".

أما عن أثر التزکیه یوم القیامه فیقول (ص): "ما یوضع فی میزان أمرئ یوم القیامه أفضل من حسن الخلق".

وقال (ص): "أکثر ما تلج به أمتی الجنه تقوى الله وحسن الخلق".

وقد تسأل: هل للإسلام هذا المستوى من الاهتمام بتزکیه النفس وحسن الخُلق؟

والجواب: نعم، لقد أکّد الإسلام کثیراً على التزکیه واهتم اهتماماً خاصّاً بالأخلاق، ولذلک نجد أن الآیات ذات المضمون الأخلاقی فی القرآن الکریم أکثر من آیات الأحکام والتشریع، والقصص القرآنیه ذات أهداف أخلاقیه، والأحادیث الوارده عن المعصومین کثیر منها یرتبط بالأخلاق.

جاء رجل إلى رسول الله (ص) من بین یدیه فقال: یا رسول الله ما الدین؟ فقال (ص): "حُسن الخلق"، ثمّ أتاه من قبل یمینه فقال: یا رسول ما الدین؟ فقال (ص): "حُسن الخلق"، ثمّ أتاه من قبل شماله فقال: ما الدین؟ فقال (ص): "حُسن الخُلق"، ثم أتاه من ورائه فقال: ما الدین؟ فالتفت إلیه فقال (ص): "أما تفقه؟! هو أن لا تغضب".

کما أنّ الثواب والعقاب اللَّذَینِ یترتبان على الأمور الأخلاقیه لیسا بأقل من الثواب والعقاب اللذین یترتبان على بقیه الأمور.

– معرفه النفس ومراتبها:

النفس والروح فی معنى واحد، وهی ذات حقیقه واحده إلا أن لها أبعاداً وجهات متعدده:

۱- جهه رشد ونموٍ مع نمّوٍ الجسد.

۲- جهه حرکه وشهوه وغضب.. کما فی بقیه الحیوانات وهذا هو بعدما الحیوانی.

۳- جهه کمال لأنها تدرک وتفکر وتعقل، وهذا هو بعدها الإنسانی وهو أسمى المراتب الإنسانیه وأرقاها. وبذلک تکون للنفس مرتبتان: مرتبه دنیا ومرتبه علیا.

فالنفس بمرتبتها الدنیا هی حیوانیه المیول، لها صفات وآثار الحیوان، وتمیل کما یمیل أی حیوان، وبمرتبتها العلیا هی إنسانیه ملکوتیه طاهره کامله إلا أنها تحتاج لکمالها إلى التربیه والتهذیب، فالإنسان یحتاج فی المرتبه الدنیا إلى الماء والطعام والمسکن والهواء والزواج وغیر ذلک فهو حیوان بالفعل، إلا أنّ النفس تقبل النمو والتربیه وتمیل إلى الکمال والصفات الکمالیه من علم ومعرفه وإحسان وإیثار وعداله وعفو واستقامه وصدق وأمانه وشجاعه وکرم وحبٍّ للخیر ودفاع عن المظلومین وغیر ذلک، وبهذا یکون کمالها وبذلک تصل إلى مرتبتها العلیا.

وهنا لابدّ من التأکید على الأمور التالیه:

۱- إنّ الذی یجعل الإنسان إنساناً ویمیزه عن سائر الحیوانات هو بعده الإنسانی وروحه الملکوتیه المجرده، وهذا الجانب بالذات هو مورد التکریم الإلهی فی قوله تعالى: (وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى کَثِیرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِیلا) (الإسراء/ ۷۰).

کما أن هذا الجانب هو الذی یشکل موضوعاً للتزکیه والتربیه ولیس الجانب الحیوانی المادی.

۲- إنّ النصوص الوارده حول النفس على قسمین:

قسم یعتبر النفس جوهر ثمیناً وأمراً ملکوتیاً جاء من عالم الکمال، وأنّها منشأ کل الفضائل والقیم الإنسانیه، ولذلک تجب تربیتها على الأخلاق والقیم، من قبیل قول أمیر المؤمنین (ع): "إنّ النفس لجوهره ثمینه من صانعها رفعها ومن ابتذلها وضعها".

وقسم یصف النفس بأنّها عدو وموجود شریر، وأنّها منشأ السیئات، فیجب لذلک محاربتها وتعنیفها، من قبیل قوله تعالى: "وما اُبرِىءُ نفسی إنّ النفس لأمّاره بالسوء إلا ما رحم ربی".

وقول النبی (ص): "أعدى عدوک نفسک التی بین جنبیک".

ولا تعارض بین هاتین الطائفتین من النصوص لأن مورد المدح فی الطائفه الأولى هو البعد الإنسانی، والمرتبه العلیا من النفس، بینما مورد الذم فی الطائفه الثانیه هو البعد الحیوانی منها، فإذا قیل: أحفظ نفسک وربِّها فالمراد من ذلک المرتبه الإنسانیه وإذا قیل: اقهرها فالمراد بذلک المرتبه الحیوانیه، وذلک لأن کلا المرتبتین فی حاله صراع وتجاذب دائمین، فالذات الحیوانیه تسعى دائماً لإرضاء رغباتها ومیولها وتحاول أن تقطع طریق الرقی والتکامل على النفس الإنسانیه، وعلى العکس من ذلک فإنّ الذات الإنسانیه تسعى دائماً للسیطره على الرغبات والغرائز الحیوانیه من أجل طی المراحل الرفیعه للکمالات الإنسانیه حتى تنال مقام القرب الإلهی. فإذا تغلب البعد الإنسان فی هذا الصراع ارتقى الإنسان فی مدارج الکمال، ولو تغلَّب البعد الحیوانی فیه لانحدر الإنسان فی وادی الضلال والانحراف.

۳- على ضوء ما تقدم یتضح أن قیمه الإنسان إنما هی ببعده الإنسانی لا الحیوانی، بل انّ البعد الحیوانی هو من أجل خدمه البعد الإنسانی، فصحیح أنّ الإنسان حیوان وله حاجات على هذا المستوى، لکن تلبیه حاجات البعد الحیوانی لیست هدفاً بذاتها، بل هی من أجل خدمه البعد الإنسانی وتکمیل حیاته الإنسانیه، فلو جعل الإنسان بعده الحیوانی هدفاً ولم یکن همه فی الحیاه إلا الأکل والشرب واللباس وإرضاء شهواته وغرائزه الحیوانیه لفقد إنسانیته ولسقط فی درک الحیوانیه وإن کان بصوره إنسان، وهذا ما عبَّر عنه القرآن فی قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ کَثِیرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا یَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِکَ کَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِکَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/ ۱۷۹).

۴- إنّ الإنسان إذا التفت إلى حقیقته وبعده الإنسانی وعرف نفسه حق المعرفه سیدرک أنّه أتى من عالم الکمال، عالم القدره والعلم والمعرفه والرحمه والإحسان والخیر والعداله، وانّه لابدّ أن یسعى إلى الکمال وأن یکون هدفه هو الوصول إلى مقام القرب الإلهی حتى یتلائم مع ذلک العالم الذی أتى منه، والقیم الأخلاقیه والإنسانیه هی تلک الکمالات التی تحتاجها النفس لبلوغ الکمال، والإنسان یستطیع أن یدرک تلک القیم والفضائل بفطرته.

قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ ۷-۱۰).

ومن هنا فقد جاء الأنبیاء (ع) لإیقاظ الفطره وتعریف الناس بحقیقتهم، وإرشادهم إلى طریق المعرفه والفضائل والمکارم الأخلاقیه من أجل إعانتهم على طی مدارج الکمال ونیل مقام القرب الإلهی.

ولذلک أکد الإسلام على معرفه النفس کمقدمه للتزکیه وأولى ذلک اهتماماً خاصاً. قال أمیر المؤمنین (ع): "معرفه النفس أنفع المعارف".

وقال أیضاً: "مَن عرف نفسه جلّ أمره".

والمقصود من معرفه النفس معرفه هویتها الإنسانیه بمعنى أن یعرف الإنسان مقامه الواقعی فی عالم الخلقه، فیعلم أنّه لیس حیواناً وهم یخلق لأجل أن یعیش حیاه حیوانیه، بل هو موجود ملکتوتی خلق عاقلاً ومختاراً وحرا وان علیه أن ینمِّی بُعدهُ الإنسانی لا الحیوانی، ویلاحقه بالتزکیه، ویربی فیه القیم والفضائل الأخلاقیه حتى یصل إلى الکمال المنشود ویکون لائقاً بحمل الأمانه وخلافه الله على الأرض.

Leave A Reply

Your email address will not be published.