الاختیار الإنسانی ومشکله تضادّ المصالح

0

فلکی یکون الإنسان هادفاً لابدَّ أن یکون حرّاً فی التصرّف لیتاح له أن یتصرّف وفقاً لما تنشأ فی نفسه من أهداف. فالترابط بین المواقف العملیه والأهداف هو القانون الذی ینظّم ظاهره الاختیار لدى الإنسان، کما أن الهدف بدوره لا یوجد بصوره عشوائیه فإن کلّ إنسان یحدّد أهدافه وفقاً لما تتطلّبه مصلحته وذاته من حاجات، وهذه الحاجات تحدّدها البیئه والظروف الموضوعیه التی تحیط بالإنسان، غیر أن هذه الظروف الموضوعیه لا تحرّک الإنسان مباشره کما تحرّک العاصفه أوراق الشجر، لأنّ هذا یعطّل دوره ککائن هادف. فلابدَّ للظروف الموضوعیه إذن من تحریک الإنسان عن طریق الإثاره والإیحاء بتبنّی أهداف معیّنه، وهذه الإثاره ترتبط بإدراک الإنسان للمصلحه فی موقف عملی معیّن، ولکن لیست کلّ مصلحه تحقّق إثاره للفرد وإنما تحقّقها تلک المصالح التی یدرک الفرد أنها مصالح له بالذات.
وحین ندرس مصالح الإنسان فی حیاته المعیشیه یمکننا تقسیمها إلى فئتین:
إحداهما: مصالح الإنسان التی تقدّمها الطبیعه له بوصفه کائناً خاصّاً کالعقاقیر الطبیه مثلاً، فإن من مصلحه الإنسان الظفر بها من الطبیعه، ولیست لهذه المصلحه صله بعلاقاتها الاجتماعیه مع الآخرین، بل الإنسان بوصفه کائناً معرّضاً للجراثیم الضارّه بحاجه إلى تلک العقاقیر سواء کان یعیش منفرداً أم ضمن مجتمع مترابط.
الفئه الأخرى: مصالح الإنسان التی یکفلها له النظام الاجتماعی بوصفه کائناً اجتماعیاً یرتبط بعلاقات مع الآخرین، کالمصلحه التی یجنیها الإنسان من النظام الاجتماعی حین یسمح له بمبادله منتوجاته بمنتوجات الآخرین أو حین یوفّر له ضمان معیشته فی حالات العجز والتعطّل عن العمل. وسوف نطلق على الفئه الأولى اسم المصالح الطبیعیه، وعلى الفئه الثانیه اسم المصالح الاجتماعیه.
ولکی یتمکّن الإنسان من توفیر مصالحه الطبیعیه والاجتماعیه یجب أن یجهّز بالقدره على معرفه تلک المصالح وأسالیب إیجادها، وبالدافع الذی یدفعه إلى السعی فی سبیلها. فالعقاقیر التی تستحضر للعلاج من السلّ مثلاً توجد لدى الإنسان حین یعرف أن للسلّ دواءً ویکتشف کیفیه استحضاره ویملک الدافع الذی یحفّزه على الانتفاع باکتشافه واستحضار تلک العقاقیر، کما أن ضمان المعیشه فی حالات العجز بوصفه مصلحه اجتماعیه یتوقّف على معرفه الإنسان بفائده هذا الضمان وکیفیه تشریعه وعلى الدافع الذی یدفع إلى وضع هذا التشریع وتنفیذه. فهناک إذن شرطان أساسیان لا یمکن بدونهما للنوع الإنسانی أن یظفر بحیاه کامله تتوفّر فیها مصالحه الطبیعیه والاجتماعیه:
• أن یعرف تلک المصالح وکیف تُحقّق.
• أن یملک دافعاً یدفعه بعد معرفتها إلى تحقیقها.
ونحن إذا لاحظنا المصالح الطبیعیه للإنسان کاستحضار عقاقیر للعلاج من السلّ وجدنا أن الإنسانیه قد زُوّدت بإمکانات الحصول على تلک المصالح، فهی تملک قدره فکریه تستطیع أن تدرک بها ظواهر الطبیعه والمصالح التی تکمن فیها. وهذه القدره وإن کانت تنمو على مرّ الزمن نموّاً بطیئاً ولکنّها تسیر على أی حال فی خطّ متکامل فی ضوء الخبره والتجارب المستمدّه، وکلّما نمت هذه القدره کان الإنسان أقدر على إدراک مصالحه ومعرفه المنافع التی یمکن أن یجنیها من الطبیعه.
وإلى جانب هذه القدره الفکریه تملک الإنسانیه دافعاً ذاتیاً یضمن اندفاعها فی سبیل مصالحها الطبیعیه، فإن المصالح الطبیعیه للإنسان تلتقی بالدافع الذاتیّ لکلّ فرد. فلیس الحصول على العقاقیر الطبیه مثلاً مصلحه لفرد دون فرد أو منفعه لجماعه دون آخرین. فالمجتمع الإنسانی دائماً یندفع فی سبیل توفیر المصالح الطبیعیه بقوّه، من الدوافع الذاتیه للأفراد التی تتفق کلّها على الاهتمام بتلک المصالح وضرورتها بوصفها ذات نفع شخصیّ للأفراد جمیعاً.
وهکذا نعرف أن الإنسان رکّب ترکیباً نفسیاً وفکریاً خاصّاً یجعله قادراً على توفیر المصالح الطبیعیه وتکمیل هذه الناحیه من حیاته عبر تجربته للحیاه والطبیعه.
وأما المصالح الاجتماعیه فهی بدورها تتوقّف أیضاً کما عرفنا على إدراک الإنسان للتنظیم الاجتماعی الذی یصلحه وعلى الدافع النفسی نحو إیجاد ذلک التنظیم وتنفیذه.
فما هو نصیب الإنسان من هذین الشرطین بالنسبه إلى المصالح الاجتماعیه؟ وهل جهّز الإنسان بالقدره الفکریه على إدراک مصالحه الاجتماعیه وبالدافع الذی یدفعه إلى تحقیقها کما جُهّز بذلک بالنسبه إلى مصالحه الطبیعیه؟
ولنأخذ الآن الشرط الأول، فمن القول الشائع أن الإنسان لا یستطیع أن یدرک التنظیم الاجتماعی الذی یکفل له کلّ مصالحه الاجتماعیه وینسجم مع طبیعته وترکیبه العامّ، لأنه أعجز ما یکون عن استیعاب الموقف الاجتماعی بکلّ خصائصه والطبیعه الإنسانیه بکلّ محتواها. ویخلص أصحاب هذا القول إلى نتیجه هی أن النظام الاجتماعی یجب أن یوضع للإنسانیه ولا یمکن أن تترک الإنسانیه لتضع لنفسها النظام ما دامت معرفتها محدوده وشروطها الفکریه عاجزه عن استکناه أسرار المسأله الاجتماعیه کلّها. وعلى هذا الأساس یقدمون الدلیل على ضروره الدین فی حیاه الإنسان وحاجه الإنسانیه إلى الرسل والأنبیاء، بوصفهم قادرین عن طریق الوحی على تحدید المصالح الحقیقیه للإنسان فی حیاته الاجتماعیه وکشفها للناس.
غیر أن المشکله فی رأینا تبدو بصوره أکثر وضوحاً حین ندرس الشرط الثانی. فإن النقطه الأساسیه فی المشکله لیست هی کیف یدرک الإنسان المصالح الاجتماعیه؟ بل المشکله الأساسیه هی کیف یندفع هذا الإنسان إلى تحقیقها وتنظیم المجتمع بالشکل الذی یضمنها؟ ومثار المشکله هو أن المصلحه الاجتماعیه لا تتّفق فی أکثر الأحایین مع الدافع الذاتی، لتناقضها مع المصالح الخاصّه للأفراد. فإن الدافع الذاتی الذی کان یضمن اندفاع الإنسان نحو المصالح الطبیعیه للإنسانیه لا یقف الموقف نفسه من مصالحها الاجتماعیه، فبینما کان الدافع الذاتی یجعل الإنسان یحاول إیجاد دواء للسل، لأنّ إیجاد هذا الدواء من مصلحه الأفراد جمیعاً.. نجد أن هذا الدافع الذاتی نفسه یحول دون تحقیق کثیر من المصالح الاجتماعیه ویمنع عن إیجاد التنظیم الذی یکفل تلک المصالح أو عن تنفیذه. فضمان معیشه العامل حال التعطّل یتعارض مع مصلحه الأغنیاء الذین سیکلَّفون بتسدید نفقات هذا الضمان. وتأمیم الأرض یتناقض مع مصلحه أولئک الذین یمکنهم احتکار الأرض لأنفسهم. وهکذا کلّ مصلحه اجتماعیه فإنها تمنى بمعارضه الدوافع الذاتیه من الأفراد الذین تختلف مصلحتهم عن تلک المصلحه الاجتماعیه العامّه.
وفی هذا الضوء نعرف الفارق الأساسی بین المصالح الطبیعیه والمصالح الاجتماعیه. فإن الدوافع الذاتیه للأفراد لا تصطدم بالمصالح الطبیعیه للإنسانیه بل تدفع الأفراد إلى إیجادها واستثمار الوعی التأملی فی هذا السبیل، وبذلک کان النوع الإنسانی یملک الإمکانات التی تکفل له مصالحه الطبیعیه بصوره تدریجیه وفقاً لدرجه تلک الإمکانات التی تنمو عبر التجربه. وعلى العکس من ذلک المصالح الاجتماعیه، فإن الدوافع الذاتیه التی تنبع من حبّ الإنسان لنفسه وتدفعه إلى تقدیم صالحه على صالح الآخرین، تحول دون استثمار الوعی العملی عند الإنسان استثماراً مخلصاً فی سبیل توفیر المصالح الاجتماعیه وإیجاد التنظیم الاجتماعی الذی یکفل تلک المصالح وتنفیذ هذا التنظیم.
وهکذا یتّضح أن المشکله الاجتماعیه التی تحول بین الإنسانیه وتکاملها الاجتماعی هی التناقض القائم بین المصالح الاجتماعیه والدوافع الذاتیه، وما لم تکن الإنسانیه مجهّزه بإمکانات للتوفیق بین المصالح الاجتماعیه والدوافع الأساسیه التی تتحکّم فی الأفراد، لا یمکن للمجتمع الإنسانی أن یظفر بکماله الاجتماعی.
وهکذا تبقى المشکله کما هی مشکله مجتمع یتحکّم فیه الدافع الذاتی، وما دامت الکلمه العلیا للدافع الذاتی الذی تملیه على کلّ فرد مصلحته الخاصّه، فسوف تکون السیطره للمصلحه التی تملک قوّه التنفیذ، فمن یکفل لمصلحه المجتمع فی زحمه الأنانیات المتناقضه أن یصاغ قانونه وفقاً للمصالح الاجتماعیه للإنسانیه، مادام هذا القانون تعبیراً عن القوّه السائده فی المجتمع؟!
ولا یمکننا أن ننتظر من جهاز اجتماعیّ کالجهاز الحکومی أن یحلّ المشکله بالقوّه ویوقف الدوافع الذاتیه عند حدّها، لأنّ هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه، فالمشکله فیه هی المشکله فی المجتمع بأسره لأنّ الدافع الذاتی هو الذی یتحکّم فیه.
ونخلص من ذلک کلّه إلى أن الدافع الذاتی هو مثار المشکله الاجتماعیه وأن هذا الدافع أصیل فی الإنسان لأنه ینبع من حبّه لذاته. فهل کُتب على الإنسانیه أن تعیش دائماً فی هذه المشکله الاجتماعیه النابعه من دوافعها الذاتیه وفطرتها وأن تشقى بهذه الفطره؟! وهل استثنیت الإنسانیه من نظام الکون الذی زُوّد کلّ کائن فیه بإمکانات التکامل، وأودعت فیه الفطره التی تسوقه إلى کماله الخاصّ کما دلّت على ذلک التجارب العلمیه إلى جانب البرهان الفلسفی؟!

Leave A Reply

Your email address will not be published.