لماذا تنسب الشیعه لإبن سبأ

0

فی الإِجابه على هذا السؤال یکمُن مرکز الثقل فی قصه عبد الله بن سَبَأ کلّها؛ فإنّ الفکر الشیعی فی الإِمامه، وما یَلحَق بها، والمواقف المُتساجِله بین فِرَق المُسلِمینَ مِن الشیعه وغیرهم، إذا شُدَّت إلى جَذرها مِن أدلّتها مِن الکتاب والسُنّه، فقد یَختلُّ المیزان؛ لأنّ فکره الوصیَّه والعِصمه وغیرهما تُبعِد عن الحُکم ـ فی نَظَر الشیعه ـ مَن لا تتوفَّر فیه هذه الشُروط، وتلک هی الطامَّه الکُبرى، وأیُّ فِکر أخطر مِن هذا الفکر؟
فَلِمَ لا یُربَط فِکر الشیعه بجذر یهودیٍّ، وتُختَرع له شخصیّه تکون کبش الفداء، فَیُلقى اللومُ علیها، وعلى الّذین أخذوا عنها، ویُشارُ إلیهم بأنّهم: مارقون ألغَموا تاریخ الأُمّه، ودسّوا فی عقائدها عقائد غریبه عن الإِسلام، وهکذا صَنع عبد الله بن سَبَأ، ولو کان صُنعه على حساب الحقیقه، وعلى رَغْمِ أنف العُقول والمقاییس.
وبالإِضافه لِما ذکرنا، هُناک سَبَب آخر، دفع إلى خلق عبد الله بن سَبَأ، أشار إلیه الدکتور أحمد محمود صُبحی، وذلک بعد أن استعرض آراء الدکتور طه حسین فی وهمیّه وجود عبد الله بن سَبَأ، قال الدکتور أحمد صبحی:
ویبدو أنّ مُبالغه المؤرِّخین، وکُتّاب الفِرق فی حقیقه الدور الذی قام به ابن سَبَأ یرجع إلى سَبَب آخر غیر ما ذکره الدکتور طه حسین، فَلَقَد حَدَثَت فی الإِسلام أحداث سیاسیّه ضخمه کمقتل عُثمان، ثمّ حرب الجمل، وقد شارک فیها کِبار الصحابه وزوجه الرسول، وکلُّهم یتفرَّقون ویتحاربون، وکلّ هذه الأحداث تَصدِم وجدان المُسلِم المتتبِّع لتاریخه السیاسی، أن یبتلی تاریخ الإِسلام هذه الابتلاءات، ویشارک فیها کِبار الصحابه الّذین حاربوا مع رسول الله (ص)، وشارکوا فی وضع أُسس الإِسلام، کان لا بُدَّ أن تلقى مسؤولیّه هذه الأحداث الجِسام على کاهل أحَد، ولم یکن مِن المعقول أن یَتحمَّل وزر ذلک کُلّه صحابهٌ أجِلاّء أبلوا مع رسول الله ( ص ) بلاءً حسناً، فکان لا بُدَّ أن َیقع عبء ذلک کُلّه على ابن سَبَأ، فهو الذی أثار الفِتنه التی أدت لقتل عُثمان، وهو الذی حَرَّض الجیشین یوم الجَمَل على الالتحام على حین غفله مِن علیٍّ وطلحه والزُبیر، أمّا فی التاریخ الفکری، فعلى عاتقه یَقع أکبر انشقاق عقائدیّ فی الإِسلام بظهور الشیعه، هذا هو تفسیر مُبالغه کُتّاب الفِرق، وأصحاب المذاهب لا سیَّما السلفیین والمؤرِّخین فی حقیقه الدور الذی قام به ابن سَبَأ. ولکن ألیس عجیباً أیضاً أن یعبث دَخیل فی الإِسلام کلّ هذا العَبث، فیحرِّک تاریخ الإِسلام السیاسی والعقائدی على النحو الذی تمَّ علیه، وکبارُ الصحابه شُهود؟! ( ۱ ).
وبعد هذه الإلمامه بمُلابسات موضوع عبد الله بن سَبَأ التی انتهینا مِنها إلى مَسکِ طَرَف الخیط فیما نظنُّ، ألا وهو رَبط عقائد الشیعه بعبد الله بن سَبَأ، وما أسندوه إلیه مِن عقائد الشیعه، ولنتبیّن مصدرها الإِسلامی. وبذلک نکتفی عن الإِصرار على وجود ابن سَبَأ أو عدم وجوده؛ لأنّه قد ثَبَت أنّ هذه العقائد مصدرها الإِسلام، فلا یبقى بعد ذلک قیمه لِعدم وجود ابن سَبَأ أو لوجوده، لنبدأ مِن ذلک بموضوع الوصیه.
۱ ـ الإِمامُ علیّ وصیّ النبیّ (ص):
قُلنا فیما سَبق، إنّ مِن أحکام الإِسلام: ضروره أن یوصی الإِنسان قَبلَ موته بما یُرید التصرُّف به بعد موته فیها یملک مِن أُمور مادیَّه، وذکرنا أنّ سیره النبیّ ( ص ) أنّه کان لا یَخرج مِن المدینه فی سَفَرٍ ـ ولو لیوم واحد ـ حتّى یَستخلِف على المدینه، فکیف یترک أمر هذه الأُمّه مِن بعده سدى، ویُعرِّضها إلى الفِتن دون أن یوصی أو یُرشِّح للأمر شخصاً مِن بعده؟!
وبما أنّ هذه المسأله قد أشبعتها أقلام الباحثین مِن مُختَلَف الفِرق الإسلامیّه، فلا أُرید العوده إلى ما دار حولها، وکلّ ما یعنینی هُنا أن أُبیّن: أنّ مسأله الوصیّه مصدرها القرآن والسُنّه، أمّا القرآن: فَقد أشرک علیّاً بالولایه العامَّه، وجعل إمامته امتداداً للنُبوَّه حین تُختَم النُبوّه بموت الرسول، فقال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِیُّکُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِینَ آمَنُواْ الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاَهَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاهَ وَهُمْ رَاکِعُونَ )، وقد ذکرنا نُزول هذه الآیه فی علیٍّ ( ع )، وما یترتَّب علیها مِن لَوازم فی مکان آخر مِن هذا الکِتاب. وأمّا السُنّه الشریفه: فإنّ الروایات المُعتبره متظافره بأنّ رسول الله ( ص ) نصَّ على علیٍّ بالوصیّه فی أکثر مِن مَورد، ومِن تلک الموارد:
لَمّا نَزل علیه قوله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِیرَتَکَ الأَقْرَبِینَ ) الشُعراء: ۲۱۴، فجمع أقاربه، وعَدَدُهم أربعون على فَخِذ شاه، وطلب مِنهم أن یؤازروه على الدعوه، فلم یَقُم إلیه إلاّ علیّ، فأخذ برقبته وقال: ( هذا أخی ووصیّی وخلیفتی فیکُم، فاسمِعوا لـه وأطیعوا ) ( ۱ )، فقام القوم یضحکون ویقولون لأبی طالب: قد أمرک أن تَسمع لابنک وتطیع.
هذا، وقد ذکر ابن أبی الحدید فی کتابه شرح نهج البلاغه فصلاً مُمتِعاً فی موضوع وصایه الإِمام علیّ ( ع ) للنبی، وأشبَع الموضوع، وبوسع القارئ الرُجوع إلیه.
وها أنت قد سمعت أن الوصیه جاءت على لسان النبیّ ( ص ) لفظاً ومعنى، ومع ذلک تَرى هؤلاءِ یَقولون: إنّ موضوع الوصیّه اخترعه عبد الله بن سَبَأ، وسَتَسمع لو قلت لهم: إنّ الوصیّه لها مصادرها مِن السُنّه، مَن یقول لک هذه أحادیث دسّها الشیعه على لِسان السُنّه.
ـــــــــــــ
(۱) نَظریّه الإِمامه: ص۳۹٫
(۲) انظر تاریخ الطبری: ۲/۲۱۶، وتاریخ ابن الأثیر: ۲/۲۸، وتفسیر الدرّ المنثور للسیوطی: ۴۵/۹۷ طبعه أوفست.

Leave A Reply

Your email address will not be published.