منهج الإمام الحسین (ع) ومنهج السُّنَّه ( المُهادَنه )
أیضاً الحسین (علیه السّلام) افترق عن عبد الله بن عمر ، فعبد الله بن عمر بایع یزید وبایع رِجْل الحَجَّاج(۱)، واختطَّ ابن عمر نموذجاً لمدرسه أهل السُّنَّه والجماعه.
ــــــــــــــــــــــــ
(۱) تاریخ الکامل لابن الأثیر ج۴ ص۱۲۴ ، الفتوح ج۲ ص ۴۸۶٫
نهج الحسین (علیه السّلام) یختلف ، فهو نهج یقول بعدم التفریط فی المکاسب البشریَّه ، والمُقدَّرات البشریَّه ، والحُرمات البشریَّه ، لکنْ هذا لا یعنی الإقرار بالفساد ، وکذلک عدم الإقرار بالفساد ورفض الفساد ، لا یعنی التفریط بالمُقدَّرات المُنجَزه . نهج الحسین نهج دقیق وصعب جِدَّاً ، نهج مُصلح ، ولکنَّه إصلاح بمُعادله وموازین صعبه ، بحیث إنَّه رغم تطوُّر الفکر البشری ـ القانونی الثوری ـ وحتَّى النُّظم والأعراف ، لکنْ ـ وإلى الآن ـ لم یُسجِّل لنا النهج البشری نهجاً کنهجه (علیه السّلام) .
النهج الذی نهجه سیِّد الشهداء نهجٌ إعجازیٌّ ، فسیِّد الشهداء فی یوم عاشوراء لم یبدأ بالقتال ، ولم یسُدَّ ـ أصلاً ـ باب الحوار مع الطرف الآخر . ولو بقوا مع سیِّد الشهداء أشهُراً وسنین لما أغلق باب الحوار معهم ، ولما استخدم لُغه العُنف . التقى الحسین (علیه السّلام) مع الحِرِّ بن یزید الریاحی ، وکان یستطیع أنْ یستأصل جیشه بضربه قاضیه ویتَّجه للکوفه ، لکنَّه لم یفعل ، کما لم یفعل أصحابه ، کمسلم بن عقیل ، وغیره . یستطیع الکثیر أنْ یتجاوز المبادئ والمُقرَّارت الشرعیَّه ، وینتهز الفُرص مُقابل الدوس على المبادئ ، للوصول إلى القدره .
رفض الحسین (علیه السّلام) ذلک ؛ لأنَّ هؤلاء الذین فی المدرسه الحسینیَّه ، روَّاد وطُلاَّب مبدأ ، ولیسوا طُلاَّب قُدره ، وهذا المبدأ صعب جِدَّاً .
لم یرفض الحسین (علیه السّلام) لغه الحوار ، لم یرفض لغه التسالم والسِّلم ، لکنَّه لم یُقرَّ معهما على الوضع الفاسد ، وعلى هذا الخواء العَفن فی روح وجسم الأُمَّه الإسلامیَّه . کذلک الوضع الدولی السائد ، مِن عدم التفریط بالسِّلم الدولی ، عدم التفریط بالتعایش الدولی ، عدم التفریط بالحُرمات الدولیَّه والأعراف الدولیَّه الموجوده ، یجب ألاَّ یجعلنا ذلک نُهادن الإباحیَّه الجنسیَّه الصریحه ، أوْ نقول : بأنّ الرِّبا الذی یُمارِسه بنک مؤسَّسه النقد الدولی صحیح ! بلْ فیه إضعاف ، وقصم لظهور الشعوب الفقیره ، وهذا التوزیع الغیر عادل فی قوانین التجاره ، وفی قوانین البنک ، والاقتصاد ، والملاحه ، مِمَّا لا یُمکن الرضا به ، وکلُّه یصبُّ فی حُلقوم الإقطاع الدولی .
عدم التسلیم بهذا ـ فی ذات الوقت ـ لا یعنی أنْ نُفجِّر الأبریاء ، أنْ نَهزَّ السِّلم والأمن الاجتماعی لشعوب دولٍ کثیره ، فکما نقتدی بنهج الحسین (علیه السّلام) ، لا نُفرِّط ولا نرفض هذه المُنجزات البشریَّه ، لا نُقرُّ على الوضع الفاسد العَفن ، نتلقَّى حوار الشعوب بالترحاب والإکرام ، لکنَّنا لا نتلقَّى مجاری الأوساخ ، بلْ یجب أنْ نُعالجها لهم ، لا أنْ نتلقَّاها : الإباحه الجنسیَّه ، التبذُّل ، تفکُّک الأُسره ، سقوط الأخلاق ، سقوط الجانب الروحی إلى الجانب المادِّی الجافَّ ، الذی یحطم الروح .. لا نقبل بذلک کلِّه ، و لا نیأس ، کما الحسین (علیه السّلام) أبیُّ الضیم ، الذی أُجریت معه مُساومات کثیره ، مُساومات تِجاه عرضه وماله وحیاته وفَلذات کَبده ، لکنَّ الحسین لم یقبل أنْ یتراجع أمام النظام الخاطئ والفساد الذی کان موجوداً ، ورفض أنْ یکون مِن وِعَّاظ السلاطین .
یجب علینا أنْ نرفض أنْ نکون مِن وِعَّاظ السلاطین ؛ فإنْ کنَّا مِن الذین یُقرُّون و یُقرِّرون هذه السُّلطه ـ الإقطاع الدولی ـ نکون حینئذٍ وعَّاظاً للسلاطین ، بلْ نرفضهم ، ولو خاطرونا بمُقدَّرات کثیره ، ولکنَّنا فی حین لا نستخدم لغه العُنف ابتداءً ، لُغه الحوار موجوده دائماً ، وهنا نصل إلى مَحطِّ البحث فی نهج الإمام الحسین (علیه السّلام) ظروف الأنبیاء و ظروف الخاتم و آله :
لا نعلم فی مسیره الأنبیاء ، عن أیِّ نبیٍّ مِن الأنبیاء ، أنَّه سنَّ وبنى وأسَّس مثل هذا الباب فی الدیانه ، مثل الأُمور التی ضخَّها الإمام الحسین (علیه السّلام) فی الوعی البشری ، حتَّى أنبیاء أُولی العَزم . ولهذا قلنا : إنَّنا نستطیع أنْ نُعبِّر ببرهانٍ قانونیٍّ على فوقیَّه الخمسه أصحاب الکساء ، فی النهج الذی ضخُّوه فی الوعی البشری الدیانی على مَن قبلهم مِن الأنبیاء و الرُّسل ، ففی نموذج النبی إبراهیم ـ مثلاً ـ فی أهل زمانه خطأ واضح ، مُقابل دعوه النبی إبراهیم إلى صواب واضح ، لم یکن فی الأمر صعوبه کبیره ، عُبدت الأوثان والکواکب ، ولم تکن هناک عداله اجتماعیَّه، لکنْ وإنْ واجه النبی إبراهیم صعوبات فی الفکر فهی أمر سهل ، أنْ یُبیِّن النبی إبراهیم للبشریَّه طریق الصواب بین طرق الخطأ والضلال والتعاسه . کذلک النبی نوح ، وکذلک النبی موسى ، فی دعوته لفرعون وقومه . الأمر فیه شیء مِن التعقید عند النبی عیسى ، فی الخطوه التی تقدَّم بها مُقابل الدَّجل الدینی فی السیاسه عند علماء الیهود ، والأمر أکثر تعقیداً فیما واجهه خاتم الأنبیاء ؛ ومِن ثَمَّ فالدور الذی قام به خاتم الأنبیاء فی ظلِّ ظروف مُعقَّده فی التطوُّر البشری ، لم یَقُم به نبیٌّ مِن الأنبیاء قطُّ ؛ لأنَّه واجه شرعیَّه تتوشَّح بها قریش ، فتسلَّحت بأنَّها على لون المِلَّه الإبراهیمیَّه الحنیفیَّه ، وخاطبت سیِّد الأنبیاء بأنَّه صبَّأ فتیه قریش ومرَّقهم عن الدیانه الإبراهیمیَّه الحنیفیَّه ، وکان لدیهم تسلُّح بالشرعیَّه مثل بیت الله الحرام ، والکعبه ونحوها ، وتسلَّح بکونهم أهل جوار بیت الله ، ومِن نَسل إبراهیم الخلیل . کانوا یتلبَّسون بألبسه مِن الشرعیَّه ، التی قد تُغفِل الطرف الآخر ، فی ظِلِّ هذا التعقید ، لکنْ ومع ذلک ، اختطَّ خاتم الأنبیاء هذا النهج ، نهج صراط السماء .
وسیِّد الشهداء (علیه السّلام) مِن بعد أبیه وأخیه ، واجه ما هو أکثر تعقیداً ؛ لأنَّه کان فی ظِلِّ شرعیَّه تُدعی الشرعیَّه الإسلامیَّه ، و أنَّها شرعیَّه خاتم الأدیان ، وأبرز ما بناه سیِّد الشهداء مِمَّا لم یَبنه الأنبیاء السابقون ـ بالطبع غیر جَدِّه سیِّد الأنبیاء وأبیه سیِّد الأوصیاء و أخیه سیِّد الأسباط ـ ، فأبرز شیء بناه سیِّد الشهداء هو إثاره الوعی فی التحسُّس والإحساس حول الشرعیَّه . فما المقصود بالشرعیَّه ؟
نقول : هذا شرعیُّ أو غیر شرعیٍّ ، الخروج عن الشرعیَّه السائده هو أمر لا شرعی ، أو أنَّ هذه الشرعیَّه مُتلِّونه بالشرعیَّه ، فیجب القضاء علیها بأُسلوب سلمی إلى أنْ یُبیِّن مقدار الزیف ومقدار الصِحَّه فیها .
تحسُّس الشرعیَّه :
أبرز الأُمور التی سنَّها سیِّد الشهداء للقانون الدولی ، وللوعی البشری الإنسانی ، الذی تتعطَّش إلیه البشریَّه الآن ، هو إثاره الإحساس البشری والتساؤل البشری حول الشرعیَّه ، وهو أبرز ما تتعطَّش له البشریَّه أیضاً بالنسبه لمدرسه سیِّد الشهداء ونهجه (علیه السّلام) ، وأنَّه یجب على الشعوب إثاره السؤال حول شرعیَّه هذه الشرعیَّه الدولیَّه المزعومه ، أنْ تبدأ البشریَّه بالنِقاش وإثاره السؤال حول شرعیَّه هذا النظام الدولی المطروح وهذه القوانین المطروحه التی لا تسمح للشعوب الفقیره ، ولا تسمح للشعوب الغربیَّه المُکبَّله بهذا النظام الإقطاعی الرأسمالی السوقی أیضاً ، بأنْ یفتحوا أعیُنهم ، أو یوقظوا أسماعهم ، بالالتفات إلى کیفیَّه استطاعتهم للتغیُّر ، فهم مُکبَّلون ، وأیُّ مُنادٍ بالتغییر لهذا النظام السائد ، یُقالُ بخروجه عن الشرعیَّه الدولیَّه ، وتحوُّله إلى نهج لا شرعی . وهی المُشکله فی الإقطاع الدولی الآن ، الذی استطاع أنْ یُیئس حرکه التغییر البشری ، سِیَّما بریاده المسلمین ، والخطوه التی نجح فیها مع الأسف ، أنَّه قَدَّم نموذجاً إصلاحیَّاً إسلامیَّاً ، کنموذج الخوارج ، لیقولوا : انظروا إلى المسلمین ، یُریدون التغییر ، ولکن بنموذج الخوارج الذی یُفرِّط بکلِّ الحُرمات وبکلِّ المکاسب ، ومِن ثَمَّ تتشوَّه صوره الإسلام لدى شعوب العالم وشعوب الغرب ، ویتزعزع أمامهم القول : بأنَّ الحلََّ کامنٌ فی دین الإسلام ، وفیما یطرحه نظام الإسلام ، ورُبَّما هذه مِن أقوى الضربات القاضیه ، ولکنْ هیهات لهذا الإسلام العملاق ، ولصاحب الزمان ، أنْ ینکسر .
فإذاً ، کان الحَجر الأساس فی مدرسه الحسین (علیه السّلام) هو إثاره الوعی البشری حول الشرعیَّه ، والتساؤل حولها عَمَّا إذا کانت صحیحه أم مُزیَّفه . إذا أردنا أنْ نغوص فی هذا الملفِّ وهذا البند ، فقد تمیَّزت مدرسه أهل البیت فی هذا النهج بشکل مُرکَّز جِدَّاً ، هو التساؤل حول الشرعیَّه ، وهذا تَحَدٍّ قانونیٌّ ، فلسفیٌّ ، تَحَدٍّ بلحاظ علوم الاجتماع ، تَحَدٍّ علمیٌّ ، تاریخیٌّ ، أدیانیٌّ ، تَحَدٍّ إداریٌّ – بحسب علوم الإداره – ، وتَحَدٍّ بحسب علوم مُختلفه . إنَّک لن تجد مذهباً کمذهب أهل البیت ، أکثر تحسُّساً حول الشرعیَّه ، فی تساؤله عن مصدرها وعن وجهه مسارها .. لن تجد فی المسیحیَّه ، ولا فی القانون البشری الجدید ، ولا فی الأُمَم المُتَّحده ، فحتَّى بنود الأُمَم المُتَّحده فی مجالاتها المُختلفه ، لا تُثیر فی الوعی البشری التساؤل حول الشرعیَّه ، بقدر مذهب أهل البیت (علیهم السّلام) ؛ لذا فإنَّ بصمات مدرسه ومذهب أهل البیت فریده جِدَّاً ؛ لأنَّه دین السماء ، وهو دین الأنبیاء الصحیح .
شرعیَّه عَلاقتک مع الله :
یُثیر هذا المذهب التساؤل حول الشرعیَّه حتَّى فی علاقتک مع الله (سبحانه و تعالى) ، کما یقول الصادق مِن آل محمد فی کتاب الکافی : بأنَّه حتَّى تسلیمنا لله (عَزَّ وجَلَّ) ـ وهذا الذی تطرحه الحداثویَّه الجدیده ، هُمْ یطرحون هذه المدارس ، ظَنَّاً منهم أنَّهم یُدرکون العقل الإسلامی ـ حتَّى فی عَلاقتک مع الله (عَزَّ وجَلَّ) ، قال الإمام الصادق (علیه السّلام) : (( إنَّ أوَّل الأُمور ومبدأها وقوَّتها وعمارتها التی لا ینتفع شیءٌ إلاَّ به العقل ، الذی جعله الله زینه لخلقه ونوراً لهم ، فبالعقل عَرف العباد خالقهم ، وأنَّهم مَخلوقون ، وأنَّه المُدبِّر لهم ، وأنَّهم المُدبَّرون ، وأنَّه الباقی وهم الفانون ، واستدلُّوا بعقولهم على ما رأوا مِن خَلقه ، مِن سمائه وأرضه ، وشمسه وقمره ، ولیله ونهاره ، وبأنَّ له ولهم خالقاً ومُدبِّراً لم یزل ولا یزول ، وعرفوا به الحَسَنَ مِن القبیح ، وأنَّ الظُّلمه فی الجهل ، وأنَّ النور فی العلم ، فهذا ما دلَّهم ، علیه العقل ))(۱) ،
ـــــــــــــ
(۱) تکمله الحدیث الشریف : ( قیل له : فهل یکتفی العباد بالعقل دون غیره ؟
قال : ( إنَّ العاقل لدلاله عقله الذی جعله الله قوامه وزینته وهدایته ، علم أنَّ الله هو الحَقُّ ، وأنَّه هو ربُّه ، وعلم أنَّ لخالقه مَحبَّه ، وأنَّ له کراهیَّه ، وأنَّ له طاعه ، وأنَّ له معصیه ، فلم یجد عقله یدلُّه على ذلک ، وعلم أنَّه لا یوصل إلیه إلاّ بالعلم وطلبه ، وأنَّه لا ینتفع بعقله ، إنْ لم یُصب ذلک بعلمه ، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذی لا قوام له إلاَّ به ) الکافی ج ۱ ص ۲۹ .
لیس عقلک مُغلقاً ، ولیس فِکرک أصمَّاً ، ولا وجدانک ، بلْ یجب أنْ تُحکِّم بنی عقلک و صمیم قلبک ، وهذا غیر مطروح فی الیهودیَّه و المسیحیَّه المُحرفتین طبعاً ؛ لأنَّ ما بُعث به الخاتم هو ما بُعث به جمیع الأنبیاء ، فهو دین واحد وإنْ اختلفت الشرائع ، بکون التفاصیل الجزئیَّه مُختلفه لکنَّ الأُسس واحده ، والشرعیَّه الدولیه المُنتهجه والمذاهب الإسلامیَّه الأُخرى ، والبوذیَّه والسیخیَّه وغیرها ، فَتِّش فیها ، ولن تجد دیانه یحملها روَّاد کأئمَّه أهل البیت (علیهم السّلام) مُنادین بفتح الفکر والعقل ، حتَّى فی عَلاقتک مع ربِّک ، فضلاً عن عَلاقتک مع نبیِّک .
شرعیَّه علاقتک مع نبیِّک :
لا یعنی الاتِّباع والخضوع للنبی (صلَّى الله علیه وآله) عدم السماح بالمُساءله ، فالمُساءله شیء والرفض الأعمى والعناد والتکبُّر شیء آخر ، والتساؤل شیء والإباء والرفض النزوی شیء آخر . کلامنا فی التساؤل ، حتَّى فی العَلاقه مع سیِّد الأنبیاء ، بلْ مع الأنبیاء جمیعاً ، لیس هناک غلق للفکر البشری ، فبحث الشرعیَّه مطروح ، ( مِن أین ؟ وکیف ؟ وإلى أین ؟ ) ، وحتَّى فی علاقتنا مع أئمَّتنا (علیهم السّلام) ، بالنظر إلى سیره أتباع أهل البیت ، لا نراهم عَمیاویِّین فی اتِّباعهم لأئمَّه أهل البیت (علیهم السّلام) .
رصد شعبیٌّ عجیب أوَّلاً لسیِّد الأنبیاء ، سیِّد الأنبیاء الذی أوجد فلسفه تسع زوجات ، وهؤلاء التسع زوجات فی الواقع ، هی عیون خبریَّه لشعوب وقبائل مُختلفه ، حول الوضع الداخلی لسیِّد الأنبیاء ، مِن مصر ، ومِن شمال الجزیره ، ومِن وسط الجزیره ، ومِن جنوب الجزیره ، فهؤلاء النساء فی الحقیقه قنوات خبریَّه ترصد سیِّد الأنبیاء ، فی حرکته حتَّى الداخلیَّه ، البیتیَّه ، وفی صدق مصداقیَّه نبوَّته و سؤدده على الأنبیاء فی مُمارساته و سلوکه الخفیِّ ؛ لأنَّ الإنسان ـ غالباً ـ مثل الرؤساء أو عظماء التاریخ ، سلوکهم فی الظاهر شیء ، وسلوکهم فی البیت مع الأُسره شیء آخر ، والکثیر منهم عِبْر الإعلام شیء ، وفی الواقع الخارجی شیء آخر .
له تسع زوجات (صلَّى الله علیه وآله) ! وفی الواقع لا یستطیع الإنسان التوفیق بین الاثنتین والثلاث والأربع ، فکیف بالتسع مع سیِّد الأنبیاء ؟! وکیف لم یختلَّ تدبیره الإداری معهنَّ ؟! إنَّ عهده (علیه وآله الصلاه والسّلام) إعجاز حتَّى فی الإداره والتدبیر .
مع هذه المسؤولیَّات الضخمه الجبَّاره ، التی کانت على کاهل سیِّد الأنبیاء ، مِن إقامه دین جدید ، ودعوه الأُمَم المُختلفه إلى دیانه الإسلام ، وتدبیر الدوله الإسلامیَّه ، وتربیه المُجتمع ( وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُّبِینٍ )(۱) ، ومِن جهه تسع زوجات ، کیف الوفاق بینهن ؟!! هو إعجاز فی الإداره والتدبیر ، بحیث لم یشهد المسلمون شکایه ولا عَرْکَه داخلیَّه أُسریَّه . هو کلُّه مُراقبه وضعها الله ( عَزَّ وجَلَّ ) لیُقیم الحُجَّه على البشر ، عِبر شهودهم تدبیر سیِّد الکائنات وإدارته وقیادته وخلقه : ( وَإِنَّکَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِیمٍ )(۲) .
ـــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره الجمعه آیه ۲
(۲) سوره القلم آیه ۴
شرعیَّه علاقتک مع إمامک :
وکذلک کان شیعه أهل البیت مع أئمَّتهم ، فلم یکن إمام مِن الأئمَّه ، یقفز على البیِّنات أو الإثباتات العلمیَّه ، أو التجسُّم العلمی . مدرسه أهل البیت فی علاقتها مع أئمَّتها ، هی علاقه العقل المفتوح ، بالبرهان وعدم التعامی عن البیِّنات . ولم یکن النوَّاب الخاصُّون للحُجَّه (عجَّل الله فرجه الشریف) فی الغیبه الصُّغرى ، یتسلَّمون هذا المنصب عبثاً ، بلْ کان فُقهاء الشیعه وعلماؤهم والشیعه تَرْقَبهم ، وترصدهم ، فی کلِّ خُطوه یخطونها ، وقد وثَّقهم الإمام الحسن العسکری (علیه السّلام) ، فلا بُدَّ ـ قطعاً ـ أنَّ سند الوثاقه ومُستنداتها باقیه معهم .
شرعیَّه علاقتک مع مرجعیَّتک :
تؤهَّل المرجعیَّه الشیعیَّه وفقهاء الشیعه تحت شرائط مُعیَّنه للمرجعیَّه والفقاهه ، ولابُدَّ مِن توافر الشرائط لهم استمراراً لبقائهم ، فبتعبیر أحد المُحقِّقین الفُقهاء فی الحوزه العلمیَّه فی قُمْ : رُبَّما قَلَّ نظیره فی مجموعه بشریَّه اجتماعیَّه ، أنْ تَرصِد و تُراقِب قیادتها کرصد الطائفه الشیعیَّه لمراجعها ، ومِن قبل لأئمَّتها . کلُّ فئات المُجتمع ترصده ، وتُراقبه ، تلتحم معه ، وتُباشره ، فی السَّراء وفی الضراء وفی سلوکه الداخلی أو الخارجی ، ثمَّ یؤهَّل لقیاده الطائفه الشیعیَّه ، نیابهً عن المعصوم .
أیُّ فئهٍ مِن المُجتمعات البشریَّه تُمارس هذا الترشیح والمُراقبه ، والدراسه والامتحان کما فی الشیعه ، حتَّى إنَّ الإعلام لا یُنجز ذلک ، وهُمْ أشدُّ تحسُّساً ، فلدیهم قضیَّه المرجعیَّه ، بلْ لابُدَّ أنْ یکون إمام الجماعه ـ کما فی شرائط مدرسه أهل البیت ـ عادلاً ، ورجل الدین کذلک ، فهو إنْ کان مُنکبَّاً على باب السلطان فهو طالب دنیا ، أمَّا إنْ کان مُعرضاً عن باب السلطان الذی هو یأتی إلیه ، فهو طالب آخره ، ومِن هذا القبیل .
قَلَّ نظیر تحسُّس الشرعیَّه فی المذاهب غیر مذهب أهل البیت (علیهم السّلام) ؛ لذلک فالمذاهب الأُخرى تشطب على حُجِّیَّه العقل ، مثل مذهب السلفیَّه ( الوهابیَّه ) أو حتَّى المذاهب الأُخرى ، العقل أیضاً یُحاسَب فی المذهب الشیعی ، بالقلب والوجدان . مُراقبه مصدر الشرعیَّه على مصدر آخر ؛ لأنَّ قوى الإنسان المُختلفه فی التفکیر أو فی تحدید الرؤیه ، تُراقِب بعضها البعض برؤیه مدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) ، و إلاَّ فالعقل الظنِّی أو النظری التجریدی الحدسی التخمینی ، لا یجعل الإنسان یُسلِّم زمام قیادته لأحد ، فإنْ کانت له تجربه ـ مثلاً ـ یستخلص منها نظریَّه ظنیَّه ، لا یستطیع أنْ یؤسِّس علیها رؤیه ، وهو نوع مِن التثبُّت فی مدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) ، فلابُدَّ مِن الإثبات ، ولا یُمکن البناء على نظریَّات حدسیَّه مِن دون تثبُّت ؛ ولذلک بحث الحُجِّیَّه وعدم الحُجِّیَّه ، وبعباره أُخرى نستطیع أنْ نصل إلى نفس بحث الإمامه والقیاده .
الحساسیَّه حول الإمامه :
یُقال : کثیراً ما تُثیرون ـ أنتم أتباع مذهب أهل البیت ـ حساسیَّه حول الإمامه . وفی الواقع إنَّ إثاره الحساسیَّه حول الإمامه هی حول الشرعیَّه ، فإذا خَمد فی وعی الشیعه هذا التحسُّس تحت عناوین وشعارات مُغفَّله ، اعلموا أنَّ وعینا قد خَمد ، والبحث فی الإمامه موقع رامز للبحث حول الشرعیَّه .
لا تجعلک مدرسه أهل البیت (علیهم السّلام) مُتعامیاً تمشی لا تدری مِن أین جئت وإلى أین تذهب ؟ فالتساؤل المطروح دائماً هو : مِن أین ؟ وإلى أین ؟ وکیف ؟ هذا هو الذی نُریده فی هذا البحث ، إذا أردنا أنْ نکون شیعه للحسین ، کیف نوصِّل ؟ وکیف نُربِّی المُجتمع الدولی والشعوب الدولیَّه برساله الحسین (علیه السّلام) ، وأنْ لا نکون نحن فی خطواتنا ـ و العیاذ بالله ـ أعداءً لسیِّد الشهداء فی حرکته ؟ هو مُنقذ البشریَّه بحرکته مِن بُراثن الشرعیَّه المُزیَّفه ، نتساءل هنا : هل نحن دُعاه لهذه المدرسه ؟ أم أنَّنا ـ والعیاذ بالله ـ نوجد خمود هذه المدرسه ؟ هذا ما سنواصل الحدیث فیه إنْ شاء الله ، مع تکمله البحث والتحسُّس حول الشرعیَّه .
التحسُّس حول شرعیَّه البدیل :
مِن الأُمور التی سنَّها سیِّد الشهداء ـ أیضاً ـ لجمیع البشریَّه مِن أتباع الدیانات ، التحسُّس حول الشرعیَّه فی البدیل . رُبَّما هناک خَطٌّ إصلاحی ، أو جماعه إصلاحیَّه بشریَّه تُشخِّص الداء فی النظام البشری أو النظام الاجتماعی ، لکنَّها تغفل عن تشخیص الدواء والعلاج ، فتخوض فی مُعالجه الداء ، وتُنکِب وتُبلی الجسم البشری بداءٍ هو أکثر عیَّاً ، فیستفحل داءُ البشریَّه أکثر مِمَّا هو علیه .
إذاً ؛ فتشخیص الفساد فی النظام البشری ، وتشخیص المرض والإحساس بضروره التغییر ، هو بمُفرده لیس کافیاً ؛ لأنَّ الإنسان یَشرع له أنْ ینتهج خَطَّ الإصلاح الصحیح ؛ کی یکون إصلاحاً ، لا إفساداً أکثر مِمَّا هو علیه الفساد القائم ، وهذا أمر یغفل عنه الکثیر مِن الإصلاحیِّین ـ مع الأسف ـ .
تمیَّز سیِّد الشهداء (علیه السّلام) عن بقیَّه الإصلاحیِّین فی تاریخ البشریَّه ، وعمَّن أتى بعده حتَّى یومنا هذا ، هو فی هذا البُعد مِن التحسُّس فی الشرعیَّه . التحسُّس فی الشرعیَّه لا یعنی فقط التحسُّس مِن شرعیَّه النظام القائم ، بلْ إنَّ هناک تحسُّساً لأمر رُبَّما لا یقلُّ خطوره ، وربَّما یزید خطوره عن التحسُّس والتساؤل عن شرعیَّه النظام الذی یعیش فیه البشر ، فالتحسُّس وإدراک أهمیَّه وخطوره البدیل فی منطق سیِّد الشهداء ومنطق أهل البیت (علیهم السّلام) ، یفوق تشخیص نفس الداء أهمیَّهً ، وقد عاشت البشریَّه الکثیر مِن دُعاه الإصلاح ، لکنَّها بُلیت بفساد أکبر مِن سابقه .
مِثال على عدم التحسُّس حول البدیل :
عاشت البشریَّه فی القَرن الأخیر دعوات الإصلاح ، کالشیوعیَّه والاشتراکیَّه ، شخَّصت الداء إجمالاً ، فأخبرت بوجود مرض سرطانیٍّ فی الرأسمالیَّه ، فی نظام السوق ، إلاَّ أنَّها لم تُشخِّص الدواء والعلاج . قد تُشخِّص أنت وجود الداء ، ووجود العدوِّ ، ووجود ما یجب تغییره فی أیِّ بند مِن بنود النظام البشری الحاکم على البشر ، أو الحاکم على المُجتمع ، سواء فی أشخاصه التنفیذیِّین أم فی نظامه التشریعی ، أم فی برنامجه القضائی أم أیِّ برنامج آخر ، قد یُشخِّص الإنسان إجمالاً وجود الفساد ، لکنْ مِن الأهمیَّه بمکان ، التفکیر فی رُفقاء الإصلاح ، فمَن تُرافِق أنت فی نهجک الإصلاحی ؟ وأیُّ برنامج تتبنَّى وتتَّخذ بدیلاً فی الإصلاح ؟
أدرکت الشیوعیَّه أنَّ هناک إقطاعاً مُدمِّراً للمُجتمع ، یوجب رزح عموم المُجتمع تحت سطوه الإقطاعیِّین وقراصنه المال ، لکنَّهم أرادوا أنْ یُعالجوا الداء بما هو أدهى ، وهذا الذی حدث ؛ فعاشت البشریَّه عقوداً مِن السنین ، ورُبَّما قرابه القَرن ، ثمَّ تبیَّن لها أنَّ هذا العلاج مُفسد أکثر مِن فساد الرأسمالیَّه .
مَرَّ بنا أنَّ الخوارج ، وحتَّى النماذج الأُخرى المُطالبه بالتغییر ، قد لاحظوا بُقعه فساد فی النظام الاجتماعی ، واستهدفوا إصلاحها بکلِّ حماس ، لکنْ بنحو جعلهم یُفرِّطون ببیت البشریَّه ، کما أنَّ الإنسان الذی یرى جانباً مِن الحائط یوشک أنْ ینقضَّ ، ویُرید أنْ یتدارکه ، لکنَّه بهوجائیَّه مُعیَّنه یهدم بقیَّه الجدار ! فیکون إفساده هذا أکثر مِن إصلاحه ، فهو وإنْ سمَّاه إصلاحاً لکنَّه فی الواقع إفساد ، وأعمى بذلک العین بدل أنْ یُکحِلها .
فإذاً ، التحسُّس حول شرعیَّه نفس بنود الإصلاح ، ورسمیَّه وشرعیَّه الإصلاح البدیل أمر مُهمٌّ جِدَّاً ، وهذا ما أثاره سیِّد الشهداء فی مدرسته ونهجه بشکل مُؤکَّد ومُغلَّظ وبتحسُّس کبیر ، ومِن ثمَّ کان أعضاء البطوله فی حرکه سیِّد الشهداء مُتقیدین بالمبادئ ، لا یتهاونون ولا یُفرطون فی مبدأ مِن مبادئهم ؛ لأنَّ هذا البرنامج الإصلاحی لدیهم أهمُّ مِن مُجرَّد قلع الفساد ، فأنت إنْ قلعت الفساد ووضعت مرضاً أدهى بدلاً عنه ، أنکبت بذلک البشریَّه وأنکبت النظام الاجتماعی . لذا نرى مبدأه هذا (علیه السّلام) فی کلِّ حرکاته وسکناته وخطواته ، وهذا نهج أبیه سیِّد الأوصیاء وجَدِّه مِن قَبلُ سیِّد الأنبیاء .
التحسُّس فی الشرعیَّه وفی البنود البدیله أمر هامٌّ جِدَّاً ، وأهمیَّه التفکیر فی الدواء تفوق أهمیَّه التفکیر فی الداء ، کثیر منَّا یُفکِّر فی الداء ، عندما یستهوینا الإصلاح وتغییر ذلک الداء وذلک الفساد ، ونتغافل أو نتناسى ونعیش سُبات لذَّه الإصلاح والتغییر السریع دون أنْ نشرع البدیل الصالح ، المُعالج للکلِّ .
قلَّما نرى مدرسه بشریَّه إصلاحیَّه أو خطَّاً إصلاحیَّاً بشریَّاً فی دول عدیده تأتی بالبدیل الصالح ، أو تُفکِّر أو تولِی أهمیَّه عظیمه للبدیل ، تفوق تشخیص الداء ، بینما کان هذا نهج سیِّد الشهداء ، وفی الواقع هو نهج مدرسه أهل البیت وأتباع مدرسه أهل البیت ، فهذا التحسُّس فائق الوجود عندهم ، وقد طالعتنا الأحداث الأخیره بذلک الأمر حتَّى عند شیعه العراق .