علاقه الحسین مع أخیه الحسن (علیهم السلام)

0

إمامه الحسن لأخیه الحسین (علیه السلام)
النقطه الأولى: لا شک إن الحسن (علیه السلام) تولى الإمامه بعد أبیه، وهذا معنى یعترف به الخاصه والعامه، فقد کان فی تلک الفتره هو الإمام المفترض الطاعه على کل البشر بما فیهم الحسین (علیه السلام) وهنا یأتی الإشکال: بان الحسن (علیه السلام) لیس أفضل من الحسین (علیه السلام) ، بل هما مثلان، فکیف أصبح إماما علیه؟. لان الإمام لابد أن یکون أفضل.
وجواب ذلک من عده وجوه:
الوجه الأول: النقض بسائر الأئمه (علیه السلام) فهذا حصل فی کل الأئمه (علیه السلام) . فإننا نعرف إنهم متساوون تقریبا، ومن نور واحد. ولکن مع ذلک قد صار الأب إماما على ابنه إلى أن مات. فما تقوله هنا نقوله هناک.
فإن قلت: إن مورد النقض یختلف عن مورد الکلام، باعتبار الأبوه، وهی منتفیه مع هذین الأخوین ع.
قلنا: إن ولایه الأبوه وان کانت شریفه، إلا إنها بسیطه ومتدنیه بإزاء ولایه الإمامه. فحینئذ یلغى الفرق بین الأئمه (علیه السلام) والحسن والحسین (علیه السلام) لسقوط قیمه الأبوه من هذه الناحیه، فیرجع النقض صحیحا.
الوجه الثانی: الطعن بالقاعده العقلیه، فان الإشکال ناشئ من قاعده یؤمنون بها، وهی إن من القبیح جعل المفضول إماما على الفاضل، فإننا نستطیع أن ننفی انطباق هذه القاعده، من حیث إن هذا لم یحصل فی المعصومین (علیه السلام) وأما جعل المثیل، إماما على مثیله، فهو مما لا یستنکره عقل ولا شرع.
الوجه الثالث: إن هذه القاعده العقلیه إن سلمناها، فإنما تنفذ فی مورد عدم الأهلیه، أی إن المفضول لیس أهلا للإمامه، فإذا کان المفضول متدنیا جدا، قبح جعله إماما على من هو ارفع منه بدرجه عالیه. وأما مع حفظ الأهلیه کما هی متوفره فعلا فی أهل البیت عفلا مانع من جعل المفضول إماما فضلا عن المثیل.
الوجه الرابع: إننا لو تنزلنا جدلا عن الوجوه السابقه، أمکن القول بنفی الولایه ووجوب الطاعه فی هذا المورد، والحسن (علیه السلام)  إمام على کل البشریه إلا الإمام الذی بعده، أو أی إمام بالنسبه إلى باقی الأئمه . وإذا تعمقنا إلى حد ما، فإننا نستطیع إن نقدم جهلنا بوجه العلاقه الخاصه بین الإمامین. ولم یرد فی التاریخ إن الإمام السابق أمر الإمام اللاحق بشیء بنحو الولایه، وان الثانی أطاعه. ومن الناحیه العملیه لا السابق یأمر ولا اللاحق یعصی، وکلاهما موقف من مواقف الأدب تجاه الله سبحانه وتعالى.
الوجه الخامس: أن یقال: إن الإمام المتقدم دائما خیر من الإمام المتأخر، لا باعتبار اصل وجوده، بل باعتبار ما ورد من: (إن المتأخر یعلم ما عند المتقدم عندما تصل روحه التراقی) . فینتقل ما عنده إلى ما بعده.
إذن فالثانی فی حال وجود الأول لا یعلم ما عنده، فالأول أفضل من هذه الناحیه، فتتعین له الإمامه والولایه. وهذا صحیح لو سلمنا به، وفیه بعض الروایات.
الوجه السادس: أن نتنزل عن کل ما سبق ونقول بالولایه الفعلیه للمتقدم على المتأخر ما دام حیا، وهما مثیلان فی المستوى الإلهی، فنقبله لثبوته بالتعبد الشرعی، بعد أن لم یکن قبیحا عقلا، فقد اقتضته الحکمه الأزلیه لمصالح لا یعلمها إلا الحکیم المطلق.
الوجه السابع: فی الإمکان أن یقال: انه نحو امتحان للإمام المتأخر تجاه طاعه الله سبحانه وتعالى، بما فیهم الحسین (علیه السلام)  تجاه أخیه الحسن (علیه السلام)  ، وذلک بان یجد نظیره ومثیله فی المستوى آمرا علیه، وولی على حیاته ومماته، ویجب علیه القبول والرضا بأمر الله سبحانه ورسوله  .
هل إن صلح الحسن مقدمه لثوره الحسین  ؟
النقطه الثانیه: فی ما قاله المفکرون المتأخرون من الإمامیه، ولعله قد أصبح من الضروریات فی الفکر الشیعی، بان صلح الحسن (علیه السلام)   هومقدمه لثوره الحسین (علیه السلام)  ، فهل الأمر کذلک أم لا ؟. وما هو الوجه فی هذه المقدمیه؟ .
وینبغی الالتفات هنا إلى إننا لسنا مضطرین حسب القواعد الشرعیه المعروفه أن نقول بهذه المقدمیه، بل یکفی فیه ما علیه المسلک التقلیدی الإمامی القدیم من إن کل منهما قد رأى المصلحه فی زمانه ومکانه المعینین أن یقوم بما قام به. وان المصلحه تلقاها بالإلهام عن ربه أو بالأمر من جده رسول الله  ، وقد  . إذن فکل منهما قد(الحسن والحسین إمامان قاما أو قعدا) فی ذلک حین قال: ۹اجازهما  أدى المصلحه الوقتیه التی رآها فی زمانه بغض النظر عن الآخر.
وخاصه إذا التفتنا إلى إن هذه المقدمیه إنما یصح قولها وإثباتها، إذا احرزنا ردود الفعل والتصرفات من قبل جمیع الناس، من أصدقاء وأعداء وغیرهم، بحیث تحصل کما حصلت فعلا. مع إن هذا لم یکن محرزا فی عصر الإمام الحسن (علیه السلام)  بما فیه حصول یزید على الخلافه، وغیر ذلک کثیر.
فإن قلت: انه کان معلوما فی علم الله سبحانه، وکان یعلمه الحسن (علیه السلام)  .
قلنا: نعم، إلا انه یمنع منهما مانعان:
أحدهما: الاختیار المعطى للإنسان من أصدقاء وأعداء، ولا نقول بالجبر، فإذا کان الاختیار موجودا کانت الاحتمالات عدیده، وإذا کانت الاحتمالات عدیده کان المستقبل مجهولا.
ثانیهما: احتمال حصول البداء، فان کثیرا من الأشیاء ـ من أول الخلیقه إلى آخرها ـ نؤمن بحصول بالبداء فیها. فقد تحصل حوادث غیر متوقعه. فإذا کان الولی یعلم إن التسلسل المعین سوف یکون إلى أن یقتل الحسین (علیه السلام)  ، فان هذا کله قابل للبداء، فإذا کان کذلک کان المستقبل مجهولا.
لولا آیه فی کتاب)وفی الحدیث عن أمیر المؤمنین (علیه السلام)  والدهما انه قال:  الله لأخبرتکم بما کان وما یکون إلى یوم القیامه وهی قوله تعالى: ( یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ  الْکِتَابِ) )
فإن قلت: فان الفکره العامه للمجتمع کانت واضحه فی ذهن الحسن (علیه السلام)  ، وانه سوف تؤدی نتائجه إلى ثوره الحسین ومقتله، ووفق هذا أجرى الصلح.
قلنا: هذا نظرا إلى المصالح الدنیویه، والجانب الظاهری من المجتمع، ولا شک إن الإمام الحسن  نظره أعمق من ذلک، فهو یعرف الواقعیات بما هی. وإذا تعمقنا أکثر لم نعرف کیف ستکون النتیجه.
فإن قلت: فان لکل نتیجه سبب ولکل سبب سبب وهکذا. فیتعین أن یکون صلح الإمام الحسن (علیه السلام)  واقعا فی سلسله علل ثوره الحسین (علیه السلام)  .
قلنا: نعم، إلا إن هذه العلل غیر خاصه بذلک، بل إن تولی یزید الخلافه من جمله عللها، وکذلک إصراره على أخذ البیعه، وکذلک تعیینه لعبید الله بن زیاد، وغیر ذلک کثیر.
مضافا إلى إن هذا أمر کان یمکن إدراکه حین حرکه الحسین (علیه السلام)  أو بعدها، وأما قبلها فلم یکن متیسرا.
وهل بالإمکان القول: بان الحسن (علیه السلام)  صالح معاویه لأجل أن یتسبب فی قتل أخیه الحسین (علیه السلام)  بعد عشره سنوات مثلا؟.
فإن قلت: إن الحسن (علیه السلام)  کان یعلم بوجود المصالح العظیمه التی سوف تترتب على حرکه الحسین (علیه السلام)  ، وثورته، ومن هنا کان راضیا بمقتل الحسین (علیه السلام)  ، کما إن الحسین (علیه السلام)  کان راضیا بمقتل نفسه. فلا یبعد أن یکون قد فعل الإمام الحسن صلحه من اجل أن یتسبب إلى قتل الحسین (علیه السلام)  ، ومن اجل أن یتسبب إلى المصالح المترتبه على مقتل الحسین (علیه السلام) . 
قلنا: نعم، إلا إن هذا الوجه غایه ما یثبت: العلم به، والرضا به. وأما تسبیبه العمدی من اجل ذلک فلا. بل کان من اجل المصالح الوقتیه فی زمانه (علیه السلام)  ، ولو قلنا بالتسبیب فإنما هو جزء العله التکوینیه فی مجموع التسبیبات التی أدت إلى مقتل الحسین (علیه السلام)  فان لکل شیء عله على أیه حال.
فإن قلت: انه لولا صلح الحسن (علیه السلام)  لما حصلت ثوره الحسین (علیه السلام)  لأنه جزء سببی مهما قل أو کثر. فهو مسبب بمعنى من المعانی ولو فلسفیا إلى ثوره الحسین (علیه السلام)  کما إن الأسباب الأخرى موجوده، فیلزم من عدمه عدمه، أی یلزم من انعدام جزء العله زوال المعلول، مهما کان جزء العله ضئیلا. فیصدق فلسفیا انه إذا لم یصالح الحسن (علیه السلام)  معاویه لما حصلت ثوره الحسین (علیه السلام)   وإذا لم تحصل ثوره الحسین (علیه السلام)  لم تحصل نتائجها المحموده، ومصالحها الکبیره والعلیا.
قلنا: إن جوابه من عده وجوه:
الوجه الأول: إن هذا التعبیر: وهو انه لولا صلح الحسن (علیه السلام)  لما حصلت ثوره الحسین (علیه السلام)  لیس بأکید، فلربما یجعل الله سببا آخر بدیلا عن هذا السبب.
الوجه الثانی: إن المفکرین الإمامیین یقولون: قد حصل شیء ناتج من صلح الحسن (علیه السلام)  حتى استعمله الحسین (علیه السلام)  فی وقته فهل حصل شیء من صلح الحسن (علیه السلام)  ؟. وإنما هو مجرد صلح على ورق، فان معاویه صعد بعده على المنبر وقال: (ولقد عاهدت الحسن بأمور وهاهی تحت قدمی) . فان معاویه لم یلتزم به. فإذا لم ینتج شیئاً فکیف یقولون: انه مقدمه لحرکه الحسین (علیه السلام)  ؟.
الوجه الثالث: لو تنزلنا وقبلنا انه لولا صلح الحسن (علیه السلام)  لم تحصل ثوره الحسین (علیه السلام)  فقد نقول: انه لا باس أن لا تحصل ثوره الحسین (علیه السلام)  ، فیبقى الحسین (علیه السلام)  وینفع الناس، وتترتب على ذلک مصالح أخرى کما تترتب على وجود سائر الأئمه ع. والشیء الذی نعرفه إن الله تعالى یحفظ دینه على کل حال، سواء صالح الحسن (علیه السلام)  معاویه أم لا. وسواء ثار الحسین (علیه السلام)  على یزید أم لا.
فإن قلت: انه لولا صلح الإمام الحسن (علیه السلام)  لقتل کل الشیعه، ولأجل ذلک حصل الصلح. فإذا قتلوا لم تحصل ثوره الحسین (علیه السلام)  لکونها سالبه بانتفاء الموضوع، ولم تحصل أی نتائج خیر بعد ذلک. إذن فصلح الحسن (علیه السلام)  تسبیب إلى حرکه الحسین (علیه السلام)  
قلنا: إن هذا الوجه وان کان مشهوریاً ومرکوزا فی أذهان المتشرعه، إلا انه وحده لا یکفی، ولا دلیل علیه، وذلک لأکثر من وجه واحد:
الأول: إننا نرى إن معاویه نقض العهد ولم یستطع مع ذلک قتل کل الشیعه.
الثانی: إن الله سبحانه هو الحافظ لهم بصفتهم ممثلین للحق، کما قال:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ   وهذا ثابت سواء صالح الحسن (علیه السلام)  معاویه أم لا.
الثالث: إن المظنون أن یکون المراد من الصلح تقلیل الظلم عما هو موجود، لا دفع الزائد من الظلم المحتمل من معاویه. فان معاویه کان ذکیا ویدرک إن الزائد لیس فی مصلحته.
مضافا إلى أمر آخر مهم، وهو یتوقف على مقدمه وحاصلها: إن لکل من هذین الإمامین الجلیلین أهداف فی عملهما بلا شک، أو بتعبیر آخر أدق أن نقول: إن لله سبحانه أهدافا من عملهما، وهما عالمان بتکلیفهما الشرعی وقائمان به، لنیل رضا الله وطاعته. فالهدف الحقیقی إنما هو منسوب إلى الله تعالى. فإذا نظرنا إلى مجموعه الأهداف المحتمله للحسن (علیه السلام)  ، والأهداف المحتمله للحسین (علیه السلام)  نرى إن نسبه هذه الأهداف بعضها إلى بعض على ثلاث مستویات:
المستوى الأول: أن یکون الهدفان متباینین، لا ربط لأحدهما بالآخر، فلا یصح أن یکون أحدهما مقدمه للثانی، کما هو الحال على التصور المشهوری للهدفین، فان هدف الحسن (علیه السلام)  هو حفظ الشیعه وعنصر الحق وإلا لأبادهم الظالمون، ولا اقل من إن من المحتمل أن یقتل نفس الحسن والحسین (علیه السلام)  . فإذا قتلا یندثر الحق.
وهذا ما لا یراد بکل صوره، والأئمه عقد قدموا کل المقدمات وتنازلوا جمله من التنازلات وضحوا جمله من التضحیات فی سبیل حفظ أهل البیت عواستمرار الأئمه عبما فیه عدم محاربه أو مشارکه زین العابدین (علیه السلام)   .
وأما أهداف الحسین (علیه السلام)  على الأطروحه المتعارفه فهو إبراز أهمیه الدین، وإمکان التضحیه له بهذا المقدار العظیم. فهما متباینان باصطلاح المنطق، وان کانا مشترکین فی جانب طاعه الله تعالى، فلا ربط لأحدهما بالآخر لیکون مقدمه له.
المستوى الثانی: أن یکون الهدفان متساویین أو قل إن أحدهما عین الآخر، فلا یصح أن یکون أحدهما مقدمه للآخر بدلیل على انه لو کان العکس لصحت المقدمیه أیضاً ، کل ما فی الأمر إن أحدهما قبل الآخر وجودا فی خلقه الله سبحانه، وقد تشارکا لإیجاد هدف واحد فقط. وهذا ینطبق على عده أهداف محتمله أو على عده أطروحات مثل: فضح خیانه ولا إنسانیه المعسکر الأموی، وکل أعداء الحق على مدى التاریخ، وبذلک یفشل الخصم على مدى التاریخ عن کسب الأنصار له والدعوه إلى نفسه عن طریق الجدل النظری، وسیکون الحق النظری فی جانبهما بوضوح ما لم یکن الفرد طالبا للدنیا.
ومثل: أن یکون هدفهما معا إبراز أهمیه الدین بدرجه عالیه، بحیث لا یعتنى بإزائه بالأمور الشخصیه مهما کانت واضحه اجتماعیا ودنیویا. کالتنازل إلى الأعداء من ناحیه أو الإباده من ناحیه أخرى. وهما أقوى الحوافز الدنیویه التی قد تقع حجر عثره دون انتصار الدین خلال الأجیال. فقد تصدى سبطا رسول الله  بأنفسهما لدحض هذا الاحتمال.
وهذا هدف مشترک ولکن کل واحد منهما إعطاءه فی صوره غیر الصوره الأخرى، فمثلا نقول إن الصوره التی أعطاها الحسن (علیه السلام)  انه لا یمکن أو لا ینبغی الحفاظ على هذا التکبر والسمعه، فحتى لو سحقت السمعه بالأرجل فهی فی سبیل إرضاء الله تعالى، أما الصوره التی أعطاها الحسین (علیه السلام)  فهی انه لا ینبغی الحفاظ على الذات و لا على المال ولا على الأسره إن کان ذلک یرضی الله تعالى، وهذا لا یعنی المقدمیه، فلو کان العکس حاصلا لامکن حصول نفس الهدف.
المستوى الثالث: أن یکون هدف الإمام الحسن (علیه السلام)  تأصیل هدف یصلح أن یکون إعدادا واستقرارا أو مقدمه لثوره الحسین (علیه السلام)   وهذا الحال أیضاً ینطبق على بعض الأطروحات:
منها: أن یکون هدف الإمام الحسن (علیه السلام)  حفظ الشیعه، أو قل حفظ اکبر عدد منهم، وحینئذ تم حفظهم بالصلح، فاستطاع الإمام الحسین (علیه السلام)  أن یقدمهم فی ثورته وحرکته. وهذا هو أوضح الاتجاهات المرکوزه فی أذهان المتشرعه التی تتحدث عن المقدمیه. ولکن یمکن الجواب عنه: بان هذا صحیح لو کان الصلح قد انطبق فعلا، أما بعد أن رفضه معاویه فلا معنى لحصوله.
فإن قلت: فان الحسن (علیه السلام)  قد سعى بمقدار وسعه وإمکانه لأجل ذلک وهو معاهدته المعروفه، ولیس فی وسعه أخذ القبول الکامل والمستمر من خصمه.
قلنا: نعم، ولکن ذلک لا یکفی للمقدمیه، لوضوح إن هدف الإمام (علیه السلام)  ینبغی أن یحصل لتحصیل نتیجته، وهی ثوره الحسین (علیه السلام)  ، وأما إذا حصلت الخیانه من الطرف الآخر ولم یحصل الهدف إذن فهذه المقدمیه لم تحصل عملیا وان حاولها الحسن (علیه السلام)  .
ومنها: تربیه إیمان المؤمنین من قبل الإمام الحسن (علیه السلام)  لأجل أن یحصل جیل متکامل یستطیع أن یجاهد بین یدی الحسین (علیه السلام)  .
وهذا النحو من الفهم له نحوان من الانطباق: انطباق مطابقی وانطباق التزامی.
أما الانطباق المطابقی فهو ظاهر کلام من یقول بذلک، من حیث انه یرى إن الصلح بنفسه أوجب زیاده درجات الإیمان للمؤمنین فی المجتمع بحیث اعد لثوره الحسین (علیه السلام)   إلا إن هذا قابل للمناقشه من عده جهات:
الجهه الأولى: انه عهد اجتماعی واتفاق سیاسی، ولیس موعظه إیمانیه لیلزم منه ذلک.
الجهه الثانیه: انه لو کان منطبقا ومنفذا لصح، ولکنه لم ینطبق أطلاقاً.
الجهه الثالثه: انه لو کان اثر فی هدایه الناس لنجحت ثوره الحسین (علیه السلام)  دنیویا وسیطر على یزید وأخذ الحکم، ولما خانه الشیعه بالکوفه، ولما خانوا مسلم بن عقیل (علیه السلام)  وقالوا لأفرادهم: ما شانک والدخول بین السلاطین ، وکل ذلک لم یحصل. إذن فلم یکن هو الهدف الحقیقی للإمام الحسن (علیه السلام)  ، لاستحاله تخلف الهدف الحقیقی المقصود کما قلنا فی کتاب الأضواء .
وأما الانطباق الالتزامی فباعتبار انه أوجد بعض الأمور التی أوجبت زیاده البلاء ضد المؤمنین، کرد فعل معاکس من قبل المعسکر المعادی ونحو ذلک. وکل بلاء دنیوی فهو موجب لتکامل البعض لا اقل. فقد حصل الإعداد فی التکامل لثوره الحسین (علیه السلام)  عن هذا الطریق.
وجوابه:
أولا: إن ذلک لیس مقصود من قال بأن صلح الحسن أعد لثوره الحسین بأیجاده زیاده درجات إیمان المؤمنین.
ثانیا: إن هذا الإعداد غیر خاص به، بل کل الحوادث المضاده للمؤمنین، والتی کانت تحدث یومئذ کفیله بذلک ابتداء بیوم وقتل الحسن (علیه السلام)  وغیر ذلک.Jالسقیفه فما بعده من قتل الزهراء
إذن صح ما قلناه من: إننا غیر مضطرین للإیمان بهذه المقدمیه، أو قل إنها مما لا برهان علیها من کتاب ولا سنه ولا إجماع ولا عقل. ولکننا مع ذلک لا نستطیع نفیها إذ لا برهان على عدمها أیضاً، فتبقى أطروحه محتمله طیبه على أی حال.
ونستطیع أن نطبق احتمال ذلک على کل الأهداف التی ذکرناها فی المستویات الثلاث السابقه.
أولاً: إذا کان هدف الإمام الحسن (علیه السلام)  حفظ الشیعه عن الإباده فیمکن أن یکون الغرض له حفظهم لنصره الحسین (علیه السلام)  
أما بمعنى أن لا یبادوا جمیعا فتکون حرکه الحسین (علیه السلام)  سالبه بانتفاء الموضوع، أو بمعنى أن یبقى منهم عدد کبیر ینصر الحسین (علیه السلام)  فی طف کربلاء.
ثانیا: انه إن کان هدف الإمام الحسن (علیه السلام)  فضح المعسکر الآخر، کما هو هدف الحسین (علیه السلام)  ، کما قلنا فی أطروحه سابقه، فالأول منهما متقدم خِلقیا وتاریخیا بمشیئه الله تعالى على الآخر، فهو بمنزله المقدمه للآخر. وان صح انه لو کان العکس لکانت ثوره الحسین (علیه السلام)  مقدمه لصلح الحسن (علیه السلام)   إلا أن الحسن (علیه السلام)  ما دام مخلوقا فی الجیل الأسبق، إذن فله المقدمیه والإعداد.
ثالثا: إننا نقول نفس الشیء فیما إذا کان هدفهما معا إبراز أهمیه الدین وعظمته إزاء تحمل العناوین الثانویه والبلاء الدنیوی. فمن یکون متقدما زمانا من المحتمل أن یکون معدا لمن هو متأخر عنه.
رابعا: أن یکون هدف الإمام الحسن (علیه السلام)  تربیه إیمان المؤمنین لیشارکوا فی ثوره الإمام الحسین (علیه السلام)  وقد حصل فی الـبعض، کهؤلاء الذین جاءوا معه وقتلوا معه وهذا یکفی. ونحن نعلم إن عمق الإیمان لا یمکن أن یحصل للکثیرین إلا نادرا.
وهناک أطروحات أخرى للمقدمیه نستطیع أن نسمیها سلبیه، لم یذکرها المشهور:
أولاً: أن یقال: إن صلح الحسن (علیه السلام)  أوجب رد فعل فی المعسکر الآخر أو زیاده فی الظلم والاضطهاد بحیث حصلت المصلحه فی نظر الحسین (علیه السلام)  لبدء حرکته.
ثانیا: أن یقال: إن الامتحان الإلهی الذی أوجد صلح الحسن (علیه السلام)  وان أوجب قوه الإیمان لدى البعض، إلا انه أوجب ضعفه فی الکثیرین، بل فی عدد ممن کان یعد نفسه من الخاصه والموالین. ومن هنا ضعف إیمان الشیعه نسبیا، فحصلت المصلحه لثوره الحسین (علیه السلام)  لیریهم أهمیه الدین والإیمان.
ثالثا: إن صلح الحسن (علیه السلام)  کان (ظاهرا) نحو من التنازل لمعاویه بالملک والإمامه، کما علیه المسلک التقلیدی لدى العامه، حیث إنهم یعتبرون الحسن (علیه السلام)  إماما خامسا لکنه تنازل إلى معاویه وانقطعت إمامته . إذن سیکون ذلک إقرارا للمسلک العام للخلافه المدعاه لمعاویه وأمثاله، أو قل إقرارا لخلافه الأمویین عموما، وان لم یکن ذلک مقصودا حقیقه. فحصلت المصلحه لثوره الحسین (علیه السلام)  فی أن یبرهن عملیا على شجب ذلک وإنکاره فی المذهب.
رابعا: إن صلح الحسن (علیه السلام)  ربما أوجب ظاهرا إن الموالین للائمه عضعفاء ومتخاذلین، إلى حد یکونون على استعداد للمصالحه مع عدوهم بالرغم من کونهم یعتقدون به معتدیا ظالما، فاقتضت المصلحه للحسین (علیه السلام)  إثبات التجربه بخلاف ذلک یقینا.
والى هنا یمکن أن نکتفی بهذا المقدار من الحدیث عن علاقه الحسین (علیه السلام)  بأخیه الحسن (علیه السلام)   وینتهی الحدیث عن ذلک العنوان وهو علاقه الحسین بمن قبله.
علاقه الحسین (علیه السلام)   بمن معه
وهنا نعرض سؤالا مشهورا وهو إن هناک أناسا صالحین مشهود لهم بالوثاقه، کانوا أحیاء عند واقعه الطف، ومع ذلک من سمع واعیتنا فلم)لم یحضروها، ومقتضى القاعده أن یکونوا مشمولین لقوله (علیه السلام) . مع إنهم لا یحتمل فیهم ذلک لمدى إیمانهم(ینصرنا أکبه الله على منخریه فی النار وإخلاصهم، ویسمی الفکر التقلیدی بهذا الصدد (عبد الله بن جعفر) زوج زینب بنت علی على المشهور والمنقول، و (محمد بن الحنفیه) و (میثّم التمّار) و (المختار الثقفی)J . فکلهم کانوا أحیاء ولم یحضروا واقعه الطف مع العلم إنهم متدینون ومتشرعون ومتفقهون، فلماذا لم ینصروا الحسین (علیه السلام)  فی واقعه الطف؟.
ویجیب الفکر التقلیدی بأنهم جمیعا کانوا معذورین عن الحضور. فأما عبد الله بن جعفر فکان أعمى، والأعمى یسقط عنه الجهاد. وأما محمد بن الحنفیه فکان ضعیف الساعدین لا یستطیع أن یضرب بالسیف، وقد نقل انه کان قویا فأصابته عین فضعف عن القتال. وأما میثّم التمّار والمختار فکانا مسجونین بسجن عبید الله بن زیاد فی الکوفه حیث قام بحمله ضد مسلم بن عقیل (علیه السلام)  وأصحابه .
أقول: أما اصل العذر فهو محرز، ولا ینبغی المناقشه فیه، کما إن عدم مشارکتهم فی واقعه الطف بالرغم من وجودهم فی ذلک العصر فهو من القطعیات، ولا یحتمل إنهم شارکوا ولم یصل الخبر، لان خبرهم وصل بوجودهم بعد واقعه الطف کمیثم الذی صلب فی وقت متأخر عن ذلک الحین، والمختار الذی أخذ بثأر الحسین (علیه السلام)  ولکن مع ذلک یمکن المناقشه بالمبرر السابق التقلیدی بعد الالتفات إلى أن هؤلاء الأربعه على قسمین: اثنین منهم بالمدینه: وهما عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفیه، واثنین بالکوفه: وهما المختار ومیثم. فلکل قسم حدیثه الخاص به.
أما الاثنین الذین فی المدینه فلا یحتمل أنهما لم یعلما بحرکه الحسین (علیه السلام)  بل کانا معا ممن تحدث مع الحسین (علیه السلام)  فی عدم الخروج. إلا أن وجه العذر فی عدم خروجهم معه احد أمور:
الأول: العذر المذکور سابقا، وهو الذی عرضه الفکر التقلیدی.
الثانی: إن الحسین (علیه السلام)  کلفهما بالبقاء بالمدینه بالوکاله عنه لقضاء حاجات المؤمنین ریثما یرجع، أو یرجع الإمام الذی بعده. وهذا وان لم یثبت بدلیل معتبر إلا انه راجح، لأنهما کانا أکثر الموجودین من بنی هاشم وجاهه وعمرا وتفقها.
ثالثا: إنهما وان علما بخروج الحسین (علیه السلام)  إلا إنهما لم یکونا یتوقعان ما حصل من نتائج، وهذا أمر مظنون وان لم یکن أکیداً. ولا اقل إنهما یسلیان أنفسهما باحتمال نجاح الحسین (علیه السلام)  فی حرکته دنیویا، وعدم مقتله، وخاصه وإنهم یحملون عزمه الأکید على الذهاب على نحو من التخطیط للانتصار على الصعید المادی والدنیوی.
مضافا إلى نقطه أخرى، وهی انه لیس من المفروض أن یأخذ الحسین (علیه السلام)  معه جمیع المؤمنین على الإطلاق لمجرد حصول حاجته إلیهم بعد ذلک.
وأما حین تقوّى احتمال مقتله بعد حادثه الحر الریاحی، فلم یصل الخبر إلى المدینه، وکانوا جاهلین ومعذورین عن ذلک. وحتى لو فرضنا وصولهم فلم یکونوا یدرکون الذهاب إلیه مع صعوبه وسائط النقل، کما لم یکونوا یعلمون منطقه تواجده لکی یصلوا إلیه.
إلا إن هذا الوجه قابل للمناقشه من أکثر من نقطه واحده:
النقطه الأولى: إن هذا الذی قلناه وهو إنهما لم یکونا متوقعین النتائج التی حصلت لیس بصحیح. لأنه کان یصرح بحصول مقتله (علیه السلام)  .
النقطه الثانیه: إن هذا الذی زعمناه وهو انه لیس المفروض خروج کل المؤمنین معه أیضاً لیس بصحیح، فان المفروض خروج جمیع المؤمنین معه. ولذا نجده إلا من کان) إلى أن قال: (خط الموت على ولد ادم مخط القلاده على جید الفتاه)یقول:  باذلا فینا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فلیرحل معنا. فانی راحل غدا مصبحا إن  .(شاء اللــه
 أمر إلزامی عام لکل المؤمنین.(فلیرحل معنا)وقوله: 
والمفروض بهم الطاعه، کما إن المفروض بکل واحد منهم أن یکون باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه، إلا إن أمثال هؤلاء فی الواقع قلیلون. ومن هنا یجب على هذین الرجلین وغیرهما أن یخرجوا معه، فیسقط هذا الوجه للعذر ویبقى الوجهان السابقان.
وأما المختار الثقفی فالظاهر إن العذر فیه صحیح، لمشارکته فعلا مع مسلم بن عقیل (علیه السلام)  فی حرکته، ونحن نسمع من التاریخ إن مسلم بن عقیل (علیه السلام)  نزل أولاً فی دار المختار الثقفی، ثم انتقل إلى دار هانی بن عروه بعد مجیء عبید الله بن زیاد باعتباره أقوى عشیره وأنصارا وسلاحا . فکان قبل ذلک فی دار المختار وهو الذی یتولى شؤون مسلم بن عقیل (علیه السلام)  وعلى أی حال، فمن الطبیعی أن یسجن فیمن سجن بعد مقتل مسلم (علیه السلام)  ، ولم تکتب الشهاده للمختار کما کتبت لهانی . لکونه اقل مشارکه منه. فی حین إن لهانی الید الطولى فی الدفاع عنه وإخفائه فی داره.
وأما میثم التمّار فمشارکته لحرکه مسلم (علیه السلام)  احتمالها ضعیف، باعتبار عدم وصول اسمه خلالها، مع وصول عدد معتد به من الأسماء من کلا المعسکرین، ومن ثم فالنتیجه المذکوره له تکون ضعیفه أیضاً، وهو کونه مسجونا فی سجن ابن زیاد بعد حرکه مسلم (علیه السلام)   فما هو وجه سجنه إن لم یکن مشارکا؟. ومن ثم یکون التمسک بهذا العذر له ضعیفا .
إلا إن هذا الرجل مما یتعین حمله على الصحه والتصرف المشروع، لما نعرف من إخلاصه وارتفاع شانه، وخاصه فی المنقول من تصرفه خلال شهادته، فانه کان یروی فضائل أمیر المؤمنین (علیه السلام)  ویداه ورجلاه مقطوعتان إلى أن قطعوا لسانه . ومن ثم تکون لعذره أطروحات أخرى:
الأطروحه الأولى: إن المشهور وان کان هو شهاده میثم بعد واقعه الطف، إلا إن الخبر فی ذلک ضعیف فلعله قتل قبل ذلک کما قتل جماعه من المؤمنین کحجر بن عدی وغیرهم . ومعه لم یکن حیا فی واقعه الطف لیشارک فیها.
الأطروحه الثانیه: انه بالرغم من اشتهار حرکه الحسین (علیه السلام)  فی المنطقه بین مکه والمدینه والکوفه والبصره، إلا إن میثم (علیه السلام)  کان فی الأعراب فی منطقه نائیه لا تصلها الأخبار، وهی أطروحه محتمله سمعتها من بعض الفضلاء السابقین. ولعل أفضل ما فیها إنها الوجه الرئیسی لإمکان حمله على الصحه، بعد سقوط الوجوه الأخرى. وعلى أی حال فهی تکفی للاحتمال المبطل للاستدلال ضده، وان لم نکن نستطیع أن نثبتها تاریخیا.
الأطروحه الثالثه: إن میثم (علیه السلام)  کان ممن یعلم علم المنیا والبلایا، ولا اقل انه کان یعلم السبب فی مقتل نفسه، ویرویه عن سیده وإمامه أمیر المؤمنین (علیه السلام)  ، وکان یسقی الشجره التی أشار إلیها بأنه یصلب علیها، وکان یقول لها: (ما غذیت إلا لی) .
وعندئذ فهو یعلم انه فی قضاء الله وقدره الحتمی أن یکون موته هنا فی محله الموعود، ولا یحتمل أن یکون فی کربلاء ولا فی أی مکان آخر، وکأنه فهم أیضاً عن أمیر المؤمنین إن المساله غیر قابله للبداء، أو انه لم یکن ملتفتا إلى البداء.
فکان طیب البال من هذه الناحیه، معتمدا على بشاره أمیر المؤمنین له بالشهاده، ولا تفرق الشهاده فی نظره بین هذه أو هذه. وخاصه إذا التفتنا إلى احتمال انه لم یسمع قول ، علما إن(من سمع واعیتنا ولم ینصرنا أکبه الله على منخریه فی النار)الحسین (علیه السلام)  :  هذه الکلمه قالها الحسین (علیه السلام)  فی کربلاء أمام الجیش المعادی، فکیف تصل إلى مسامع میثم وأضرابه فی الکوفه، إلا بعد أن یکون الحسین (علیه السلام)  قد قتل.
الأطروحه الرابعه: إن عاطفته تجعله منشدا إلى ولایه أمیر المؤمنین (علیه السلام)  خاصه دون غیره من الناس، حتى أولاده. وربما یرى الفرق بینهم کبیرا فلا یرى لهم أهمیه بإزاء عظمه الولایه العلویه، ولا یرید لها بدیلا حتى لو کان هذا البدیل هو الحسین (علیه السلام)  .
مضافا إلى انه إن حصل له أی ذنب فی التخلف عن الحسین (علیه السلام)  ، فقد غسله فی شهادته. مضافا إلى ما حب علی حسنه لا تضر) . وقوله: (حب علی شجره من تمسک بغصن من أغصانها نجى)یروى:   وقد کان میثم أوضح مصادیق المحبین له (علیه السلام)  .(معها سیئه
الأطروحه الخامسه: انه یعرف تکلیفه الخاص بعدم الخروج لنصره الحسین (علیه السلام)  بالإلهام، کما قلنا: بان الخاصه من المؤمنین یأتیهم الإلهام من الله سبحانه. وهو تکلیف خاص به وعذر خاص به شخصیا، ولعل المصلحه فیه هی نفوذ نبوءه أمیر المؤمنین (علیه السلام)  فی شهادته، والاحتمال مُبطِل للاستدلال.
علاقه الحسین (علیه السلام)  بمن بعده.
نتحدث الآن عن علاقه الحسین (علیه السلام) بمن بعده، أو قل علاقتهم به بعد أن یکون قد فارق الدنیا من الناحیه العملیه. غیر إن العلاقه المعنویه والعاطفیه تبقى موجوده، ومتأججه بالقلوب على مدى التاریخ. وهی إحدى المزایا العظیمه والعجیبه التی وهبها الله سبحانه للحسین (علیه السلام) لشهادته وصبره. واعتقد إنها موهوبه له بإراده خاصه من قبل الله سبحانه وتعالى، یعنی إنها نحو من أنحاء المعجزه. ویکفی أن نلتفت إلى إن سمعته الطیبه مما یشهد بها کل البشر على الإطلاق من مختلف أدیانهم وثقافاتهم وطبقاتهم إلا من شذ وندر. أما الشیعه  إن لقتل)والموالون فلهم فی ذلک خصوصیه زائده، کما نقل عن النبی  (صلى الله علیه وآله وسلم) انه قال:  (الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تبرد أبدا  وهذه من النعم علیه وعلى شیعته وعلى کل فرد منهم، لأنها باب مهم یدخلون منه إلى طاعه الله سبحانه، وتنفیذ شعائر الدین. ولولا هذه الحراره للشیعه لتسامحوا فی أمر الحسین (علیه السلام) وتغافلوا عنه وترکوا شعائره، بصفتها احد المستحبات التی یجوز ترکها.
ولا اقل إن شانه فی ذلک یکون کشأن غیره من الأئمه ع. فی حین قلنا فی الأضواء إن کل مجلس عزاء لأی إمام لا یکون جمیلا وجامعا للشرائط ما لم یقترن بذکر الحسین (علیه السلام)   کما إننی قلت: إن الإحساس الخاص یؤید ذلک، ولذا نجد العاطفه فی العشره الأولى من محرم تتصاعد فعلا فی القلب ویمیل الفرد إلى البکاء وإیجاد هذه الشعائر بشده وهمه، وهو أمر عجیب لیس له تفسیر إلا تأیید الله وعنایته.
وعلى أی حال فالظاهر إن أول الحرکات التی حصلت بعد ثوره الحسین (علیه السلام)  وانتسبت إلیه فعلا اثنتان: حرکه التوابین وحرکه المختار الثقفی. فلابد أن نحمل عنهما فیما یلی فکره کافیه.
وحسب نقل التاریخ، فان حرکه التوابین حصلت قبل حرکه المختار، سنه خمسه وستین أی بعد واقعه الطف بأربعه سنوات، بقیاده سلیمان بن صرد الخزاعی وکان هدفهم إزاله عبید الله بن زیاد عن الکوفه، وإسقاطها بأیدیهم.
إلا إن هدفهم المعنوی ارفع وهو نیل الشهاده للتکفیر عن الذنب الذی یشعرون به من إنهم ترکوا نصره الحسین (علیه السلام) ولم تبق حرکه التوابین طویلا، واستطاع المعسکر المعادی، أو الدوله یومئذ من السیطره على الحال والإجهاز على التوابین، وقتل سلیمان بن صرد وأصحابه .
وهذا المعنى ثابت تاریخیا، وإنهم اتفقوا فیما بینهم لأجل ذلک، جزاهم الله خیرا. وسلیمان بن صرد من المخلصین والمتعاونین مع مسلم بن عقیل (علیه السلام) لکنه لم یوفق لان یکون مع الحسین (علیه السلام)  ولا نعلم السبب فیه.
والشیء الرئیسی الذی ینبغی الإشاره إلیه إنهم لم یستأذنوا من احد فی حرکتهم فی حین إن المختار أخذ هذا بنظر الاعتبار، وکان إخلاصهم واندفاعهم وعاطفتهم جعلتهم یقدمون من دون الالتفات إلى الاستئذان. وکأنهم استأذنوا من سلیمان نفسه، وهو لیس بقاصر. فهو مؤمن ومتفقه ومتعاون مع أصحاب الأئمه (علیه السلام)  کمسلم بن عقیل (علیه السلام)  وینبغی الالتفات أیضاً إلى هذه النقطه وذلک إنهم بعد أن ظهرت إمارات الفشل لحرکتهم اجتمعوا وقالوا: بأننا نحارب لا لأجل حب الدنیا، والمهم أن نموت فی سبیل الله تعالى، ولأجل التوبه من عدم الحضور فی طف کربلاء .
وأما حرکه المختار فبدأت بعد حرکه التوابین مباشره، وهی أوسع وأقوى. وبدا فی العام الذی یلیه سنه ست وستین. حتى باشر المختار الحکم واستطاع أن یقاتل أهل الشام، وان یستدعی بقتله الحسین (علیه السلام)  فردا فردا ما استطاع إلیه سبیلا ، ویقتلهم بنفس الطریقه التی فعلوا فیها. ومنهم عمر بن سعد وحرمله بن کاهل و عبید الله بن زیاد وغیرهم.
وبحسب فهمی فان الحکمه تقتضی ذلک، یعنی ضعف حرکه التوابین لینالوا الشهاده کما طلبوها، ولو کانوا أقویاء لما استشهدوا. وقوه حرکه المختار لیستطیع أن یباشر الانتقام الفعلی من قتله الحسین (علیه السلام)  ، وإلا فمن الواضح إن جمعهم والبحث عنهم ومباشره قتلهم مع کون الدوله الرئیسیه إلى جانبهم وهی حکم الأمویین، لیس بالأمر السهل، ولا یستطیع ضعفاء الناس القیام به. 

Leave A Reply

Your email address will not be published.