أسئلهٌ حول واقعه الطف

0

وقال فیما قال : ( ألا وإنّی لأظنّ یومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّی قد أذنتُ لکم جمیعاً ، فانطلقوا فی حِلٍّ لیس علیکم منّی حرج ولا ذمام ، وهذا اللیل قد غَشیکم فاتّخذوهُ جَمَلاً ، ثمّ لیأخذ کلّ رجل منکم بید رجل من أهل بیتی ، وتفرّقوا فی سواد هذا اللیل ، وذَرونی وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا یریدون غیری ، ولو أصابونی لذُهلوا عن طلب غیری )(۱) ، فرفضوا ولم یتفرّقوا ، فهنا قد تَرد عدّه أسئله :
إحداها : لماذا أذِن لهم بالتفرّق عنه مع حاجته إلیهم فی الدفاع عنه ؟
ثانیها : لماذا لم یتفرّقوا عنه ، وماذا کان هدفهم فی ذلک ؟
ثالثها : إنّهم کان یجب علیهم أن یهربوا ؛ لأنّ التعرّض للقتل حرام ، فلماذا لم یفعلوا ؟
أمّا عن السؤال الأوّل : فأوّل خطوه ینبغی اتخاذها بهذا الصدد هو : نفی ما زَعمه السائل من أنّ الحسین (علیه السّلام) کان محتاجاً إلى أصحابه فی الدفاع عنه ، بل لم یکن من حاجه إلى ذلک أصلاً ؛ لأنّه یعلم أنّه مقتول لا محاله ، ولم یکن فی وضعٍ یؤهّله للنجاه طبیعیاً بکلّ صوره ، ولم یکن کلّ أصحابه بالعدد الکافی للدفاع عنه ، وإنّما یدور الأمر بین مقتله وحده أو قتله مع أصحابه ، أمّا التسبیب إلى نجاته فهو غیر محتمل إطلاقاً .
ـــــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۲۳۸ ، الکامل لابن الأثیر : ج۴ ، ص۲۴ ، الخوارزمی : ج۱ ، ص۲۴۶ .
وقد کان ذلک غیر محتمل فی زمنٍ سابق حال وجوده فی الحجاز ، أو حین بَلَغه خبر مقتل مسلم بن عقیل وهو فی الطریق ، أو حین جعجعَ به الحرّ الریاحی ، ففی مثل وقته هذا وقد تجهّز علیه الجیش کلّه ، یکون العلم بالنتیجه أولى وروداً وأوضح ثبوتاً ، هذا مضافاً إلى ما حصلَ فعلاً تاریخیّاً : وهو أنّ أصحابه صَمدوا معه وحاربوا إلى جنبه ، ومع ذلک لم یدفعوا عنه القتل وهذا کان معلوماً سَلفاً ، وقد ثبتَ بالتجربه صدقه .
فإذا انتفت حاجتهُ إلیهم عملیّاً لم یکن هناک إشکال شرعی فی الإذن لهم بالتفرّق ، و لا یجب علیه الاحتفاظ بهم ؛ لأنّهم سوف لن یسعفوه بشیء .
بل الأمر قد یکون بالعکس : وهو أنّه (علیه الصلاه والسلام) قد یحسّ بتکلیفه الشرعی بلزوم أمرهم بالانصراف ، إنقاذاً لهم من الموت الذی یمکن أن یکونوا فی غنىً عنه ، مضافاً إلى جهه أخرى وهی : الحفاظ على النفوس ، یعنی الحفاظ على جماعه من المؤمنین الذین یصلحون للدعوه إلى قضیه الحسین (علیه السّلام) وهدایه الناس ، وقد قام (علیه السّلام) بهذه المهمّه ، ومن هنا قد یتخیّل الفرد أنّه یجب علیهم أن یتفرّقوا لأجل إحراز هذه النتائج ، وسیأتی الکلام عنه .
إلاّ أنّ الحقیقه أنّ المقصد الرئیسی ـ حسب ما نفهم ـ لم یکن هو ذلک ، بل کان لأجل اختبار هِممهم فی نصره وفی السیر فی سبیل الشهاده ، وتحصیل طاعه الله ورضاه سبحانه من هذه الناحیه ، ومن هنا یمکن أن یقعوا تحت طائله نفسیه قویه فی التضاد ، أو فی الشعور المتضاد فی ضروره البقاء وضروره الذهاب ، إلاّ أنّهم مع ذلک لم یفکّروا طرفه عینٍ فی الذهاب ، بل أدرکوا بکلّ وضوح ضروره البقاء مع الحسین ونیل الشهاده بین یدیه ، جزاهم الله خیر جزاء المحسنین ، وبذلک صاروا أفضل الشهداء على الإطلاق(۱) .
فهذا هو مختصر الکلام فی الجواب عن السؤال الأوّل .
ـــــــــــــــ
(۱) ویمکن الاستدلال على أنّ أصحاب الحسین (علیه السّلام) هم أفضل الشهداء ؛ وذلک على مستویین :
الأوّل : وهو قول الإمام الحسین (علیه السّلام) عندما خطبَ بأصحابه ، ومَن معهُ من آل هاشم لیله العاشر من المحرّم حیث قال : (( أمّا بعد ، فإنّی لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خیراً من أصحابی ، ولا أهل بیتٍ أبرّ ولا أوصل من أهل بیتی ، فجزاکم الله عنّی جمیعاً خیراً …… إلخ ) ، نقلهُ ابن طاووس فی اللهوف ، والفتّال فی روضه الواعظین ، والطبری فی تاریخه ، وابن الأثیر فی الکامل ، والخوارزمی فی مقتله ، والمفید فی الإرشاد ، وابن شهرآشوب فی المناقب ، وغیرهم کثیر )) .
وبهذا یکون قد صرّح الإمام (علیه السّلام) أنّ أصحابه أفضل الأصحاب فقوله : (….. لا أعلم……) ینفی فیها عن وجود أصحاب أفضل من أصحابه قد وجِدوا قبل زمانه ، سواء کان قبل الإسلام أو بعد الإسلام ، ممّن صاحبَ جدّه الرسول (صلَّى الله علیه وآله) ، أو أباه أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، أو أخاه الحسن (علیه السّلام) ، بل یتعدّى الأمر إلى ما بعد زمانه باعتبار أنّ الأئمّه (علیهم السّلام) ـ ومن ضمنهم الإمام الحسین (علیه السّلام) ـ یعلمون من جدّهم الرسول (صلَّى الله علیه وآله) ما یحدث بعدهم إلى یوم القیامه .
الثانی : إنّا لو أخذنا أصحاب النبی (صلَّى الله علیه وآله) وبالخصوص البدریّون ـ باعتبار أنّه الصحابه الأوائل ، أو أفضل الصحابه بشهاده جمیع المذاهب الإسلامیّه وفیهم یُضرب المثل ، وجَعلِهم القدوه لمَن أراد الجهاد فی سبیل الله ، فترى الإمام (علیه السّلام) یخاطب أبا الفضل (علیه السّلام) عند زیارته : (( وأشهدُ أنّک مضیتَ على ما مضى علیه البدریّون )) ـ وقارنّا بینهم وبین أصحاب الحسین (علیه السّلام) ، لوجَدنا فروقاً کثیره بین الفریقین وبالأخص ممّن قُتل بین یدی رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) فی بدر ، وبین یدی الحسین (علیه السّلام) فی کربلاء ، فمن هذه الفروق وبما یَسمح به المقام :
۱ـ إنّ أصحاب رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) البدریین حینما خَرجوا مع النبی (صلَّى الله علیه وآله) إلى بدرٍ ، کان عنوان خروجهم الغنیمه ، وذلک بالاستیلاء على قوافل قریش ، ولکن عندما فاتهم أبو سفیان وجاء أبو جهل ومَن معه وأصرّ على محاربه الرسول (صلَّى الله علیه وآله) ، عند ذلک وطّد الرسول نفسه ومَن معه للقتال ، فتغیّر العنوان من حرب اقتصادیه إلى حرب عسکریه .
بینما أصحاب الحسین (علیه السّلام) فقد کانوا یعلمون منذ البدایه أنّه لا یوجد غنیمه ؛ وإنّما ذهابهم إلى موتٍ لابدّ منه ، فالحسین أخبرهم بهذا منذ بدایه خروجه ، فنراه مثلاً فی إحدى خُطبه یقول : (( وکأنّی بأوصالی هذه تُقطّعها عَسلان الفلوات بین النواویس وکربلاء …. إلخ )) .
إذاً أصحاب الحسین کانوا یعلمون أنّهم قادمون إلى الموت ولیس إلى الغنیمه ، بل للقتال فقط .
۲ـ إنّ أصحاب الرسول (صلَّى الله علیه وآله) وعِدوا بإحدى الطائفتین : ( وَإِذْ یَعِدُکُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِیْنِ أَنَّهَا لَکُمْ )(۱) أی : إمّا الإبل ( والتی تَحمل الأموال والغنائم ) ، وإمّا النفیر ( أی القتال ، ونتیجه الحرب تکون لهم ) ، وکلا الطائفتین فیها فائده دنیویه إضافهً إلى الثواب الأخروی .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الأنفال / ۷ .
أمّا الحسین (علیه السّلام) فلم یُخبر أصحابه إلاّ بطریقٍ واحد ، وهو الموت الذی یؤدّی بهم إلى دخول الجنّه .
۳ـ من الناحیه العسکریه : إنّ الجیش الذی واجهَ الرسول فی بدر ، لم یکن جیش دوله منظّمه ؛ إنّما کان جیش قَبَلی ( أی عشائری ) ، وترکیبتهُ ترکیبه قَبَلیه .
أمّا الجیش الذی زَحفَ إلى الحسین (علیه السّلام) ، فقد کان جیشاً نظامیاً فهو یمثّل جیش دوله کبرى ، وهذه الدوله استفادت من تجاربها بحروبها مع الغرب والشرق : ( کالروم ، والفرس ) ببناء جیش منظّم ، إذاً فترکیبتهُ من الناحیه الفنّیه العسکریه یختلف تماماً عن الجیش الذی واجه الرسول (صلَّى الله علیه وآله) فی بدر .
۴ـ من الناحیه التعبویه : فلو أخذنا النسبه بین أصحاب الرسول (صلَّى الله علیه وآله) وبین المشرکین الذین قاتلوهم فی بدر ، فهی الثلث تقریباً ؛ لأنّ المسلمین کانوا (۳۱۳) ، بینما المشرکین کانوا فی حدود الألف تقریباً .
أمّا لو أخذنا النسبه بین أصحاب الحسین (علیه السّلام) إلى نسبه الجیش الزاحف علیهم ، لوجدناهم ثلث عشر العشر على أقلّ تقدیر ، فلو أخذنا الروایه التی تقول : إنّ أعداء الحسین الذین قاتلوه فی کربلاء ( ۳۰ ألف ) ، والتی هی عن الإمام الحسین (علیه السّلام) ، وأخذنا أکبر رقم ذُکر عن عدد أصحاب الحسین والذی هو مئه ألف ، فنجد النسبه بینهما ثلث عُشر العشر ؛ لأنّ عُشر (۳۰۰۰۰) هو (۳۰۰۰) ، وعُشر الثلاثه آلاف هو ثلاثمئه وثُلثها مئه .
۵ـ إنّ أصحاب الرسول (صلَّى الله علیه وآله) کان لدیهم وضوح فی المعرکه بشکلٍ کامل ؛ ذلک لأنّ معرکه بدر کانت بین کفرٍ صریح یمثّله أبو جهل وعتبه وأضرابهم ، وبین الإسلام الذی یمثّله المصطفى (صلَّى الله علیه وآله) ، فهو واضح لیس فیه لبس .
بینما فی معرکه الطف کانت هناک عدّه فتن وشُبهات تغصّ بها الأمّه الإسلامیه ، فمن تلک الفتن مثلاً : إنّ کلا المُتقاتلین ینتمون إلى الأمّه الإسلامیّه فهما ذات قبله واحده ظاهراً ، إضافه إلى الفتن الأخرى کفتنه الخلافه ، وهل هی بالتعیین أم بالشورى ؟ وفتنه مقتل الخلیفه الثالث ، وما ترتّب علیه من الحروب الثلاثه : ( الجمل ، وصفّین ، والنهروان ) ، والأحادیث التی خرّجها بنو أمیّه فی طاعه ولیّ الأمر المطلقه ، سواء کان عادلاً أو جائراً …….. وأنّ الحسین قد خرجَ على إمامه وخلیفه عصره ( أی یزید ) ، وأنّه بخروجه یُلقی نفسه فی التهلکه المحرّمه ، وشقّ عصا المسلمین بذلک ، وجَعل الفتنه بینهم ، وقَتل الکثیر منهم ………. إلخ ، ممّا کان یجعل وجود شبهات وتساؤلات حول نهضه الحسین (علیه السّلام) .
۶ـ إنّ أصحاب الرسول (صلَّى الله علیه وآله) عند خروجهم لواقعه بدر ترکوا عوائلهم فی المدینه ، وبذلک قد اطمئنّوا علیهم وأنّهم فی أمان .
أمّا الحسین (علیه السّلام) وکثیر من أصحابه کانت عوائلهم معهم ، وهنا یکون خوفهم على عوائلهم من السبی والأذى أمراً راجحاً جدّاً ، فیکون سبباً مهماً فی تخاذلهم ورجوعهم عن القتال للحفاظ على تلک العوائل والأعراض .
۷ـ إنّ الرسول وأصحابه سُدّدوا بتسهیلات کثیره من السماء : کنزول الملائکه للقتال معهم ، وهطول المطر لإطفاء ظمأهم وتسدید الرَمیه التی یرمونها ، والربح التی اقتلعت أخبیه الأعداء ، والحصى التی رمى بها الرسول جبهه المشرکین فانهزموا على إثر ذلک ، والنُعاس کما فی قوله : ( إِذْ یُغَشِّیکُمُ النُّعَاسَ أَمَنَهً مِّنْهُ ) ( الأنفال : آیه ۱۱ ) لتستریح أعصابهم .
والأمر الآخر أیضاً : إنّ الله قلّل عدد المشرکین فی أعین المسلمین …..إلخ ، إذاً فهناک تسدیدات وتسهیلات سماویّه لأصحاب الرسول (صلَّى الله علیه وآله) .
أمّا الحسین (علیه السّلام) وأصحابه فالأمر یختلف ؛ إنّما شاء الله أن تسیر الأمور فی واقعه الطف بشکل طبیعی ، بل وبوجود بعض الابتلاءات للحسین (علیه السّلام) وأصحابه ، کابتلائهم بالعطش بقطع الماء عنهم .
فلو عَلمنا ـ کما أشرنا إلى ذلک مُسبقاً ـ أنّ شهداء بدر على ما قیل هم أفضل الشهداء ، فمع هذه الفروق وغیرها یکون أصحاب الحسین (علیه السّلام) قد تفوّقوا علیهم وبذلک تکون الأفضلیّه لهم .
وأمّا السؤال الثانی : وهو عن سبب التحاقهم به وعدم تفرّقهم عنه ـ بالرغم ممّا سبقَ قبل قلیل من احتمال وجوب ذلک فی ذِممهم ـ فجواب ذلک یتمّ على عدّه مستویات نذکر منها :
المستوى الأوّل : إنّ المهمّ فی نظر المؤمن لیس هو النظر إلى التکلیف الشرعی بالذات ، بل إلى رضاء الله عزّ وجل ، وإنّما یکون تطبیق التکلیف وطاعته مقدّمه لذلک وأسلوباً لتحصیله ، فإذا أحرزَ الفرد أنّ هناک منبعاً لرضا الله عزّ وجل أفضل وأهم وأعلى من مجرّد تطبیق بعض الأحکام ، کما أحرز أصحاب الحسین (علیه السّلام) ، کان لهم بل لزمهم اختیار الأفضل والمحلّ الأعلى لا محاله .
المستوى الثانی : إمکان المناقشه فی ذینک التکلیفین اللزومیین اللذین أشرنا إلیهما فیما سبق ، وذلک بالقول إنّهما کانا ساقطَین تماماً عن ذمّه هؤلاء الجماعه الناصرین للحسین (علیه السّلام) ، بالرغم من أنّ مقتضى القواعد المعروفه ثبوتها فی کثیرٍ من الموارد الأخرى .
أمّا التکلیف الشرعی بهدایه الناس والدفاع الکلامی عن قضیه الحسین خاصّه والدین عامّه ؛ فلأنّ ذلک کلّه لم یکن یتوقّف علیهم ولا یستند إلیهم ، بل هم یعرفون وجود ناس آخرین على قدر الحاجه متفرّقین فی البلدان یمکن أن یقوموا بهذه المهام ، ومن المعلوم أنّه مع وجود ما یکفی للحاجه یکون التکلیف الإلزامی الکفائی ساقطاً عن الآخرین .
وأمّا الجواب على السؤال الثالث ـ وهو المحافظه على النفس وحرمه إلقاء النفس فی التهلکه ، أو قل وجوب الهرب عن مثل هذا السبب : فلا شکّ أنّهم عَلموا بجواز البقاء مع الحسین (علیه السّلام) ، حتّى لو أذنَ لهم بالتفرّق ؛ فإنّه لم یأذن لهم إلزاماً ، وإنّما أذِن لهم جوازاً للقتل ، وإذا عرفوا منه ـ وهو آمرهم وإمامهم ومصدر شریعتهم ـ جواز البقاء والتعرّض للقتل ، إذاً فقد سقطَ تکلیفهم بذلک أمامَ الله عزّ وجل ، فلم یبقَ أمامهم إلاّ البقاء وتحصیل المقامات العلیا التی ینالونها بالشهاده .
المستوى الثالث : مستوى الامتحان أو التمحیص الذی مرّوا به وأحسّوا به .
وقد أسلفنا أنّه من الواضح أنّ المقصود الرئیسی للحسین (علیه السّلام) فی الإذن لأصحابه بالانصراف : هو امتحان درجه همّتهم فی نَصره واستعدادهم للفداء دونه ، ومن هنا وردَ فی الروایه : (( ولقد بَلَوتهم ، فلم أجدُ فیهم إلاّ الأشوس الأقعس یستأنسون بالمنیّه دونی استئناس الطفل إلى محالب أمّه ))(۱) .
فهذه هی نتیجه التمحیص والامتحان وهی نتیجه ناجحه ، ولو کانوا قد قالوا غیر ذلک لفشلوا فی نظر الحسین (علیه السّلام) ، ولم یؤدّوا تکلیفهم الکامل أمام الله وأمام إمامهم ومصدر شریعتهم ، والظاهر أنّ فیما ذکرناه الکفایه عن الدخول فی المزید من التفصیل .
ـــــــــــــــ
(۱) الدمعه الساکبه : ص۳۲۵ .
الجهه الثانیه : قالوا فی تاریخ واقعه الحسین (علیه السّلام) : إنّ العبّاس (علیه السّلام) حین ذهبَ لیملأ القربه بالماء ، وحاربَ أعداءه إلى أن وصلَ إلى ضفّه النهر ، قالوا : ثمّ اغترفَ غرفه من الماء وأدناها من فمه لیشرب ، ثمّ رمى بها من یده وقال :
یا نفسُ من بعد الحسین هونی      وبـعدهُ  لا کـنتِ أن iiتکونی
هـذا  الـحسین وارد iiالمَنون      وتـشـربینَ بـارد iiالـمعینِ
تالله  مـا هذا فعالُ دینی(۱)
فقد یخطر فی البال السؤال عمّا إذا کان الأولى بالعبّاس (علیه السّلام) شُرب الماء ، للتقوّی على الأعداء ، ومن ثَمّ نصره الحسین (علیه السّلام) ، ومن ثمّ نصره الدین أساساً ؟
إلاّ أنّه ینبغی أن یکون الجواب واضحاً بعد کلّ الذی سبقَ أن عرفناه ؛ وذلک على عدّه مستویات ، نذکر منها :
المستوى الأوّل : إنّه لم یکن یوجد أیّ سبب فی ذلک الحین ممّا یؤدی إلى نجاه الحسین (علیه السّلام) من القتل ، فحتّى لو شَرب العبّاس الماء بالمقدار الذی یحتاجه جسمه أو أکثر ، وتشجّع وقاتلَ أکثر ممّا قاتل ، فإنّه لم یکن بالممکن أن ینجو هو ولا أخوه الحسین (علیه السّلام) من القتل ، بل السبب لقتلهم موجود ومتحکّم لا محاله .
المستوى الثانی : إنّه وجدَ من الخیانه لأخیه وذویه أن یکون ریّاناً بالماء وهم عطاشا ، وهذا ما یُصرّح به التاریخ (۲) ، وقد نطقَ به الشعر الذی نقلناه عنه بصراحه ، وهو أدب إسلامی عالی أمام الله سبحانه ، ومن هنا قال : تالله ما هذا فعال دینی .
ـــــــــــــــ
(۱) البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۴۱ ، ریاض المصائب : ص۳۱۳ .
(۲) نفس المصدر .
المستوى الثالث : إنّه شعرَ بتکلیفه فی ذلک الحین بوجوب الإعراض عن شُرب الماء وأطاع تکلیفه ذاک ، وهذا الشعور یکون بأحد أسالیب : إمّا بالإلهام ، أو بالروایه عن رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) ، أو عن فاطمه الزهراء (علیها السّلام) ، کما نُقل فی بعض الروایات(۱) .
المستوى الرابع : إنّه (علیه السّلام) أراد أن یموت عطشاناً عَمداً أمام الله سبحانه ؛ لأنّ ذلک أکثر أجراً وأعلى مقاماً ، ومن هذا القبیل ما رویَ عن أبیه أمیر المؤمنین (علیه السّلام) عندما دُعی إلى مأدبه ، فأکلَ ثلاث لقم فقط ثمّ سحبَ یده ، فقال له ابن عبّاس : هلاّ أکلتَ یا أمیر المؤمنین ؟ فقال : (( إن هی إلاّ ثلاث وأرید أن ألقى ربّی خمیصاً ))(۲) . إذاً فکان أمیر المؤمنین یرید أن یلقى الله جوعاناً ، فکذلک ابنه العبّاس یرید أن یلقى الله عطشاناً .
وینبغی أن نلتفت أنّ المستوى الأوّل هو الأهمّ فقهیّاً ، وهو الذی فتحَ الباب للعبّاس (علیه السّلام) إلى أحد المستویات الثلاثه الأخرى ؛ لوضوح أنّ شرب الماء لو کان سبباً للنجاه کان واجباً ، ولا تقوم أمامه المستویات الأخرى إطلاقاً ، إلاّ أنّنا عرفنا أنّه لا یُحتمل فیه ذلک .
الجهه الثالثه : إنّه نقلَ إلینا التاریخ : أنّ علیّ بن الحسین الأکبر (علیه السّلام) خرجَ إلى الحرب فترهً من النهار ثمّ رجعَ إلى الحسین (علیه السّلام) فقال : یا أبه ، العطش قد قَتلنی وثِقل الحدید قد أجهدَنی ، فهل إلى شُربه ماء من سبیل أتقوّى بها على الأعداء .
ـــــــــــــــ
(۱) مقتل الخوارزمی : ج۱ ، ص۱۶۲ .
(۲) الکامل لابن الأثیر : ج۳ ، ص۱۹۵ .
فبکى الحسین (علیه السّلام) وقال : (( واغوثاه ، من أین آتی لک بالماء ، قاتِل قلیلاً فما أسرع ما تلقى جدّک رسول الله ، فیسقیک بکأسه الأوفى شُربه لا تظمأ بعدها أبداً ))(۱) .
ورویَ أنّ الحسین (علیهم السّلام) قال له : (( یا بُنی هات لسانک ، فأخذَ لسانه فمصّه ودفعَ إلیه خاتمه الشریف : وقال له : یا بُنی أمسکهُ فی فَمک وارجع إلى قتال عدوّک ))(۲) .
أقول : وفی النتیجه أنّه لم یَدفع له شربه ماء ، فقد یُثار السؤال عن السبب فی ذلک وخاصّه عن استعمال المعجزه فی هذا الصدد ؟
وجوابُ ذلک على عدّه مستویات نذکر منها :
المستوى الأوّل : ما یشبه ما ذکرناه فی المستوى الرابع من الحدیث عن العبّاس (علیه السّلام) : من أنّ المصلحه عند الله عزّ وجل تقتضی أن یستشهد عطشاناً هکذا أراد له أبوه ، وهکذا أراد لنفسه ، وقیل : لغرضٍ من أبیه .
المستوى الثانی : إنّ المستوى الطبیعی أو السبب الطبیعی کان متعذّراً تماماً ، ولذا قال الحسین (علیه السّلام) فی الروایه : (( وآ غوثاه ، من أین آتی لک بالماء ؟ )) .
وأمّا مستوى المعجزه : فقد سبقَ أکثر من مرّه أنّ أسلوب الإسلام من عصر النبی (صلَّى الله علیه وآله) فما بعده ، لم یکن قائماً على ذلک ( لِّیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَن بَیِّنَهٍ وَیَحْیَى مَنْ حَیَّ عَن بَیِّنَهٍ )(۳) ، ولا شکّ أنّ أسلوب المعجزه یختلف عن ذلک .
المستوى الثالث : ما تقولهُ الروایه من أنّه مدّ لهُ لسانه وأعطاه خاتمهُ ، وکلّنا نعرف أنّ اللُعاب یمکن أن یتحلّب مع وجود شیء فی الفم ، فیشعر الفرد بشیء من الارتواء ، ویُساعده ذلک على تحمّل الحرب .
ـــــــــــــــ
(۱) مقتل الخوارزمی : ج۲ ، ص۱۳ ، اللهوف لابن طاووس : ص۴۸ ، ابن نما الحلّی : ص۵۱ .
(۲) نفس المصدر ، البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۴۴ .
(۳) سوره الأنفال : آیه ۴۲ .
الجهه الرابعه : قالوا ـ کما فی بعض المقاتل عن رضیع للحسین (علیه السّلام) ـ : ثمّ أتى به نحو القوم یطلب له الماء ، وقال : (( إن لم ترحمونی ، فارحَموا هذا الطفل )) ، فاختلفَ العسکر فیما بینهم ، فقال بعض : إنّ کان ذنبٌ للکبار فما ذنب الصغار ، وقال آخرون : لا تُبقوا لأهل هذا البیت باقیه ، وکادت الفتنه أن تقع بینهم ، فصاح ابن سعد فی حرمله بن کاهل : اقطع نزاع القوم ، قال : فوضعتُ السهم فی کبد القوس ، وقلت : أللوالد أم للولد ؟ قال : بل الولد ، فرمیتهُ وهو فی حِجر أبیه فذبحته من الورید إلى الورید ، فتلقّى الحسین الدم بکفّه ورمى به نحو السماء(۱) .
فقد یخطر فی الذهن : إنّه لماذا أخذَ الحسین رضیعه إلى جانب الأعداء ؟ مع أنّه من الواضح حصول قتله على أیدیهم ، وهو أمر لا یخفى على الحسین (علیه السّلام) ، حتّى بالتسبیب الطبیعی فضلاً عن العلم الإلهامی ، ویمکن الجواب على ذلک على عدّه مستویات نذکر منها :
المستوى الأوّل : إقامه الحجّه على الأعداء ، وفضحهم فی النتیجه ، إذ یثبت بالحسّ والعیان قتلهم للأطفال والعُزّل ، وهو أمرٌ یثبت على عدّه مستویات منها : أمام أفراد الجیش المعادی نفسه ، ومنها : أمام الجیل المعاصر للحسین (علیه السّلام) ، ومنها : أمام الأجیال المتأخّره عنه ، ودلاله ذلک : ما سمعناه عن المؤرّخین من وقوع الخلاف بین أفراد الجیش المعادی ، فقال بعض المنصفین منهم : إذا کان ذنبٌ للکبار فما ذنب الصغار . وقال بعض المُعاندین : لا تُبقوا لأهل هذا البیت باقیه . فقد حصلَ التمحیص والامتحان آنیّاً ، فضلاً عن إقامه الحجّه فی المدى القریب والبعید .
ـــــــــــــــ
(۱) مناقب ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۲۵۷ ، مثیر الأحزان لابن نما : ص۵۲ ، اللهوف لابن طاووس : ص۴۹ .
وینبغی أن نلتفت أیضاً : إلى أنّ هذا المستوى من التفکیر یقتضی التسلیم بأنّ الحسین (علیه السّلام) رأى أنّ إقامه الحجّه أمام الأعداء ، ذو مصلحه أکیده حتّى لو فدى فی سبیلها ولدهُ الرضیع ، وهذا أمرٌ مقنع وجداناً ؛ لأنّ ما حصل من فضیحه هؤلاء لم یکن له مثیل .
المستوى الثانی : إنّ الحسین (علیه السّلام) أراد التضحیه بولده أمام الله سبحانه قبل موته واستشهاده ، ومثلهُ ما رویَ عن العبّاس (علیه السّلام) ، حیث قال لأخوته الذین کانوا معه فی واقعه الطف : تقدّموا یا بَنی أمّی لکی أحتسِبکم أمامَ الله سبحانه(۱) . فهو یَعتبر استشهاد أخوته عملاً وطاعه له شخصیاً ، ففی مثل ذلک فکّر الحسین (علیه السّلام) .
المستوى الثالث : إنّ الإمام الحسین (علیه السّلام) نفّذ قضاء الله وقدره الذی یعلمه بالإلهام أو بالروایه ، والذی لم یکن منه بُدّ ، بل کان واجباً علیه تنفیذه کوجوب صلاه الظهر علینا ، وقد ضحّى به امتثالاً لأمر الله سبحانه وتسلیماً لقضائه .
ومن هنا وردَ عن لسانه : (( شاء الله أن یراهنّ سبایا )) . وعن طفله : (( شاء الله أن یراه مذبوحاً )) . والمشیئه إمّا أن تکون تکوینیه یعنی من القضاء والقدر ، أو تشریعیه یعنی التکلیف والوجوب ، وهی على کلا التقدیرین محبوبه لأهل الله سبحانه ومنهم الحسین (علیه السّلام) ، وهناک مستویات أخرى من الوجوب لا حاجه إلى التطویل بها .
الجهه الخامسه : رویَ أنّه کان من جمله أسالیب المحاربه ضدّ الحسین (علیه السّلام) بعد مقتل أصحابه وأهل بیته : أنّه رماهُ أحد القوم بسهم محدّد مسموم له ثلاث شُعب وقعَ على صدره ، وفی بعض الروایات : وقعَ على قلبه ، فأخذَ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم کالمیزاب(۲) .
ـــــــــــــــ
(۱) إعلام الورى للطبرسی : ص۲۴۸ ، البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۳۸ بتصرّف .
(۲) اللهوف لابن طاووس : ص۵۱ ، الخوارزمی : ج۲ ، ص۳۴ ، البحار : ج۴۵ ، ص۵۳ .
فهنا قد یحصل سؤالان :
السؤال الأوّل : کیف یمکن أن یکون للسهم ثلاث شُعب وهذا غیر معهود فی التاریخ ، بل لا یصلح مثل ذلک للرمی کسائر السهام ؟
والسؤال الثانی : عن إخراجه من قفاه ، وهل یمکن ذلک ؟ وإذا أمکنَ فهو یؤدّی إلى الوفاه فوراً ، مع أنّ هذا لم یحصل ؟
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل : فبعد تسلیم صحّه سند الروایه ، لا نجد أنّها تشیر إلى أنّ الشُعب الثلاث متساویه فی الارتفاع أم لا ، ولا أنّها قد أصابت جمیعاً صدر الحسین (علیه السّلام) ، بل من الممکن أنّه یکون لهُ رأس واحد کبیر ورأسان أصغر منه ، والتأثیر الأساسی ـ سواء فی الرمی أو فی الإصابه ـ للکبیر دون الصغیرین ؛ وإنّما تأثیرهما جانبی أو قلیل ولا یمنعان الرامی من الرمی ، ولا السهم من الانطلاق ، مضافاً إلى أنّه من المحتمل أن تکون الشُعب الثلاث من خلف النبله لا من أمامها .
وأمّا الجواب عن السؤال الثانی : بعد تسلیم صحّه سند الروایه أیضاً ، احتمال أن یکون الضمیر فی قولنا : أخرجهُ من قفاه ، یعنی السهم ، أی : سَحبَ السهم من قفاه ، وهو أمرٌ اعتیادی وما لابدّ من وقوعه ، لو کان فی الفرد جرأه على سحب السهام من جسمه ، وإنّما تدفّق الدم بکثره باعتبار کثره انغراسه فی جسم الحسین (علیه السّلام) ووجود شُعب فیه .
هذا ، مضافاً إلى أنّ الضمیر المشار إلیه إذا رجع إلى الحسین (علیه السّلام) ، أمکن القول بأنّ السهم لم یقع فی وسط صدره ، بل فی أحد جانبیه نسبیاً .
ومن هنا لم یکن إخراجه من القفا مستلزماً لتشقّق القلب أو إحدى الرئتین ، لتحدث الوفاه السریعه .
وأمّا عدم تأثیر السمّ فیه سریعاً ، مع أنّه وردنا فی التاریخ کون السهم مسموماً(۱) کما سمعنا ؛ فإنّ ذلک یُعزى إلى تدفّق الدم بکثره ، الأمر الذی أوجبَ خروج المواد السامّه مع الدم بعد سحب السهم نفسه .
هذا ، وفی کلّ ذلک فإنّ الاحتمال مُبطل للاستدلال وقاطع للسؤال ، ولا نحتاج إلى الجزم أو التأکید على أحد الوجوه بالذات .
الجهه السادسه : ورَدَنا فی التاریخ : أنّه بعد أن حاربَ الحسین (علیه السّلام) أعداءه وسقط على الأرض ، أمرَ قائد الجیش المعادی جماعه منهم أن یرکبوا الخیول ویدوسوا بحوافرها جسد الحسین (علیه السّلام) ، فانتدبَ لهُ عشره من الفوارس ، فداسوا جسد الحسین بخیولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره(۲) .
وقد سمعتُ شخصاً مَن یستشکل على ذلک بما مؤدّاه : إنّنی راکب مُجید للخیل وأعرف طبائعها ، فهی تقفز القفزه الطویله وتتحاشى فی طریقها العوائق ، ومن المعلوم أنّ جسد الإنسان مهما یکن ضخماً لا یُعدّ عائقاً مهمّاً عن سیر الفرس ، ممّا یُسبّب استبعاد أن یتعمّد الفرس وضع حوافره على جسد الإنسان ، بل سوف یتجنّبه لا محاله . مضافاً إلى سؤالین آخرین لا یخلوان من أهمیه :
السؤال الأوّل : إنّ الخیل لو داست الجسد الشریف أو جسد أی إنسان ، فسوف لن تؤثّر فیه أثراً یُذکر لصلابه لحمه وقوّه عظمه .
والسؤال الثانی : إنّ المتوقّع أن تتحامى الخیل وتتجنّب عن عمد الدوس على الجسد الشریف وتعصی راکبیها ، وإن کانت حیوانات ؛ لأنّ الجسد الشریف من وضوح الأهمیه والعظمه بحیث لا یخفى حتّى على الحیوانات ، وخاصّهً لحیوان ذکی کالفرس ، أو لأنّ هذه مهانه لا ینبغی أن یریدها الله عزّ وجل لولیّه الجلیل (علیه السّلام) ، فلابدّ أن یَصرف هذه الحیوانات عند عملها هذا على کلّ حال .
ـــــــــــــــ
(۱) اللهوف لابن طاووس : ص۵۱ .
(۲) تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۱۶۱ ، الإرشاد للمفید : ص۲۴۲ ، مناقب ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۲۵۹ ، اللهوف : ص۵۷ ، ابن نما : ص۵۹ ، الخوارزمی : ج۲ ، ص۳۸ .
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل ـ وهو الرئیسی الذی عرضناه فی هذه الجهه ، وهو عن تجنّب الفرس الدوس على جسد إنسان ، بل نراها تطفر فوقه لا محاله ـ : وهذا صحیح لو نظرنا إلى طبیعه الفرس فی الظروف الاعتیادیه ، أو قل : إذا نظرنا إلى السیر الاعتیادی للفرس ، إلاّ أنّ هذا النظام سوف یختلّ بکلّ وضوح لو أراد راکبها على أن یکون فارساً ماهراً ، بأن یأمرها أو یقهرها على أن تدوس على أیّ شیء ، فهی سوف تفعل لا محاله .
وهذا واضح لا ینبغی الشکّ فیه ، ومعه ینسدّ ذلک السؤال تماماً بل یبدو سُخفه وضِعته .
وأمّا السؤال الثانی : وقد کان عن صلابه الجسد بحیث لا یمکن أن تؤثر فیه الخیل ، فهو أسخف من سابقه ؛ لأنّنا إن تحدّثنا عن الیدین والرجلین ، کان لهذا السؤال قسطٌ من الوجاهه ، وأمّا لو تحدّثنا عن الجسد نفسه ، أو ما یسمّى بالجذع طبیاً ـ وهو المتکوّن من الصدر والبطن ـ فلا وجه للسؤال أصلاً .
وأمّا السؤال الثالث : وهو عن تجنّب الحیوان فعل ذلک هیبه للحسین (علیه السّلام) وإجلالاً ؟
فجوابهُ : إنّ هذا إنّما یکون بالمعجزه دون غیرها ، وقد کرّرنا عدم إمکان وقوعها فی مثل ذلک ، وإذا أراد الله سبحانه مزید البلاء لمزید الثواب للحسین (علیه السّلام) ، ففی قدرته جلّ جلاله أن یحجب هیبه الحسین وعظمته عن هؤلاء الحیوانات ، ویدعها تعمل على المستوى الطبیعی ، ومن المعلوم أیضاً أنّ الله عزّ وجل حین یرید المزید من البلاء ، فإنّ جزءاً مهمّاً منه سیکون هو تحمّل المهانه لا محاله ، وهذا لا ینافی ما قلناه فی أوّل هذا البحث من أنّ الحسین (علیه السّلام) لم یجد الذلّه ، ولم یمرّ بها على الإطلاق ؛ لأنّ غایه ما یثبت هنا : هو أنّ الأعداء أرادوا له الذلّه ، وهذا أمرٌ أکید لا نستبعده عنهم ، أمّا وقوعها حقیقه علیه أو وقوعه فیها ، فهذا ما نحاشیه (علیه السّلام) ؛ فإنّ ( وَلِلَّهِ الْعِزَّهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ )(۱) .
الجهه السابعه : قالوا : وأقبلَ فرس الحسین بعد سقوطه (علیه السّلام) عنه ، یدور حوله ویُلطّخ عُرفه وناصیته بدمه ، فصاحَ ابن سعد بقومه : دونَکم الفرس ؛ فإنّه من جیاد خیل رسول الله ، فأحاطت به الخیل ، فجعلَ یضرب برجلیه حتّى قتلَ رجالاً وأفراساً کثیره ، فقال ابن سعد : دعوهُ ننظر ما یصنع ، فلمّا أمنَ الطلب ، أقبلَ نحو الحسین (علیه السّلام) ، فأخذَ یمرِّغ ناصیته بدمه ویشمّه ویصهل صهیلاً عالیاً ، ثمّ توجّه إلى المخیّم بذلک الصهیل الحزین(۲) ، وفی بعض الأخبار المنقوله أنّه : ضربَ رأسه بعمود الخیمه حتّى مات(۳) .
فقد یقع السؤال : عن إمکان إدراکه وتشخیصه للموقف بغضّ النظر عن حصول المعجزه ، وهو حیوان ولیس بإنسان بطبیعه الحال .
وجواب ذلک : إنّنا إن أخذنا بفکره المعجزه ، أمکنَ القول بأنّ معاشره المعصومین (سلام الله علیهم) من قِبل الإنسان والحیوان معاً ، مؤثّره فی تکامله وفهمه ، کلّ واحدٍ بمقداره واستحقاقه واستعداده ، أمّا کیفیّه تقبّل ذلک بالنسبه إلى الحیوان ، فهو أمر غیر واضح ؛ لأنّ مستوى فهم الحیوانات أمر غیر واضح بدوره ، إلاّ أنّ عدم وضوحه لا یعنی عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره المنافقین : آیه ۸ .
(۲) أمالی الصدوق : ص۱۴ ، مجلس ۳۰ ، الخوارزمی : ج۲ ، ص۳۷ ، البحار : ج۴۵ ، ص۵۷ .
(۳) البحار : ج۴۵ ، ص۶۰ ، الدمعه الساکبه : ص۳۴۷ ، أسرار الشهاده : ص۴۳۶ .
وإن لم نأخذ بفکره المعجزه ، فمن الأکید أنّ الفرس من أذکى الحیوانات وأرقاها ، وهی عند علماء الحیوان تأتی بعد القرد مباشره وخاصّه الأفراس العربیه الأصیله ، وقد کان فرس الحسین (علیه السّلام) واحداً منها، فهی تَعرف صاحبها وتحبّه، وتعرف ذویه وتصبر على ما ینوبها فی سبیله من جوعٍ أو عطش، وتحسّ بإکرام صاحبها لها وغیر ذلک من الأمور ، فلیس عَجباً أن یفعل فرس الحسین (علیه السّلام) ذلک ، نعم ، یبقى قتله لنفسه منوطاً بفکره المعجزه أو بصحّه الروایه .
الجهه الثامنه : نقلَ التاریخ عن زید بن أرقم وهو أحد الصحابه ـ وقد کان یومئذٍ بالشام ـ أنّه سمعَ رأس الحسین (علیه السّلام) یتلو قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْکَهْفِ وَالرَّقِیمِ کَانُوا مِنْ آیَاتِنَا عَجَباً )(۱) ، فقال زید بن أرقم : سیدی ، رأسک أعجب وأغرب(۲) .
فهل نُصدِّق هذه الروایه أو نستبعدها باعتبار أنّه من المستحیل طبیعیاً أن ینطق الموتى مطلقاً ، أو قل : أن ینطق الرأس وهو متصل بصاحبه ، فضلاً عمّا إذا کان مقطوعاً ، فضلاً عمّا إذا کان مرّ على قطعه رَدح من الزمن ؟
إلاّ أنّ هذا الاستبعاد فی غیر محلّه ؛ لعدّه مستویات من التفکیر نذکر منها :
المستوى الأوّل : إنّه من الواضح أنّ مثل هذه الروایات لا ینبغی أن نعرضها أمام القانون الطبیعی ؛ لأنّها قائمه على خصوص المعجزه ، ولیس لها من القانون الطبیعی أیّ نصیب ، وإذا حَدثت المعجزه أمکنَ ذلک وغیره ، وبالمعجزه نطقَ رأسان فی البشریه المعروفه هما : رأس یحیى بن زکریا (علیهما السّلام) ، ورأس الحسین (علیه السّلام) .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الکهف : آیه ۹ .
(۲) البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۱۲۱ .
المستوى الثانی : إنّ نُطق الرأس ؛ إنّما کان لإقامه الحجّه على أهل الشام الذین کانوا یجهلون شأن الحسین وإمامته وصدق قضیته ، بل کان الحکّام لدیهم یغرسون فی أذهانهم أنّ هذا الموکب لسبایا غیر مسلمین من الروم ، أو الزنج ، أو الدیلم ، أو القبط ونحو ذلک ، وکان لابدّ لهذا الجانب ـ أعنی لموکب الحسین (علیه السّلام) ـ أن یُثبّت صِدق قضیّته ، وفی الواقع أنّهم لم یُقصّروا فی ذلک بعد أن تکلّم الإمام زین العابدین وزینب بنت علی (علیهما السّلام) وآخرون ، وحَدثت له عدّه مآتم فی الشام فوریاً .
ومحلّ الشاهد الآن : أنّ الحسین نفسه شارکَ فی هذه الحمله الواسعه للهدایه والإعلام ، وذلک بقراءته القرآن وهو فوق رأس رمح طویل، کانت مشارکته أوکد من کلّ المشارکات ؛ لأنّه الشخص الرئیسی والأهمّ أوّلاً ، ولأنّ مشارکته اعجازیه ثانیاً ، وهاتان الصفتان لم تحصل لأیّ من المشارکین الآخرین فی معسکر الحسین (علیه السّلام) وإن عَلا شأنهم .
المستوى الثالث : إنّی شخصیاً کنتُ موجوداً فی لیله من اللیالی قبل خمس وعشرین سنه تقریباً ، فی جلسه من جلسات تحضیر الأرواح ، وقد خطرَ لی أن أسأل إحداها قائلاً : هل تکلّم رأس الحسین (علیه السّلام) ؟ وکان فی حسبانی أن تقول : نعم ، أم لا ، فکان من العَجب أنّها قالت : تکلّم سبع مرّات ، فقلنا : لعلّه تکلّم بهذا المقدار ولم یُنقل من التاریخ إلینا ، وإذا أمکنَ ذلک مرّه أمکنَ مرّات عدیده ولیس فی قدره الله بمستغرَب .
وحصلتُ على کتاب بعد خمس وعشرین سنه بعنوان ( الحسین فی الفکر المسیحی ) تألیف ( أنطوان بارا ) : وهو مسیحی مُنصف مَجّدَ الحسین ورثى لهُ ، وقارنَ شهادتهُ بما یعتقدونه من مقتل المسیح وشهادته ، وإذا بی أجد فی هذا الکتاب النقول التاریخیه عن کلام رأس الحسین (علیه السّلام) ، فأحصیتُها فإذا بها سبعه ، کما سمعتُ من تلک الروح قبل خمس وعشرین سنه ، ورُبّ صدفه خیرٌ من میعاد .
وأودُّ فیما یلی أن أنقل عباره المؤلِّف ، وما أجادهُ من التعب فی نقل الجانب التاریخی الإسلامی الناطق بتاریخ رأس الحسین الناطق (علیه السّلام) ، وسأقوم بترقیمها تنبیهاً للقارئ على عددها ، بالرغم أنّها من المصدر الذی أنقل عنه غیر مرقّمه ، ولعلّ المؤلِّف لم یلتفت إلى أنّها سبعه موارد أو إلى أهمیّه کونها سبعه ، قال :
۱ـ ولمّا حُمل الرأس الشریف إلى دمشق ونُصب فی مواضع الصیارفه ، وهناک لغط المارّه وضوضاء المتعاملین ، فأراد سیّد الشهداء توجیه النفوس نحوه لیسمعوا عضاتهُ ، فتنحنحَ الرأس تنحنحاً عالیاً ، فاتّجهت إلیه الناس واعترتهم الدهشه ، حیث لم یسمعوا رأساً مقطوعاً یتنحنح قبل یوم الحسین (علیه السّلام) ، فعندها قرأ سوره الکهف إلى قوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْیَهٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى )(۱) .
۲ـ وصُلب على شجرهٍ ، فاجتمع الناس حولها ینظرون إلى النور الساطع فأخذَ یقرأ : ( وَسَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنقَلَبٍ یَنقَلِبُونَ )(۲) .
۳ـ وقال هلال بن معاویه رأیت رُجلاً یحمل رأس الحسین (علیه السّلام) والرأس یخاطبه : ( فرّقتَ بین رأسی وبَدنی ) ، فرفعَ السوط وأخذَ یضرب الرأس حتّى سکت .
۴ـ ویُحدّث ابن وکیده : أنّه سمعَ الرأس یقرأ سوره الکهف فشکّ فی أنّه صوته أو غیره ، فترکَ (علیه السّلام) القراءه والتفتَ إلیه یُخاطبه: ( یا بن وکیده ، أما عَلمتَ أنّا معشر الأئمّه أحیاءٌ عند ربّهم یُرزقون ) .
۵ـ عَزم ابن وکیده على أن یَسرق الرأس ویدفنهُ ، وإذا الخطاب من الرأس الشریف : (( یابن وکیده ، لیس إلى ذلک من سبیل ، إنّ سَفکهم دمی أعظم عند الله من تسییری على الرمح ، فَذَرهم فسوف یعلمون أنّ الأغلال فی أعناقهم والسلاسل یُسحبون )) .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الکهف : آیه ۱۳ .
(۲) سوره الشعراء : آیه ۲۲۷ .
۶ـ وقال المنهال بن عمرو : رأیتُ رأس الحسین (ع) بدمشق على رمح وأمامه رجل یقرأ سوره الکهف ، حتّى إذا بلغَ إلى قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْکَهْفِ وَالرَّقِیمِ کَانُوا مِنْ آیَاتِنَا عَجَباً )(۱) ، نطقَ الرأس بلسانٍ فصیح : (( أعجَبُ من أصحاب الکهف قَتلی وحَملی )) .
۷ـ ولمّا أمرَ یزید بقتل رسول مَلک الروم ، حیث أنکرَ علیه فعلته ، نطقَ الرأس الشریف بصوتٍ رفیع : ( لا حولَ ولا قوّه إلاّ بالله ) .
أقول : وقد أخرجها المؤلِّف من مصادرها ، وذکرها فی هامش کتابه هذا ، فراجِعه(۲) .
وینبغی هنا أن نلتفت إلى أنّ کثره النقل یسمّى بالاصطلاح بالاستفاضه(۳) ، فلو کان النقل مقصوراً على روایه زید بن أرقم التی هی أشهرها ، لأمکنَ مناقشتها أو التشکیک فیها ، ولکن لیس إلى ذلک من سبیل بعد الذی سمعناه من کثره النقل ، وکان فیما نقلَ عنه المؤلِّف المذکور کُتبت من کلا الفریقین .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الکهف : آیه ۹ .
(۲) لقد لفتَ انتباهی أنّ هذه الروایات السبع ـ التی ذَکرها صاحب کتاب ( الحسین فی الفکر المسیحی ) ـ إذا أُضیفت إلى الروایه السابقه التی ذکرها سماحه المؤلِّف عن زید بن أرقم ، لأصبحت ثمانیه وقد راجعتُ سماحه المؤلِّف فی ذلک ، فأجابنی قائلاً :
( قد یقال : إنّ هذه السبعه إذا انضمّت إلى روایه زید بن أرقم کانت ثمانیه ، ویمکن أن یجاب بعدّه وجوه منها : أنّ فاعل یقرأ فی قوله : ( یقرأ سوره الکهف ) ـ وهی الروایه رقم (۶) من التسلسل السابق ـ یعود إلى رأس الحسین (علیه السلام ) ، وقولهُ : ( نطقَ ) على معنى بیان شکل من أشکال التفسیر للآیه ، وتکون هذه القراءه لسوره الکهف هی التی سمعها زید بن أرقم والمنهال بن عمرو معاً ، فَرَویاها بروایتین مختلفتین إلاّ أنّ الحادثه واحده .
(۳) الاستفاضه : وهی کون الرواه للحدیث أکثر من ثلاثه فی جمیع طبقات سلسله الحدیث ، وصولاً إلى الطبقه الأولى الذین یروون عن الرسول (صلَّى الله علیه وآله) .
بقی أن نشیر إلى ما ذکرناه فی نهایه السؤال نفسه ، من طول المدّه على الرأس الشریف وسیره من کربلاء إلى دمشق تحت حراره الشمس ، فهل یعنی هذا تغیّره ، أو تبدیل معالمه ، أو تعذّر نطقه ؟ کلاّ ، بطبیعه الحال إذا التفتنا لأمرین :
أحدهما : إنّ المعجزه لا یختلف فیها طول المدّه وقصرها ، بل ولا انحفاظ الصوره وعدمها ، وإن کان من الواضح أنّ رأس الحسین (علیه السّلام) کان باقیاً على الشکل الذی قُطع فیه لم یتغیّر إطلاقاً ، وهذا ما نعرفه فیما یلی .
وثانیهما : إنّنا نعرف بوضوح فی الدین : أنّ أجساد الأفراد الذین یکونون فی درجه عالیه من الإیمان قابله للبقاء والاستمرار ، بدون أن تبلى ، أو تتفسّخ ، أو تحصل منها روائح نتنه ونحو ذلک ، بل یبقى الجسد نظیفاً طریّاً کأنّه ماتَ من ساعته ، وهو أمرٌ متواتر ومحسوس فی کثیر من الموارد .
ومحلّ الشاهد الآن : أنّ هذا لا یُفرّق فیه بین المدفون وغیر المدفون ، وهذا هو الذی یُفسّر حفظ الأجساد لشهداء کربلاء ، وقد بَقیت قبل الدفن ثلاثه أیّام کامله تحت الشمس ، فلم تُصب بسوء ، ویفسّر أیضاً حفظ الرؤوس وقد ساروا بها على الرماح من کربلاء إلى الکوفه إلى دمشق ، فی الفصل القائض الشدید الحرّ ، فلم تُصب بسوء .
وهذا من جمله الأمور العدیده التی کانت سبباً لإقامه الحجّه على کلّ الجیل المعاصر لقتل الحسین (علیه السّلام) ، بل والأجیال المتأخّره عنه وخاصّه أولئک الأعداء الذین قطعوا الرؤوس بکلّ قسوه ، ولم تکن عندهم إنسانیه ، وحَملوها على الرماح وسیّروها کلّ هذا السیر الطویل .
بل الأمر یمکن أن یسیر فیه خطوه أخرى : وهو الجزم بأنّ هؤلاء الأعداء کانوا یعلمون لدى قطعهم الرؤوس ـ لأوّل مرّه وعزمهم على حملها وتسییرها ـ أنّها غیر قابله للتغییر والتعفّن ، وإلاّ فمن الواضح جدّاً أنّ الرؤوس الاعتیادیه سوف لن تعیش تحت الشمس بشکلٍ سلیم أکثر من نهار واحد ، ثمّ یکون لها رائحه نتنه غیر قابله للتحمّل بالنسبه إلى حامل الرأس ولا من حوله ، وهذا ما ینبغی أن یکون معلوماً لهم سَلفاً ، ومع ذلک عَزموا على قطعها وتسییرها ، الأمر الذی یدلّ على علمهم بأنّ قضیه الحسین (علیه السّلام) على حقّ وأنّه وأصحابه من الأولیاء ، وأنّ أعداءه على خطأ وباطل بما فیهم هم الذین قطعوا الرؤوس .
ولا غرابه فی ذلک حین نسمع قوله تعالى : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً )(۱) ، وقول بعض أعداءه له : قلوبنا معک وسیوفنا علیک(۲) ، الأمرُ الذی یبرهن أنّهم کانوا یعیشون انشطاراً فی الشخصیه ، وهذا هو الذی یجعل موقفهم أمام الله سبحانه أشّد مسؤولیه وأعظم عقوبه .
فهذه ثمان جهات لأهمّ الأسئله التی قد قد تُثار حول واقعه الطف وما بعدها ، وأحسبُ أنّ الأمور الأخرى فیها لا تحتاج إلى توضیح ، وإنّما یحتاج القارئ الکریم بالنسبه إلیها إلى اطّلاع ؛ لکی یجد مواطن العظمه والجهاد والصبر للحسین وأصحابه سلام الله علیهم أجمعین .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره النمل : آیه ۱۴ .
(۲) العقد الفرید : ج۴ ، ص۳۸۴ بتصرّف ، الإرشاد للمفید : ص۲۱۸ ، ط نجف .

Leave A Reply

Your email address will not be published.