الأهداف المُحتمله للحسین (علیه السّلام)

0

إذاً ؛ فینبغی أنْ نُعرض عنها الآن ، ونذکر غیرها مِمَّا یدور فی الحُسبان .
الهدف الأوَّل : أنْ لا یُبایع الحاکم الأُموی یومئذ کما طُلِب منه ؛ فإنه (علیه السّلام) رفض ذلک بکلِّ قوَّه وصمود ، کما ورد عنه أنَّه قال : (( ومثلی لا یُبایع مثله ))(۱) ، فقد تحمَّل القتل وهذه التضحیات الجِسام فی سبیل ترک هذه البیعه الدنیئه .
وقد یُناقش هذا الهدف بعِدَّه مُناقشات ، یحسن بنا أنْ نذکر المُهمَّ منها ، لکی یتکامل فهمنا لهذا الهدف فی نفس الوقت مِن خلال الحدیث :
المُناقشه الأُولى : إنَّه کان یُمکنه (علیه السّلام) تجنُّب کلا الأمرین : المُبایعه والتضحیه معاً ، فلماذا اختار التضحیه مع إمکانه تجنُّبها ؟!
غیر أنَّ هذه المُناقشه بمُجرَّدها غیر تامَّه ؛ للوضوح التاریخی مِن أنَّه (علیه السّلام) کان مُکرهاً على أحد أمرین : المُبایعه أو الشهاده(۲) ، ولم یکن فی مُستطاعه طبیعیَّاً أنْ یتجنَّبهما معاً ؛ لمدى الضغط العظیم الذی وجَّهته الدوله یومئذ علیه ـ طبعاً ـ للمُبایعه ، وتهدیداً بالموت إنْ ترکها .
ـــــــــــــــ
(۱) اللهوف لابن طاووس ص ۱۱ ابن نما ص۱۴ الخوارزمی ج۱ص۱۸۴
(۲) البحار للمجلسی ج۴۵ ص۹ – اللهوف ص ۴۱ – الخوارزمی ج۲ص۶
ویدلُّ على هذا الأمر مُضافاً إلى وضوحه التاریخی ، الارتکاز العامِّ لفهم الدوله الأُمویَّه یومئذ ، وکذلک ما فعل یزید بن مُعاویه بسائر مُعارضیه مِن المُحاربه والتنکیل ، ولم یکن الحسین (علیه السّلام) ببِدع مِن ذلک ، کما یُعبِّرون .
ویدلُّ علیه ـ أیضاً ـ ما ورد عنه (علیه السّلام) مٍن قوله : ( ألا وإنَّ الدَّعیَّ(۱) بن الدَّعی قد رَکَزَ اثنتین : بین السلِّه (۲) والذِّلَّه ، وهیهات مِنَّا الذِّلَّه یأبى الله ذلک ورسوله والمؤمنون ))(۳) .
والدَّعی بن الدعی هو الحاکم الأُموی . والسِّلَّه هو سلُّ السیف للقتل ، والمُراد به التهدید بالقتل . والذِّلَّه هو المُبایعه والدخول تحت السیطره الأُمویَّه . وقوله : وهیهات منَّا الذِّلَّه ، یعنی هیهات منَّا المُبایعه کما یُرید الحاکم الأُموی . کما قال فی الخُطبه نفسها : (( أنْ نؤثر بیعه اللئام على مصارع الکرام ))(۴) کما یدلُّ على ذلک ما ورد مِن أنَّ الحُکم القائم یومئذ دسَّ فی مَکَّه أربعین مِن العُتاه وبثَّهم ما بین الناس ، وأوصاهم أنْ یقتلوا الحسین (علیه السّلام) حیث وجدوه ، ولو کان مُتعلِّقاً بأستار الکعبه ، وقد علم الحسین (علیه السّلام) ذلک ؛ ومِن هنا خرج مِن مَکَّه قاصداً کربلاء ؛ لکی لا یکون مقتولاً داخل الحرم المکِّی ، الذی جعله الله آمنا وحرَّم فیه کلَّ أشکال إهراق الدم حتَّى الصید(۵) ؛ فکَرِه (علیه السّلام) أنْ یکون سبباً لهتک هذا الحَرَم المُقدَّس .
ـــــــــــــــ
(۱) الدَّعیُّ : المُتَّهم فی نسبه ، والذی یُدعى لغیر أبیه – أقرب الموارد ج۱ص۳۷۳ – مجمع البحرین ج۱ ص۱۴۴ – بتصرُّف
(۲) السِّلَّه : سلَّ الشیء مِن الشیء سلَّاً : انتزعه وأخرجه فی رفق ، کسلَّ السیف مِن الغِمد – أقرب الموارد ج۱ص۵۳۵ – مجمع البحرین ج۵ص۳۹۸ – بتصرَّف .
(۳) اللهوف لابن طاووس ص ۴۱ – مقتل الخوارزمی ج۲ص۶ .
(۴) نفس المصدر ، أسرار الشهاده للدربندی .
 (5) سوره الأعراف آیه (۹۴-۹۶)
إذاً ؛ فلم یکن مُستطیعاً أنْ یتجنَّب کلا الأمرین : البیعه والتضحیه معاً ، بلْ کان مُکرهاً على أنْ یقبل بأحدهما .وقد اختار لنفسه أعلاهما وأشرفهما وهو التضحیه .
المُناقشه الثانیه : إنَّ هذا الهدف إنَّما هو هدفه الشخصی مِن حرکته ، ونحن نُرید التعرُّف على ما یکون مُحتملاً مِن أهداف الحکمه الإلهیَّه فی ذلک .
وقد أشرنا فی مُقدِّمات هذا البحث ، إلى ثبوت کلا هذین النحوین مِن الأهداف ، غیر أنَّ هذه المُناقشه أیضاً لا تتمُّ لعِدَّه وجوه ، نذکر المُهمَّ منها :
أوَّلاً : إنَّ انقسام الأهداف ـ کما ذکرنا ـ وإنْ کان صحیحاً ، غیر أنَّ الباحث أو المُفکِّر ، کما یطمح أنْ یتعرَّف على الهدف الثابت فی الحکمه الإلهیَّه ، یطمح أیضاً أنْ یتعرَّف على الهدف الشخصی سواء بسواء .
فالقول باختصاص الطموح بأحد النوعین مِن الأهداف ، دون الثانی قول بلا موجب .
إذاً ؛ فحتَّى لو کان عدم المُبایعه هدفاً شخصیَّاً ، فنحن یحسن بنا أنْ نلتفت إلیه ونأخذه بنظر الاعتبار .
ثانیاً : إنَّ عدم المُبایعه هنا ـ کما هو هدف شخصیٌّ للحسین (علیه السّلام) ـ هو هدف للحکمه الإلهیَّه أیضاً . وأوضح سبیل إلى إیضاحه ، أنْ نقیس الأمر بحصول المُبایعه ، فکم سوف یحصل مِن المفاسد بوجودها ؟ وکیف یتغیَّر الدین الخالص ؟ ویبقى مُتغیِّراً فاسداً – وحاشاه – إلى یوم القیامه ، وهذا بکلِّ تأکید خلاف الحکمه الإلهیَّه ؛ إذاً فوجود البیعه مُخالفاً للحکمه الإلهیَّه ؛ فیکون عدمها موافقاً لها لا مُحاله
المُناقشه الثالثه لهذا الهدف : إنَّه هدف وقتی منوط لا محاله بحیاه الإمام الحسین (علیه السلام) . کما هو منوط بحیاه الحاکم الأُموی ؛ لوضوح أنَّه لا معنى للمُبایعه لدى موت أحدهما ، ونحن إنَّما نُرید الاطِّلاع على الأهداف الدائمیَّه لا الأهداف الوقتیَّه . غیر أنَّ هذه المُناقشه غیر صحیحه ، ونورد علیها ما یُشبه الوجهین اللذین أوردناهما على المُناقشه السابقه .
أوَّلاً : إنَّ هذا الهدف وإنْ سلَّمنا أنَّه هدف وقتیٌّ ، إلاَّ أنَّ اختصاص تعرُّف الباحث أو المُفکِّر بالأهداف الدائمه وغیر الوقتیَّه بلا موجب ، بلْ نحن نُرید التعرُّف على کلا الشکلین مِن الأهداف .
ثانیاً : إنَّ هذا الهدف وإنْ کان منوطاً بحیاه هذین الشخصین ، إلاَّ أنَّه – مع ذلک ـ لیس وقتیَّاً بلْ مُستمرَّ ، ولنا أنْ نقیس ذلک إلى صوره حصول المُبایعه ، فکما أنَّ المفاسد مع حصول المُبایعه سوف لن تکون وقتیَّه بکلِّ تأکید ، کذلک المصالح والأهداف الناتجه عن ترک المُبایعه سوف لن تکون وقتیَّه ، ویکفی بها أنْ تکون تخلُّصاً ودفعاً لتلک المفاسد المُستمرَّه ؛ إذاً فهی أهداف مُستمرَّه .
المُناقشه الرابعه لهذا الهدف : إنَّ الإمام الحسین (علیه السّلام) لم یکن مُضطرَّاً أو مُکرهاً على هذین الأمرین : البیعه أو التضحیه . بلْ کان یُمکنه أنْ یتجنَّبهما معاً ـ کما قلنا فی المُناقشه الأُولى ـ ولکنَّنا قلنا هناک : إنَّه یُمکنه أنْ یتجنَّبهما وهو مُرتاح فی بلده ، ولم یکن هذا صحیح کما عرفناه .
أما هنا فنقول : إنَّه کان یُمکنه أنْ یخرج إلى بلاد بعیده لا تنالها ید الأُمویِّین ، کالیمن أو الهند أو الأفغان أو غیرها ؛ لینجو مِن القتل والبیعه معاً .
خاصَّه ، وإنَّ الدول فی ذلک الحین لم تکن تملک إمکانیَّات الدول الحاضره ، ولم یکن فی استطاعتها الحرب فی الأماکن البعیده ، وقد ورد عن بعض ناصحیه ـ والمُشفقین علیه مِن الخروج ـ(۱) هذا المعنى ، فلماذا لم یفعل ؟!
وجواب ذلک یتمُّ فی وجوه نذکر أهمَّها :
أوَّلاً : إنَّ ما قاله المُستشکل مِن ضعف الدول القدیمه وإنْ کان صحیحاً إجمالاً ، إلاَّ أنَّه لیس صحیحاً تماماً ؛ إذ یکفی أنْ نتصوَّر کیف سار الفتح الإسلامی فی ذلک القَرن الأوَّل نفسه ، بلْ قبل مقتل الحسین (علیه السّلام) إلى العراق وإیران ، وسوریا وفلسطین ومصر ، وأذلَّ الجبابره والقیاصره والأکاسره ، فکیف حصل ذلک إلاَّ باستعداد تامٍّ ومعنویَّات عالیه ؟!
کما یکفی أنْ نتذکَّر کیف خاض الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) قبل مقتل الحسین بمُدَّه طویله حروباً مُروِّعه کصِفِّین والنهروان . أمَّا عن الحدیث عن حروب الجاهلیَّه السابقه على الإسلام فحدِّث و لا حرج .
إذاً ؛ فالناس فی ذلک الحین ، کانوا مُقاتلین شجعاناً ، ومُتدرِّبین على تحمُّل أنواع المصاعب فی سبیل ما یطمحون إلیه مِن الأهداف ، أو ما یُؤمَرون به مِن الأغراض .
إذاً ؛ فمِن المُحتمل جِدَّاً ، بلْ السائغ تماماً ، أنْ نتصوَّر أنَّ الحسین (علیه السّلام) أینما ذهب فسوف یُرسل الحاکم الأُموی خلفه جیشاً عرمرماً(۲) للقضاء علیه وقتله ، أو أنْ یدسَّ إلیه مَن یقتله غیله أینما وجده ، ولیس کلُّ ذلک على المُفسدین ببعید .
إذاً؛ فهذا التخییر بین ( السِّلَّه والذلَّه ) أو البیعه والتضحیه، کان (علیه السّلام) مُکرهاً علیه فی کلِّ وجه الأرض المنظور یومئذ بکلِّ تأکید ، ولم یُمکن النجاه منه على أیِّ حال .
ـــــــــــــــ
(۱) ومنهم ( محمد بن الحنفیَّه وعبد الله بن عباس ) تاریخ الطبری ص۲۱۹ ـ الکامل فی التاریخ ج۴ ص۷ وص۱۶
(۲) عرمرماً : الشدید والجیش الکبیر ( أقرب الموارد ج۲ ص۷۷۳ )
ثانیاً : إنَّ الأمام الحسین (علیه السّلام) لو ذهب بعیداً ، لأرجف عنه أعداؤه أنَّه ذهب مُنهزماً عن المواجهه وفارَّاً مِن المُلاقاه ، ولوصفوه بکلِّ عظیمه ، والأعلام یومئذ وفی کلِّ یوم على استعداد لذلک على أیِّ حال ، وهذا ما لا یُریده لنفسه بعد أنْ کان یعیش مِن نقطه قوَّه وبروز فی المُجتمع بصفته سِبط الرسول (صلَّى الله علیه وآله) وابنه ، وسیِّد شباب أهل الجنَّه ، والإمام المُفترض الطاعه لطائفه مِن المسلمین .
کیف ، ونحن نجد أعداءه قد أرجفوا ضدَّه ، بالرغم مِن تضحیته وصبره وصموده ؛ فکیف کان علیه الحال لو اختار الاحتمال الآخر . وإنْ کان یُدرک أنَّ فیه بعض المصالح .
على أیِّ حال ، یکفی أنَّ هذا الإرجاف عندئذ یستطیع أنْ یُسیطر فی المُجتمع الجاهل ، وأنْ یسلب بعض نقاط القوَّه ، التی کان یعیشها الحسین (علیه السّلام) فقد لا یکون عندئذ ناجحاً فی عمله ، حتَّى لو ذهب إلى مکان بعید .
ثالثاً : إنَّنا لا ینبغی أنْ نتوقَّع أنْ یذهب الحسین (علیه السّلام) إلى أیِّ نقطه مِن العالم کیف کانت ؛ ولذا لم یذکر له الذین ناقشوه على الخروج إلاَّ منطقه واحده هی الیمن ، وقالو له : إنَّ فیها شیعه لأبیک(۱) ؛ لأنَّ أباه أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ذهب إلى الیمن بأمر النبی (صلَّى الله علیه وآله) ردحاً مِن الزمن ورآه الیمنیُّون وأحبُّوه .
ـــــــــــــــ
(۱) الخوارزمی ج۱ص۱۸۸ – مناقب بن شهر آشوب ج۲ص۲۴۰ ط نجف
أمَّا ذهابه إلى مناطق أُخرى ، فغیر معقول إطلاقاً ، إمَّا لکونهم ضدَّ الحسین (علیه السّلام) کما حصل فی الکوفه وکربلاء ، وإمَّا لأنَّهم غیر مُسلمین أساساً ، وإمَّا لأنَّهم غیر عرب أساساً ، یتعذَّر العیش معهم لاختلاف لُغتهم ، وإمَّا لأنَّهم مُتخلفون حضاریَّاً ، بحیث یضیع وجوده بینهم وینقطع خبره عن الآخرین ، وکلُّ ذلک غیر معقول ولا یُریده الحسین لنفسه .
وأُکرِّر الآن : أنَّ المکان الوحید البعید الذی کان مُناسباً نسبیاً ، لم یکن إلاَّ الیمن ، وهو الوحید الذی ذکروه له ، إلاَّ أنَّه رفضه ، وکان رفضه بحسب فهمنا مُعتمداً على الوجهین الأوَّلین ، اللذین قلناهما قبل قلیل لهذه المُناقشه فراجع وفکِّر ، مُضافاً إلى أُمور أُخرى تعرفها مِن أجوبه المُناقشات السابقه .
وحیث لم تتمَّ مُناقشه واحده لهذا الهدف الحسینی الجلیل ؛ إذاً یتعیَّن الأخذ به ، وهو ترک البیعه لیزید بن مُعاویه ، واختیار التضحیه علیه ، فإذا تمَّ هدف آخر فیما یلی ، کان نوراً على نور ، وإلاَّ ففی هذا الهدف الکفایه .
الهدف الثانی : المُمکن لحرکه الحسین (علیه السّلام) الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى إیَّاه بها ، ذلک الأمر المعروف لدیه ـ إمَّا بالإلهام أو بالروایه عن جَدِّه النبی (صلَّى الله علیه وآله)(۱) ـ وکان یطلب ثواب الله وجزاءه الأُخروی على ذلک تماماً ، کما یفعل أیُّ مؤمن حین یؤدِّی أیَّ واجب دینیٍّ ، کالصلاه أو الصوم أو الحجِّ .
ویدلُّ على ذلک : ما ورد عن جَدِّه (صلَّى الله علیه وآله) أنَّه قال له فی المنام : (( یا بنی ، إنَّه لا بُدَّ لک مِن الشهاده ، وإنَّ لک درجات عند الله عزَّ وجلَّ لن تنالها إلاَّ بالشهاده ))(۲) ، کما یدلُّ علیه ما ورد : أنَّه بعد مقتله (علیه السّلام) وضعت أُخته الحوراء زینب (علیها السّلام) یدیها تحت جسده الطاهر وقالت : اللَّهمَّ ، تقبَّل منَّا هذا القُربان(۳) ؛ لوضوح أنَّ القَبول إنَّما یکون لعمل مِن أعمال الامتثال والطاعه .
ـــــــــــــــ
(۱) البحار للمجلسی ج۴۴ ص۳۲۸ أسرار الشهاده للدربندی ص۲۲۴
(۲) أمالی الصدوق ، مجلس ۳۰ص۱۳۵ الخوارزمی ج۱ص۱۸۷ البحار ج۴۴ص۳۲۸
(۳) الکبریت الأحمر ج۳ص۱۳ عن الطراز المُذهَّب .
وهذا الهدف صحیح بکلِّ تأکید ، کما أنَّه بکل تأکید هدف شخصیٌّ له ، ولیس مِن أهداف الحکمه الإلهیَّه فی حرکته ؛ فإنَّ الحکمه الإلهیَّه وإنْ کانت تُرید امتثاله وطاعته (علیه السّلام) ، إلاَّ أنَّ هذا مِمَّا یعود إلیه لا أنَّه یعود على غیره ، والأهداف التی نتحدَّث عنها إنَّما هی الأهداف التی تعود إلى غیره بالنفع . مِمَّا قلنا : إنَّه مِن أهداف الحکمه الإلهیَّه مِن حرکته ـ فی حدود ما نستطیع تعقُّله ـ إلاَّ أنَّنا قلنا ـ فی نفس الوقت ـ : إنَّ الطموح غیر خاصٍّ بالأهداف العامَّه ، بلْ تشمل الأهداف الخاصَّه أیضاً . مُضافاً إلى إمکان أنْ یُقال بکلِّ تأکید ـ أیضاً ـ : إنَّ عدم انتفاع الآخرین مِن هذا الهدف غیر صحیح إطلاقاً ، لا فی الدنیا ولا فی الآخره . أمَّا فی الدنیا ؛ فلما سنذکره مِن الأهداف الآتیه : مِن أنَّ حرکته أوجبت هدایه الناس ، وتعریفهم أهمیَّه الدین ، ولزوم التضحیه له عند الحاجه بالنفس والأهل والمال والوُلِد ، وأنَّ طاعه الله سبحانه لازمه على کلِّ حال . وأمَّا فی الآخره ؛ فلأنَّه (علیه السّلام) أصبح واسع الشفاعه یوم القیامه ، أکثر مِن أیِّ واحد مِن المعصومین الآخرین (علیهم السّلام) . کما ثبت فی محلِّه ، ووردت علیه بعض النصوص(۱) ، ولم یکن لینال هذه المنزله لولا تلک المقامات والدرجات التی حصلت له بالشهاده نفسها .
إذاً ؛ فالأمر کما یعود إلیه یعود إلى غیره ، والرحمه الإلهیَّه عامَّه للجمیع .
الهدف الثالث : الذی قد یخطر فی بعض الأذهان لحرکه الحسین (علیه السّلام) هو الانتصار العسکری المُباشر ، أو قلْ : إزاله الحُکم الأُموی فوریَّاً . وهذا مِمَّا سبق أنْ أشرنا إلى نفیه خلال حدیثنا عن الشروط السابقه(۲) ، ولکنَّنا نذکره الآن لأنَّ عدداً مِن الناس بما فیهم بعض المُفکِّرین قد یتصوَّرونه .
ـــــــــــــــ
(۱) الخصائص الحسینیَّه للتُّستری ص۱۴ (ط) – والبحار للمجسی ج۹۸ص۱۶ (ط)
(۲) الشرط الثالث مِن باب حدود أهداف الحسین فراجع .
وقد یُستدلُّ علیه بما ورد مِن أنَّه قیل لمسلم بن عقیل (علیه السّلام) حین تألَّب علیه الأعداء فی الکوفه : إنَّ الذی یطلب ما تطلب لا یبکی إذا نزل به ما نزل بک(۱) .
إذاً ؛ فهو یطلب السیطره على الحُکم ـ أعنی : من الناحیه الدینیَّه ـ ویُدافع عن هذا الهدف ضمن دفاع الحسین (علیه السّلام) لأنَّه رسوله إلى الکوفه .
غیر أنَّ صحَّه هذا الهدف تتوقَّف على أُمور ، لو تمَّ أیُّ واحد منها أمکن قبوله ، وإلاَّ فلا .
الأمر الأوَّل : أنْ نتصوَّر الإمام الحسین قائداً دنیویَّاً ، قد تخفى علیه بعض النتائج ، وأنَّ عدم سیطرته الفعلیَّه على الحُکم أمر لم یکن یتوقَّعها أوَّل الأمر ، ثمَّ أصبح مغلوباً على أمره مُتورِّطاً فی فعله .
وقد سبق أنْ ناقشنا ذلک مُفصَّلاً ، وعلمنا أنَّه (علیه السّلام) عالم بالنتائج قبل حدوثها ـ أمَّا بالإلهام أو بالروایه عن جَدِّه (صلَّى الله علیه وآله) ـ ومِن هنا ؛ فمِن غیر المعقول أنْ نُجرِّد منه قائداً دنیویَّاً مَهما کان عبقریَّاً .
الأمر الثانی : أنْ یکون هذا الهدف الذی یُقال أو أیُّ هدف یُقال ، جامعاً للشرائط ؛ لأنَّه ینقص منه شرط واحد وهو التحقُّق فعلاً ، فإنَّ هذا الهدف لم یتحقَّق أصلاً قطعاً ، فلا ینبغی أنْ نعتبره هدفاً کما سبق أنْ برهنَّا علیه هناک .
الأمر الثالث : أنْ نفهم مِن التاریخ أنَّ انتصار الحسین وفوزه المُباشر على أعدائه أمر مُحتمل ، وأنَّ احتماله وارد ومعقول ، بحیث یکون استهدافه أمراً معقولاً ، وأمَّا إذا کان فی نفسه أمراً غیر مُحتمل ، کما یعرفه جماعه مِن حُذَّاق المُجتمع ومُفکِّریه ـ بما فیهم الذین ناقشوه فی الخروج إلى الجهاد(۲) ـ إذاً ، فلا یکون استهداف مثل هذا الهدف معقولاً عُرفاً وعقلائیَّاً وسیاسیَّاً ، فضلاً عن الالتفات إلى العلم الإلهی والحکمه الإلهیَّه .
الهدف الرابع : المُحتمل لحرکه الإمام الحسین (علیه السّلام)
ـــــــــــــــ
(۱) مقتل الخوارزمی ج۱ص۲۱۱ – الطبری ج۶ص۲۱۱ ـ الإرشاد للمُفید ص۲۱۴
(۲) مَرَّ ذکرهم سابقاً فراجع .
فضح بنی أُمیَّه ومَن کان على شاکلتهم مِن یومه إلى یوم القیامه ، بأنَّهم لیسوا فقط ظالمین لأنفسهم بینهم وبین الله سبحانه ، بلْ ولا ظالمین للناس فی حُکمهم غیر العادل فحسب ، وإنَّما الأمر أکثر مِن ذلک ، فإنَّهم على استعداد أنْ یقتلوا الرجال والأطفال وأنْ یسبوا النساء وأنْ یقتلوا خیر الخلق الموجودین على وجه الأرض ؛ مِن أجل التمسُّک بالحُکم أو الکرسی ، وهذا معناه أنَّهم مُستعدُّون أنْ یقتلوا أیَّ إنسان أو أیَّ عدد مِن الناس ـ مهما کثر عدده أو کثرت أهمیَّته فی سبیل ، ذلک کما أنَّ معناه عدم وجود عاطفه الإنسانیَّه فی قلوبهم على الإطلاق ، کما أنَّ معناه أنَّهم على استعداد أنْ یفعلوا أیَّ مُنکر آخر مِمَّا یرتبط بالمُلک أو لا یرتبط ، بعد أنْ انسلخوا تماماً عن الإنسانیَّه وعن الورع وعن المحارم .
وهذا الهدف صحیح وواقعی ، وقد حصل فعلاً على إثْرِ واقعه کربلاء مُباشره ، ولا زال ساری المفعول وسیبقى إلى یوم القیامه ضِدَّ بنی أُمیَّه الحُکَّام السابقین ، وضِدَّ أضرابهم مِن الظالمین مِن البشر إلى قیام یوم الدین .
ومِن هنا ؛ فإنِّی أعتقد أنَّ هذا الحاکم الأُموی قد أخطأ خطأً کبیراً ، حین سوَّد صحیفه أعماله بأُمور کثیره و مُنکرات فضیعه جِدَّاً ، وأوجب سوء ظنِّ الناس والتاریخ به وبعشیرته وأمثاله باستمرار ، مُضافاً إلى غضب الله سبحانه ؛ وذلک أنَّه فعل ثلاثه أُمور مُهمَّه مُضافاً إلى مُنکراته الشخصیَّه ، أهمُّها قتل الحسین (علیه السّلام) وجیشه فی کربلاء والتنکیل تنکیلاً فضیعاً(۱) ، مُضافاً إلى رمی الکعبه بالمجانیق ، وکان بمنزله القصف المدفعی فی زماننا ؛ إذ یُشعلون النار فی بعض المواد ویقذفونها بعیداً على العدوِّ بواسطه الآله القاذفه ، التی تُسمَّى بالمِنجنیق ، وقد بقیت الکعبه المُشرفَّه تحت هذا القصف المرکز أیَّاماً بلیالیها(۲) .
ـــــــــــــــ
(۱) الإمامه والسیاسه لابن قتیبه ج۲ص۵ .
(۲) نفس المصدر ج۲ص۱۰ .
هذا مُضافاً إلى واقعه الحَرَّه ، بقیاده مسلم بن عقبه ، الذی أباح المدینه المنوَّره ثلاثه أیَّام کامله ، قتلاً ونهباً وسلباً واعتداءً على الأموال والنساء والأطفال ، بشکل لم یسبق له مَثیلاً(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) نفس المصدر ج۱ص۱۷۹
 ویحسن أنْ نُشیر إلى خلافه یزید ، وما أرتکب فیها مِن جرائیم ، حیث بدأت خلافه یزید بن مُعاویه فی أواخر سنه ۶۱هـ وانتهت بوفاته فی النصف الأوَّل مِن سنه ۶۴هـ ، وبذلک تکون مُدَّه حکمه ثلاث سنوات تقریباً ، ارتکب فیها أبشع وأقبح جرائم فی التاریخ البشری بشکل عامٍّ والإسلامی بشکل خاصٍّ ، ففی السنه الأُولى قَتل سبط الرسول وسیِّد شباب أهل الجنَّه ، وسبى نساءه وقتل عیاله وشرَّدهم وروَّعهم ومثَّل بالأجساد الطاهره ، فأبان الرؤوس عن الأجساد ، فحُملت فوق الرماح یُطاف بها مِن بلد إلى بلد ، وبذلک صنع مع آل الرسول مالا یُصنع مع الترک أو الیهود أن القوم الکافرین . وفی السنه الثانیه أقدم على جریمه بشعه لم یُروَ لها مثیل فی التاریخ ، وهی واقعه الحَرَّه ، وسُمِّیت بهذا الاسم نسبه إلى منطقه الحَرَّه ، والتی هی قُرب المدینه المنوَّره ؛ وذلک أنَّه لما أنکر أهل المدینه أفعال یزید وموبقاته ، وکیفیَّه قتل الحسین وأهل بیته وأسر نساءه ، وفعله للمُحرَّمات حتَّى وصل به الحال إلى الزنى بالمحارم ، فیقول ابن سعد فی الطبقات الکُبرى وابن الأثیر فی الکامل : إنَّ عبد الله بن حنظله ـ غسیل الملائکه ـ خطب فی أهل المدینه خُطبه قال فیها : فو الله ، ما خرجنا على یزید حتَّى خفنا أنْ نُرمى بالحجاره مِن السماء . إنَّ رجلاً ینکح الأُمَّهات والبنات والأخوات ، ویشرب الخمر ویدع الصلاه . والله ، لو لم یکن معی أحد مِن الناس لأبلیت لله فیه بلاء حسناً . فغضب یزید مِن ذلک ؛ فأرسل جیشاً مؤلَّفاً مِن ثلاثین ألفاً مِن أهل الشام ، وعلیهم مسلم بن عقبه ، وقد قال له : السیف السیف ، أجهز على جریحهم ، وأقبل على مُدبرهم ، وإیَّاک أنْ تُبقی علیهم . فیقع ثلاثون ألفاً مِن أهل الشام ـ مُدجَّجون بالأسحله الکامله ـ فی أهل المدینه قتلاً وذبحاً ثلاثه أیَّام . وخطب مسلم بن عقبه قائلاً : هذه المدینه لکم مُباحه ثلاثه أیَّام دمائها ونسائها وأموالها .
وذکر المُؤرِّخون أنَّه بلغ عدد قتلى الحَرَّه یومئذ ـ مِن قریش والأنصار والمُهاجرین وأصحاب رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) ـ ألفاً وسبعمئه ، ومِن سائر الناس عشره آلاف سوى النساء والصبیان ، وقد نقل المؤرِّخون صور مُروِّعه عن هذه الفاجعه ، فمثلاً ما نُقل عن أبی معشر حین قال : إنَّ رجلاً مِن أهل الشام دخل على امرأه نُفساء مِن نساء الأنصار ومعها صبی لها ، فقال لها : هل مِن مال ؟ قالت : لا والله ، ما ترکوا لی شیئاً فقال : والله ، لتُخرجین إلیَّ شیئاً أو لأقتلنَّک وصبیَّک هذا ! فقالت : ویحک ! إنَّه ولد ابن أبی کبش الأنصاری صاحب رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) ، وقد بایعت یوم بیعه الشجره على أنْ لا أزنی ولا أسرق ولا أقتل ولدی … فما أتیت شیئاً ، فاتَّق الله . ثمَّ قالت لابنها : یا بُنی ـ والله ـ لو کان عندی شیء لافتدیتک به . ( قال : ) فأخذ الشامیُّ برُجْل الصبیِّ والثدیُ فی فمه فجذبه مِن حِجرها ، وضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض أمام أُمِّه .
الهدف الخامس : المُحتمل لثوره الحسین (علیه السّلام) ، هو طلب الإصلاح أو مُحاوله الإصلاح فی الأُمَّه المُسلمه ، أُمَّه جده رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) ، وهذا هو الذی روی عنه (علیه السّلام) حین یقول : (( لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا ظالماً ، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح فی أُمَّه جَدِّی رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) أُرید أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المُنکر ))(۱) ، وذلک حین رأى سلام الله علیه أنَّ الدین قد تغیَّر عن القلوب وأنَّ المعروف لا یُعمل به وأنْ المُنکر لا یُتناهى عنه ، وأنَّه لم یبقَ منه صُبابه إلاَّ کصُبابه الإناء ، أو خساسه عیش ویدخل القوم المدینه وتجول خیولهم فیها ، فیقتلون وینهبون فما ترکوا فی المنازل مِن أثاث ولا حُلیٍّ ، ولم یترکوا فراشاً إلاَّ نفضوا صوفه ولم یترکوا حتَّى الحمامه والدجاج إلاَّ کانوا یذبحونها . فهذا أبو سعید الخدری صاحب رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) یدخلون علیه ، فینتفون لحیته ویضربونه ضربات ثمَّ یأخذون کلَّ ما یجدون فی بیته حتَّى الصوف، وحتَّى زوج حمام کان له ، بالرغم مِن أنَّه عرَّف لهم نفسه .
والأفظع والأدهى مِن ذلک کلِّه إباحه مسلم بن عقبه ـ بأمر مِن یزید ـ نساء المدینه المنوَّره لجیش الشام ثلاثه أیَّام ، وکأنَّهنَّ لسن مُسلمات ، أو أنَّهنَّ أُسارى حرب غیر المسلمین ، وهذه الجریمه النکراء ارتُکبت عند قبر النبی (صلَّى الله علیه وآله) وفی حرم النبی وحِمى النبی ، فنادى مُنادٍ ( مسلم ) فی أهل الشام : یا أهل الشام ، إنَّ أمیرکم مسلم بن عقبه ـ بأمر مِن أمیر المؤمنین یزید بن معاویه ـ أباح لکم هذه المدینه کلَّها ثلاثه أیَّام ، ومَن زنى بامرأه فذاک له . فوقع جیش الشام فی الزنا بالمُسلمات ، وفیهن بنات المُهاجرین والأنصار ، وفیهن ذوات الأزواج ، وفیهن الأبکار…
وأمَّا فی السنه الثالثه ، فإنَّ خلیفه المسلمین یبعث بجیش جرَّار إلى مکَّه المُکَّرمه ؛ لحصار عبد الله بن الزبیر ، فرموا الکعبه المُقدَّسه بأحجار صخام ونار مِن المِنجنیق ، حتَّى حطَّموها وأحرقوها ، ولم یبقَ منها سوى المَدر ، فهذه ثلاث سنوات حکمها الطاغیه، فعمل بها تلک الجرائم الکُبرى ، ولیت شِعری ، لو کان عاش أکثر مِن ذلک ماذا کان یفعل ؟!
راجع دائره معارف القرن العشرین ج۴ ـ الإمامه والسیاسه لابن قتیبه السفینه ج۱ ـ ناسخ التواریخ ( مُجلَّد زین العابدین ) ـ شواهد التنزیل ج۱ ص۳۴۵ ـ تاریخ الطبری والکامل لابن الأثیر (وقائع سنه ۶۱٫٫٫٫۶۴هـ) ـ تاریخ الفتوح لابن أعثم ج۵٫
(۱) مقتل الخوارزمی ج۱ص۱۸۸ مناقب بن شهرآشوب ج۳ص۲۴۱ط نجف – أسرار الشهاده للدربندی ص۱۹۱٫
کالمرعى الوبیل ، کما یُستفاد مِن الکلام المروی(۱) عنه (علیه السّلام) .
وهذا هدف مُحترم جِدَّاً ، وکان الحسین (علیه السّلام) أهلاً له ، إلاَّ أنَّنی أعتقد أنَّ الإصلاح المقصود على قسمین : إصلاح یحصل منه مُباشره قبل مقتله ، وإصلاح یحصل مِن المُجتمع بعد مقتله وبسبب شهادته . وهو أیضاً إصلاح منسوب إلیه ، ویُمکن أنْ یکون قد تعمَّده واستهدفه .
أمَّا الإصلاح المُباشر فی حیاته ، فهو لا یُحتمل أنْ یکون هدفاً ؛ لأنَّه فاقد لأحد الشرائط السابقه ـ وهو عدم التحقُّق فی المُجتمع ـ وقد کرَّرنا أنَّ الأمر الذی لم یتحقَّق لا یُمکن أنْ یکون هدفاً .
وقد یخطر فی البال : أنَّ الإصلاح المُباشر قد حصل خلال الخُطب والأقوال ، التی قیلت مِن قِبَل الحسین نفسه وأصحابه وأهل بیته قبل مقتله ، وهذه تکفی للمُشارکه بالإصلاح مُشارکه فعلیَّه وفعَّاله .
وجواب ذلک : أنَّ الخُطب والأقوال قد حصلت فعلاً ، إلاَّ أنَّها کانت مُکرَّسه کلَّها لأجل الحدیث عن حرکه الحسین وشرح أبعادها والدفاع عنها ؛ ومعه فلا تکون هی الإصلاح المعهود والموعود ، وإنَّما المُتوقَّع هو الأمر بالمعروف والنهی عن المُنکر فی جوانب الدین عامَّه وفی فروعه کافَّه . وهو مِمَّا لم یحصل على الإطلاق ؛ لأنَّ الأجل لم یُمهله (علیه السّلام) وأصحابه للقیام بهذه المُهمَّه الشریفه الموعوده .
وإنَّما الذی حصل هو الهدایه والرعایه للبشر ـ دینیَّاً ومعنویَّاً وإنسانیَّاً وأُخرویَّاً ـ بمقتله وشهادته (علیه السّلام) ؛ إذ أعطى المثال الأعظم للتضحیه الضخمه بهذا الصدد ، فکان النبراس الأفضل الذی یُضیء للأجیال طریقهم باستمرار ، وإلى یوم القیامه .
ـــــــــــــــ
(۱) اللهوف لابن طاووس ص۳۴ ، الطبری ج۶ص۲۲۹ ، البحار للمجلسی ج۴۴ص۳۸۱
ونستطیع أنْ نؤکِّد أنَّ هذا الإصلاح هو الذی کان مقصوداً للحسین (علیه السّلام) ومُستهدفاً له ، وإنْ لم یُصرِّح به تماماً آخذاً بقانون : (( کَلِّموا الناس على قدر عقولهم ))(۱) ، وهو هدف جلیل وصحیح ولا غُبار علیه .
الهدف السادس : المُحتمل للحسین (علیه السّلام) فی حرکته ، هو الاستجابه لأهل الکوفه ، حین طلبوا منه القدوم علیهم ، وأخذْ البیعه منهم ومُمارسه الحُکم بینهم ، وقالوا : وإنَّما تُقدِم على جُند لک مُجنَّده(۲) . فأجابهم بالمُوافقه وعزم على المسیر إلیهم ، إلاَّ أنَّه لم یوفَّق للوصول إلى الکوفه ، حیث اجتمع علیه الجیش المُعادی فی کربلاء وتمَّ الإجهاز على حرکته هناک . وهذه الاستجابه وإنْ کانت صحیحه بحسب الحُکم الظاهری فی الشریعه .
إذ یجب (علیه السّلام) أنْ یستجیب لمثل هذا الطلب الجلیل ، ولکنَّنا مع ذلک لا نعتبره هدفاً حقیقاً للحرکه ، وإنَّما هی استجابه لا بُدَّ منها لسدِّ الألسنه وقطع المعاذیر مِن ناحیه ، والتکلُّم مع الناس على قدر عقولهم ، وأمَّا لو لاحظنا الأمر أعمق مِن ذلک بقلیل لوجدنا عِدَّه إشکالات ترد على هذا الهدف .
أوَّلاً : لأنَّنا نعلم أنَّه (علیه السّلام) یعلم أنَّ أهل الکوفه یومئذ کاذبون عن الإعراب عن موالاتهم ومُبایعتهم ، وإنَّما هُمْ فسقه ومُنافقون .
ولا یتوقَّف الاطِّلاع على هذا الأمر على الإلهام أو التسدید الإلهی ، وإنْ کان هذا صحیحاً فی نفسه ، إلاَّ أنَّه أیضاً کان واضحاً لکثیر مِن الناس ـ یومئذ ـ بما فیهم الذین ناقشوه فی خروجه ، وقالوا له فی ما قالوا : إنَّ أهل الکوفه قد غدروا بأبیک وأخیک ؛ فمِن الحریِّ أنْ یغدروا بک ، وإنَّما الأفضل أنْ تذهب إلى
ـــــــــــــــ
(۱) أصول الکافی ج۱ص۶۷ حدیث ۱۵ .
(۲) الخوارزمی ج۱ص۱۹۵ – الطبری ج ۶ ص ۱۹۷٫
الیمن ، فإنَّ فیها شیعه لأبیک(۱) ، ویُمکن أنْ یکون هناک حصیناً ضِدَّ الأعداء آمناً مِن شرور الزمان ، فمِن هذه الناحیه لا یُحتمل فی حقِّه أنَّه کان موافقاً حقیقه على الأمر ، أو أنْ یکون مُصدِّقاً لهذا الخبر ، بالرغم مِن أهمِّیَّته
ثانیاً : إنَّه بشَّر بمقتله قبل خروجه أکثر مِن مرَّه ، وقد سبق أنْ ذکرنا ما یدلُّ على ذلک مِمَّا روی عنه (علیه السّلام) . إذاً ؛ فقد کان یعلم بالنتیجه قبل حصولها ، بمعنى أنَّه یعلم بعدم وصوله إلى الکوفه ، ولا مُبایعتهم له ولا نصرتهم إیَّاه ، بلْ یعلم مُحاربتهم له ومقتله على أیدیهم ، فإنَّهم قالوا له : قلوبنا معک وسیوفنا علیک(۲) .
ـــــــــــــــ
(۱) الخوارزمی ج۱ص۱۸۸ ـ مناقب بن شهرآشوب ج۳ص۲۴۰ – إسرار الشهاده ص۲۲۴ .
(۲) الإرشاد للمُفید ص۲۱۸ – العِقد الفرید ج۴ص۳۸۴ .
ثالثاً : إنَّه هدف لم یحصل ، وقد سبق ـ أنْ تحدَّثنا فی الشرائط ـ أنَّ کلَّ هدف لم یحصل فهو لیس هدفاً حقیقیَّاً .
رابعاً : إنَّه (علیه السّلام) علم وهو فی الطریق إلى العراق بغدر أهل الکوفه ، وقتلهم لمسلم بن عقیل وارتدادهم عن بیعته ، وهذا یستلزم بوضوح سقوط تکلیفه الشرعی عن الاستمرار بالذهاب إلیهم ، والهِمَّه فی الوصول لهم .
فإنْ قیل : إنَّ الأمر کذلک ، غیر أنَّ الحُرَّ الریاحی جَعْجَع به ، ومنعه عن المسیر إلى حیث یُرید ، وعن الرجوع إلى المدینه المنوَّره ؛ وذلک سبَّب إلى وقوع الکارثه المروِّعه فی کربلاء ، ولولا ذلک لأمکنه (علیه السّلام) الرجوع إلى المدینه أو الذهاب إلى أیِّ مکان آخر ، بعد أنْ سقط تکلیفه الشرعی بالذهاب إلى الکوفه ، کما عرفنا .
إلاَّ أنَّ جواب ذلک : إنَّ فی مثل هذا التفکیر جَهلاً بالتاریخ الإسلامی کما وصل إلینا ؛ فإنَّ الحسین (علیه السّلام) علم بمقتل مسلم بن عقیل وغدر أهل الکوفه ، حین کان رکبهُ فی منطقه تُسمَّى ( زَرود )(۱) ولم یُفکِّر بالرجوع یومئذٍ ، بلْ استمرَّ فی المسیر ، وهذا معناه أنَّه استمرَّ بالمسیر رغم سقوط تکلیفه الشرعی المُشار إلیه فی هذا الهدف ؛ وذلک مِن أجل هدفٍ آخر أعمق وأهمّ منه ، ولم یکن قد التقى بالحُرِّ الریاحی(۲) یومئذٍ ، وإنَّما التقى به بعد ذلک فی منطقه تُسمَّى ( شَراف )(۳) ، وعندئذٍ عَرض علیه العوده إلى المدینه المنوّره ، آنذاک کان أهل الکوفه قد بدّلوا رأیهم به وأعرَضوا عنه ، فَمنعهُ الحرّ الریاحی عن الرجوع ، وذَکرَ لهُ أنّه مأمور بمصاحبتهِ حتّى یُدخله على عُبید الله بن زیاد فی الکوفه(۴) .
إذاً ، فهناک فتره زمنیّه کافیه لم یُحدِّد التاریخ مقدارها ، لعلّها أسبوع أو أکثر أو أقل ، کان یمکن للإمام الحسین (علیه السّلام) أن یعود برکبهِ إلى المدینه ، وعندئذٍ لم یکن یلتقی بالحرّ ولا یُجعجع به ؛ وإنّما کان سلام الله علیه طالباً للشهاده على کلّ حال .
ـــــــــــــــ
(۱) زرود فی المعجم : ممّا استُعجِم ج۲ ، ص۶۹۶ بفتح أوّلهِ وبالدال المُهمله فی أخره ، ومُعجم البلدان : ج۴ ، ص۳۲۷ وهی : رمالٌ بین الثعلبیّه والخزیمیّه بطریق الحاجّ من الکوفه وهی دون الخزیمیّه بمِیل ، وفیها بُرکه وحوض وفیها وقعه یُقال لها : ( یوم زرود ) .
(۲) الحرّ بن یزید بن ناجیه بن تعلب بن عتاب بن هرمی بن ریاح بن بربوع بن حنظله التمیمی……. من الشخصیّات الاجتماعیّه البارزه فی الکوفه ، وأحد قوّاد الجیش الأموی الخارج لحرب الحسین (علیه السّلام) ، وکان یقومُ فیه ربع تمیم وهندان کما یقول الطبری وغیره .
وقد ذَکرَ الخوارزمی فی مقتله أنّه لحقَ بالحسین (علیه السّلام) مع غلامه التُرکی ، ولعلّ اسمهُ ( عروه ) على ما نصّ علیه بعض المقاتل ، کمقتل الشیخ محمّد حسین آل کاشف الغطاء ، ففیه إضافه إلى ذلک استشهاد وَلَد الحرّ ( علی ) وأخیه ( مصعب ) کل هؤلاء لثلاثه بنی یدی الحر.
وفی اللهوف والخوارزمی : أنّ قصه توبه الحرّ کانت بعد الحَمله الأولى من أصحاب الحسین (علیه السّلام) التی قُتل فیها زهاء خمسین رجلاً ( واقعهُ الطف لآل بحر العلوم : ص۵۰۸ ) .
(۳) شَراف : فی معجم البلدان بفتح أوّله وآخره فاء ثانیه محققه ، سُمّی باسم رجلٍ یقال له شَرَاف ، استخرجَ عیناً حَدثت آباراً کبار کثیره ماؤها عذب من شَرَاف إلى واقعه میلان .
(۴) مقتلُ الخوارزمی : ج۱ ، ص۲۳۳ ، الفتوح لابن أعثم : ج ۵، ص۱۳۸ ، أسرار الشهاده : ص۲۳۲ .
اللهمّ إلاّ أن یُقال : إنّه (علیه السّلام) أدرکَ بوضوح بعد أن أُخبرَ بغدر الکوفه ببیعته أنّهُ لا یستطیع أن ینجو وهو فی هذه المنطقه بالذات من بلاد الله ، وبهذا یختلف حاله عن حاله وهو فی مکّه أو المدینه ، فإنّه کان یستطیع أن یذهب من هناک إلى الیمن مثلاً ، فی حین لا یستطیع الآن أن یفعل شیئاً بحسب القانون الطبیعی ؛ لأنّه أصبحَ بمنزله المُحاصَر بجیوش بنی أُمیّه ، وإن لم یکن کذلک فعلاً ، إلاّ أنّ الرجوع یحتاج إلى زمنٍ طویل نسبیّاً ، الأمرُ الذی یستلزم أنّهم یُدرکونه أینما وجدوه .
وهنا ینتج : أنّه سلام الله علیه کان یائساً من الحیاه ، وتحدّثنا فیما سبقَ أنّ الیائس من الحیاه یختلف تکلیفه الشرعی عن غیره ، ویستطیع أن یختار المَوته التی یتمنّاها لنفسه إن کان فی مقدوره ذلک ، وکان فی مقدوره سلام الله علیه ذلک ، فاختار لنفسه .
الهدفُ السابع : المُحتمل لحرکه الحسین (علیه السّلام) ، إعطاء الأمثوله للدین الحنیف القویم ، وأنّه یستحقّ هذا المقدار العظیم من التضحیه والفداء فی سبیل الله وفی سبیل إقامه الأحکام الإسلامیّه والشعائر الدینیّه .
وینبغی هنا أن نُلاحظ أنّ الأمر إنّما هو مربوط بالله سبحانه قبل أن یکون مربوطاً بشیء آخر ؛ لأنّ الدین على عَظمته إنّما اکتسبَ الأهمیّه ؛ لأنّه أمر الله ونهیه ، والرسول إنّما اکتسبَ الأهمیّه لأنّه رسول الله ، والمعصومون إنّما حَصَلوا علیها ؛ لأنّهم أولیاء الله ، إذاً فالأمر مربوط بالله مباشره ولیس بغیره من قریبٍ ولا بعید ، وهو الذی یستحقّ الفداء فی الحقیقه ، وإن کان هو فی غِنى عن العالَمین ، ولذا وردَ فی تفسیر قوله تعالى : ( وَفَدَیْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِیمٍ )(۱) ، یعنی الحسین (علیه السّلام) ، وهو لم یفدِ إسماعیل الذبیح سلام الله علیه ، کما هو ظاهر السیاق ، بل وقعَ السیاق فی سبیل الله وفی طریق توحید الله وطاعته ،
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الصافات : آیه ۱۰۷ .
وهو نفس الطریق الذی ضحّى من أجله إسماعیل (علیه السّلام) ، وبُعث فیه الأنبیاء وأُرسلت الکتب السماویّه وحَصَل ما حصل . وفی هذا السبیل ، قال الحسین (علیه السّلام) : (( هوّنَ ما نزلَ بی أنّه بعین الله ))(۱) . کما قیل إنّه حین سقط جریحاً لا یستطیع أن یواصل القتال ، کان یُردِّد قول رابعه العدویّه :
ترکـتُ الخلقَ طُرّاً فی هواکا       وأیتمــتُ العیال لکی أراکا
ولو قطّعتَنی فـی الحُبّ إرباً        لمَا مَالَ الفؤاد إلى سواکا(۲)
ـــــــــــــــ
(۱) اللهوف لابن طاووس : ص۴۹ ، البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۴۶ .
(۲) شاعَ على لسان الخطباء الحسینیّین هذه الأبیات ، وأنّها لرابعه العدویّه وقد قالها الحسین (علیه السّلام) عند مصرعه ، ولا أعلمُ على أیّ مصدرٍ قد اعتمدَ هؤلاء الخُطباء ، أو من أین أتى هذا الشیاع ؟ فقد تتبّعتُ أغلب المصادر المُعتَمده التی تَذکر مقتل الحسین (علیه السّلام) ، فلم أجد أحداً یَذکر أنّ الحسین (علیه السّلام) قال هذه الأبیات ، أو حتّى أنّها نُسبت إلیه ، ونفس الشیء بالنسبه إلى رابعه العدویّه ، فأغلب المصادر التاریخیّه التی ذَکرَتها لم تَذکر أو تَنسبها لها .
ولقد ذَکرَ الأبیات : أبی فرج عبد الرحمان بن رجب الحَنبلی فی کتابه ( کشفُ الکُربه فی وصف حال أهل الغربه ، ص۲۷ ) إلاّ أنّه نَسبها إلى إبراهیم بن أدهم ، وهو أحد الزُهّاد المشهورین .
وأغلبُ الظنّ أنّ الخُطباء استعملوها مجازاً کلسانِ حالٍ عن الحسین (علیه السّلام) ، وإلاّ بحسب القول الأوّل یَبعد أن تکون للإمام الحسین (علیه السّلام) وذلک لسببین :
الأوّل : إنّ الحسین (علیه السّلام) أسبق زمناً من رابعه ، فواقعه الطف حَدَثت فی ۶۱هـ ، ورابعه العدویّه وِلدَت فی القرن الثانی الهجری ، حیث ذَکرَ المؤرِّخون أنّ وفاتها کانت فی سنه ۱۸۰ هـ ، وبهذا لا یمکن أن یکون الحُسین رآها أو سمعها فضلاً عن أن یتمثّل بأبیاتها ، وکذا هو الحال بالنسبه إلى إبراهیم بن أدهم الذی هو متأخِّر زمناً قد یصل لعدّه قرون عن الحسین (علیه السّلام) .
الثانی : عدمُ وجود مصدر مُعتَمد یَذکر أنّ الحسین (علیه السّلام) قال هذه الأبیات .
وفی نفس الوقت نستبعد أن تکون هذه الأبیات لرابعه العدویّه ؛ وذلک لوجهین :
الأوّل : عدمُ وجود مصدر یَنسب هذه الأبیات لرابعه ، بل إنّ بعض المصادر نَسَبتها إلى غیرها ، کإبراهیم بن أدهم کما فی ( کشف الکُربه ) .
الثانی : مضمونُ هذه الأبیات یجعلنا نستبعد أن تکون لرابعه ، فالبیتُ یقول : ( وأیتمتُ العیال لکی أراکا ) بینما یَذکر لنا التاریخ أنّ رابعه لم تتزوّج قط ، وأنّها تُوفیت بدون زوج ولا أطفال ، فکیف أیتَمَت العیال ؟
فإن قیل : إنّه لربّما أُریدَ بالعیال المعنى الآخر ، وهو الإعاله أی : کلّ ما تعیلهُ رابعه وتُنفق علیه ؟
قلنا : إنّ رابعه لم تکن میسوره الحال أو غنیّه لکی تُعیل غیرها ، بل بالعکس فإنّ المؤرِّخین یذکرون أنّها کانت فقیره ، وکان الذین یعرفونها هم الذین یُعیلونها ویساعدونها على المعیشه ، وبهذا یُنفى هذا المعنى أیضاً عن رابعه العدویّه .
فإن قیل : إنّ هذه الأبیات یمکن أن تکون لرابعه الشامیّه * ، وقد توهِّم أنّها لرابعه العدویّه ، والأُولى کانت متزوّجه ومیسوره الحال ، فیمکن أن ینطبق معنى البیت الشِعری علیها .
قلنا : إنّ هذا لا یتمّ ؛ لأنّ البیت الذی یقول :
ترکتُ الخلقَ طُراً فی هواکا      وأیتمتُ العیال لکی أراکا
یوحی لمعنیین : الأوّل : هو ترکُ الدنیا والخَلق عن طریق الموت ، فهی ذاهبه إلى جوار الله فی العالَم الأُخروی ، والموت بصوره شرعیّه أکیداً کالجهاد فی سبیل الله ، ولم یُنقل ذلک عن رابعه الشامیّه ، ولا حتّى عن رابعه العدویّه .
والثانی : ترکُ الخَلق عن طریق الغیبه عنهم والانعزال لمناجاه الله وعبادته بدون أن ترى أحداً أو أنّ أحداً یراها ، وهذا أیضاً لم یُنقل عن رابعه الشامیّه ، بل بالعکس فلقد عاشت حیاتها مع زوجها مطیعه لهُ حریصه على خدمته ، حتّى أنّها زوّجتهُ ثلاث نساء غیرها ، خوفاً أن تکون قد ألهَتها العباده عن بعض واجبات زوجها فیجد ذلک عند الباقیات .
ویمکن أن یسأل أحدهم : إذا کان کذلک فمن أین شاعَ إسناد هذه الأبیات لرابعه ؟
قلتُ : إنّ أغلب الظنّ أنّ الذین ذکروا هذه الأبیات ـ من خطباء وغیرهم ـ لم یرکِّزوا على ذِکر الناظم لها ، فعندَ التناقل جُهلَ اسمهُ وخصوصاً مع قلّه المصادر ( والتی تکاد أن تکون نادره ) ، والتی تَنسب هذه الأبیات لناظمها .
وقد نُسبت عُرفاً لرابعه ؛ لوجود أبیات شعریّه شبیهه بالأبیات المذکوره معناً ووزناً وقافیهً ، قد قالتها رابعه العدویّه وقد نَقَلتها أغلب المصادر التی ذَکرت رابعه وهو قولها :
أحُـبّک  حُـبّین حُبّ الهوى       وحُـبّ  لأنّـک أهـلٌ لِذاکا
فـأمّا  الذی هو حُبّ الهوى     فـانشغالی بـکَ عمّن سِواکا
وأمّـا الـذی أنـتَ أهلٌ له      فکشفکَ لی الحُجبَ لکی أراکا
فـلا الحمد فی ذی وذاک لی      وإنّما لک الحمد فی ذی وذاکا
ویمکن أن نقول أیضاً : إنّها قیلت على لسان الحسین (علیه السّلام) کلسان حالٍ لا أکثر ، کما هو المشهور فی کثیرٍ من الأبیات کقولهم :
إن کان دینُ محمّد لم یستقم      إلاّ بقتلی فیا سیوف خُذینی
وکقولهم :
شیعتی ما إن شَربتم      عذبّ ماء فاذکرونی
وغیرها کثیر .
وقد راجعتُ سماحه المؤلِّف فی هذه الأبیات فقال لی : إنّه قد سَمعها شخصیّاً من أحد الخطباء الکبار ولم یقرأها فی کتاب ، ولذلک لم یَسندها وإنّما عبّر عنها بـ( قیل ) ، ولمَن أراد التوسّع فی رابعه فلیراجع : کتاب شهیده العشق الإلهی لعبد الرحمان بدوی ، وکتاب رابعه العدویّه لطه عبد الباقی سرور ، فإنّهما قد ذَکرا جمیع المصادر التی ذَکرت رابعه ، والتی لا مجال لذکرها هنا .
* وهی رابعه بنت إسماعیل الشامیّه ، توفیت سنه ۲۳۵ هـ ودُفنت برأس زینا ببیت المقدس ، وزوجها أحمد بن أبی الحواری ، وأبوهُ أبو الحواری میمون من أهل دمشق ، وقد کان من العارفین الورعین وقد کان أحمد له نصیب منه ، توفی سنه ۲۳۰ هـ ، وکان قد تزوّج ثلاث غیرها .
وهذه رابعه کانت أیضاً من العابدات الورعات ، فیُنقل عن زوجها عندما سُئل عنها ؟ قال : إذا أتیتها فی النهار قالت : بالله علیک ، لا تُفسد علیّ صومی ، وإذا أتیتُها فی اللیل قالت : لا تُفسد علیّ عبادتی ( کتاب سَیرُ السالکات المؤمنات الخیّرات لأبی بکر الحصنی ) ، وکثیرٌ ما کان یشتبه المؤرِّخون بینها وبین رابعه العدویّه التی کانت أسبق زماناً منها .
وفی هذا السبیل ، أیضاً رویَ عن زینب العقیله بنت علیّ أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، أنّها بعد المقتل وضَعت یدیها تحت الجثمان وقالت : اللهمّ تَقبّل مِنّا هذا القربان(۱) ، وفی بعض الروایات : هذا القربان القلیل(۲) ، یعنی : القلیل مهما کان شریفاً وعظیماً أمام عَظمه الله اللامتناهیه وأمام استحقاقه اللامتناهی للتضحیه والفداء ، یبقى قلیلاً .
إذاً فالمسألهُ الأهمّ من کلّ شیء هی : أهمیّه التوجّه إلى الله والتضحیه فی سبیله ، وتطبیق طاعته والحصول على رضوانه بکلّ صوره مهما کانت الوسائط ومهما کانت النتائج ، وهذا هدفٌ صحیح قد تحقّق فعلاً ، وقد عَرَفت الأجیال ذلک بکلّ وضوح .
وقد یخطر فی البال عن قول زینب (علیها السّلام) : اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان ، أنّ قولها ( منّا ) لیس بصحیح ؛ لأنّه وإن کان قرباناً عظیماً إلاّ أنّه إنّما قدّمهُ الحسین نفسه ، ولیس لأحدٍ آخر أن یُقدّمه ، بل لا معنى لذلک ؛ لأنّ التضحیه الحقیقیّه والألم الحقیقی لم یتحمّله غیره ولم یشعر به غیره ، فما تفسیر کلامها (علیها السّلام) ؟
ــــــــــــــــــــــــ
(۱) الکبریت الأحمر : ج۳ ، ص۱۳ عن الطراز المذهّب .
(۲) نفس المصدر .
جوابُ ذلک : إنّ التضحیه العظیمه من هذا القبیل ، أو أیّه تضحیه أخرى مهمّه ، لا تکون ذات مستوى واحد ، بل على مستویات متعدّده ؛ لأنّ انطباعها فی نفس صاحبها وفی نفوس الآخرین یکون متعدّداً لا محاله ، وفی حدود ما نستطیع أن نستفید منه هنا من المستویات نذکر ثلاثه منها :
المستوى الأوّل : التضحیه بمعنى تحمّل الألم والجروح والقتل والصبر علیه طواعیه ، وهذا المستوى خاصّ بصاحب التضحیه ، ولا یمکن أن یکون شاملاً لغیره کما قال السائل .
المستوى الثانی : التضحیه بمعنى الإعانه لصاحب التضحیه بکلّ ما یمکن من جهدٍ وجهاد ، وتحمّل کلّ بلاء فی سبیله ، مضافاً إلى تحمّل فراقه کشخص محبوب أُسریّاً ودینیّاً واجتماعیّاً ، وتحمّل الحرمان عن فوائده وتوجیهاته ولطفه .
وهذا المستوى خاصّ بمَن کان مع الحسین (علیه السّلام) ، من الرکب المُعاوِن له فی الحیاه والموافِق له فی الأهداف ، فإنّهم رجالاً ونساءً وشیباً وشُبّاناً ، أتعَبوا أنفسهم فی سبیله تماماً ، وتحمّلوا شظفَ(۱) العیش وبلاء الدنیا لأجل رضاه الذی یکون سبباً لرضاء الله عزّ وجل ، کما قال : (( رضا الله رضانا أهل البیت ))(۲) ، ومن هذه الناحیه وعلى هذا المستوى کانت التضحیه تشملهم ، فکأنّهم هم اللذین رفعوا الحسین (علیه السّلام) قرباناً لله عزّ وجل .
ولا شکّ أنّ العقیله زینب سلام الله علیها بنت علی (علیه السّلام) ، من ذلک الرَکب المُضّحی فی سبیل الحسین (علیه السّلام) ، ولعلّها أهمّ النساء الموجودات فیه على الإطلاق .
ـــــــــــــــ
(۱) شَظفَ : شظفَ الرجل شَظفاً ، کان عیشهُ ضیّقاً وشدیداً ویابساً فیقال : شظفَ العیش ( أقربُ الموارد : ج۱ ، ص۵۲۹ ) .
(۲) الخوارزمی : ج۲ ، ص۵ ، اللهوف : ص۲۶ ، کشفُ الغُمّه للإربلی : ج۲ ، ص۲۴۱ .
ومن هنا صحّ لها أن تدعو وتقول : اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان .
المستوى الثالث : الموافقه مع الحسین (علیه السّلام) نفسیّاً وقلبیّاً وعاطفیّاً ، وبالتالی الموافقه الحقیقیّه على عَمل الحسین (علیه السّلام) وتضحیته ، وعلى هدف الحسین (علیه السّلام) ورسالته ، حتّى أنّ الفرد المُحبّ له یحسّ کأنّه أعطى قطعه من قلبه أو کبده ، وأنّها قُتلت فعلاً بمقتل الحسین (علیه السّلام) ، وأنّهُ ـ أعنی المُحبّ ـ وإن کان حیّاً یُرزق فی هذه الدنیا وفی کلّ جیل ، إلاّ أنّ التضحیه تضحیّته والعمل عمله .
ویکفینا من ذلک ما وردَ : (( إنّما الأعمال بالنیّات ولکلّ امرئ ما نوى ))(۱) ، (( إنّ نیّه المؤمن خیرٌ من عَمله ))(۲) ، وما ورد : (( إنّ الراضی بفعل قوم کفاعله ))(۳) ، وما وردَ : (( إنّ الفرد یُحشر مع مَن یُحبّ ))(۴) ، إلى غیر ذلک من المضامین التی تجعل التضحیه التی قام بها الحسین (علیه السّلام) ، منتشره فعلاً لدى کلّ محبّیه والمتعاطفین معه على مدى الأجیال ، وإنّ کلّ واحدٍ منهم یستطیع أن یقول : اللهمّ تَقبّل منّا هذا القربان ، ولیس العقیله زینب فقط .
وقد یخطر فی البال فی حدود هذه التضحیات المشار إلیها : أنّ الأجیال کلّها یجب أن تکون مثل الحسین (علیه السّلام) فی تضحیّته الجسیمه وفعلته الکریمه .
ـــــــــــــــ
(۱) إسعاف الراغبین للشیخ محمد صبّان على هامش نور الأبصار للشبلنجی : ص۷۶ ، مُنیه المرید للشهید الثانی : ص۴۲ ، جامع السعادات : ج۳ ، ص۱۱۲ .
(۲) مصباحُ الشریعه : ص۵ ، مُنیه المرید للشهید الثانی : ص۴۳ ، جامع السعادات : ج۳ ، ص۱۱۸ .
(۳) عیون أخبار الرضا للصدوق : ج۱ ، ص۲۷۳ ، نهج البلاغه : خطبه ۱۰۴ ، وفیها یقول أمیر المؤمنین (علیه السّلام) : (( الراضی بفعل قومٍ کالداخل فیه معهم وعلى کلّ داخلٍ فی باطل إثمان : إثمُ العمل به ، وإثم الرضا به )) .
(۴) الکافی : ج۸ ، ص۸۰ ، حدیث ۳۵ بتصرّف ، أمالی الطوسی : المجلّد الثانی ، ص۲۴۵ مجلس یوم الجمعه ۲ رجب .
فتضحّی بالنفس والنفیس فی سبیل الأهداف التی قُتل لأجلها الحسین (علیه السّلام) .
وجوابُ ذلک : إنّ الأمر لیس کذلک باستمرار ، وإنّما قد یحصل ذلک أحیاناً قلیله ، ولا یحصل ذلک أحیاناً کثیره ، وکلّ فردٍ یجب أن یَحسب حساب تکلیفه الشرعی أمام الله عزّ وجل ، ونشیر فیما یلی أنّ التکلیف الشرعی کثیراً ما لا یقتضی ذلک ، على عدّه مستویات :
المستوى الأوّل : إنّ التضحیه التی أرادها الحسین (علیه السّلام) واستهدفَ حصولها ـ وقد حَصلت فعلاً ـ هی من الأهمیّه والعظمه بحیث لا تکون مقدوره لأحد إطلاقاً ، وإنْ زَعم الزاعم لنفسه أنّه یتحمّلها ، إلاّ أنّه یَخدع نفسه لا محاله ، یکفی فی ذلک أنّه (علیه السّلام) معصوم ، وأعمال المعصومین بلا شکّ فوق طاقه الأفراد الاعتیادیین مهما تصاعدوا فی درجات الإیمان والإخلاص .
ومن هذا القبیل : ما قالهُ أمیر المؤمنین (علیه السّلام) عن زهده : (( ألا وإنّکم لا تقدرونَ على ذلک ولکن أعینونی ـ یعنی على أنفسکم الأمّاره بالسوء ـ بورعٍ واجتهاد )) إلى آخر ما قالهُ(۱) .
المستوى الثانی : إنّه لو کانت تضحیات الحسین (علیه السّلام) واجبه على الأجیال بعده ، لکانَ أولى مَن یقوم بها أولاده المعصومون (علیهم السّلام) ، مع العلم أنّه لم یفعل ذلک ولا واحد منهم .
إذاً ، فلماذا یجب أن یکون تکلیفنا فی الأجیال المتأخّره مثل تکلیفه ولا یکون مثل تکلیف وعمل أولاده ، مع أنّهم جمیعاً معصومون ، یکفی أنّنا یمکن أن نأخذ بعمل العدد الأکثر من المعصومین وهو الهدوء ولیس الثوره ، فإنّ أولادهُ المعصومین تسعه وهو واحد .
المستوى الثالث : إنّ الأصوب والأحجى لکلّ جیل : هو أن یَنظر إلى تکلیفه الشرعی أمام الله سبحانه ،
ـــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه : شرح ابن أبی الحدید ، کتاب ۴۵ ، ج ۱۶ ، ص۲۰۵ .
هل هو التضحیه أو التقیّه ؟ ولا شکّ أنّ التکلیف الغالب فی عصورنا هذه ، عصور الغیبه الکبرى هو : التقیّه ولیس التضحیه ؛ لمدى تألّب الأعداء وترصّدهم فی العالَم ضدّنا من کلّ صوبٍ وحَدب ، بدون وجود طاقه فعلیّه عند ذوی الإخلاص لمقابلتهم ومضادّتهم ، ومَن تخیّل هذه القابلیّه ، فهو متوهِّم سوف یُثبت لهُ الدهر أعنی بالتجربه وهمّته ، والأفضل لهُ هو العمل بالتکلیف الفعلی ، وهو التقیّه المُنتجه لحفظ أهل الحقّ من الهلاک المحقّق فی أیّ نقطه من نقاط هذا العالَم المعروف .
الهدف الثامن : المُحتَمل لحرکه الحسین (علیه السّلام) ، ما یذکرهُ بعض الناس ، أو طبقه من الناس : من أنّ الحسین (علیه السّلام) قُتل من أجل إقامه المأتم علیه والبکاء علیه ، فإنّها من الشعائر الدینیّه المهمّه ، التی توجِب هدایه الکثیر من الباطل إلى الحقّ .
ویمکن أن یُستدلّ على ذلک بما وردَ عن النبی (صلَّى الله علیه وآله) : (( إنّ لولَدی الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تخمُد إلى یوم القیامه ))(۱) ، وهذه الحراره أمرٌ وجدانی قائم فعلاً یحسّ بها الفرد المُحبّ للحسین فی قلبه ، وهی التی تدفعهُ إلى التعب فی هذا الطریق .
ونتکلّم عن هذا الهدف ضمن المستویات التالیه :
المستوى الأوّل : إنّه ینبغی أن یکون واضحاً أنّ هذا الهدف بمجرّده لا یصلح أن یکون هدفاً لکلّ تلک التضحیات التی قام بها الحسین (علیه السّلام) ، إلاّ إذا اندرجت تحت عنوان أهمّ وأعمّ ، وهو طاعه الله سبحانه ، أو هدایه الناس ، أو الأجیال لهذه الطاعه ، أو التضحیه فی سبیل عقیده التوحید ، کما أسلفنا ونحو ذلک، ممّا تکون الشعائر والمآتم مصداقاً لها وتطبیقاً لها، ولیس النظر إلیها نظراً مستقلاً عن غیرها .
ـــــــــــــــ
(۱) مستدرک الوسائل : ج۲ ، ص۲۱۷ ، الکافی للکلینی : ج۸ ، ص۲۰۶ .
وهذا ما سیتّضح أکثر من المستویات التالیه بعونه سبحانه .
المستوى الثانی : إنّنی أعتقدُ أنّ الله سبحانه جَعل بإزاء تضحیه الحسین (علیه السّلام) نوعین مهمّین من الثواب لا نوعاً واحداً ، أحدهما : الثواب الأخروی ، وهو المشار إلیه بقول النبی ( صلّى الله علیه وآله ) فی الروایه : (( إنّ لک فی الجنّه لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهاده ))(۱) .
وثانیهما : الثواب الدنیوی : وهی عدّه أمور یسّرها الله سبحانه وتعالى خلال الأعوام والأجیال المتأخّره عن مقتله (علیه السّلام) ، وأعتقدُ أنّه جلّ جلاله إنّما یسّرها لمصلحه الأجیال ، وإلاّ فإنّ الحسین (علیه السّلام) أجَلّ مِن أن تنالهُ الفائده منها بقلیلٍ ولا بکثیر ، وإن کنّا نقول : إنّها تصلح أن تکون جزاءً له على التضحیه لمدى أهمیّتها البالغه کما سنعرف ، إلاّ أنّها دنیویّه أی حاصله فی الدنیا ، والحسین (علیه السّلام) لم یقصد فی تضحیته أیّ شیء من أمور الدنیا ممّا قلّ أو کثُر یقیناً ، وإنّما حَصلت لأجل مصلحه هدایه الآخرین لا أکثر ، ونستطیع أن نعدّ منها الأمور التالیه :
الأمرُ الأوّل : إنّ الإمامه فی ذریّته لا فی ذریّه الحسن أخیه (علیه السّلام) .
الأمرُ الثانی : حُسن الظنّ به خلال الأجیال ابتداء من قاتلیه أنفسهم إلى الأجیال المتأخّره عنه إلى یوم القیامه ، حتّى فی ضمائر الأعداء وغیر المسلمین ، ولذا نسمع قاتلهُ یقول للحاکم الأموی بعد انتهاء الواقعه على ما ورد :
املأ رکابی فضّهً أو ذَهباً إنّی قتلتُ السیّد المحجّبا
قتلتُ خیرَ الناس أُمّاً وأباً(۲)
ـــــــــــــــ
(۱) أمالی الصدوق : مجلس ۳۰ ، ص۱۳۵ ، الخوارزمی : ج۱ ، ص۱۸۵ ، البحار : ج۴۴ ، ص۳۲۸ .
(۲) العقد الفرید : ج۴ ، ص۳۸۱ ، تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۲۶۱ ، الکامل لابن الأثیر : ج۳ ، ص۲۹۶ ، کشف الغمّه للإربلی : ج۲ ، ص۲۶۳ ، مقتل الخوارزمی : ج۲ ، ص۴۰ ، مناقب ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۲۵۶ .
وقد اختلف المؤرِّخون فی قائل الأبیات وبالتالی فی قاتل الحسین (علیه السّلام) ، ومَن الذین ذَکرهم المؤرّخون فی قتل الحسین (علیه السّلام) ( کما أحصاهم باقر شریف القرشی فی حیاه الإمام الحسین ج۳ ) هم :
 أوّلاً : سنان بن أنس ، الکامل لابن الأثیر : ج۳ ، ص۲۹۵ ، مقاتل الطالبیین ، اللهوف لابن طاووس ، البدایه والنهایه : ج۸ ، ص۸۸ وفیه یقول الشاعر :
وأیّ رزیّهٍ عَدلت حسیناً      غداه یُثیره کفّ سِنانی
الاستیعاب : ج۱ ، ص۳۷۹ .
ثانیاً : شِمر بن ذی الجوشن ، الخوارزمی : ج۲ ، ص۳۶ ، البحار للمجلسی : ج۴۵ ، ص۵۶ .
ثالثاً : عُمر بن سعد ، خُطط المقریزی : ج۲ ، ص۲۶۸ ، مناقب ابن شهرآشوب : ج۵ ، ص۱۱۹ .
رابعاً : خولی بن یزید الأصبحی ، دُرر الإبکار فی وصف الصفوه الأخیار : ص۳۸ ، مناقب ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۲۵۹ ، الفتوح لابن أعثم : ج۵ص۲۱۸ .
خامساً : شبل بن یزید الأصبحی ، تاریخ الخمیس : ج۲ ، ص۳۳۳ ، الأخبار الطوال للدینوری : ص۲۳۱ ، حیث قیل إنّ خولی بن یزید الأصبحی نزلَ عن فرسه لیحتزّ رأس الإمام (علیه السّلام) ، فارتَعدت یداه فنزل إلیه أخوه شبل ، فاحتزّ رأسه ودفعهُ لأخیه .
سادساً : الحُصین بن نمیر ، المعجم الکبیر للطبرانی ، الإفاده فی تاریخ الأئمّه الساده .
سابعاً : رجل من مُذحج ، تهذیب التهدیب : لابن حجر ج۲ ، ص۳۵۳ ( وقد انفرد بنقله ) .
ثامناً : المهاجر بن أوس ، نصّ على ذلک السبط بن الجوزی ولم یذکرهُ غیره ( مرآه الزمان فی تاریخ الأعیان ) .
أقول : والراجح فی هذه الأقوال کلّها أنّ قاتل الحسین (علیه السّلام) هو : الشِمر بن ذی الجوشن ( لعنهُ الله ) ؛ وذلک لعدّه مرجّحات منها : إنّ الزیارهالقائمیّه صریحه به ، وهی زیاره الناحیه والوارده عن الإمام الحجّه ( عجّل الله فرجهُ ) والتی یقول فیها : (( فلمّا رأت النساء جَوادکَ مخزیّاً نظرنَ سَرجک علیه ملویّا …. وإلى مصرعکَ مبادرات ، والشمرُ جالسٌ على صدرک واضعاً سیفه على نحرک ، قابض على شیبتک بیده ، ذابح لک بمهنّده ….. إلخ )) ( مفاتیح الجنان للشیخ عبّاس القمّی : ص۴۵۶ ) .
وهکذا جمله من الروایات المعتبره ، ومع ذلک لا شکّ فی أنّ خولی بن یزید الأصبحی وسنان بن أنس ( لعنهما الله ) ، ممّن لهُ مدخلیّه فی قتل الحسین (علیه السّلام) ، لذلک قال بعض العلماء : إنّ القاتل کان ثلاثتهم حیث ذَکر البعض أنّ هؤلاء الثلاثه عندما قَدِموا إلى عمر بن سعد ومعهم رأس الحسین (علیه السّلام) قال خولی : أنا ضربتهُ بسهم فأردیته عن جواده إلى الأرض ، وسنان یقول : أنا ضربتهُ بالسیف ففلقتُ هامتهُ ، والشمر یقول : أنا أبنتُ رأسه عن بدنه ( أسرار الشهاده للدربندی : ص۴۲۷ ) .
الأمرُ الثالث : تأثیر تضحیتهُ الجسیمه فی هدایه الناس وتکاملهم إیماناً ، کلّ حسب استحقاقه ، فی أیّ مکانٍ وزمان وجِد الفرد إلى یوم القیامه ، ومهما کانت نقطه بدایته ، حتّى لو کان کافراً ، بل حتّى لو کان معانداً أحیاناً .
الأمرُ الرابع : هذه الحراره التی فی قلوب المؤمنین من محبّیه ، والتی أشرنا إلیها فیما سبق ، والتی أوجَبت تزاید ذکراه وتزاید اللوعه على ما أدّاه من تضحیات وما عاناه من بلاء .
الأمرُ الخامس : إنّ ذِکر أیّ معصوم غیر الحَسن (علیه السّلام) بما فیهم النبی (صلَّى الله علیه وآله) وعلی (علیه السّلام) ، فی أیّ مجلسٍ من مجالس محبّیه ، وفی أیّ مناسبه للحدیث سواء کانت مأتماً ، أو خطبه ، أو موعظه أو غیرها ؛ فإنّها لا تکاد تکون تامّه ولا مُرضیه للقلوب ما لم تقترن بذکر الحسین (علیه السّلام) ، والتألّم لمصابه .
الأمرُ السادس : البکاء علیه لدى محبّیه جیلاً بعد جیل وإقامته المآتم والشعائر علیه (علیه السّلام) ، وهذا هو الذی ذَکرهُ بعض الناس کهدفٍ مستقل کما ذکرنا ، وهو إنّما یصحّ کنتیجه طبیعیّه وفّقَ الله سبحانه وتعالى محبّیه إلیها لأجل مصلحتهم وهدایتهم ، وسنتکلّم عنها فی المستوى الآتی من الحدیث بعونه سبحانه لنفهمها بشکلٍ واضح .
المستوى الثالث : الحدیث عن البکاء علیه وإقامه المآتم لذکرى مُصابه ، وهنا ینبغی لنا أن نقول : إنّ فی قضیّه الحسین (علیه السّلام) جانبَین مهمّین لا یکاد أحدهما أن یکون أقلّ أهمیّه من الآخر :
الجانبُ الأوّل : جانب النعمه والرحمه ، بهذا التوفیق الإلهی العظیم للحسین (علیه السّلام) وأصحابه وأهل بیته ، بهذه المقامات وهذا الثواب الجزیل والعطاء الهنی ، وهذا الجانب یقتضی الفرح والاستبشار لا الحُزن والتألّم ، بل کلّما کان البلاء الدُنیوی أکثر ، کان الثواب الأخروی والتقرّب الإلهی أکثر ، فیکون الاستبشار أکثر .
وهذا ما وردَ عن أصحابه المقاتلینَ معهُ أنّه قال أحدهم : عمّا قلیل سنُعانق الحور العین(۱) . وقال آخر : لیس بیننا وبین الجنّه إلاّ أن یمیل علینا هؤلاء بأسیافهم(۲) ، وهم یَعلمون أنّهم سیُعانون الجَرح والقتل والبلاء الصارم ، ومن ذلک قول الشاعر یصف العبّاس (علیه السّلام) أخا الحسین (ع) ، وقد حاربَ معه وأبلى بلاءً حسناً وعظیماً قال الشاعر :
عَبَست وجوهُ القوم خوفَ الموت       والعبّاسُ فیهم ضاحکٌ یتبسّم(۳)
ومنه قول علیّ بن الحسین الأکبر فیما وردَ عنه : لا نُبالی أوَقَعنا على الموت أم وقَعَ الموت علینا(۴) ، یعنی : ما دُمنا على الحقّ کما ورد فی أوّل الروایه ، وعدم المُبالاه یعنی عدم الحُزن والتألّم لهذا البلاء النازل ، وإنّما هو الصبر بإیمانٍ والجلد بیقین ، بل الاستبشار برحمه الله ورضوانه .
ـــــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۲۴۱ ، أسرار الشهاده للدربندی : ص۲۴۹ .
(۲) نفس المصدر بتصرّف .
(۳) للسیّد جعفر الحلّی ، المتوفّى فجأهً فی شعبان لسبع بقینَ منه سنه ۱۳۱۵هـ ( أدبُ الطف : ج۸ ( ص۹۹ ـ ۱۱۵ ) .
(۴) الطبری : ج۶ ، ص۲۳۱ ، الکامل لابن الأثیر : ج۳ ، ص۲۸۲ ، اللهوف : ص۳۰ .
وإذا کان غیر المعصومین یحسّ بذلک ، فکیف بالمعصومین ومنهم الحسین نفسه ، وإذا کان أصحابه وذووه ممّن هو تحت ذلک البلاء العظیم نفسه ، لا یشعرون بالحُزن والألم النفسی بل بالاستبشار ، فکیف ینبغی أن یکون حال مَن سواهم من الناس من مُحبّین وأولیاء .
الجانبُ الثانی : جانبُ الحُزن والألم لِمَا أصاب الحسین (علیه السّلام) وأهل بیته وأصحابه ونسائه من : بلاءٍ ، وقتلٍ ، وتشرید ، وسبی ، وإذلال ، وهی حادثه بمجموعها تُعتبر أعظم ما وقعَ من البلاء الدُنیوی على أیّ مجموعه أخرى من البشر خلال التاریخ البشری الطویل ، ومن هنا کان ردّ فعلها المأساوی أعظم وأجلّ من کلّ حادثهٍ أخرى فی العالَم مُماثله أو غیر مُماثله ، ومن هنا قال الشاعر عنها :
وفجائــعُ الأیّام تبقــى مُــدهً          وتزول وهی إلى القیامه باقیه(۱)
وکلا هذین الجانبین المشار إلیهما ناجزان فعلاً فی حادثه الحسین (علیه السّلام) ، ویحتوی کلّ منهما على نقطه قوّه ونقطه ضُعف ، ینبغی أن نلاحظهما لکی نعرف القیمه الحقیقیّه لکلّ منهما أوّلاً ، ولماذا اختیرَ الجانب الثانی المأساوی فی هذا الصدد ؟
ولکلٍّ نقطهٍ قوّه فی أحدهما یُقابله نقطه ضعف فی الجانب الآخر .
فنقطهُ القوّه فی الجانب الأوّل : هی کونه جانباً أُخرویّاً محضاً ، تُقابلهُ النقطه فی الجانب الآخر ، وهو کونه جانباً دنیویّاً ؛ لوضوح أنّ البلاء الذی عاناه الحسین (علیه السّلام) ومَن معه ، بلاءٌ دنیوی خالص لا یشوبه بلاء أخروی إطلاقاً ، بل لهُ فی الآخره أعلى المقامات وأرفع الدرجات .
ونقطهُ القوّه فی الجانب الثانی : کونهُ سبباً لتربیه المجتمع تربیه صالحه ومؤکّده أکثر من الجانب الأوّل بکثیر ، ذلک المجتمع المُتربّی فی حالته الاعتیادیّه على العواطف الشخصیّه والأُسریّه والدنیویّه عموماً ، إذاً فمن المصلحه توجیه هذه العواطف إلى وجهه صالحه ومربّیه ، فکما یبکی المؤمن على وَلده أو والدیه ، فلیبکِ على الحسین (علیه السّلام) وأصحابه ؛ لینال فی الآخره ثواباً ویُقیم للدین شعاراً .
ـــــــــــــــ
(۱) للشیخ عبد الحسین الأعسم بن الشیخ محمّد علی بن الحسین ، بن محمّد الأعسم الزبیدی النجفی ، ولِدَ فی حدود سنه ۱۱۷۷هـ ، وتوفی ۱۲۴۷ هـ بالطاعون العام فی النجف الأشرف عن عُمرٍ یُناهز السبعین ، ودُفن مع أبیه فی مقبره آل الأعسم ، وهذا البیت من قصیده طویله مطلعها :
قد أوهَنَت جلدی الدیار الخالیه          مــن أهلـها ما للدیار ومالیه
( أدبُ الطف : ج۶ ، ص۲۸۷ – 294 ) .
ومن هنا یکون توجیه البکاء والحزن للمؤمنین نحو الدین ونتائجه الطیّبه ، أکثر بکثیر ممّا یوجبهُ الفرح والاستبشار المشار إلیه فی الجانب الأوّل .
مضافاً إلى أنّ الفهم العام لأیّ شیء بما فیها واقعه الحسین (علیه السّلام) ، إنّما هو ظاهرها الدُنیوی ولیس واقعها الأخروی، فکان من الأفضل توجیه الناس إلى ما یفهمون والاستفاده لهم بمقدار ما یدرکون.
ومن هنا وردَ عن الشریعه المقدّسه وقادتها الأوائل بشکلٍ متواتر لا یقبل الشک ، الحثّ على البکاء على الحسین وحادثته المروِّعه(۱) ، وکان الطعنُ فی ذلک ومناقشته بقصدٍ مُخلص أو مُغرض ناشئ من خطأ فاحش لا یُغتفر .
فمن أمثله ما ورد : أنّ النبی (صلَّى الله علیه وآله) بکى على الحسین (علیه السّلام) عند ولادته(۲) ، وأنّ أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ذَکر واقعه الطف ، وأنّه نظرَ إلى کفّی ولدهُ العبّاس (علیه السّلام) ، وتنبّأ بأنّهما یُقطعان فی تلک الواقعه(۳) ، وأنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) حین کان على فراش الموت مسموماً سمعَ أخاه الحسین یبکی علیه ، فقال له : (( أتبکی علیّ أم أنا أبکی علیک ، لا یوم کیومک یا أبا عبد الله ، فإنّ لک یوماً أعظم من هذا الیوم ))(۴) .
ـــــــــــــــ
(۱) أمالی الصدوق : ص۱۲۵ ، مجلس ۲۹ ، الدمعه الساکبه : م۱ ، ص۳۰۰ ، البحار للمجلسی : ج۴۴ ، ص۲۸۱ .
ومن هذه الأخبار : ما وردَ فی البحار ج۴۴ ، أوّل باب ثواب البکاء ص۲۷۸ ، بسنده عن علیّ بن الحسین بن فضّال عن أبیه قال : قال الرضا (علیه السّلام) : (( مَن تذکّر مصابنا وبکى لمَا ارتُکبَ منّا کان معنا فی درجتنا یوم القیامه ، ومَن ذَکر فبکى وأبکى ، لم تبکِ عینهُ یوم تبکی العیون ، ومَن جلسَ مجلساً یُحیى فیه أمرنا ، لم یمُت قلبه یوم تموت القلوب )) . وفی أمالی الصدوق بسنده عن أبی محمود قال ، قال الرضا (علیه السّلام) : (( المُحرّم شهرٌ کان أهل الجاهلیّه یُحرِّمون فیه القتال فاستُحلّت فیه دماؤنا وهُتکت فی حُرمتنا وسُبیَ فیه ذرارینا ونساؤنا ـ إلى أن قال ـ فعلى مثل الحسین فلیبکِ الباکون ، فإنّ البکاء علیه یحطّ الذنوب العظام )) .
(۲) الخصائص الکبرى للسیویطی : ج۲ ، ص۱۲۵ ، البحار للمجلسی : ج۴۴ ، ص۲۵۱ .
(۳) أسرارُ الشهاده للدربندی : ص۲۶۳ .
(۴) مُثیر الأحزان لابن نما : ص۳۱ ، مناقب ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۲۳۸ ، البحار : ج۵ ، ص۱۵۴ .
وأمّا الإمام زین العابدین علیّ بن الحسین (علیه السّلام) ، فقد أصبحَ أحد الخمسه البکّائین من البشر ، وهم : آدم ، ویعقوب ، ویوسف ، والزهراء ، وهو ، سلام الله علیهم أجمعین ؛ وذلک لکثره بکائه على أبیه سلام الله علیه ، فی زمنٍ صعب کان یعیشه من حال المطارده والتقیه ، فکان لا یمکنه الدعوه إلى حقّ أبیه وإعلان الاهتمام به إلاّ بالبکاء ، ومن هنا کان من البکّائین ، حتّى کان یخلط طعامه وشرابه بالدموع(۱) .
وأمّا قصیده دعبل (رحمه الله علیه) التی قرأها على الإمام الرضا (علیه السّلام) ، فبکى لها ، وجَمَع العَلَویات خلف الستر ؛ لکی یسمعنَ ویبکینَ(۲) فهی روایه أشهر من أن تُذکر ، وفیها یقول دعبل :
أفـاطمُ  لو خِلتِ الحُسین مُجدّلاً(۳)      وقـد مـاتَ عـطشاناً بـشطِّ فُرات
إذن  لَـلَطمتِ الـخدّ فـاطم iiعـندهُ      وأجریتِ دَمع العین فی الوَجَناتِ(۴)
ـــــــــــــــ
(۱) مناقبُ ابن شهرآشوب : ج۳ ، ص۳۰۳ ط النجف ، أمالی الصدوق : مجلس ۲۹ ، ص۱۲۴ .
ویتجلّى هذا الأمر فیما نَقلهُ ابن شهرآشوب عن الإمام الصادق (ع) حیث قال : (( بکى علیّ بن الحسین عشرین سنه ، وما وضِع بین یدیه طعام إلاّ بکى ، حتّى قال مولىً لهُ : جُعلتُ فداکَ یا بنَ رسول الله ، إنّی أخافُ أن تکون من الهالکین ، فقال الإمام : إنّما أشکو بثّی وحُزنی إلى الله ، وأعلمُ من الله ما لا تعلمون ، إنّی لم أذکُر مصرع بنی فاطمه إلاّ وخَنَقتنی العبره )) .
وفی روایه ٍأخرى قال مولىً له : أمَا آنَ لحزنکَ أن ینقضی ؟ فقال له : (( ویحکَ ، إنّ یعقوب النبیّ کان له اثنا عشر ابناً فغیّب الله واحداً منهم فابیضّت عیناهُ من کثره بکائه علیه ، واحدودبَ ظهرهُ من الغمِّ وکان ابنه حیاً فی الدنیا ، وأنا نظرتُ إلى أبی وأخی وعمّی وسبعه عشر من أهل بیتی مقتولین حولی فکیف ینقضی حُزنی )) ابن شهرآشوب : ج۳۲ ، ص۳۰۳ .
(۲) مقتل الخوارزی : ج۲ ، ص۱۳۰ ، الدمعه الساکبه : ص۷۷ ( نقلاً عن الإربلی فی کشف الغمّه ) .
(۳) مُجّدلاً : بمعنى مرمی مُلقى على الأرض قتیلاً ( مجمعُ البحرین : ج۵ ، ص۳۳۶ ) .
(۴) للشاعر دعبل الخزاعی (۱۴۸ هـ ـ ۲۴۶ هـ) وهذان البیتان من قصیدته التائیّه المشهوره التی مطلعها : تجاوبنَ بالأرنان والزَفرات=نوائح عُجم اللفظ والنُطقات
وقد أنشدَها على الإمام الرضا (علیه السّلام) ، فلمّا وصلَ إلى قوله :
وقبرٌ ببغداد لنفس زکیّهٍ = تَضمّنها الرحمان فی الغُرفاتِ
قال الرضا (علیه السّلام) : (( أفلا أُلحِق لک بیتین بهذا الموضع بها تمام قصیدتک ؟ )) فقال : بلى ، یابن رسول الله ، فقال الإمام الرضا (علیه السّلام) :
وقبرٌ بطوسٍ یا لها من مصیبهٍ ألَحّت على الأحشاءِ بالزَفرات
إلى الحشر حتّى یبعث الله قائماً یُفــرِّجُ عنّا الغمِّ والکُربات
فقال دعبل : هذا القبر الذی بطوس قبرُ مَن ؟ قال الرضا (علیه السّلام) : هو قبری) أدبُ الطف : ج۱ ، ص۲۹۵ – 309 .
(۱) الخصائص الحسینیّه للتستری : ص۴۰ ، ط النجف ، تُحف العقول للحسن بن علی البحرانی : ص۳۲ .
(۲) وسائل الشیعه للعاملی : ج۳ ، ص۲۳۹ ، ونَقلهُ المرحوم المقرّم فی مقتله عن التهذیب للطوسی : ج۲ ، ص۱۰۸ ، وکتاب المکاسب ، والمنتهى للعلاّمه الحلّی : ج۲ ، ص۱۱۲ ، والذکرى للشهید الأوّل المبحث الرابع من أحکام الأموات ، وفی مَن لا یحضرهُ الفقیه : ص۳۶ أنّه (علیه السّلام) أوصى بثمانمائه درهم لمأتمهِ ، وأن یُندب فی المواسم عشر سنین .
وادّعى بعضهم أنّ هذا العمل غیر جائز ، باعتبار أنّ صوت المرأه عوره ویَحرم على الأجانب سماعه ، وقد ردّ هذا القول السیّد المقرّم فی مقتله : ص۱۰۵ بأفضل جواب ، بحیث لم یبقَ شکّ فی بطلان هذا القول وصحّه فعل الإمام (علیه السّلام) ، فراجع .
وحَسبُ فهمی أنّه لمدى تأثیر البکاء فی النفوس أوّلاً ، وفی الإعلام ثانیاً ، وفی التربیه ثالثاً ، حَصَلت هناک من المعصومین (علیهم السّلام) عدّه أمور ممّا اقتضى الترکیز علیها :
منها : أنّه بکى رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) بعد موت أولاده ، کما وردَ عنه أنّه قال : (( یَحزن القلب ، وتدمعُ العین ، ولا نقول ما یُسخِط الربّ ))(۱) .
ومنها : أنّ الإمام الباقر (علیه السّلام) کما وردَ ، أوصى بمالٍ یُصرف من ثُلثه فی نوادب یندُبنَهُ فی عرفه عند الحج ، عشر سنوات(۲) .
ومنها : أنّ نساء الحسین (علیه السّلام) من قریبات وبعیدات ، بقینَ على حاله الحزن والبکاء المتواصل وترک الراحه والهدوء عدّه سنوات ، حتّى حَصَلت حرکه المختار الثقفی(۱) الذی حاولَ قتل المعتدین من قَتَله الحسین (علیه السّلام) وأصحابه فی الطف(۲) .
ومنها : أنّ الدعاء الموسوم بالندبه(۳) ، إنّما هو إشعار للنفس بالحزن العمیق لغیبه الإمام المهدی (علیه السّلام) ، فلماذا الحُزن إن کان فی غیبته حکمه إلهیّه وتسبّب لانتصاره یوم ظهوره ؟ وما ذلک إلاّ لأنّ البکاء شکل من أشکال التربیه ، وشکل من أشکال الإعلام .
ولنسمع فیما یلی فَقرات من دعاء الندبه هذا ؛ لنجد الترکیز فیه على الحُزن العمیق : لیتَ شِعری أین استقرّت بکَ النوى ؟(۴) بل أیّ أرضٍ تَقلّک أو ثرى ؟ أبرضوى أو غیرها أم ذی طوى ؟(۵) ، عزیزٌ علیّ أن أرى الخلق ولا تُرى ، ولا أسمعُ لک حسیساً ولا نجوى ، عزیزٌ علیّ أن تُحیط بکَ دونیَ البلوى
ــــــــــــــ
(۱) هو المختار بن أبی عبید بن عمرو بن عمیر ، بن عوف بن عقده بن غبره بن عوف بن ثقیف الثقفی ، أبو إسحاق ، کان أبوه من جُلّه الصحابه ، وولِدَ المختار عام الهجره ولیست له صُحبه ولا روایه . وقد خرجَ یطلب بثأر الحسین بن علی (علیه السّلام) ، واجتمعَ علیه کثیر من الشیعه بالکوفه فغلبَ علیها وطلبَ قَتَله الحسین (علیه السّلام) ، فَقَتلهم ومنهم : شمر بن ذی الجوشن الضبابی ، وخولی بن یزید الأصبحی ، وعمر بن سعد بن أبی وقّاص ، وهو أمیر الجیش الذی قاتلَ الحسین ، وقتلَ ابنهُ حَفصاً ، وقتلَ عُبید الله بن زیاد ، حیث کان ابن زیاد بالشام ، فأقبلَ فی جیش إلى العراق ، فسیّر إلیه المختار إبراهیم بن الأشتر فی جیش فلقیه فی أعمال الموصل ، فقتلَ ابن زیاد وغیره ، ولذلک أحبّه کثیرٌ من المسلمین وأبلى فی ذلک بلاءً حسناً .
وکان یُرسل المال إلى : ابن عمر ، وابن عبّاس ، وابن الحنفیّه وغیرهم فیقبلونهُ منه ، وکان ابن عمر زوج أخت المختار وهی : صفیّه بنت أبی عُبید ، ثُمّ سار إلیه مصعب بن الزبیر من البصره فی جمعٍ کثیر من أهل الکوفه وأهل البصره ، فَقَتلَ المختار بالکوفه سنه ۶۷هـ ، وکانت إمارتهُ على الکوفه سنه ونصف ، وکان عمرهُ سبعاً وستّین سنه ( أُسد الغابه : ج۴ ، ص۳۳۶ ) .
(۲) تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۳۸ ، ط مصر .
(۳) انظر فی مفاتیح الجنان : ص۵۳۲ .
(۴) النوى : البُعد والوجه الذی یذهب فیه وینویه المسافر من قربٍ أو بُعد ( أقربُ الموارد : ج۲ ، ص۱۳۶۳ ) .
(۵) ذی طوى : موضع قُرب مکّه ( أقربُ الموارد : ج۱ ، ص۷۲۴ ) .
ولا ینالُک منّی ضجیجٌ ولا شکوى …… هل من معُین فأُطیل معهُ العویل والبکاء ؟ هل من جزوعٍ فأُساعدُ جَزعهُ إذا خلا ؟…. هل قَذیت عینٌ فساعَدتها عینی على القذى ؟ هل إلیک یا بن أحمدٍ سبیل فتلقى ؟ هل یتّصل یومنا منک بغدهِ فنحظى ……… إلخ(۱) هذا ، وسیأتی مزید إیضاح وتفصیل حول هذه الفکره بعون الله تعالى .
ـــــــــــــــ
(۱) مفاتیحُ الجنان للشیخ عبّاس القمّی : ( دُعاء الندبه ) .

Leave A Reply

Your email address will not be published.