الراسخون فی العلم
قال ابن عاشور التونسی: (المراد بالراسخین فی العلم، الذین تمکّنوا فی علم الکتاب ومعرفه محامله، وقام عندهم من الأدلّه ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى بحیث لا تروج علیهم الشبه. والرسوخ فی کلام العرب: الثبات والتمکّن فی المکان؛ یقال: رسخت القدم ترسخ رسوخاً إذا ثبتت عند المشی ولم تتزلزل، واستعیر الرسوخ لکمال العقل والعلم بحیث لا تضلّله الشبه، ولا تتطرّقه الأخطاء غالباً، وشاعت هذه الاستعاره حتّى صارت کالحقیقه. فالراسخون فی العلم، الثابتون فیه العارفون بدقائقه، فهم یحسنون مواقع التأویل ویعلمونه.
ولذا فقوله: (والراسخون) معطوف على اسم الجلاله، وفی هذا العطف تشریف عظیم کقوله: (شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ وَالْمَلائِکَهُ وَأُولُو الْعِلْمِ)۲٫ وإلى هذا مال ابن عبّاس، ومجاهد، والربیع بن سلیمان، والقاسم بن محمّد، والشافعیّه، وابن فورک، والشیخ أحمد القرطبی، وابن عطیه. وعلى هذا فلیس فی القرآن آیه استأثر الله بعلمها. ویؤیّد هذا أنّ الله أثبت للراسخین فی العلم فضیله ووصفهم بالرسوخ، فآذن بأنّ لهم مزیّه فی فهم المتشابه، لأنّ المحکم یستوی فی علمه جمیع من یفهم الکلام، ففی أیّ شیء رسوخهم؟ وحکى إمام الحرمین عن ابن عبّاس: إنّه قال فی هذه الآیه: أنا ممّن یعلم تأویله.
وقیل: الوقف على قوله: (إلاّ الله) وأنّ جمله (والراسخون فی العلم) مستأنفه، وهذا مرویّ عن جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشه، وابن مسعود، وأُبیّ، ورواه أشهب عن مالک فی جامع العتبیه، وقاله عمرو بن الزبیر، والکسائی، والأخفش، والفرّاء والحنفیه.
ویؤیّد الأوّل وصفهم بالرسوخ فی العلم، فإنّه دلیل بیّن على أنّ الحکم الذی أثبت لهذا الفریق هو حکم من معنى العلم والفهم فی المعضلات وهو تأویل المتشابه. على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فیکون الراسخون معطوفاً على اسم الجلاله فیدخلون فی أنّهم یعلمون تأویله. ولو کان الراسخون مبتدأ، وجمله یقولون آمنّا به خبراً، لکان حاصل هذا الخبر ممّا یستوی فیه سائر المسلمین الذین لا زیغ فی قلوبهم، فلا یکون لتخصیص الراسخین فائده. قال ابن عطیه: تسمیتهم راسخین تقتضی أنّهم یعلمون أکثر من المحکم الذی یستوی فی علمه جمیع من یفهم کلام العرب، وفی أیّ شیء هو رسوخهم إذا لم یعلموا إلاّ ما یعلمه الجمیع، وما الرسوخ إلاّ المعرفه بتصاریف الکلام بقریحه معدّه.
وما ذکرناه وذکره ابن عطیّه لا یعدو أن یکون ترجیحاً لأحد التفسیرین، ولیس إبطالاً لمقابله إذ قد یوصف بالرسوخ من یفرّق بین ما یستقیم تأویله، وما لا مطمع فی تأویله)۳٫
وقال الرازی: (وما یعلم تأویله إلاّ الله اختلف الناس فی هذا الموضع، فمنهم من قال تمّ الکلام ههنا، ثمّ الواو فی قوله والراسخون فـی العلم واو الابتداء، وعلى هذا القول لا یعلم المتشابه إلاّ الله، وهذا قول ابن عبّاس وعائشه ومالک بن أنس والکسائی والفرّاء، ومن المعتزله قول أبی علی الجبائی، وهو المختار عندنا.
والقول الثانی: إنّ الکلام إنّما یتمّ عند قوله والراسخون فی العلم وعلى هذا القول یکون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخین فی العلم، وهذا القول أیضاً مرویّ عن ابن عبّاس ومجاهد والربیع بن أنس وأکثر المتکلِّمین)۴٫
موقف الطباطبائی فی المقام
(ذهب بعض القدماء والشافعیه ومعظم المفسِّرین من الشیعه إلى أنّ الواو للعطف وأنّ الراسخین فی العلم یعلمون تأویل المتشابه من القرآن، وذهب معظم القدماء والحنفیه من أهل السنّه إلى أنّه للاستئناف وأنّه لا یعلم تأویل المتشابه إلاّ الله، وهو ما استأثر الله سبحانه بعلمه. وقد استدلّت الطائفه الأُولى على مذهبها بوجوه کثیره وببعض الروایات، والطائفه الثانیه بوجوه أُخر وعدّه من الروایات الوارده فی أنّ تأویل المتشابهات ممّا استأثر الله سبحانه بعلمه، وتمادت کلّ طائفه فی مناقضه صاحبتها والمعارضه مع حججها.
ما ینبغی للباحث أن یتنبّه له فی المقام أنّ المسأله لم تخل عن الخلط والاشتباه من أوّل ما دارت بینهم ووقعت مورداً للبحث، فاختلط المعنى المراد من المتشابه بتأویل الآیه کما ینبئ به ما عنونّا به المسأله وقرّرنا علیه الخلاف وقول کلّ من الطرفین، لذلک أغضینا عن نقل حجج الطرفین؛ لعدم الجدوى فی إثباتها أو نفیها بعد ابتنائها على الخلط.
والذی ینبغی أن یُقال: إنّ القرآن یدلّ على جواز العلم بتأویله لغیره تعالى، وأمّا هذه الآیه فلا دلاله لها على ذلک.
أمّا الجهه الثانیه: فإنّ الآیه بقرینه صدرها وذیلها وما تتلوها من الآیات إنّما هی فی مقام بیان انقسام الکتاب إلى المحکم والمتشابه، وتفرّق الناس فی الأخذ بها، فهم بین مائل إلى اتّباع المتشابه لزیغ فی قلبه، وثابت على اتّباع المحکم والإیمان بالمتشابه لرسوخ فی علمه. فإنّما القصد الأوّل فی ذکر الراسخین فی العلم بیان حالهم وطریقتهم فی الأخذ بالقرآن ومدحهم فیه قبال ما ذکر من حال الزائغین وطریقتهم وذمّهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل، ولا دلیل على تشریکهم فی العلم بالتأویل مع ذلک إلاّ وجوه غیر تامّه، فیبقى الحصر المدلول علیه بقوله: وما یعلم تأویله إلاّ الله من غیر ناقض ینقضه من عطف واستثناء وغیر ذلک. فالذی تدلّ علیه الآیه هو انحصار العلم بالتأویل فیه تعالى واختصاصه به. لکنّه لا ینافی دلاله دلیل منفصل یدلّ على علم غیره تعالى به بإذنه کما فی نظائره مثل العلم بالغیب، قال تعالى: (قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَالأرْضِ الْغَیْبَ إلاّ اللهُ)۵ ، وقال تعالى: (إنَّمَا الْغَیْبُ لِلّهِ)۶ ، وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إلاّ هُوَ)۷، فدلّ جمیع ذلک على الحصر. ثمّ قال تعالى: (عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلى غَیْبـِهِ أحَداً * إلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُول)۸ ، فأثبت ذلک لبعض من هو غیره وهو من ارتضى من رسول، ولذلک نظائر فی القرآن.
أمّا الجهه الأولى وهی جواز العلم بتأویله لغیره تعالى، فإنّه تعالى قال: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ کَرِیمٌ * فِی کِتاب مَکْنُون * لا یَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ)۹ ولا شبهه فی ظهور الآیات فی أنّ المطهّرین من عباد الله یمسّون القرآن الکریم الذی فی الکتاب المکنون والمحفوظ من التغیّر، ومن التغیّر تصرّف الأذهان بالورود علیه والصدور منه، ولیس هذا المسّ إلاّ نیل الفهم والعلم، ومن المعلوم أیضاً أنّ الکتاب المکنون هذا هو أُمّ الکتاب المدلول علیه بقوله تعالى: (یَمْحُو اللهُ ما یَشاءُ وَیُثْبـِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْکِتابِ)۱۰ وهو المذکور فی قوله: (وَإنَّهُ فِی أُمِّ الْکِتابِ لَدَیْنا لَعَلِیٌّ حَکِیمٌ)۱۱٫
وهؤلاء قومٌ نزلت الطهاره فی قلوبهم، ولیس ینزلها إلاّ سبحانه، فإنّه تعالى لم یذکرها إلاّ کذلک أی منسوبه إلى نفسه کقوله تعالى: (إنَّما یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً)۱۲، وقوله تعالى: (وَلکِنْ یُرِیدُ لِیُطَهِّرَکُمْ)۱۳، وما فی القرآن شیء من الطهاره المعنویه إلاّ منسوبه إلى الله أو بإذنه، ولیست الطهاره إلاّ زوال الرجس من القلب، ولیس القلب من الإنسان إلاّ ما یدرک به ویرید به، فطهاره القلب طهاره نفس الإنسان فی اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتین الجهتین، ویرجع إلى إثبات القلب فیما اعتقده من المعارف الحقّه من غیر میلان إلى الشکّ ونوسان بین الحقّ والباطل، وثباته على لوازم ما علمه من الحقّ من غیر تمایل إلى أتباع الهوى ونقض میثاق العلم، وهذا هو الرسوخ فی العلم، فإنّ الله سبحانه ما وصف الراسخین فی العلم إلاّ بأنّهم مهدیّون ثابتون على ما علموا غیر زائغه قلوبهم إلى ابتغاء الفتنه، فقد ظهر أنّ هؤلاء المطهّرین راسخون فی العلم.
هذا، لکن ینبغی أن لا تشتبه النتیجه التی ینتجها هذا البیان، فإنّ المقدار الثابت بذلک أنّ المطهّرین یعلمون التأویل، ولازم تطهیرهم أن یکونوا راسخین فی علومهم، لما أنّ تطهیر قلوبهم منسوب إلى الله وهو تعالى سبب غیر مغلوب، لا أنّ الراسخین فی العلم یعلمون التأویل بما أنّهم راسخون فی العلم، أی أنّ الرسوخ فی العلم سبب للعلم بالتأویل فإنّ الآیه لا تثبت ذلک، بل ربّما لاح من سیاقها جهلهم بالتأویل حیث قال تعالى: (یَقُولُونَ آمَنّا بـِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) وقد وصف الله رجالاً من أهل الکتاب برسوخ العلم ومدحهم بذلک وشکرهم على الایمان والعمل الصالح فی قوله: (لکِنِ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ یُؤْمِنُونَ بـِما أُنْزِلَ إلَیْکَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِکَ)۱۴٫ ولم یثبت مع ذلک کونهم عالمین بتأویل الکتاب)۱۵٫
والحاصل أنّ الآیه لیست بصدد إثبات أنّ الرسوخ فی العلم سببٌ للعلم بالتأویل کما تصوّره القائلون بأنّ الواو للعطف، لذا لا یثبت أنّ کلّ راسخ فی العلم عالم بالتأویل بالضروره، وإنّما الثابت أنّ العلم بالتأویل سبب للرسوخ فی العلم.
ـــــــــــــــــــــ
(۱) آل عمران: ۷٫
(۲) آل عمران: ۱۸٫
(۳) التحریر والتنویر المعروف بتفسیر ابن عاشور، تألیف: سماحه الأُستاذ الإمام الشیخ محمّد الطاهر ابن عاشور، طبعه جدیده منقّحه ومصحّحه، مؤسّسه التاریخ، بیروت، الطبعه الأولى، ۱۴۲۰هـ: ج۳ ص۲۴٫
(۴) التفسیر الکبیر أو مفاتیح الغیب: ج۷ ص۱۵۲٫
(۵) النمل: ۶۵٫
(۶) یونس: ۲۰٫
(۷) الأنعام: ۵۹٫
(۸) الجنّ: ۲۶ – 27.
(۹) الواقعه: ۷۷ـ ۷۹٫
(۱۰) الرعد: ۳۹٫
(۱۱) الزخرف: ۴٫
(۱۲) الأحزاب: ۳۳٫
(۱۳) المائده: ۶٫
(۱۴) النساء: ۱۶۲٫
(۱۵) المیزان فی تفسیر القرآن: ج۳ ص۴۹٫