مراحل التاریخ الشیعی
یمکن أن نقسم التاریخ الشیعی إلى مرحلتین:
۱ ـ مرحله عصر الائمه (ع).
۲ ـ مرحله عصر ما بعد الائمه (ع).
تبدأ المرحله الأولى من وفاه الرسول (ص) وانتقال القیاده الشرعیه إلى الإمام علی (ع) ومروراً بالأئمه من بعده، وانتهاءاً بالغیبه الکبرى للامام الثانی عشر (ع).
ومعنى ذلک ان هذه المرحله تستغرق ۳۲۰ عاماً، من ۱۰ للهجره حیث وفاه الرسول (ص) وحتّى سنه ۳۲۹ هـ حیث الغیبه الکبرى للامام المهدی.
واعتبار هذه الفتره مرحله مستقله تاریخیاً یعتمد على أساس طبیعه الخطر الذی کان یواجه الخط الشیعی، وطبیعه المهمه التی انساق الائمه إلى تحقیقها.
لقد کانت هذه المرحله هی مرحله تحصین الخط الشیعی، والانتصار على مؤامرات التصفیه باختلاف اشکالها.
سواء المؤامرات بصیغه القمع والارهاب، کما فی فتره حکم معاویه والحجاج أو المؤامرات بصیغه فتح المدارس المذهبیّه الأُخرى، ورسم الخطوط المناوئه کما فی العهد العباسی، أو المؤامرات الداخلیه بغایه تحریف مفاهیم الخط وجرّه عن طریقه الأساسی، کما فی حرکه الغلاه والباطنیه.
أو الانشقاقات داخل المذهب التی کانت تهدد وجود المذهب کلّه کما فی انشقاق الاسماعیلیه.
المعرکه التی کان یخوضها المذهب فی هذه المرحله هی معرکه الوجود والعدم، الموت والحیاه، وکانت مهمه زعامه المذهب، المتمثله فی الائمه من أهل البیت (ع) هی تحصین الخط، واحباط کل المؤامرات التی تستهدف وجوده.
وبانتهاء هذه المرحله کان الخط الشیعی قد حصل على وثیقه البقاء والاستمرار، وسقطت کل توقعات واحتمالات الموت، وکانت کل المخاطر والمشاکل التی تواجه الخط بعد هذه المرحله، وفی عصر ما بعد الائمه، غیر قادره على قلع الخط من اساسه وتهمیشه، مهما بلغت خطورتها وضراوتها.
انّ (۳۲۰) عاماً، کانت کافیه لتثبیت أُصول المذهب، وامتداد جذوره فی أرض الأمه إلى مستوى لا یمکن اقتلاعها.
وفی خلال (۳۲۰) عاماً، أمکن الصمود أمام کل الهجمات، والثبات أمام کل المؤامرات، والخروج بسلامه ونقاء من معارک التصفیه، أو التحریف.
کما فشلت بالتبع مختلف صیغ التآمر على الوجود الشیعی، وانتقلت الحرکه المضادّه والمعادیه إلى صیغ تستهدف تقلیص هذا الوجود، والاستلاب منه، والنیل من کرامته، ولکنها على أی حال اصبحت غیر قادره على إعدام هذا الوجود وتصفیته.
هذا التصور نأخذه هنا مفروغاً عنه والأبحاث الآتیه هی الکفیله باعطاء الصوره التفصیلیه له، وعلى ذلک أمکن اعتبار عصر الائمه مرحله تاریخیه لها استقلالها وتمیّزها.
وقیاده المذهب خلال هذه المرحله کانت بید الائمه (ع)، وکانت تنتقل من أحدهم للآخر على اساس الوصیه من الامام السابق.
وقد سبق أن شرحنا(۱) فی المقدمه فلسفه هذه الوصیه، ولماذا کانت تختص بواحد من أبناء الامام السابق.
أمّا هنا فنواجه هذا السؤال:
لماذا کان الائمه إثنی عشر؟ ولماذا استمرّ الائمه على منهج الوصیه وتعیین الامام اللاحق إلى اثنی عشر إماماً، ولم تنقطع هذه الطریقه من قبل، ولم تستمر لما بعد؟
وکانت الامامه خلال هذه المرحله لرجال من أهل البیت (ع) لا تتجاوزهم، أمّا فی عصر ما بعد الائمه فلم تتبع طریقه التعیین، ولم تنحصر فی ذریه أهل البیت. فلماذا؟
الجواب(۲) عن هذا السؤال نستلّه من طبیعه المرحله، وطبیعه المشاکل التی کانت تواجه المذهب خلالها.
ولقد قلنا ان مشاکل ومؤامرات عصر الائمه کانت تهدد وجود المذهب، وکانت بمستوى ـ بالقیاس إلى وضع التشیع یومذاک ـ قادره على أن تعصف بالخط وتقتلعه.
ومن هنا کانت الحاجه إلى قیاده واعیه غایه ما یکون الوعی، بصیره غایه ما
یکون التبصر، مملوءه من کلّ الجوانب، سلیمه من کل الأخطاء سواءاً فی النظر أو فی الممارسه والتخطیط. لأن أی خطأ فی هذه المرحله ربّما أتى على وجود المذهب کلّه و نسفه وأیه زلّه فی هذه المرحله ربما جرّت بالمذهب إلى منتهى الواهیه، وهشّمته.
فی بعض قطعات هذه المرحله کان المذهب بحاجه إلى وضع إطاره التفصیلی، ورسم محتواه الداخلی کلاًّ، وهذه مهمّه لا یقدر علیها غیر الائمه من أهل البیت الذین استوعبوا المذهب کلّه کما شرحنا فی المقدمه.
وفی بعض قطعات هذه المرحله کان المذهب یعیش انشقاقات داخلیه عریضه وعمیقه، یتزعمها رجال لهم تاریخ شیعی طویل، ولم یکن التغلب على هذه المشکله ممکناً الاّ عن طریق وصیه الامام السابق للإمام اللاحق.
وفی بعض فصول المرحله ظهرت حرکات مزیّفه داخلیه، والوسط الشیعی لم یکن من النضج بمستوى یقدر على فضحها، وتعریتها، کان لابدّ من وصیه تحدّد الامام اللاحق ویکون بیده مجرى التشیّع، وقمع حرکات التحریف والتزییف ومن هنا وجدنا انّ الحرکات المنشقه فی داخل الصف الشیعی، والتی إبتعدت عن قیاده أهل البیت، فشلت وانهارت.
کثیر من تلک الحرکات ماتت إلى الأبد، ولم یصلنا الاّ إسمها.
وکثیر من تلک الحرکات فقدت المحتوى الحقیقی للتشیع، والهدف الحقیقی للتشیع فعادت حرکات مفرّغه، وذات صیغ وقوالب رخیصه، ولا قادره على الاستمرار بجداره، أو تقدیم الصوره الحقیقیه للاسلام.
نذکر منها الاسماعیلیه، والزیدیه.
فرغم انهما ما زالتا فی الوجود، لکن کل أحد یعرف مقدار ما أصابهما من التفریغ والتحریف.
فالمذهب الزیدی الیوم لا یختلف عن مذاهب أهل السنه، ومصادره العلمیه التشریعیه هی مصادر السنّه فی المعظم.
والمذهب الاسماعیلی تحوّل إلى اتّجاه باطنی غامض ومعزول.
والعالم الإسلامی الیوم وغیر الإسلامی یعرف ویقول انّ المعبّر الوحید عن التشیع هم الشیعه الاثنا عشریه، وبجهود ومفاهیم هؤلاء أصبح واضحاً أن التشیّع هو الخط الآخر فی الإسلام، والمقابل للخطّ السنّی.
الانشقاقات التی إبتعدت عن بعض الأئمه من أهل البیت ماتت أو تفرَّغت، ومن ذلک نعرف المضمون الحقیقی للحدیث الشریف: " من لم یؤمن بأحدنا کان کمن لم یؤمن بجمیعنا ".
وعلى أیّ فقد کانت المرحله تفرض النص على امام معصوم من أهل البیت (ع)، فهؤلاء الائمه سیثبّتون اصول المذهب، ویتغلبون على کلّ المشاکل والمؤامرات والخذلان: " لا یضرهم من خذلهم " کما جاء فی الحدیث الشریف وهؤلاء إثنا عشر فقط، لأن المرحله لا تطلب اکثر من ذلک وهکذا کان..
فقد تسلسلت الوصیه من امام إلى امام، حتّى انتهت مرحله الخطر على الوجود، وأمکن ان تعطى القیاده بید فقهاء الشیعه، والطلیعه منهم، من حیث ان الخطأ هنا ممکن التدارک، ولا یخاف منه على وجود المذهب کلّه.
حینذاک انتهى عهد التعیین والوصیه، وکان قد اشترک اثنا عشر اماماً فی قیاده المذهب خلال تلک المرحله. ولعله إلى ذلک یشیر الحدیث النبوی الشریف: " یکون لهذه الأمه اثنا عشر خلیفه قیماً لا یضرّهم من خذلهم کلّهم من قریش ".
ولو قدّر ان المذهب کان ما یزال فی مرحله الخطر على الوجود، وفی معرکه الموت والحیاه، إذن لکانت الوصیه تستمر إلى إمام ثالث عشر ورابع عشر وهکذا.
ومن هنا وجدنا ان الامام الثانی عشر وهو فی غیبته الصغرى کان یعیّن نائبه بأسمه، وهکذا إلى أربعه نوّاب. وعندئذ ترک الأمر إلى الشیعه أنفسهم وانتهى عهد التعیین والوصیه. وانتقلت الزعامه الحقیقیه إلى علماء الشیعه، ومن هنا نجد انّه خلال الغیبه الصغرى والتی استمرّت (۷۰) عاماً، کانت القیاده الحقیقیه للامام الثانی عشر المختفی، وکان النوّاب هم الواجهه ولیسوا هم القاده حقیقه.
لماذا؟
سیأتی تحلیل ذلک بالتفصیل، أمّا هنا فنذکر الجواب مختصراً وفقاً لمنهج التحلیل التاریخی المشار إلیه.
الجواب ان المذهب ما زال یعیش مرحله الخطر على الوجود، وما زال الوسط الشیعی غیر قادر على التماسک وحده أمام المشاکل المرهقه، والامام أیضاً غیر قادر على الظهور، فکان الحلّ أن تبقى القیاده الحقیقیه بیده ویکون النوّاب هم الواجهه إلى حین تنتهی مرحله الخطر على الوجود، وریثما یستعد الشیعه لاستلام زمام القیاده بأنفسهم.
ولذا اعتبرنا هذه الفتره ـ فتره الغیبه الصغرى ـ داخله فی مرحله عصر الائمه، لأن القیاده الحقیقیه کانت للامام، من حیث کان الخط یحتاج إلى امام. ولو قدّر مثلا ان التشیع وهو فی عهد الامام الثانی عشر قد حصَّن وجوده، وتجاوز احتمالات الضیاع والفناء، إذن لم تکن حاجه إلى امام معصوم بعده، بل کانت الطلیعه الشیعیه هی التی ستتولى الزعامه.
المرحله الأولى: مرحله عصر الأئمه (ع)
یمکن أن نصنِّف نشاطات الشیعه فی هذا العصر إلى نشاطات على الصعید الإسلامی العام، ونشاطات على الصعید الشیعی خاصه، وهی النشاطات المرتبطه بشؤون ومسؤولیات الخط نفسه.
ورغم ان دراساتنا تتناول التشیع عموماً فی نشاط قادته وأتباعه وخصومه، الاّ انّ الائمه من أهل البیت (ع) من حیث کانوا هم محور النشاط والحرکه، وکانوا هم أصحاب الکلمه فی توجیه وتسییر الخط کلّه، من هنا ستشغل مواقف الائمه (ع) الجزء الأکبر من موضوع دراساتنا.
والواقع انّ مواقف الائمه (ع) فی هذا العصر کانت مختلفه من حیث مرکز الاهتمام، ومن حیث کیفیه التصرف، تبعاً لاختلاف ظروف هذا العصر، واختلافات حاجات المذهب من مرحله إلى مرحله أخرى.
أدوار ثلاثه:
غیر انّا لو لاحظنا نشاطاتهم على الصعید الشیعی خاصّه أمکن أن نکتشف ثلاثه أدوار تستغرق هذا العصر کلّه.
الدور الأول: بناء القاعده:
ویشترک فی هذا الدور کل من الامام علی، والحسن، والحسین (ع)، حیث کان الهدف منصباً بالأساس على اثبات وترکیز الخط الشیعی مفهوماً وممارسه، واعتباره الممثل الحقیقی والمستوعب للاسلام، واعتبار قیادته هی القیاده الإسلامیه الشرعیه. ویستغرق هذا الدور ۰۵ سنه، بدءاً من وفاه الرسول (ص) وحتّى سنه ۱۶ هـ حیث مقتل الإمام الحسین (ع).
الدور الثانی: بناء الإطار التفصیلی:
وبعد اثبات أصل الخط، واطلاع الأمه على وجوده وعلى موقعه من الرساله، یأتی الدور الثانی حیث یکون الهدف منصباً منه على بناء المحتوى التفصیلی للخط، والتعبیر عن الإسلام واحکام الإسلام بالمنظار الشیعی. بعد أن برزت فی الساحه مدارس فقهیه وعقیدیه أخرى، شرحت الإسلام بطریقتها. ویشترک فی هذا الدور کل من الإمام السجاد، والباقر، والصادق، والکاظم. ومعنى ذلک انّ هذا الدور یستغرق ۱۲۲ عاماً. مبتدأ من حین شهاده الإمام الحسین ۱۶ هـ ومنتهیاً بوفاه الإمام الکاظم ۱۸۳ هـ.
الدور الثالث: دور تحصین وتوسیع القواعد الشیعیه الشعبیه:
ویشترک فی هذا الدور کل من الإمام الرضا، والجواد، والهادی، والعسکری، والامام الثانی عشر فی غیبته الصغرى المنتهیه سنه ۳۲۹، ومعنى ذلک انّ هذا الدور یستغرق ۴۶۱ عاماً.
وفی هذا الدور أصبح الخط الشیعی مستکملا جوانبه النظریه وبناءه المدرسی، ویکون قد احتل موقعه بوصفه الخط البدیل للخطوط الحاکمه أو التی تتعامل وتتعاون مع الحکم.
فلم یبق أمام الخط الاّ أن یحصِّن قواعده الشعبیه، وینقذها من خطر الانشقاقات والتحریفات الداخلیه، ومن خطر العزله والتقوقع، ویرفعها إلى مستوى تصبح قادره على الاستمرار والدیمومه وملأ الفراغ القیادی بعد الائمه المعصومین (ع).
وهذه ثلاثه أدوار یمکن أن نوزّع علیها مرحله عصر الأئمه. وبودّی أن أبیّن هنا بعض نقاط:
أولا: انّ هذا التوزیع لیس حدیّاً تماماً، بمعنى انّ الانتقال من دور إلى دور لیس بنحو من الطفره المفاجئه، وإنّما یأتی تدریجیاً أیضاً وخلال أعوام، وعلى ذلک فحینما نعتبر الإمام السجاد ابتداء الدور الثانی، ینبغی أن نفهم مقدماً انه کما یمثل الدور الثانی هو یمثل مرحله الانتقال أیضاً، ویعیش فتره ما بین الدورین، وهکذا حینما نعتبر الإمام الرضا بدایه الدور الثالث. هو أیضاً عاش نهایات الدور الثانی، ومرحله الانتقال منه إلى الدور الثالث.
والواقع ان هذه الظاهره أمر طبیعی فی کل تقسیم تاریخی، من حیث ان الحد الفاصل بین مرحلتین أو دورین لا یمکن أن یکون أمراً آنیاً وغیر متدرج، وعلى ذلک فإنّ الانتقال من مرحله إلى مرحله یحدث عبر فتره زمنیه تعیش الصراع قد تطول وقد تقصر.
ثانیاً: إنّنا فی هذا التوزیع لاحظنا طبیعه النشاطات المرتبطه بالخط الشیعی خصوصاً. وهذا لا یعنی انعدام النشاطات الإسلامیه العامه.
فقد قلنا مسبقاً انّ نشاطات الشیعه بقیاده أهل البیت (ع) کانت فی مجالین. المجال الشیعی الخاص، والمجال الإسلامی العام. ونحن فی التوزیع إلى الأدوار الثلاثه لاحظنا طبیعه النشاطات فی المجال الأول. وسنذکر ضمناً ما یتعلق من النشاط بالمجال الثانی.
ثالثاً: لم نلحظ فی هذا التوزیع طبیعه الموقف السیاسی، وطریقه التعامل مع الحکم القائم فی کل دور، وسنذکر تحلیل ذلک لدى دراستنا الأدوار الثلاثه تفصیلا.
ــــــــــــــــــــــ
۱- اعتمدنا فی هذا الشرح منهج التحلیل التاریخی بهدف تدعیم معتقداتنا القائمه بالأصل ـ فی موضوع الإمامه ـ على أساس التعبّد ومنهج اعتماد النص، ویجدر الإشاره إلى أن منهج التحلیل التاریخی قد لا یؤدّی إلى نتائج یقینیه، وربّما أمکن تقدیم شروح أُخرى.
۲- نعتمد فی هذا الجواب على المنهج السابق، وبتأکید نفس الملاحظه التی سجّلناها علیه.