التوحید هو الأصل الموحّد بین الشرائع

0

الأصلُ الثامنُ والعشرون: التوحید الذاتی ومعانیه
إنّ أول مرتبه من مراتب التوحید هو التوحید الذاتی، وللتوحید الذاتی معنیان:
ألف : إنّ الله واحدٌ، لا مثیل له ولا نظیر ولا شبیهَ ولا عدیل.
ب : إن الذات الإلهیّه المقدّسه ذاتٌ بسیطهٌ لا کثرهَ فیها، ولا ترکّب.
یقول الإمام علی بن أبی طالب ـ علیه السَّلام ـ حول کلا المعنیَین:
۱ ـ «هُو وَاحدٌ لَیسَ له فی الأشْیاء شَبَهٌ».
۲ ـ «وإنّه عزّ وجل أَحدیّ المعنى لا ینقسم فی وجود ولا وَهم ولا عقل»([1] ). وسوره «الإخلاص» التی تعکس عقیده المسلمین فی مجال التوحید تشیر إلى کلا القسمین:
فقوله تعالى: ( وَلَمَ یَکُنْ لَه کُفْواً أحَد) إشارهٌ إلى القسم الأوّل.
وقوله تعالى: ( قُلْ هُوَ اللهُ أحَد) إشارهٌ إلى القسم الثانی .
وعلى هذا الأساس یکون «التثلیث» باطلاً من وجهه نظر الإسلام، وقد صرّح القرآنُ الکریمُ فی آیات عَدیده بعدم صحه ذلک.
کما أنّ هذه المسأله تَناولَتْها الکتبُ الکلامیّه (العقیدیّه) بالبحث المُفَصَّل وفَنَّدَتْ التثلیثَ بطرق مختلفه، ونحن نکتفی هنا بذکر طریق واحد:
إنّ التثلیث بمعنى کون الإله ثلاثاً لا یخلو عن أحد حالین:
إمّا ان یکون لکلِّ واحد من هذه الثلاثه وجودٌ مستقلٌّ، وشخصیه مستقلّه، أی أنْ یکون کلُّ واحد منها واجداً لکلّ حقیقهِ الاُلوهیه، وفی هذه الصوره یتنافى هذا مع التوحید الذاتی بمعناه الأوّل (أی کون الله لا نظیر له).
وإمّا أن تکون هذه الآلهه الثلاثه ذات شخصیّه واحده، لا متعدّده ویکون کلُ إله جزءاً من تلک الحقیقه الواحدهِ، وفی هذه الصوره یکون التثلیث کذلک مستلزماً للترکب، ویخالف المعنى الثانیَ للتوحید الإلهیّ (أی بساطه الذاتِ الإلهیّه).
الأصلُ التاسعُ والعشرون: التوحید فی الصفات
المرتبه الثانیه من مراتب التوحید هو: التوحید فی صفات الذات الإلهیّه .
نحن نعتقد أنّ الله تعالى موصوف بکلّ الصفات الکمالیه، وأنّ العقلَ والوحیَ معاً یَدُلاّن على وجودِ هذه الکمالات فی الذات الإلهیّه المقدسه.
وعلى هذا الأساس فإنّ الله عالمٌ، قادرٌ، حیٌ، سمیعٌ، بصیرٌ و.. و .
وهذه الصفات تتفاوت فیما بینها من حیث المفهوم، فما نفهمه من لفظه «عالِم» غیر ما نفهمه من لفظه: «قادر».
ولکن النقطه الجدیره بالبحث هو أن هذه الصفات کما هی متغایره من حیث المفهوم هل هی فی الواقع الخارجیّ متغایره أم متحده؟
یجب القول فی معرض الإجابه على هذا السؤال: حیث إنّ تغایرَها فی الوجود، والواقع الخارجی، یستلزم الکثرهَ والترکّب فی الذات الإلهیّه المقدسه، لذلک یجب القولُ حتماً بأنّ هذه الصفات مع کونها مختلفهً ومتغایرهً من حیث المعنى والمفهوم إلاّ أنّها فی مرحله العینیهِ الخارجیهِ، والواقع الخارجِی متحدهٌ.
وبتعبیر آخر: إن الذات الإلهیّه فی عین بساطتها، واجدهٌ لجمیع هذه الکمالات، لا أنّ بعض الذات الإلهیّه «عِلم» وبعضها الآخر «قُدره» والقسم الثالث هو «الحیاه» بل هو سبحانه ـ کما یقول المحقّقون: ـ علمٌ کلُّه وقدرهٌ کلّهُ وحیاهٌ کلهُ…
وعلى هذا الأساس فإنّ الصفاتِ الذاتیه للهِ تعالى، مع کونها قدیمهً وأزلیهً فهی فی نفس الوقت عین ذاته سبحانه لا غیرها.
وأمّا ما یقولهُ فریقٌ من أنّ الصفات الإلهیه قدیمهٌ وأزلیهٌ ولکنها زائدهٌ على الذات غیر صحیح، لأنّ هذه النظره تنبع ـ فی الحقیقه ـ من تشبیه صفات الله بصفات الإنسان وحیث إنّ صفاتِ الإنسان زائدهٌ على ذاته فقَد تصوَّروا أنّها بالنسبه إلى الله کذلک.
یقول الإمام جعفر الصادق ـ علیه السَّلام ـ : « لم یَزلِ اللهُ ـ جلّ وعزّ ـ ربُّنا والعلمُ ذاتُه ولا معلومَ، والسَمعُ ذاتُه ولا مسموعَ، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَرَ، والقدرهُ ذاتُه ولا مقدورَ»([2] ).
ویقول الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ـ علیه السَّلام ـ : « وکمالُ الإخلاصِ له نفی الصفاتِ عنه، لشهاده کلِّ صفَه أنها غیرُ الموصوف، وشهادهِ کلّ موصوف أنّه غیر الصفه»([3] ).([4] )
الأصلُ الثلاثون: التوحید فی الخالقیه
المرتبه الثالثه من مراتب التوحید هی التوحید فی الخالقیه، بمعنى انّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّ الوجود برمته مخلوقُه، وقد أکّد القرآن الکریم على هذه الحقیقه إذ قال:
( قُلِ اللهُ خالقُ کلِّ شَیء وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ) ([۵] ) .
( ذلکمُ اللهُ رَبُّکُم خالقُ کلِّ شَیء لا إلهَ إلاّ هُوَ) ([۶] ) .
ولیس الوحی وحده یثبت ذلک بل یقول به العقل ویؤکّده، لأنّ کل ما سوى الله ممکنٌ محتاجٌ، وترتفع حاجته ویتحقّق وجوده من جانب الله.
إنّ التوحید فی الخالقیه لا یعنی نفی أصل السببیّه والعلیّه فی عالم الوجود، لأنّ تأثیرَ کلِّ ظاهره مادّیه فی مثلها منوطٌ بإذن الله، ووجودُ السبب وسَبَبیّتُه کلاهُما من مظاهر المشیئه الإلهیه، فالله سبحانه هو الذی أعطى النور، والضوء للشمس والقمر، وإذا أراد سَلْبَه عنهما فعل ذلک دون مانع ومنازع، ولهذا کان الخالق الوحید بلا ثان.
وقد أیّد القرآن الکریم ـ کما أسلفنا فی الأصل الثامن ـ قانون العلیّه ونظام السببیه فی الکون کما قال الله: ( یُرسلُ الریاحَ فتثیرُ سَحاباً فَیَبْسُطُهُ فِی السَماءِ کیفَ یَشاء) ([۷] ) . فقد صَرَّحَتِ الآیهُ المذکوره بتأثیر الریاح فی تحریک السحابِ وسَوْقها.
إنّ تعمِیم خالقیّه الله على جمیع الظواهر الطبیعیّه لایستلزم أبداً أن ننسب أفعال البشر القبیحه إلى الله تعالى، لأنّ کل ظاهره من الظواهر الکونیه لکونها کائناً إمکانیاً وإن کان مستحیلاً أن ترتدی ثوب الوجود من دون الاستناد إلى القدره، والإراده الإلهیّه الکلیه.
ولکن فی مجال الإنسان یجب أن نضیف إلى ذلک، أنّ الإنسان لکونهِ کائناً مختاراً، وموجوداً ذا إراده، فهو یفعلُ أو یترک بإرادته واختیارِهِ بحکم التقدیر الإلهیّ أی إنّ الله قدّر وشاء أن یفعلَ الإنسانُ ما یرید فعلهُ بإرادته، ویترک ما یرید ترکه بإرادته، لهذا فإنّ اصطباغ الفعل البشری من حیث کونه طاعه أو معصیه لله تعالى ناشئ مِن نوعیّه إرادته واختیار الإنسان نفسهِ.
وبعباره أُخرى: إنّ الله واهبُ الوجود، والوجود مطلقاً مستند إلیه، ولا قبح فی الأمر من هذه الناحیه کما قال: ( الّذِی أحسَنَ کُلَّ شیء خَلْقَه) ([۸] ) .
ولکنّ جَعْلَ وجود هذا الفعل مطابقاً أو غیر مطابق لمعاییر العقل والشرع، نابعٌ فی الحقیقه من کیفیه اختیار الإنسان وإرادته، وعزمه.
ولإیضاح المقصود نأتی بمثال :
إنّ الأکل والشرب من أفعال الإنسان بلا ریب فیقال أکل فلان وشرب، ولکنّ کلاً من الفعلین یشتملان على جهتین:
الأُولى: الوجود، وهو الأصل المشترک بینه وبین سائر الموجودات.
الثانیه: تحدید الوجود وصبّه فی قالب خاص وانصباغه بعنوانی الأکل والشرب، فالفعل من الجهه الأُولى منسوب إلى الله سبحانه، فلا وجود فی الکون إلاّ وهو مفاض منه تعالى، ولکنّه من الجهه الثانیه منسوب إلى العبد إذ هو الذی باختیاره وقدرته صَبَغ الوجود بصبغه خاصه وأضفى علیه عنوانی الأکل والشرب، فهو بفمه یمضغ الغذاء ویبلع الماء.
وبعباره أُخرى: إنّ الله سبحانه هو الذی أقدر العبد على إیجاد الفعل، وفی الوقت نفسه أعطى له الحریه لصرف القدره فی أیّ نحو شاء، وهو صرفها فی مورد الأکل والشرب.
الأصلُ الواحدُ والثلاثون: التوحید فی الربوبیه
المرتبه الرابعه من مراتب التوحید هو: التوحید فی الربوبیه وتدبیر الکون والإنسان.
والتوحید الربوبی یکون فی مجالین:
۱ ـ التَدبیر التکوینیّ .
۲ ـ التَدبیر التشریعیّ .
وسنتحدّث عن التدبیر التشریعیّ فی أصل مستقل، فیما بعد، ونرکّز فی هذا الأصل على التدبیر فی المجال التکوینی.
إنّ تاریخ الأنبیاء یشهد بأن مسأله التوحید فی الخالقیه لم تکن قط موضع نقاش فی أُممهم وأقوامهم، وانما کان الشرک ـ لو کان ـ فی تدبیر الکون وإداره العالم الطبیعی الذی کان یتبعه الشرک فی العباده.
فمشرکو عصر النبی إبراهیم الخلیل ـ علیه السَّلام ـ کانوا یعتقدون بوحده خالق الکون، إلاّ أنّهم کانوا یعتقدون خطأً بأنّ النجوم والکواکب هی الأرباب والمدبّرات لهذا الکون، وقد ترکّزت مناظره إبراهیم لهم على هذه المسأله کما یتضح ذلک من بیان القرآن الکریم([۹] ).
وکذا فی عهد النبی یوسف ـ علیه السَّلام ـ الذی کان یعیش بعد النبی إبراهیم الخلیل ـ علیه السَّلام ـ فإنّ الشرک کان فی مسأله الربوبیه، وکأنَّ الله بعد أن خلقَ الکون، فوّض أمر تدبیره وإدارته إلى الآخرین.
ویتّضح هذا جلیاً من الحوار الذی دار بین یوسف الصدِّیق ـ علیه السَّلام ـ وأصحابه فی السجن إذ یقول:( ءأربابٌ مُتَفَرِّقُون خَیْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القهّار) ([۱۰] ) .
کما ویُستفاد من آیات القرآن الکریم أن مشرکی عصر الرساله کانوا یعتقدون بأنّ بعض مصیرهم إنّما هو بإیدی معبوداتهم إذ یقول: ( واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَهً لیکُونوا لَهُمْ عزّاً) ([۱۱] ) .
ویقول أیضاً: ( واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَهً لَعَلّهُم یُنْصَرون * لا یَستطِیعُون نَصْرَهم وَهُم لهُمْ جُندٌ مُحْضَرونَ) ([۱۲] ) .
إنّ القرآنَ الکریم یحذّر المشرکین فی آیات عدیده بأنّ ما یعبدونه من الأَرباب المختلفَه غیر قادره على جلب نفع إلى عابِدِیها ولا دفعِ ضرر عنهم أبداً.
إنّ هذه الآیات تکشف عن أنّ مشرکی عصر الرساله المحمدیه کانوا یعتقدون بأنّ تلکَ المعبودات تضرُ أو تنفع عُبّادها.([۱۳] ) وهذا هو کان الدافع لهم إلى عِبادتها.
إنّ هذه الآیات ونظائرَها ممّا یعکس ویصوّر عقائد المشرکین فی عصر الرساله، تحکی عن أنّه رغم أنّهم کانوا یعتقدون بالتوحید فی الخالقیه، إلاّ أنّهم کانوا مشرکین فی بعض الأُمور المتعلّقه بربوبیّه الحق تعالى، إذ کانوا یعتقدون بأنّ معبوداتهم مؤثره ـ على نحو الاستقلال ـ فی الأُمور والأشیاء، أی إنَّها فاعِله فی صفحه الکون من دون إذنِ الله ومشیئته بل بصوره مستقلّه وحسب مشیئتها وإرادتها لا غیر، وهی من صفات الربِّ الحقیقی.
ولقد عَمَدَ القرآنُ الکریمُ ـ بهدف منع أُولئک المشرکین عن عباده الأصنام بصوره جذریه ـ إلى إبطال هذا الإعتقاد الفاسد وهذا التصوّر الخاطئ، وقال بأنّ هذه الأصنام لاتضرّ ولاتنفع ولامثقال ذره، فلیس لهم أیّ تدبیر وربوبیّه. ففی بعض الآیات یندّد القرآنُ بالمشرکین لکونهم یتّخذون لله تعالى نظیراً وندّاً، وشبیهاً ومثیلاً، إذ یقول: ( وَمن الناسِ مَنْ یتّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْداداً یُحبُّونَهُمَ کحبِّ اللهِ) ([۱۴] ) .
وقد ورد تقبیح اتّخاذ الندّ للهِ فی آیات قرآنیه أُخرى أیضا([۱۵] ). ویتضح من الآیات المذکوره أنّ المشرکین کانوا یعتقدون بأنّ لتلک الأصنام شؤوناً مثل شؤون اللهِ سبحانه، ثم انطلاقاً من هذا التصوّر کانوا یحبّون تلک الأصنام ویودّونها بل ویعبدونها!!
وبعباره أُخرى: لقد کان المشرکون یعبدون تلک الأوثان والأصنام لکونها ـ حسب تصوّرهم وزعمهم ـ «أنداداً» و «نظراء» لله سبحانَه فی التدبیر.
إنّ القرآن الکریم ینقل عن المشرکین یومَ القیامه بأنّهم یقولون تندیداً بأَنفسهم وبأَصنامهم: ( تَاللهِ إنْ کُنّا لَفِی ضَلال مُبینِ * إذ نسَوِّیکُمْ بِرَبّ العَالَمِین) ([۱۶] )
أجل إنّ دائرهَ ربوبیه الله واسعه، ومن أجل هذا کان مشرکو عصر الرساله موحّدین فی أُمور هامّه. کالرزق والإحیاء والإماته والتدبیر الکلی للکون کما یقول القرآن الکریم: ( قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْض أَمَّنْ یَمْلِکُ السَّمْعَ والأَبْصارَ وَمَنْ یُخرِجُ الحَیَّ مِنَ المَیّتِ وَیُخرِجُ المیّتَ منَ الحیّ وَمَنْ یُدَبّرُ الأمرَ فَسَیَقُولونَ الله فَقُلْ أفَلاَ تَتَّقون) .([۱۷] )
( قُلْ لِمَن الأرضُ ومَنْ فیها إنْ کنْتُمْ تَعلَمونَ * سَیَقُولونَ للهِ قُل أفَلا تَذَکَّرُون * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وربُّ العرشِ العظِیم * سَیُقُولُونَ لله قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ) ([۱۸] ) .
وَلکنَّ هؤلاء الأفراد أنفسَهم ـ کما مرّ فی آیات سوره مریم وسوره یسـ ینسبون بعض الأُمور والشؤون مثل النَصر فی القتال والحفْظ فی السَفَر، وَما شابهَ ذلک، إلى مَعْبُوداتهم وأصنامِهمْ ویَعْتَقدون بتأثیرها الذاتیّ والمُستقلِّ فی مصائرهم.
وأبْرزُ من کل ذلک ; الشفاعهُ التی کانوا یرون أنّها حقٌ طلْقٌ لتلک الأصنام وکانوا یَعتقدون بأنّها تشفع من غیر إذن الله، وأنّ شفاعَتها مفیدهٌ لا مَحاله ومؤثّره قطعاً وجزماً.
وعلى هذا فلا منافاه بین أن یکون بعض الأفراد یعتقدون بتدبیر اللهِ لبعض الأُمور دون سواه فیکونون موحّدین فی هذا المجال، بینما یعتقدون بتدبیر الأصنام والأوثان لأُمور وجوانب أُخرى من مصائرهم وشؤونهم کالشفاعه والإضرار والإنفاع والإعزاز والمغفره، فیکونون مشرکین فی هذه المجالات .
وَلکنّ «التوحید فی الربوبیه» یفنّد کلَّ لون من ألوان تصوّر الإستقلال، والتأثیر المستقل عن الإذن الإلهیّ کلیّاً کان، أو جزئیاً .
فهو یُبطل أی إسناد، لتأثیر غیر الله فی مصیر الإنسان والکون، وتدبیر شؤونها بمعزل عن الإذن الإلهیّ وبهذا یُبطل ویرفُضُ عبادهَ غیر اللهِ تعالى. إنَّ الدلیل على التوحید الربوبیّ واضحٌ تمامَ الوضوح، لأنّ تدبیرَ عالمِ الخلق، فی مجال الإنسان والکون، لا ینفصل عن مسأله الخَلْقِ، ولیس شیئاً غیر عملیّه الخَلق.
فإذا کانَ خالقُ الکونِ والإنسان واحداً، کان مدبّرهما بالطبع والبداهه واحداً کذلک، لوضوح العلاقه الکامله بین عملیّه التدبیر وعملیه الخَلْق للعالم.
ولهذا فإنّ الله تعالى عندما یصف نفسَه بکونه خالِقَ الأشیاء یصف نفسَه فی ذاتِ الوَقتِ بأنّه مدبّرُها ( اللهُ الّذی رَفَعَ السَّمواتِ بِغیرِ عَمَد تَرَونَها ثمّ اسْتَوى على العَرْشِ وسَخّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ کلٌّ یَجْرِی لأجَل مُسمًّى یُدَبِّرُ الأمرَ…) ([۱۹] ) .
وفی آیه أُخرى یعتبر التناسقَ والانسجام السائد والحاکم على الکون دلیلاً على وحده مدبر العالم إذ یقول: ( لَوْ کانَ فیهما آلِههٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا) ([۲۰] ) .
إنَّ التوحید فی التدبیر لاینافی وجودَ مدبّرات أُخرى تقومُ بوظائفها بإذن الله فی صفحه الکون، فهی بالحقیقهِ مظاهِر لِربوبیه الحق تعالى .
ولهذا فإنَّ القرآن الکریم مع تأکیده الشدید على التوحید فی الربُوبیّه والتدبیر یصرّح بوجود مدبّرات أُخرى فی صفحه الکون إذ یقول: ( فالمدبّراتِ أمْراً) ([۲۱] ) .
الأصل الثانی والثلاثون: التوحید فی الحاکمیه والتقنین
بعد أن ثبت ـ فی الأصل السابق ـ أنّ للکون مدبّراً حقیقیاً واحداً هو الله تعالى وأنّ تدبیر العالم وحیاه الإنسان بیده دون سواه، کان تدبیر أمر الإنسان فی صعید الشریعه ـ سواء فی مجال الحکومه أو التقنین أو الطاعه أو الشفاعه أو المغفره ـ برمّته بیده تعالى، ومن شؤونه الخاصه به، فلا یحق لأحد أن یتصرّف فی هذه المجالات والأصعده من دون إذن الله تعالى، ولهذا یُعتبر التوحیدُ فی الحاکمیه، والتوحید فی التشریع، والتوحید فی الطاعه، والتوحید فی الشفاعه والمغفره.. من فروع التوحید فی التدبیر وشقوقه ولوازمه.
فإذا کان النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ حاکماً على المسلمین فإنّ هذا نابعٌ من إختیار الله تعالى إیّاه لهذا المنصب.
وانطلاقاً من هذه العلّه ذاتها تجب إطاعتهُ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ بل إنّ إطاعته نفس إطاعه الله، قال تعالى:
( مَنْ یُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ) ([۲۲] ) .
وقال أیضاً: ( وَما أرْسَلْنا مِنْ رَسُول إلاّ لِیُطاعَ بِإِذنِ اللهِ) ([۲۳] ) .
فلو لم یکن الإذنُ الإلهیّ ما کانَ النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ حاکماً ولا مُطاعاً. فحکومتهُ وطاعتهُ مظهرٌ لحاکمیه الله وطاعته.
کما أنّ تحدیدَ الوظیفَه وتشخیص التکلیف بما أنّه من شُؤون الربوبیه، لم یَحِقّ ولا یحقّ لأحد أن یحکم بغیر ما أمر اللهُ به، وأن یقضیَ بغیر ما أنزل: ( ومَنْ لَمْ یَحکُمْ بِما أنَزَلَ اللهُ فأُولئِکَ هُمُ الکافِروُنَ) ([۲۴] ) .
وهکذا تکون الشفاعه ومغفره الذنوب من حقوق الله الخاصه به فلا یقدر أَحَدٌ أنْ یَشْفَعَ لأَحد من دُون إذنهِ تعالى:( مَنْ ذا الّذی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ) ([۲۵] ) .
وَعَلى هذا الأَساس یکونُ شراء صُکوک الغفران وبَیعُها، تصوّراً بأنّ لأحد غیر المقام الربوبی أن یَهبَ الجنّه لأحَد، أو یخلّصَ أحداً من العذاب الأُخروی کما هو رائجٌ فی المسیحیّه، أمراً باطلاً لا أساس له من الصحَّه فی نظر الإسلام کما جاء فی القرآن الکریم:
( فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ ) ([۲۶] ) .
فالموَحدُ ـ فی ضوء ما قلناه ـ یجب أن یعتقِدَ ـ فی مجال الشریعه ـ بأنّ الله وحده لا سواه هو الحاکم والمرجَع، إلاّ أنْ یعیّن الله شخصاً للقیاده، وبیانِ الوظائف الدینیه.
الأصلُ الثالِثُ والثلاثون: التوحید فی العباده
إنّ التوحیدَ فی العباده هو الأصل المشترک والقاعده المتفق علیها بین جمیع الشرائع السماویه.
وبکلمه واحده: إنّ الهدف الأسمى من بَعث الأنبیاء والرُسُل الإلهیّین هو التذکیر بهذا الأصل کما یقول: ( وَلَقَدْ بَعَثْنا فی کلّ أُمَّه رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغوتَ) ([۲۷] ) .
إِنّ جمیع المسلمین یعترفون فی صلواتهم الیومیه بهذا الأصل ویقولون: ( إیّاکَ نَعْبُدُ ) ([۲۸] ) .
وعلى هذا الأساس فإنّ وجوبَ عباده الله وحده، والاجتناب عن عباده غیره أَمرٌ مسلَّمٌ لا کلامَ فیه، ولا یخالف أحد فی هذه القاعده الکلیه أبداً، وإنّما الکلام هو فی أنّ بعض الأعمال والممارَسات هل هی مصداق لعباده غیر الله أم لا؟ وللوصُول إلى القولِ الفصلِ فی هذا المجال یجب تحدید مفهوم العباده تحدیداً دقیقاً، وتعریفها تعریفاً منطقیاً، بغیه تمییز ما یدخل تحت هذا العنوان ویکون عباده، ممّا لا یکون کذلک، بل یُؤتى به من باب التعظیم والتکریم.
لاشک ولا ریبَ فی أنّ عِبادهَ الوالدین والأنبیاء والأولیاء حرامٌ وشرکٌ، ولکن مع ذلک یکون احترامهم واجباً وعینَ التوحید: ( وَقضى رَبُّکَ أنْ لا تَعْبُدوا إلاّ إیّاه وبالوالدین إحْساناً) ([۲۹] ) .
والآن یجب أن نرى ما هو العنصر الذی یمیّز «العبادهَ» عن «التکریم»؟ وکیف یکون العملُ الواحدُ فی بعض الموارد (مثل سجود الملائکه لآدم، وَسُجود یعقوب وأولاده لیوسف) عینَ التوحید، ولکن نفسَ العمل یکونُ فی مواردَ أُخرى عینَ الشرک والوثنیه.
إنّ الجوابَ على هذا السؤال یتّضح من البحث السابق الذی کانَ حول التوحید فی التدبیر.
إنّ العبادَه (التی نُفیت عَنْ غیر الله ونُهی عنها) عباره عن خضوع إنسان أمام شیء أو شخص باعتقاد أنّ بیده مصیر العالم کلّهِ أو بعضه، أو بیده إختیار الإنسان ومصیره، وانّه مالک أمره، وبتعبیر آخر: ربّه.
أمّا إذا کان الخضوع أمام کائن مّا لا بهذا الاعتقاد، إنّما من جهه کونه عَبداً صالحاً لله، وصاحبَ فضیله وکرامه، أو لکونه منشأَ إحسان، وصاحب ید على الإنسان، فإنّ مثل هذا العمل یکون مجردَ تکریم وتعظیم لا عبادهً له.
ولهذا السبب بالذات لا یوصف سجود الملائکه لآدم، أو سجود یعقوب وأَبنائه لیوسف بصفه الشرک والعباده فهذا السجود کان ینبع من الإعتقاد بعبودیّه آدم ویوسف إلى جانب کرامتهما ومنزلتهما عند الله، ولیس نابعاً من الإعتقاد بربوبیّتهما أو أُلوهیّتهما. بالنظر إلى هذه الضابطه یمکن الحکم فی ما یقوم به المسلمون فی المشاهد المشرَّفه من احترام وتکریم لأولیاء الله المقرَّبین، فإنَّ من الواضح أنّ تقبیل الضرائح المقدسه، أو إظهار الفَرَح والسُرور یوم میلادِ النبی وبعثته ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ لا ینطوی إلاّ على تکریم النبی الکریم ولا یُقصَد منه إلاّ إِظهار مودّته ومحبته ولا تکون ناشئهً من أُمور مثل الاعتقاد بربوبیته قَطْ.
وهکذا الحال فی الممارسات الأُخرى مثل إنشاء القصائد والأشعار فی مدح أولیاء الله أو مراثیهم، وکذا حفظ آثار الرساله، وإقامه البناء على قبور عظماء الدین، فانها لیست بشرک ولا بدعه.
وأَمّا کونها لیست بشرک فلأنّها تنبع من مودَّه أَولیاء الله (لا الإعتقاد بربوبیتهم).
وأمّا کونها لیست ببدعَه أیضاً فلأَنّ جمیع هذه الأعمال تقومُ على أساس قرآنیّ ورِوائی، وینطلق من أصل وجوب محبه النبی وآله.
فأَعمال التکریم هذه مَظْهَرٌ من مظاهِر إبراز هذه الموده والمحبه التی حثّ علیها الکتاب والسنّه (وسیأتی توضیح هذا الموضوع فی الفصل المتعلّق بالبدعه مستقبلاً).
وفی المقابل یکون سجودُ المشرکین لأصنامهم مرفوضاً ومردوداً لکونه نابعاً من الإعتقاد بربوبیتها ومدبریَّتها وأنّ بیدها قسماً من شؤون الناس… أو على الأقل لأنّ المشرکین کانوا یعتقدون بأنّ العزه والذِلّه، والمغفره والشفاعه بأَیدی تلک الأَصنام!!
[۱] . التوحید، للصدوق ص ۸۴ ، الباب ۳، الحدیث ۳٫
[۲] . التوحید، للصدوق، ص ۱۳۹ الباب ۲۱۱، الحدیث ۱ .
[۳] . نهج البلاغه، الخطبه ۱ .
[۴] . سمّى بعض من لا إلمامَ له بالمسائل الکلامیّه هذه النظریه بالتعطیل والمعتقدینَ بها بالمعطله، فی حین أنّ المعطّله إنما یُطلَقُ على من لا یُثبت الصفات الجمالیه للذات الإلهیّه، ویستلزم موقفُهم هذا خلوَّ الذات الإلهیّه من الکمالات الوجودیه، وهذه العقیده الخاطئه لا علاقه لها مطلقاً بنظریه (عینیّه الصفات للذات الإلهیّه ووحدتهما خارجاً) بل نظریهُ العینیّه هذه فی عین کونها تُثبت الصفاتِ الجمالیّه والکمالیّه لله، مُنزَّهَه من الإِشکالات والإِعتراضات الواردهِ على نظریّه زیادهِ الصفاتِ على الذات.
[۵] . الرعد / ۱۶ .
[۶] . غافر / ۶۲ .
[۷] . الروم / ۴۸ .
[۸] . السجده / ۷ .
[۹] . راجع الأنعام / ۷۶ ـ ۷۸ .
[۱۰] . یوسف / ۳۹ .
[۱۱] . مریم / ۸۱ .
[۱۲] . یس / ۷۴ ـ ۷۵ .
[۱۳] . راجع : یونس / ۱۸، والفرقان / ۵۵ .
[۱۴] . البقره / ۱۶۵ .
[۱۵] . راجع: البقره / ۲۱، إبراهیم / ۳۰، سبأ / ۳۳، الزمر / ۸ ، فصلت / ۹ .
[۱۶] . الشعراء ۹۷ ـ ۹۸ .
[۱۷] . یونس / ۳۱ .
[۱۸] . المؤمنون / ۸۴ ـ ۸۷ .
[۱۹] . الرعد / ۲ .
[۲۰] . الأنبیاء / ۲۲ .
[۲۱] . النازعات / ۵ .
[۲۲] . النساء / ۸۰ .
[۲۳] . النساء / ۶۴ .
[۲۴] . المائده / ۴۴ .
[۲۵] . البقره / ۲۵۵ .
[۲۶] . آل عمران / ۱۳۵ .
[۲۷] . النحل / ۳۶ .
[۲۸] . الفاتحه / ۵ .
[۲۹] . الإسراء / ۲۳ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.