لماذا لم یعمل الحسین (علیه السّلام) بالتقیَّه ؟

0

وقوله (علیه السّلام) :(لا دین لمَن لا تقیَّه له) (۲) .وقوله (علیه السّلام) :(التقیَّه درع المؤمن الحصینه) (۳) وغیر ذلک . وأمَّا الإجماع فهو واضح لمَن استعرض فتاوى علمائنا، بلْ الحکم یُعتبر مِن ضروریَّات المذهب .
ـــــــــــــــ
 (1) سوره آل عمران آیه ۲۸ .
 (2) أصول الکافی ج۲ص۲۱۹حدیث ۱۲ – باقتضاب – طهران .
 (3) أصول الکافی ج۲ص۲۱۷ الحدیث الثانی – بتصرُّف واقتضاب – مُختصر بصائر الدرجات ص۱۰۱ .
 (4) أصول الکافی ج۲ ص۲۲۱حدیث ۲۳ – بتصرُّف واقتضاب .
إذاً ؛ فالتقیَّه واجبه . وهذا ما حدى بالمعصومین (علیهم السّلام) جمیعاً العمل بها إلاَّ الحسین (علیه السّلام) ، فلماذا لم یعمل بها هذا الإمام الجلیل ؟! إذ مِن الواضح أنَّ أحداً مِن المعصومین غیره لم یتحرَّک مثل حرکته ، بلْ کانت الثورات مُتعدِّده ، والحروب فی داخل البلاد الإسلامیَّه وخارجها موجوده ، وهم مُعرضون عنها لا یُشارکون بأیِّ شیء منها ، حتَّى لو کان الثوَّار والمُحاربون مِن أبناء عمومتهم کذریَّه الحسن أو الحسین ، الذین تحرَّکوا خلال العهدین الأُموی والعباسی بکثره ، عَدَّ منهم فی ( مقاتل الطالبیِّین ) عشرات ، إلاَّ أنَّ المعصومین (علیهم السّلام). لم یکونوا مِن بینهم بأیِّ حال مِن الأحوال ، بل کانوا یسلکون سلوکاً مُغایراً لذلک تماماُ عملاً بالتقیَّه الواجبه ، التی یحسُّون بضرورتها التشریعیَّه والواقعیَّه (علیهم السّلام) ، لا یُستثنى مِن ذلک إلاَّ واحد مُعیَّن منهم ، هو الإمام الحسین (علیه السّلام) فی حرکته العظیمه . فلماذا کان ذلک ؟!
والأسباب المُتصوَّره لذلک عِدَّه أُمور مُحتمله ، وإنْ لم تکن کلُّها صحیحه ، إلاَّ أنَّنا نذکر الأُمور التی قد تخطر على بال القارئ الاعتیادی أیضاً :
الأمر الأوَّل : إنَّ الأخبار الدالَّه على وجوب التقیَّه لم تکن صادره فی زمن الحسین (علیه السّلام) ؛ لأنَّها إنَّما صدرت عن الإمامین الصادقین (علیهم السّلام) ، وهما عاشا بعد واقعه کربلاء بحوالی قرن مِن الزمن ، وإذا لم تکن هذه الأخبار موجوده ، فلا دلیل على وجوب التقیَّه یوم حرکه الحسین (علیه السّلام) ؛ ومِن هنا لم یعمل بها .
إلاَّ أنَّ هذا الوجه غیر صحیح لأکثر مِن جواب واحد :
أوَّلاً : إنَّ هذه الأخبار المُشار إلیها تدلُّنا على حُکم واقعی ثابت فی الشریعه ، یعلم به المعصومون جمیعاً (علیهم السّلام) بما فیهم الحسین (علیه السّلام) ؛ فإنَّهم ـ جمیعاً ـ عالمون بجمیع أحکام الشریعه المُقدَّسه .
ثانیاً: إنَّ الآیات الکریمه دالَّه على ذلک أیضاً ، وقد کانت موجوده ومقروءه فی زمن الحسین (علیه السّلام .
الأمر الثانی : إنَّ الحسین (علیه السّلام) کسائر المعصومین (علیهم السّلام) ، عمل بالتقیَّه ردحاً طویلاً فی حیاته ، وإنَّما ترک العمل بها مِن ناحیه واحده فقط ، هی الناحیه التی أدَّت إلى مقتله فی واقعه الطَّفِّ ، وهی رفض الطلب الصادر مِن قِبَل الحاکم الأُموی بالبیعه له (۱) وتهدیده بکلِّ بلاء إذا لم یُبایع، الأمر الذی استوجب صموده (علیه السّلام) ضِدَّ هذا المعنى حتَّى الموت .
ـــــــــــــــ
 (1) البحار للمجلسی ج۴ص۳۲۶ مناقب ابن شهرآشوب ج۲ص۲۰۸ اللهوف لابن طاووس ص۱۱ .
الأمر الثالث : إنَّ الأدلَّه فی الکتاب والسُّنَّه على مشروعیَّه التقیَّه، لیست دالَّه على الإلزام والوجوب ، بلْ على الجواز على ما سنرى .
أو ـ بتعبیر آخر ـ : إنَّ العمل بالتقیَّه رخصه لا عزیمه ؛ ومِن هنا یُمکن القول : إنَّ الإمام الحسین (علیه السّلام) کان مُخیَّراً یومئذ بین العمل بالتقیَّه وبین ترکها ، ولم یکن یُحبُّ العمل بالتقیَّه فی حَقِّه ، وما دام مُخیَّراً فقد اختار الجانب الأفضل فی نظره ، وهو فعلاً الأفضل فی الدنیا والأفضل فی الآخره ، وهو نیله للشهاده بعد صموده ضِدَّ الانحراف والظلم والظلال .
ومِن هنا ـ أیضاً ـ کان عمل أصحاب الأئمَّه والمعصومین عموماً ، مع العلم أنَّهم کانوا عارفین بالأحکام مُتفهِّمین للشریعه مُرتفعین فی درجات الإیمان .
فعمار بن یاسر(۱) عَمِل بالتقیَّه حین طلب منه مُشرکو قریش الطعن
ـــــــــــــــ
(۱) عمار بن یاسر : هو بن عامر بن مالک بن کنانه بن قیس بن الحصین … ابن یشجب المُذحجی ، وهو مِن السابقین الأوَّلین إلى الإسلام ، وهو حلیف بنی مخزوم . أُمُّه سمیه وهی أوَّل مِن استُشهد فی الإسلام ، وقد قال فیه رسول الله ( صلَّى الله علیه وآله) ) : ( مَن عادى عمّاراً عاداه الله ، ومن أبغض عماراً بغضه الله )) . وعن علیٍّ (علیه السّلام) قال : (( جاء عمار یستأذن على النبی ( صلَّى الله علیه وآله ) فقال : إئذنوا له مرحباً بالطیِّب المُطیَّب )) . وعن عائشه قالت : قال رسول الله ( صلَّى الله علیه وآله ) : (( ما خیّر عمار بین أمرین إلاَّ اختار أرشدهما ) .
ومِن مناقبه أنَّه قَدِم المدینه ضحى ، فقال عمار : ما لرسول الله بُدٌّ مِن أنْ نجعل له مکاناً ؛ لیستضلَّ فیه ویُصلِّی فیه فجمع حجاره فبنى مسجد قِبا . وقال عبد الرحمان السلمی : شهدنا صِفِّین مع علی (علیه السّلام) فرأیت عمار بن یاسر لا یأخذ فی ناحیه ولا واد مِن أودیه صِفِّین إلاَّ رأیت أصحاب النبی ( صلَّى الله علیه وآله ) یتْبعونه کأنَّه عَلَم لهم .
وشهد خزیمه بن ثابت الجمل ، وهو لا یسلُّ سیفاً ، وشِهَد صفین ولم یُقاتل وقال : لا أُقاتل حتَّى یُقتل عمار فأنظر مَن یقتله ؛ فإنِّی سمعت رسول الله ( صلَّى الله علیه وآله ) یقول : (( تقتله الفئه الباغیه )) فلمَّا قُتل قال خزیمه : ظهرت له الضلاله . ثمَّ تقدَّم فقاتل حتَّى قُتل : وقُتل عمار فی صِفِّین وعمره یومئد (۹۴) سنه ، وقیل : (۹۳) سنه ، وقیل : (۹۱) سنه . واختلف فی قاتله ، فقیل : قتله أبو العاریه المزنی ، وقیل : الجهنی . طعنه فسقط فلمَّا وقع اکبَّ علیه آخر فاحتزَّ رأسه . أُسد الغابه ج۴ ص ۴۳٫ بتصرُّف واقتضاب .
بالإسلام ونبیِّ الإسلام . وبتلک المُناسبه نزلت الآیه الکریمه(۱) . فی حین أنَّ عدداً مِن الآخرین ترکوا العمل بها ، ودفعوا حیاتهم فی سبیل ذلک : کمیثم التمَّار ، وسعید بن جبیر(۲) ، وحجر بن عدی(۳) ، وزید بن علی
ـــــــــــــــ
 (1) سوره النحل آیه ۱۰۶ وهو قوله تعالى : (مَن کَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إیمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ وَلَـکِن مَّن شَرَحَ بِالْکُفْرِ صَدْراً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله ) .
 (2) سعید بن جبیر : لقد کان سعید مِن التابعین ، وکان معروفاً بالزُّهد والعباده وعلم التفسیر ، وکان یُسمَّى ( جَهْبد العلماء ) ، وکان یُصلِّی خلف الإمام زین العابدین (علیه السّلام) ، فأخذه خالد بن عبد الله القسری وأرسله إلى الحجَّاج فلمَّا رآه قال له : ما اسمک ؟ قال : سعید بن جبیر . قال : بلْ شقیُّ بن کُسیر . قال : إنَّ أُمِّی أعلم باسمی منک . قال : شقیت أنت شقیت أُمُّک . قال : الغیب یعلمه غیرک . قال : لأبدِّلنَّک ناراً تلظى . قال : لو علمت أنَّ ذلک بیدک لاتَّخذتک إلهاً . قال : فما قولک فی محمّد ؟ قال : نبیُّ الرحمه وإمام الهُدى . قال : فما قولک فی علی : أهو فی الجَنَّه أو فی النار ؟ قال : لو دخلتها وعرفت مَن فیها عرفت أهلها . قال : فما قولک فی الخلفاء ؟ قال : لستْ علیهم بوکیل . قال : فأیُّهم أحبُّ إلیک ؟ قال : أرضاهم للخالق . قال : فأیُّهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلک عند الذی یعلم سِرَّهم ونجواهم . قال : أبیت أنْ تُصدِّقنی ! قال : بلْ لم أُحبَّ أنْ أُکذِّبک . قال الحجَّاج : فاختر أیَّ قتله أقتلک . قال سعید : اختر لنفسک ـ یا حجَّاج ـ فو الله ، ما تقتلنی قتله إلاَّ قتلک الله مثلها فی الآخره قال : أفتُرید أنْ أعفو عنک ؟ قال : إنْ کان العفو فمِن الله . وأمَّا أنت فلا براءه لک ولا عذر . قال الحجَّاج : اذهبوا به فاقتلوه ، فلمَّا خرج من الباب ضحک . فأُخبر الحجَّاج بذلک فأمر بردِّه وقال : ما أضحکک ؟! قال : عجبت مِن جُرأتک على الله وحِلم الله عنک . فأمر الحجَّاج بالنطع فبًسط ، فقال : أقتلوه . قال سعید : وجَّهت وجهی للذی فطر السموات والأرض حنیفاً مُسلماً وما أنا مِن المُشرکین . قال : شدُّوا به لغیر القبله ! قال سعید : فأینما تولُّوا فثمَّ وجه الله . قال : کبُّوه على وجهه . قال سعید : منها خلقناکم وفیها نُعیدکم ومنها نُخرجکم تاره أُخرى . قال الحجَّاج : اذبحوه . قال سعید : أمَّا أنَّی أَشهد وأحاجُّ أنْ لا إله إلاَّ الله وحده لا شریک له ، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله . خُذْها منِّی حتَّى تلقانی یوم القیامه . ثمَّ دعا سعید الله فقال : اللَّهمَّ لا تُسلِّطه على أحد یقتله بعدی ، فذبح على النطع (رحمه الله) . ولم یعش الحجَّاج بعده إلاَّ خمس عشره لیله ظلَّ یُنادی فیها مالی ولسعید بن جبیر کلَّما أردت النوم أخذ برجلی . وفیات الأعیان لابن خلکان ج۲ ص۳۷۲ ط بیروت مُقارنه بمروج الذهب للمسعودی ج۳ ص۱۶۴ .
 (3) حجر بن عدی : بن معاویه بن جبله بن عدی بن ربیعه … بن کنده الکندی ، وهو المعروف بحجر الخیر ، وهو بن الأدبر ، وإنَّما قیل لأبیه : عدی الأدبر ؛ لأنَّه طعن على إلیته مولِّیاً فسُمِّی : الأدبر . وفد على النبی (صلَّى الله علیه وآله) هو وأخوه هانی ، وشهد القادسیَّه وکان مِن فُضلاء الصحابه ، وکان على کنده بصِفِّین وعلى المیسره یوم النهروان ، وشهد الجمل ـ أیضاً ـ مع علیٍّ (علیه السّلام) وکان مِن أعیان أصحابه ، ولمَّا ولِّی زیاد العراق وأظهر مِن الغلظه وسوء السیره ما أظهر . خلعه حجر ولم یخلع مُعاویه وتابعه جماعه مِن شیعه علیٍّ (علیه السّلام) ، فکتب فیه زیاد إلى مُعاویه ، فأمره بأنْ یبعث به وبأصحابه إلیه ، فبعث بهم مع وائل بن حجر الحضرمی ، ومعه جماعه فلمَّا أشرف على مرج عذراء قال : إنِّی لأوَّل المسلمین کبر فی نواحیها ، فأُنزل هو وأصحابه عذراء وهی قریه عند دمشق ، فأمر معاویه بقتله ، فشفع أصحابه فی بعضهم فشفَّعهم ، ثم قَتَل حجر وستَّه معه وأطلق ستَّه ، ولمَّا أرادوا قتله صلَّى رَکعتین ، ثمَّ قال : لولا أنْ تظنُّون بی غیر الذی بی لأطلتهما ، وقال : لا تنزعوا عنِّی حدیداً ، ولا تغسلوا عنِّی دماً ؛ فإنِّی لاقٍ مُعاویه على الجادَّه . وقال عبد الرحمان بن الحارث بن هشام لمُعاویه بعد مقتل حجر : والله ، لا تعدُّ لک العرب حِلماً بعدها ولا رأیاً قتلت قوماً بعث بهم أُسارى مِن المسلمین . وکان قتله سنه ۵۱ هـ ، وقبره مشهور بعذراء ، وکان مُجاب الدعوه . أُسد الغابه ج۱ص۳۸۵ .
الشهید (۱) وغیرهم .
ولو کانت التقیَّه واجبه إلزاماً لکان حال هؤلاء وغیرهم على باطل ، مع العلم أنَّهم لا شکَّ على حقٍّ ؛ لأنَّهم مُتَّفقهون بالأحکام الإسلامیَّه جزماً . ولاشکَّ أنَّها ـ مع ذلک ـ مشروعه ؛ فیتعیَّن أنْ تکون مشروعه بنحو التخییر لا بنحو الإلزام .
ومِمَّا دلَّ على ذلک ما روی عن رجلین مِن أهل الکوفه أُخِذا . فقیل لهما : ابریا مِن أمیر المؤمنین (علیه السّلام) . فبرئ واحد منهما وآبى الآخر . فخُلِّی سبیل الذی برئ . وقُتِل الآخر . فقال الإمام الباقر (علیه السّلام) : ( أمَّا الذی برئ فرجل فقیه فی دینه ، وأمَّا الذی لم یبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنَّه )(۲) .
 (1) زید بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب ، ویُکنَّى بأبی الحسین ، وأُمُّه أُمُّ ولد ، أهداها المُختار بن أبی عبیده لعلی بن الحسین ، فولدت له زیاداً وعمراً وعلیَّاً وخدیجه . وقد خرج بثوره ضِدَّ الحُکم الأُموی ، المُتمثِّل بهشام بن عبد الملک آنذاک ، ولکن غدر به مَن بایعه مِن أهل الکوفه والمدائن ، والبصره وواسط والموصل ، وخراسان والری ، وجرجان ، والذین وصل عددهم إلى مئه ألف تقریباً . ولکنْ عند خروجه وافاه ۲۱۸ مِن رجاله ، فقال زید : سبحان الله ! فأین الناس ؟! قیل : هم محصورون فی المسجد . فقال : لا والله ، ما هذا لمَن بایع بعذر . ومع هذا العدد القلیل خرج فقاتل وأُصیب بسهم فی جانب جبهته الیُسرى ، فنزل السهم فی الدماغ فمات على أثره ، ودفنوه أصحابه فی العباسیَّه ، ولکنَّه أُخرِج وصُلِب ( وقیل : إنَّه استمرَّ مصلوباً إلى أیَّام الولید بن یزید ) وبعدها أُحرق بالنار ، ثمَّ جُعِل فی قواصِر ثمَّ حُمِل فی سقیفه ، ثمَّ ذُرِّی فی الفرات . مقاتل الطالبیین للأصفهانی ص۱۲۷ .
(۲) أصول الکافی ج۲ص۲۲۱ حدیث ۲۱ ط طهران.
ولذا یُمکن القول : بأنَّه لم یثبت أنَّ ترک التقیَّه حرام ، إلاَّ قوله فی أحدى الروایات : ( التقیَّه دینی ودین آبائی ) و ( لا دین لمَن لا تقیَّه له )(۱) . وهی لا شکَّ دالَّه على الإلزام . إلاَّ أنَّها ساقطه بالمُعارضه مع الروایات الدالَّه على الرخصه ، کالروایه السابقه(۲) ، فیبقى حُکم التقیَّه على التخییر . والآیات الکریمه أیضاً غیر دالَّه على الإلزام ، منها قوله تعالى : ( لاَّ یَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْکَافِرِینَ أَوْلِیَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِینَ وَمَن یَفْعَلْ ذَلِکَ فَلَیْسَ مِنَ اللّهِ فِی شَیْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاهً وَیُحَذِّرُکُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِیرُ )(۳) . وقوله تعالى : ( مَن کَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إیمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ وَلَـکِن مَّن شَرَحَ بِالْکُفْرِ صَدْراً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِیمٌ )(۴) .
وفی کلتا الآیتین یُعتبَر حًکم التقیَّه استثناء مِن أمر حرام وهو : موالاه الکافرین فی الآیه الأُولى ، والکفر فی الآیه الثانیه . والاستثناء مِن مورد الحضر أو الحُرمه لا یدلُّ على أکثر مِن الجواز ، وذلک کما قال الفقهاء حول قول تعالى : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ )(۵) ، فإنَّ حکم الصید فی استثناء مِن جانب حُرمته فی حال الإحرام مع احتمال استمراره بعده ؛ فیکون دالَّاً على مُجرَّد الجواز .
ـــــــــــــــ
(۱) أصول الکافی ج۲ ص۲۲۴ حدیث ۲ ط طهران .
(۲) روایه الرجلین اللذین أُخِذا مِن أهل الکوفه .
(۳) سوره آل عمران آیه ۲۸ .
(۴) سوره النحل . آیه ۱۰۶٫
(۵) سوره المائده آیه ۲ .
نعم ، قد تکون التقیَّه واجبه إلزاماً ، فیما إذا توقَّف علیها هدف اجتماعیٌّ عامٌّ مُهمٌّ ، کالمُحافظه على بَیضه الإسلام ، إلاَّ أنَّه لم یکن الأمر یومئد هکذا ، بلْ بالعکس على ما سوف نعرف ، فإنَّ حفظ الإسلام یومئذ کان مُتوقِّفاً على التضحیه لا على التقیَّه .
الأمر الرابع : مِن أسباب ترک الإمام الحسین (علیه السّلام) للعمل بالتقیَّه : إنَّنا حتَّى لو تنزَّلنا عمَّا قلناه فی الأمر الثالث ، وفرضنا التقیَّه إلزامیَّه . إلاَّ أنَّ هذا الحکم بالإلزام ساقط بالمُزاحمه مع الأهمِّ ، إذ مِن الواضح مِن سیاق الآیات أنَّ الأمر بالتقیَّه إنَّما هو فی موارد فردیَّه مُتفرِّقه ، والإمام الحسین (علیه السّلام) واجه قضایا عامَّه تقتضی ترک التقیَّه والعمل بالتضحیه : أهمُّها : الطلب منه بمُبایعه الحاکم الأُموی ـ یومئذ ـ یزید بن مُعاویه(۱) . وهو ما یترتَّب علیه نتائج وخیمه بالغه فی الأهمِّیَّه ، قد تؤدِّی إلى اندراس الإسلام الحقیقی ، مُنذ عصره إلى یوم القیامه .
ومِن القضایا العامَّه المُهمَّه التی واجهها (علیه السلام) طلب أهل الکوفه لمُبایعتهم له وولایته الفعلیَّه علیهم(۲) . وهو حُکم عامٌّ ومُهمٌّ شرعاً ومُتقدِّم على حُکم التقیَّه .
وکلا الأمرین لم یواجهه أحد مِن أولاده المعصومین التسعه (علیهم السّلام) ؛ ومِن هنا کان عملهم بالتقیَّه مُتعیِّناً ، ومِن المُمکن القول : إنَّهم لو واجهوا ما واجهه الحسین (علیه السّلام) لکان ردَّ فعلهم کردِّ فعله تماماً .
الأمر الخامس : إنَّ الحسین (علیه السّلام) عَلِم ـ علماً طبیعیَّاً أو إلهامیَّاً ـ أنَّه سوف یموت على کلِّ حال حتَّى فی مکَّه ، فضلاً عن غیرها مِن بلاد الله ؛ ولذا ورد عنه : ( أنَّهم سوف یقتلونی حتَّى لو وجدونی مُتعلِّقاً بأستار الکعبه )(۳)
ـــــــــــــــ
(۱) البدایه والنهایه لابن کثیر ج۲ص۱۴۶ – مروج الذهب للمسعودی ج۳ ص۶۵ .
(۲) اللهوف لابن طاووس ص۱۴ – تاریخ الفتوح لابن أعثم ج۵ ص۴۶ – أسرار الشهاده للدربندی ص۱۹۹ .
(۳) مرآه العقول للمجلسی ج۲ص۱۹۴- مُثیر الأحزان لابن نما الحلِّی ص۴۱ . بالمضمون ، مِن الشبکه .
ومَن یکون حاله هو العلم الیقین بموته ، یرتفع عنه حُکم التقیَّه مِن قاتله ، وله أنْ یفعل ما یشاء . تصوَّر شخصاً محکوماً علیه بالإعدام ، وسوف یصعد عمَّا قلیل على خشبه المشنقه ، فعندئذ تهون الدنیا فی نظره ، ویُمکنه أنْ یفعل أو یقول ما یشاء تجاه جلاَّدیه ؛ لأنَّهم سوف لن یزیدوا على قتله على أیَّ حال .
فعلى ذلک کان حال الإمام الحسین (علیه السّلام) ، ومعه فضَّل أنْ یموت بهذا الشکل عن أنْ یموت خامل الذِّکر مُحوَّطاً بالذله والنسیان .
إلاَّ أنَّ هذا الوجه بمُجرَّده لا یتمُّ ؛ لأنَّه (علیه السّلام) لو کان قد قَبِل بالمُباعیه لکفُّوا عن العزم على قتله ، وهذا واضح لدیه ولدى غیره .
إذاً ؛ فالعلم بموته إنَّما بصفته رافضاً للمُبایعه صامداً ضدَّها . إذاً فیرجع هذا الوجه إلى وجه آخر مِمَّا ذکرناه کالوجه الرابع السابق .
الأمر السادس : إنَّ حُکم التقیَّه وإنْ کان نافذ المفعول علیه (علیه السّلام) وغیره مِن البشر ، إلاَّ أنَّه مُخصَّص فی حقِّه (علیه السّلام) فهو خارج عن حکمها بالتخصیص والاستثناء . وقد ثبت لدیه التخصص ، إمَّا بالإلهام ، وأمَّا بالروایه عن جَدِّه رسول الله (صلَّى الله علیه وآله)(۱) ؛ ولذا لم تکن التقیَّه فی حقِّه واجبه ولا ترکها علیه حراماً .
وربَّما عُدَّ مِن الأدلَّه فی هذا الصدد ، ما ورد مِن بکاء النبی (صلَّى الله علیه وآله) على مقتل الحسین (علیه السّلام) یوم میلاده(۲) ، لعلمه المُسبق بذلک ، وهو ما یُستفاد منه جواز حرکته واحترام ثورته ؛ فیکون مُخصِّصاً لما دلَّ على حُرمه التقیَّه لو وجد .
ـــــــــــــــ
(۱) البحار للمجلسی ج۴۴ ص۳۲۸ – أسرار الشهاده للدربندی ص۲۲۴
(۲) الخصائص الکبرى ج ۲ ص۱۲۵ – أمالی الصدوق ص۱۱۸ الحدیث ۵ – البحار للمجلسی ج۴۴ص۲۵۰- تاریخ أبن عساکر ترجمه الإمام الحسین ص۱۸۳٫
ولهذا بکاه عدد مِن الصحابه ( رضوان الله علیهم ) ، منهم سلمان الفارسی حیث مرَّ على کربلاء حین مجیئه إلى المدائن ، فقال هذه مصارع إخوانی ، وهذا موضع مَناحتهم ومِهراق دمائهم ، یُقتل بها ابن خیر الأوَّلین والآخرین . ( رجال الکشِّی ص۱۳ ط هند ) ، وکذا بکاه أمیر المؤمنین فی مسیره إلى صِفِّین نزل فیها ، وأومأ بیده إلى موضع منها ، فقال : ( ههنا موضع رحالهم ومناخ رکابهم ـ ثمَّ أشار إلى موضع آخر وقال : ـ ههنا مِهراق دمائهم ثقل لآل محمد ینزل ، ههنا ـ ثمَّ قال : ـ واهٍ لک یا تربه ، لیحشرنَّ منک أقواماً یدخلون الجنَّه بغیر حساب ) وأرسل عبرته وبکى مَن معه لبکائه وأعلم الخواصَّ مِن صَحبه بأنَّ ولده الحسین یُقتل ههنا فی عُصبه مِن أهل بیته وصحبه هُمْ ساده الشهداء لا یسبقهم سابق ولا یلحقهم لاحق ( مقتل المُقرَّم نقلاً عن کامل الزیارات ص۲۷ ) .
بلْ یتعدَّى الأمر إلى الأنبیاء السابقین على نبیِّنا الأعظم وآله وعلیه السلام ، فلقد بکاه آدم (علیه السّلام) والخلیل إبراهیم معه ، فإنَّه کالشهید مع الأنبیاء مُقبلاً غیر مُدبِر ، وکأنِّی أنظر إلى بُقعته وما مِن نبیٍّ إلاَّ وزارها وقال : ( إنَّک لبُقعه کثیره الخیر ، فیک یُدفن القمر الزاهر ) کامل الزیارات لابن قولویه ۶۷٫
وهذا الوجه أکید الصحَّه ، لو تمَّ بالدلیل کون التقیَّه عزیمه لا رُخصه ، وهو الوجه الذی یشمل أهله وأصحابه وأهل بیته ، الذین رافقوه فی حرکته وآزروه فی ثورته ؛ فإنَّ التقیَّه إنْ کانت واجبه فی حقِّهم أساساً ، فهی لم تکن واجبه عندئذ ، بلْ مُستثناه عنهم بأمر إمامهم الحسین نفسه ؛ حیث أوجب علیهم المسیر معه والقتل بین یدیه(۱) ، بلْ التقیَّه لم تکن واجبه مِن هذه الناحیه على أیِّ واحد مِن البشر على الإطلاق ؛ تمسُّکاً بما ورد عنه (علیه السلام) : ( مَن سمع واعیتنا ولم ینصرنا اکبَّه الله فی النار )(۲) .
وهو دالٌّ بوضوح على لزوم نصره ووجوب ترک التقیَّه مِن هذه الناحیه ، وکذلک ما ورد عنه أنَّه قال (علیه السّلام) حیث بقی وحیداً بعد مقتل أصحابه وأهل بیته : ( هل مِن ناصر ینصرنا وهل مِن ذابٍّ عن حرم رسول الله )(۳) ، وسنذکر بعونه تعالى أنَّ هذا إنَّما قال الحسین (علیه السّلام) لأجل إقامه الحُجَّه على الآخرین ، کما یشمل أهله وأصحابه (رضوان الله علیهم) وجوه أُخرى لترک التقیَّه مِمَّا سبق ، کالأمر الثالث الذی ذکرناه وهو کونها تخیریَّه ولیس إلزامیَّه ، والأمر الثانی والأمر الرابع ، فراجع .
ــــــــــــــــــــــــ
(۱) مُثیر الأحزان لابن نما ص ۳۹ البحار للمجلسی ج۴۵ ص۸۶ أمالی الصدوق ص۱۳۱ .
(۲) أمالی الصدوق ص ۱۳۲ – مقتل الخوارزمی ج۱ ص۲۲۷ البحار ج۴۴ ص۳۱۵ .
(۳) اللهوف لابن طاووس ص ۴۹ کشف الغمَّه للأربلی ج۲ ص۲۶۲ .
والسرُّ فی سقوط التقیَّه ، کما أشرنا عن جمیع البشر فی ذلک العصر ، مِن هذه الجهه ، لا ینبغی أنْ یکون خافیاً وحاصله : إنَّ الناس لو کانوا قد استجابوا بکثره وزخم حقیقیَّین ، وإذا کانت أعداد مُهمَّه منهم قد أدرکت مصالحها الواقعیَّه فی نصر الحسین (علیه السّلام) لتحقُّق النصر العسکری له فعلاً ، ولفشل عدوِّه الأُموی الظالم .
بلْ فی المُستطاع القول : بأنَّه مع حُسن التأیید یکون زعیماً فعلیَّاً على کلِّ بلاد الإسلام ، فیحکمها بالعدل وبشریعه جَدِّه رسول الله ، غیر أنَّ المُجتمع فی ذلک الحین کان مُتخاذلاً جاهلاً ، ولله فی خلقه شؤون .
حدود أهداف الحسین (علیه السّلام) حینما نُرید أنْ نتحدَّث عن أهداف الحسین (علیه السّلام) فی ثورته ، فإنَّما نتحدَّث ـ کما أسلفنا ـ فی حدود فَهمنا ومدى إدراکنا ، وهو البعید عن فَهم الواقعیَّات والمحجوب أساساً عن الوصول إلى تلک المُستویات ، فنحن نتحدَّث عن أقصى ما نُدرکه مِن أمر منطقیٍّ ومعقول ، کأُطروحه مقبوله ومُحتمله فی هذا الصدد ، ولیس کشیء قطعیٍّ وناجز ، ونحن نعلم أنَّ ما خفی علینا مِن الحقِّ أکثر مِمَّا اتَّضح لنا بکثیر . وخاصَّه ونحن نعرف – کما سبق أیضاً ـ بأنَّ أقوال المعصومین وأفعالهم مُطابقه للحکمه الإلهیَّه ومُساوقه للعلم الإلهی ؛ لما لهم مِن التأیید والتسدید منه جلَّ جلاله ؛ ومِن المعلوم أنَّ الحکمه والعلم الإلهیَّین غیر محدودین ، ونحن محدودون ، ولا یُمکن للمحدود أنْ یُدرک اللاَّ محدود .
ولو تنزَّلنا عن ذلک جدلاً ، أمکننا القول : بأنَّ الواحد مِن المعصومین (علیه السّلام) هو أفضل مِن أفضل واحد مِن البشر رأیناه أو سمعنا عنه ، فی جمیع المُستویات وعلى أیِّ صعید ، والفرد مهما أوتی مِن قوَّه تفکیر وحِدَّه ذکاء فهو أدنى منهم بمراتب عظیمه ، ومِن المعلوم أنَّ الأدنى لا یُمکن أنْ یُدرک جمیع ما لدى الأعلى ، ولا یُمکن أنْ یفهم مُستواه إلاَّ إذا کان مُساویاً له .
خُذْ إلیک مثلاً : إنَّ الطفل الدارس فی المدارس الابتدائیَّه ـ أو مَن هو على شاکلته هل ـ یصحُّ أنْ نتصوَّر أنْ یفهم الریاضیَّات المُعمّقه والفلسفه المُحقَّقه ، أو علوم الفیزیاء أو الکیمیاء المُفصَّله . وهکذا مُستوى أیِّ واحد منَّا تِجاه أیِّ واحد مِن المعصومین (علیهم السّلام) ؛ اذاً، فالتعرُّف على کلِّ حقیقتهم وأهدافهم إنْ لم یکن مُحالاً ، فهو بمنزله المُحال .
ولکنْ فی حدود ما نفهم ، فإنَّنا حین نُرید أنْ نطرح بعض الأفکار عن أهداف الإمام الحسین (علیه السّلام) فی ثورته ، فتلک الأفکار لابُدَّ أنْ تکون حاویه على عدد مِن الشروط لابُدَّ منها ، ولا یُمکن أنْ تکون أفکارنا جُزافیَّه أو مُطلقه .
الشرط الأوَّل : أنْ یکون الشیء الذی نتصوَّره هدفاً للإمام الحسین (علیه السّلام) أمراً مرضیَّاً لله عزَّ وجلَّ ، لا تشوبه شائبه عصیان أو أنْ یکون مرجوحاً فی الشریعه المُقدَّسه ، بما فی ذلک حُبُّ الدنیا وطلب المال والجاه والسیطره المُنفصله عن الأمر الإلهی والتکلیف الشرعی .
الشرط الثانی : أنْ یکون الهدف الذی نتصوَّره مُناسباً مع حال الحسین (علیه السّلام) وشأنه ، لا أنْ یکون هدفاً مُوقَّتاً أو مُتدنِّیاً أو ضئیلاً ؛ فإنَّ ذلک مِمَّا لا یصحُّ له وجود هذه التضحیه الکبیره ، التی أقامها الحسین (علیه السّلام) وعاناها ، فإنَّها عندئذ لا تکون معقوله ولا عقلانیَّه ، وإنَّما لابُدَّ أنْ یکون الهدف مُعمَّقاً وواسعاً وأکیداً وشدیداً ، بحیث یسع کلَّ هذه التضحیات .
الشرط الثالث : أنْ یکون أمراً مُتحقِّقاً ، أما فی الحال أو فی الاستقبال ، ولا یجوز أنْ نطرح له هدفاً فاشلاً وغیر مُتحقِّق أو غیر قابل للتحقُّق ؛ فإنَّه خلاف الحکمه الإلهیَّه ، ولا یُمکن أنْ ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحکمه اللاَّ مُتناهیه .
مثال ذلک : إنَّ الإمام الحسین (علیه السّلام) لو کان قد استهدف النصر العسکری العاجل ، أو إزاله حکم بنی أُمیَّه ، أو مُمارسه الحُکم فی المُجتمع فعلاً ، فهذا ونحوه مِن الأهداف القطعیَّه الفشل ، لأنَّها لم تحدث ولم یکن مِن المُمکن أنْ تحدث ؛ إذاً فهو لیس بأمر مُستهدَف ، وإنْ تخیَّله بعض مِن المُفکِّرین أو عدد منهم ، إلاَّ أنَّه لا شکَّ فی بطلانه ؛ لأنَّ هدفه (علیه السّلام) راجع إلى أهداف الحکمه الإلهیَّه ، ومثل هذه الأهداف لا یُمکن أنْ تکون فاشله ؛ لأنَّ الله تعالى کما هو حکیم هو قادر ، فهو یستطیع أنْ یُنفِّذ ما فی حکمته بکلِّ تقدیر ، فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل ، وحیث إنَّه لم یحصل فهو ـ إذاً ـ غیر مُستهدف .
الشرط الرابع : إنَّه یُمکن أنْ یُقال : إنَّ مِن شروط فهم أهدافه (علیه السّلام) أنْ یکون مذکوراً فی کلامه ؛ لأنَّنا إنَّما نعلم بالأُمور مِن أصحابها ، وأهل الحلِّ والعقد فیها . وقدیماً قال الشاعر :
وأهل البیت أدرى بالذی فیه
ولیس لنا أنْ نُضیف مِن عندنا شیئاً ، وإنَّما نسمع منه (علیه السلام) مثل قوله : (إنَّما خرجت لطلب الإصلاح فی أُمَّه جَدِّی رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) أُرید ان آمر بالمعروف وأنهى عن المُنکر)۱) ، بعد أنْ وصف المُجتمع بضُعف الدین وقلَّه الالتزام بالتعالیم : (( … ولم یَبقَ منها إلاَّ صُبابه کصُبابه الإناء وخِسَّه عَیش کالمرعى الوبیل ، ألا ترون أنَّ الحقَّ لا یُعمل به وأنَّ الباطل لا یُتناهى عنه ))(۲) .
ـــــــــــــــ
(۱) مقتل الخوارزمی ج۱ص۱۸۸ – مناقب بن شهر آشوب ج۳ص۲۴۱ نجف
(۲) اللهوف لابن طاووس ص ۳۴ – تاریخ الطبری ج۳ ص۲۲۵٫
فالغرض مِن هذا العرض ، هو أنَّ الهدف إنْ کان مذکوراً فی کلامه (علیه السلام) أخذنا به ، وإنْ لم یکن قد ذکره أعرضنا عنه ، ولم نعتبره هدفاً حقیقیَّاً له . إلاَّ أنَّ هذا الشرط غیر صحیح ؛ لعِدَّه أجوبه یُمکن أنْ تورد ضِدَّه :
الجواب الأوَّل : ضعف الروایات الناقله لکلامه (علیه السلام) ، إذاً فلم یردنا عن طریق صحیح بیان أهدافه (علیه السلام) ، فلو اشترطنا ذلک لم یکن لنا طریق إلى معرفه الأهداف إطلاقاً .
الجواب الثانی : أنَّ هناک قانوناً عرفیَّاً وشرعیَّاً ، مُتَّبعاً فی التفاهُم بین جمیع الناس ـ وإنْ لم یکن یلتفت إلیه الکثیرون بصراحه ـ وهو قانون : (( کلِّم الناس على قدر عقولهم ))(۱) ، والحسین (علیه السلام) لا شکَّ أنَّ المُجتمع فی ذلک الحین لم یکن یُطیق فهم واستیعاب أهدافه الحقیقیَّه مِن حرکته ؛ لأنَّه کان حدیث عهد بالدین وبشریعه سیِّد المُرسلین ، ولم یکن المُجتمع یومئذ تربَّى بالمقدار المطلوب ، وإنَّما کان فهمه للدین بسیطاً وتطبیقه للتعالیم قلیلاً ، ما عدا نفر یسیر مِن الناس ؛ وبالتالی لم تکن هذه الألف وحوالی النصف مِن السنین ، قد مرَّت وأثَّرت فی تربیه المُجتمع وتکامل فهمه العقلی والنفسی تکاملاً مُعتدَّاً به ، وکلَّما مرَّت السنین أکثر کان هذا التکامل أکثر لا محاله .
فإذا لم یکن بیان أهدافه مُمکناً عندئذ ، فخیر له أنْ یطویها فی نفسه وأنْ یکتمها عن غیره ، وإنَّما یقول للآخرین بمُقدار ما هو مُمکن فقط ، مِمَّا لا یکون هو الهدف الحقیقی لحرکته (علیه السّلام) ، ولا أقلَّ مِن احتمال ذلک ، الأمر الذی یسقط به هذا الشرط الرابع .
الجواب الثالث على هذا الشرط : إنَّ هناک بعض الأعمال یُعتبر التصریح بأهدافها إفساداً لها ، وتکون عندئذ عقیمه وغیر مُنتجه ، وهذا أحد التأویلات المُهمَّه لما ورد (( استعینوا على أُمورکم بالکِتمان ))(۲) . وما ورد مِن أنَّ التصریح بالشیء قبل إنجازه موجب لإفساده(۳) .
ـــــــــــــــ
(۱) أصول الکافی ج۱ ص۶۷ حدیث ۱۵ . بتصرُّف .
(۲) إسعاف الراغبین على هامش نور الأبصار للشبلنجی ص۷۷ . بتصرُّف ـ تحف العقول للبحرانی ص ۴۰ .
(۳) مرآه العقول لللمجلسی ج۹ ص ۱۸۶ . بتصرُّف .
وهذا المعنى ظاهر للعیان بالتجربه ، فی کثیر مِن الأُمور الشخصیَّه والعامَّه ؛ إذاً فمِن المُحتمل أنْ یکون تصریح الحسین (علیه السّلام) بأهدافه قبل حرکته ، مُفسد لها مُخرِّب لنتائجها ؛ ومِن هنا سیکون المُتعیِّن علیه کِتمان ما یُریده والصمت عمَّا یستهدفه حِفظاً للنتائج مِن الضیاع ؛ إذ مِن المؤسف حقَّاً وجِدَّاً ، وجود حرکه مُهمَّه مِن هذا القبیل ، التی قام بها (علیه السلام) وتضحیه ضخمه على هذا الغِرار ، ومع ذلک لا تکون مُنتجه ولا نافعه ؛ إذاً فمِن الضروری أنْ تُکتم أهدافه الحقیقیَّه فی سبیل صحَّتها وإنتاجها .
إذن ؛ فهذا الشرط الرابع ، وهو أنْ نتوقَّع سماع الأهداف منه (علیه السّلام) لیس بصحیح ، وهذا بخلاف ما سوف نذکره بعون الله تعالى مِن الأهداف ، فإنَّها إنَّما تأتی بعد إنجاز حرکته ووجودها وإلقائها ، بلْ بعد حصول عدد مُعتدٍّ به مِن نتائجها ، وإنَّما یختصُّ ما قلنا بالتصریح بالهدف قبل الحرکه لا بعدها .

Leave A Reply

Your email address will not be published.