کیف صار الفرس شیعه
إذا حاولنا مَسحَ الأبعاد التاریخیّه البیئیّه للفُرس، نجدُ أنّ مَن تَشیَّع منِهم یُقسَّمون أقساماً:
القِسمُ الأوّل:
وهو القِسمُ الذی تَشیَّع بِعملیّه انتقاء واختیار عن طریق الصحابه الّذین رافقوا عملیّات الفتح، ونَقلوا مَعهم عقائدهم وفِکرهم الشیعی، وقد ساعد على ذلک أنّ اعتناقَ التَشیُّع آنذاک لا یُسبِّب لهُم ضرراً؛ لأنّ العِلمیّه کانت شیئاً طبیعیّاً، وبَعدهُم عن مواطن الإِحتکاک؛ ولأنّ الفکر کان ضمن نِطاق الأُمور العقائدیّه، ولا یَتَجسّد فی فعالیّات سیاسیّه، ومِن أبرز مواطن التَشیُّع فی هذا القِسم خُراسان، ثمّ قُم بعد ذلک.
القِسمُ الثانی:
هُم الّذین تَشیّعوا تَعاطُفاً مع الشیعه الّذین نالهم الإِضطهاد بعد ذلک، وهذا القِسم جَمَعه الإِضطهاد مَعَهُم؛ لأنّه کان مُضطهداً، ومِن هؤلاءِ: الموالی فی قِسمٍ کبیر منِهم ممَّن کان داخل بُلدان الخلافه، أو الّذین لَحِقَهُم الإِضطهاد داخل إیران، وقد بدأت تصل إلیهم أفواجٌ مِن المُهاجرین المُضطهَدین لأجل تَشَیُّعِهم، والذین دفَعَ مِنهم زیاد بن أبیه خمسین ألفاً إلى خراسان؛ حتّى یُخلِّص الکوفه مِن العناصر الشیعیّه الصُلبه ( ۱ ) والإِضطهاد قرابهٌ أحیاناً، وکان بَعد ذلک أن تَمازجت أفکارَهم بَعدَ التِقاء مشاعرهم، وصار الفِکر مُتبادلاً بینهم، وساعَد على ذلک استمرارُ الإِضطهاد فَتَراتٍ امتدَّت طویلاً، والعقائدُ کثیراً ما یُرسّخها الإِضطهاد.
القِسمُ الثالِث:
الّذین تَشیّعوا عن طریق اللقاء الثقافی المُعمَّق؛ لأنّ الشیعه اضطرُّوا إلى تَعمیق ثقافتهم، وولوج مُختَلَف میادین المعرفه؛ للدفاع عن وجودهم، والذَود عن عقائدهم بالنظر إلى تَعرُّضهم إلى وضعیّات شَرِسَه، خُصوصاً وأنّ الحُکم ووسائل القوَّه لیست بأیدیهم، وکان أن استهوت ثقافتهم قَطّاعاً کبیراً مِن الفُرس، نظراً لِخلفیّتهم الحضاریّه، ونُهوض الحُجّه فی نَظَرهم لکثیر مِن مُعتقَدات الشیعه التی لم یَدعمها سیفٌ ولا بریقُ مالٍ، ولا طَمَع فی حُکم، بل لمُجرَّد الإِقتناع بِصحّه أدلّتهم.
القِسمُُ الرابِع:
هُم الّذین دَخلوا التَشیُّع مع التَیّار الذی صَنَعه الحُکّام، وأعلنوا ضَروره
العُدولِ إلى مَذهب الشیعه. وهؤلاء قِلّه لا یُعتدُّ بها، وقد تَظاهرت بذلک؛ لأنّه لا یمکن للعقائد أن تُفرَض فَرضاً، وذلک حینما أعلن خدابنده، ثمّ الصفویّون فی بِدایه القرن العاشر رَسمیّه المَذهب الشیعی، وذلک مِثلما حَدثَ لدیار بَکر وربیعه التی کانت شیعیّه أیّام الحمدانیین، ثمّ حوَّلهم الحُکّامُ إلى سُنّه، وکما حَدَثَ لمِصر بعد حُکم الفاطمیین، إذ حُوِّلت إلى سُنّیّه أیّام الأیّوبیین، وکما حَدَثَ ذلک لکثیر مِن البُلدان.
ولستُ أزعم أنّه لا یوجد مَن قد یکون دَخل التَشیُّع وله أهداف غَیرُ سلیمه، ولیس ذلک بذنبٍ للتَشیُّع، فکثیر مِن الیهود دخلوا الإِسلام، وتظاهروا بذلک، وفی نُفوسهم أهداف خبیثه، ولا نَعتبِر الإِسلام مسؤولاً عن ذلک، کما أنّ هذه الفصیله التی تَدخل الإِسلام أو التَشیُّع ولها أهداف مَسمومه لا تعدو أصابع الید، ولا تُشکِّل خَطَراً؛ بدلیلِ أنّ جَوهر الإِسلام مَحفوظ رَغم وجود أمثال هؤلاءِ، ولیس مِن المنطق فی شیءٍ أنَنتَزِع حُکماً عامّاً على مَذهب مِن المذاهب؛ لأنّ بعض الأفراد المُندسّین فیه عُررِفوا بِنَظریّات هدّامه، لا سیّما إذا کانت أُسس المذهب واضحه لا تلتقی مع المُندسّین بِشِکِل مِن الأشکال، فالإِصرار على تحمیل مذهب مسؤولیّه فِعلِ فَردٍ مُندسٍّ فیه، عملیه إمّا أن تکون مَشوهه وغیر نظیفه، وإمّا أن تکون بلهاء لا تتصرَّف بمقاییس.
ــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبری: ۶/۱۲۶ طبعه ۱۹۳۲٫