فی عقد المضاربه وأحکامه
یشترط فی عقد المضاربه کل مایشترط فی سائر العقود کالبیع والإجاره والعاریه والودیعه، من الموالاه بین الإیجاب والقبول، والتنجیز، وغیرهما من الشرائط، فلا حاجه للبحث عنها، ویکفی فی المقام کل فعل أو قول دال على اتفاق الطرفین على کون المال من أحدهما والعمل من الآخر، والربح لهما، ویکفی أن یقول: ضاربتک على کذا، ویقول الآخر: قبلت.
هذا إذا کان الإنشاء باللفظ، وأمّا إذا کان بالفعل، فیکفی أن یتقاولا حول اتّفاقهما ثم یقوم صاحب المال بدفع المال إلى العامل ویقبله العامل مبنیّاً على المقاوله المتقدمه، وعند ذلک یکون الإیجاب والقبول بالفعل والعمل، ولعلّ ماسبق من صاحبی الجواهر والعروه الوثقى من تعریفها بالدفع، ناظر إلى هذه الصوره، وإلاّ فالدفع أشبه بالوفاء بالمضاربه کتسلیم البیع وتسلّم الثمن اللّذین یعدّان تجسیداً للوفاء بالبیع، إذا سبقهما الإنشاء.
المضاربه عقد جائز أو لازم؟
نعم یبقى هنا بحث، وهو أنّ المضاربه هل هی عقد جائز أو لازم ؟ یظهر من التتبع فی کلمات الفقهاء من الفریقین اتّفاقهم على الجواز. وإلیک نماذج من کلماتهم.
قال الشیخ: «وصاحب المال متى أراد أن یأخذ ماله من مضاربه کان له ذلک ولم یکن للمضارب الامتناع علیه من ذلک، وکان له أُجره المثل إلى ذلک الوقت». ( [403])
وقال ابن البراج: «والقراض من العقود الجائزه فی الشریعه بغیر خلاف». (2)
وقال ابن حمزه: «وهو عقد جائز بین الطرفین». ( [404])
وقال ابن إدریس: «والمضاربه عقد جائز من الطرفین لکل واحد منهما فسخه متى شاء». (4)
وقال المحقّق: «وهو جائز من الطرفین. لکل واحد منهما فسخه سواء نضّ المال أو کان به عروض». ( [405]) إلى غیر ذلک من العبارات المتقاربه الحاکیه عن اتفاقهم على الجواز.
وقال ابن رشد: «أجمع العلماء على أنّ اللزوم لیس من موجبات عقد القراض، وأنّ لکل واحد منهما فسخه مالم یشرع العامل فی القراض، واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالک: هو لازم وهو عقد یورث فإن مات وکان للمقارض بنون أُمناء کانوا فی القراض مثل أبیهم، وإن لم یکونوا أُمناء کان لهم أن یأتوا بأمین، وقال الشافعی وأبو حنیفه: لکل واحد منهم الفسخ إذا شاء، ولیس هو عقد یورث، فمالک ألزمه بعد الشروع فی العمل لما فیه من ضرر، ورآه من العقود الموروثه، والفرقه الثانیه شبهت الشروع فی العمل بما بعد الشروع فی العمل». ( [406])
وقال ابن قدامه: «والمضاربه من العقود الجائزه تنفسخ بفسخ أحدهما، أیّهما کان وبموته وجنونه والحجر علیه لسفه، لأنّه متصرّف فی مال غیره بإذنه فهو کالوکیل، ولا فرق بین ما قبل التصرّف وبعده». (2)
ثم إنّه ظهر مّما ذکرنا من کلماتهم معنى الجواز، وهو جواز الفسخ بمعنى أنّه یجوز للمالک الرجوع عن الإذن فی التصرّف فی ماله وللعامل الامتناع عن العمل فی أی وقت کان، وأمّا ما عیّناه للمال وللعمل من الربح فلا یجوز فسخه والرجوع إلى أُجره المثل بعد ظهور الربح.
والحاصل : أنّ جواز العقد یؤثر فی بقائه فی المستقبل وعدم بقائه فی المستقبل ولا یؤثر فی هدم ما بنیا علیه.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الدلیل على الجواز عدم الخلاف فی المسأله. یقول صاحب الجواهر: «الإجماع بقسمیه علیه وهو الحجه فی الخروج عن قاعده اللزوم». ( [407])
ولکن القائلین بالجواز على أنّه إذا فسخ أحدهما فلو ربحت یشترکان فی الربح وإلاّ فللعامل أُجره المثل سواء کان الفاسخ هو المالک أو العامل نفسه، وربما یتخیّل أنّه إذا کان الفاسخ هو العامل، فلیس له أُجره المثل لإقدام العامل علیه بمعرفته جواز العقد وإمکان فسخه قبل ظهور الربح.
یلاحظ علیه: أنّ الإقدام مع المعرفه بجواز العقد، شیء، والإقدام على التبرّع شیء آخر، فالأوّل لایلازم الثانی، وعلى کل تقدیر یجب جبر عمل الساعی عند الفسخ بأُجره المثل.
ویمکن أن یکون وجه الاتفاق على جوازه هو أنّ المضاربه والوکاله یرتضعان من ثدی واحد، وکلاهما من العقود الإذنیه القائمه بالإذن. فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الحکم، وهذا هو معنى جواز العقد ومثلهما العاریه والودیعه وما أشبههما، فالعقود القائمه بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلاّ إذا ارتفع الإذن بالفسخ.
ولکن عدّ المضاربه من العقود الإذنیه، لایخلو عن إشکال، لو لم نقل إنّه من العقود اللازمه وأنّه من مصادیق الشرکه، غایه الأمر الشرکه بین العمل والمال، وإنّ العمل فی المقام هو الاتجار وفی المزارعه والمساقاه هو الزرع والسقی. فالقول باللزوم هو الأقوى والإجماع لیس على نحو یکشف عن دلیل وصل إلیهم ولم یصل إلینا، ولعل مستندهم هو تصوّر کونها من العقود الإذنیه. نضیف إلى ماذکرنا مایلی:
۱ ـ ما الفرق بینها وبین المزارعه والمساقاه حیث صرّحوا باللزوم فیهما؟ وقالوا: المزارعه من العقود اللازمه ولاتبطل إلاّ بالتقایل، أو الفسخ بخیار الشرط، أو بخیار الاشتراط، أی تخلّف بعض الشروط المشترطه على أحدهما.
وقالوا فی المساقاه: إنّها لازمه لاتبطل إلاّ بالتقایل، أو الفسخ بخیار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان.
نعم لو کانت المضاربه خالیه عن الأجل وقلنا بصحّه مثلها، لامحیص عن کونها جائزه، لأنّ معنى لزومها، فی هذه الصوره أن یکون مال الغیر فی ید العامل دائماً ولایجوز له استرجاعه، کما أنّ معناه فی جانب العامل أن یکون هو مادام العمر فی خدمه رب المال ولایجوز له التحرّر.
هل المضاربه المؤجله لازمه أو جائزه ؟
۲ ـ الکلام فی المضاربه المعموله التی لاتنفک عن الأجل، فهل هی لازمه أو جائزه؟ یظهر من الأصحاب الجواز، ولکن یمکن تقریب اللزوم بالبیان التالی وهو:
الف ـ أنّ الأصل فی العقود هو اللزوم کما هو الأصل المحقّق فی باب المعاملات، والجواز یحتاج إلى الدلیل، وأمّا الاتفاق فالقدر المتیقّن منه، هو ما إذا کان مطلقاً لا مؤجّلاً بأجل، وعلى فرض إطلاقه فإنّ الإجماع هنا إجماع على القاعده، لأنّهم جعلوها من فروع الوکاله فی التصرّف فی مال الغیر فعطفوها علیها، ومثل هذا الإجماع لایکشف عن دلیل وصل إلیهم ولم یصل إلینا. وذلک لعدم الدلیل على الفرعیه فضلاً عن وجود دلیل واصل إلیهم.
ب ـ أنّ المصلحه الهامه المترتّبه على المضاربه من خروج الأموال من الکنوز والصنادیق وانجذاب العمال إلى العمل لاتتحقّق إلاّ إذا کانت هناک ثقه بین الطرفین، حیث یثق رب المال بأنّ العامل یعمل بماله إلى مده محدّده، ویثق العامل بأنّ رب المال لایفسخ العقد، وإلاّ فلو کان جائزاً فی المده المحدده وکان لکلّ فسخ العقد، فلا تبقى ثقه للطرفین، فلا یقومان بها ویکون تشریع المضاربه تشریعاً عاطلاً قلیل الفائده.
ج ـ أنّ المضاربه فی العرف معامله لازمه وهی تکشف عن کونها کذلک شرعاً، وقد ذکر الشیخ الأنصاری فی المتاجر بعد الفراغ من تعریف البیع بأنّه یستکشف من الصحه العرفیه، الصحه الشرعیه ( [۴۰۸]) وعلیه یستکشف من اللزوم العرفی، کونها کذلک شرعاً، فالأقوى هو کونها عقداً لازماً إذا کان محدداً. نعم یجوز للطرفین التفاسخ والإقاله کما هو شأن کل عقد لازم.
إذا شرط عدم الفسخ فی المده المضروبه
إذا قلنا بأنّ المضاربه المطلقه، والمحدّده بالمدّه کلتاهما جائزتان، فهل یمکن علاج جوازها باشتراط عدم الفسخ فیها حتى تصیر المضاربه لازمه بالعرض أو لا؟ فله صورتان:
الأُولى: أن یشترط على المالک أو العامل أن لایملکا الفسخ، أو لا یکون لهما حق الفسخ، فلا شک أنّ هذا النوع من الشرط باطل. إنّما الکلام فی وجه البطلان فربما یقال ـ کما علیه المحقّق فی الشرائع ـ : إنّه مناف لمقتضى العقد (۲) ، وتبعه السیّد الطباطبائی فی العروه ( [۴۰۹])، وإن عدل عنه بأنّه مناف لإطلاق العقد لا لمقتضاه.
والظاهر أنّه لیس مخالفاً لمقتضاه فلا حاجه إلى الإجابه عنه بما ذکر، لأنّ مقتضى المضاربه نظیر کون الربح بینهما أو کون المال من أحدهما والعمل من الآخر، فکل شرط خالف ذلک فهو مخالف لمقتضى العقد، ونظیره فی غیر باب المضاربه ما إذا باع بلا ثمن، أو آجر بلا أُجره أو نکح امرأه بشرط أن لایتمتع بها أصلاً، فإنّ کل ذلک مناف لمقتضى العقد، وأمّا اللزوم والجواز فی المضاربه وغیرها فلیس من مقتضیات العقد. بل من أحکامه، فلا یصحّ عدُّ مثل هذا الشرط منافیاً لمقتضى العقد. بل الحق أنّه مخالف للشریعه. وبعباره أُخرى: مخالف للکتاب والسنّه، فإنّ الإجماعات العدیده کاشفه عن وجود نص فی المقام دال على أنّ کلاًّ من العامل والمالک یملک الفسخ، فاشتراط عدمه شرط على خلاف حکم الشریعه المقدّسه.
الثانیه: أن لا یدخل فی مجال التشریع ولا یسلب عن الطرفین ملکیه الفسخ، والقدره على هدم العقد بل مع الاعتراف بهذا الحق الشرعی، یشترط علیه أمراً وهو أن لایفسخ فی الأجل المضروب فی العقد، وبعباره أُخرى یلتزم بأن لایستفید من هذا الحق فی المده المضروبه أو یأخذ من هذا المباح بأحد الطرفین وهو عدم الفسخ، وهذا النوع من الاشتراط لیس مخالفاً لمقتضى العقد ولا مخالفاً لحکم الشرع، وإلاّ فلو کان مثل هذا الشرط على خلاف الکتاب والسنّه لأصبحت جمیع الشروط کذلک، لأنّ الشرط مباح فی حد نفسه وللمشروط علیه فعله وترکه، ولکنّه بعد الاشتراط لامحیص له عن الإنجاز، فلو باع داره وشرط على المشتری خیاطه الثوب، تلزم علیه الخیاطه عملاً بالآیه الکریمه: ( وأوفوا بالعقود ) ولیس لأحد أن یعترض ویقول إنّ هذا الشرط مخالف للشریعه، لأنّه کان فیها مختاراً بین الفعل والترک والآن أصبح وهی لازمه علیه.
وعلى ذلک فیمکن أن یتوسّل المضارب ورب المال للوصول إلى الغایه المقصوده بهذا النوع من الاشتراط، وبذلک تعلم صحه الشرط، ولیس معناه جعل الجائز لازماً، بل العقد باق على ما کان علیه، وإنّما اللازم هو أن یفی بالشرط الذی التزم به من الفعل والترک.
وبذلک یعلم ضعف ما أفاده السید المحقّق البروجردی (قدس سره) فی تعلیقته على العروه الوثقى من القول ببطلان الشرط قائلاً بأنّه لیس لزومها وعدم فسخها بأی معنى کان مّما یقبل الاشتراط، وذلک لما عرفت من أنّ الهدف لیس اشتراط لزوم عقد المضاربه، بل الغایه شرط فعل على المشروط علیه المنتهی إلى تحدیده فی مجال فسخ العقد، وأین هذا من اشتراط لزوم عقد المضاربه.
الشرط فی العقد الجائز جائز :
ربما یقال بأنّه لو سلّمنا صحه الشرط لکنّه لاینتج المطلوب، لأنّ الشرط جزء من العقد، ولیس له حکم زائد على العقد نفسه، فإذا کان العقد جائزاً، فالشرط (عدم الفسخ) یکون جائزاً.
هذا ماذکره الشهید الثانی فی المسالک وقال: القراض من العقود الجائزه لایلزم الوفاء بها فلا یلزم الوفاء بما شرط فی عقدها، لأنّ الشرط کالجزء من العقد فلا یزید علیه.
وبعباره أُخرى أنّ العمل بالشرط إنّما یجب لو کان العقد موجوداً فإذا رُفِعَ العقد بالفسخ فلا متبوع حتى یجب العمل بالتابع، وبعباره ثالثه: الوجوب المشروط لایقتضی وجود شرطه فینتج: أنّ الشروط فی العقود غیر اللازمه غیر لازمه الوفاء.
تحلیل ماذکره صاحب المسالک :
أقول: یجب علینا توضیح مفاد القاعده أوّلاً، ثم الإجابه عن إشکال صاحب المسالک ثانیاً فنقول:
إنّ للضابطه المعروفه: «الشروط فی ضمن العقود الجائزه غیر لازمه الوفاء» تفسیرین:
الأوّل: ما ذکره صاحب الجواهر وهو: أنّ الشرط الوارد فی ضمن العقد الجائز لایلزم الوفاء به حتى مع عدم فسخ العقد، یقول: المراد عدم وجوب الوفاء به، وإن لم یفسخ العقد وأمّا الاستدلال على الوجوب بقوله سبحانه: ( أوفوا بالعقود ) فغیر تام لظهور الأمر فیها بالوجوب المطلق فیتعیّن حملها على العقود اللازمه وتخرج منها العقود الجائزه، کما أنّ الاستدلال بالنبوی، أعنی: «المؤمنون عند شروطهم» غیر تام، لأنّ المراد منه بیان صحه أصل الاشتراط، وأمّا اللزوم وعدمه فیتبع العقد الذی تضمّن الشرط فإن کان لازماً وجب الوفاء بالشرط لکونه حینئذ من توابع العقد، وإلاّ لم یجب، بل یکون حینئذ شبیه الوعد. ( [۴۱۰])
یلاحظ علیه: أنّ الآیه تعمّ العقود اللازمه والجائزه لکن مادام الموضوع (العقد) موجوداً، لأنّ شأن کل حکم مطلق، مقیّد بوجود الموضوع لبّاً، ولیست الآیه مطلقه حتى مع قطع النظر عن وجود الموضوع، فبالنظر إلى وجود الموضوع یجب العمل بالشروط، فی ضمنی العقد اللازم أو الجائز.
وأمّا النبوی فما ذکره فی غایه البعد، بل مفاد الحدیث عدم انفکاک المؤمنین عن شروطهم وأنّ المؤمن وشرطه توأمان لاینفکان، وهذا هو معنى اللزوم.
الثانی: ما هو المشهور، وهو أنّه یجب الوفاء به مادام العقد موجوداً، نعم لو فسخها سقط الوجوب، فمع وجود الموضوع یلزم العمل بالشرط إلاّ إذا رفع الموضوع، وهذا کقولنا: یجب الوضوء والرکوع والسجود فی النوافل، أی مادامت الصلاه، مفروضه الوجود، فهی لاتنفک عنها، وإن کان للمکلّف ترکها من رأس.
هذا هو الذی اختاره المشهور وبه صرّح السید الطباطبائی فی عروته. ( [۴۱۱])
هذا هو معنى القاعده، وأمّا الإجابه عن إشکال المسالک ـ بعد توضیح مفاد القاعده ـ فبالبیان التالی:
استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطه:
قد وقفت على معنى الضابطه وأنّ الشرط فی العقود الجائزه لازم الوفاء مالم یفسخ، ولکن هناک قسم من الشروط مستثنى من الضابطه، بل یجب الوفاء به مطلقاً ولیس مقیّداً بعدم الفسخ وتوضیحه:
أنّ الشروط المأخوذه فی العقود على قسمین:
۱ ـ مایرجع إلى طلب فعل من المشروط علیه کخیاطه ثوب أو بناء دار فمثل هذا یرجع فی البیع والإجاره وأمثالهما إلى کونه تابعاً للثمن أو المثمن، أو العین المستأجره أو أُجرتها، وعلیه یبتنی النزاع المعروف هل یقسط الثمن على الشروط أو لا؟
۲ ـ ما لا یرجع إلى شیء منهما وإنّما یرجع إلى تحدید اختیار المشروط علیه من غیر نظر إلى کونه تبعاً لشیء من أرکان العقد، کما إذا باع شیئاً مع خیار الفسخ للمشتری ولکن یشترط علیه أنّه لو فسخ یجب علیه دفع ألف دینار إلى البائع، فالغرض من هذا النوع من الشرط هو تحدید خیار المشتری حتى لایبادر بالفسخ إلاّ عن فکر وتدبر فیما یستتبعه الفسخ من الغرامه المعلومه، ولأجل ذلک یتنزل احتمال إقدامه للفسخ إلى درجه نازله عکس ما إذا لم تجعل علیه تلک الغرامه.
ومثله المقام، فإنّ اشتراط عدم الفسخ على المشروط علیه إنّما هو لتحدید خیاره حتى لایبادر بالفسخ أثناء المده المؤجله حتى یحصل للشارط ثقه بأنّ المشروط علیه یستمر على العهد والعقد.
أمّا الشق الأوّل فهو داخل فی الضابطه المعروفه وأنّه یتلوّن بلون العقد، فلو کان العقد لازماً فیکون الشرط لازم الوفاء مثله، فبما أنّه لایجوز له نقض العقد، لایجوز له نقض الشرط وعدم الوفاء به، فالعقد والشرط یمشیان جنباً إلى جنب ولو کان العقد جائزاً یکون حکمه حکم العقد، فإذا کان أصل العقد کالعاریه جائزاً فالخیاطه التابعه للعقد تکون جائزه.
وأمّا القسم الثانی فهو یستقل فی الحکم عن العقد وذلک لأنّ صحّه هذا النوع من الشرط تلازم لزومه وعدم تبعیته للعقد، لأنّ صحه هذا القسم من الشرط لغایه خاصه لاتتحقّق إلاّ بلزومه، ومع ذلک فالنتیجه فی المثالین مختلفه.
ففی المورد الأوّل یصح الفسخ ولکن لایبطل الشرط، فإذا فسخ وجب دفع الغرامه ولیس له أن یعتذر ویقول بأنّ الشرط ـ دفع الغرامه ـ تابع للمشروط أی العقد، فإذا ارتفع بالفسخ وارتفع العمل به، ارتفع الشرط ووجوب العمل به، وذلک لأنّه لو کان هذا النوع من الشرط تابعاً فی وجوب الوفاء لوجود العقد تلزم لغویته وعدم حصول الغایه المطلوبه منه، فإنّ الغایه هو إیقاف المشروط علیه عن الإقدام على الفسخ على حد ممکن، فلو لم یجب العمل به بعد الفسخ بحجه أنّه لازم العمل مادام العقد موجوداً، لزمت لغویته، ولأجل ذلک یتخذ الشرط لنفسه وجوباً مستقلاً سواء کان العقد موجوداً أو لا.
وفی المثال الثانی لایصحّ الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، فإنّ اشتراط عدم الفسخ لغایه طلب الثقه، وهذا لایتحقّق إلاّ بعد کونه محکوماً باللزوم مستقلاً غیر تابع للعقد، وإلاّ لغى الشرط وارتفعت الغایه.
فتلخص من ذلک أنّ الشروط على قسمین: شرط یجب العمل به مادام العقد موجوداً، وهو مایرجع مثلاً إلى العین أو الثمن، وشرط یجب العمل به مطلقاً لامقیّداً بوجود العقد وتختلف نتیجته حسب اختلاف الموارد واختلاف الغایه الداعیه إلى جعل الشرط فی العقد، فتاره یصح الفسخ ولایبطل الشرط، وأُخرى لایصح الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، ولعلّه إلى ماذکرنا یشیر السید الطباطبائی فی العروه بعد تفسیر الضابطه فی ـ الشروط تابعه للعقود ـ بقوله: وهذا یتم فی غیر الشرط الذی مفاده عدم الفسخ مثل المقام فإنّه یوجب لزوم ذلک العقد( [۴۱۲]).
محاوله أُخرى لمنع المشروط علیه عن الفسخ :
ثمّ إنّ هناک محاوله أُخرى وهو اشتراط عدم فسخها فی ضمن عقد آخر، وإلى ذلک یشیر السید الطباطبائی فی العروه الوثقى ویقول: «ولو شرط عدم فسخها فی ضمن عقد لازم آخر فلا إشکال فی صحه الشرط ولزومه» أمّا الصحه فلما عرفت من أنّ الشرط لیس جعل الجائز لازماً، أو سلب حق الفسخ عن المشروط علیه، وإنّما هو طلب فعل شیء أو ترک منه، أی التزامه باختیار أحد طرفی المباح، ولیس مثل هذا مخالفاً للکتاب والسنّه ولا لحکم الشارع بجواز المضاربه.
وأمّا اللزوم فلأنّه ـ بعد الاشتراط ـ یکون جزءاً من العقد اللازم فیجب الوفاء به.
ومنه یظهر أنّه لو شرط فی عقد مضاربه، عدم فسخ مضاربه أُخرى سابقه صحّ ووجب الوفاء به إلاّ أن تفسخ هذه المضاربه فیسقط الوجوب، وهو داخل تحت الضابطه السابقه التی تعرّفت على معناها.
کما أنّه لو اشترط فی مضاربه، مضاربه أُخرى فی مال آخر أو أخذ بضاعه منه، أو قرض أو عدمه وجب الوفاء بالشرط مادامت المضاربه باقیه وإن فسخها، سقط الوجوب أخذاً بما مرّ من أنّ الشروط لازمه الوفاء فی العقود الجائزه مادام العقد باقیاً.
***
المضاربه على الانتفاع من نماء المبیع:
لو شرط أنّ یشتری أصلاً یشترکان فی نمائه کالشجر أو الغنم، فهل یصح ذلک أو لا ؟
قال العلاّمه فی القواعد: الأقرب الفساد، لأنّ مقتضى القراض التصرّف فی رأس المال. ( [۴۱۳])
وقال المحقّق الثانی فی تعلیل الفساد: إنّ مقتضى القراض الاسترباح بالتجاره، ولیس موضع النزاع کذلک فلا یصح القراض علیه، وهو الأصح. (۲)
یلاحظ على التعلیل بأنّه إن أُرید منه التصرف فی رأس المال إجمالاً: فقد تصرّف فیه حیث اشترى أصلاً له نماء، وإن أراد التصرّف مرّه بعد مره، بأن یبیع بعد الشراء فهو منظور فیه، لادلیل علیه إلاّ ماستقف علیه.
ویلاحظ على الثانی بأنّ الطرفین ینتفعان من ربح التجاره، فإنّه لو لم یتّجر ولم یشتر الأصل لم ینتفعا بالنماء فالنماء ربح الشراء الذی هو التجاره.
والأولى أن یقال: إنّ المضاربه عباره عن انتفاع الطرفین بارتفاع القیمه بأن یشتری بقیمه ویبیع بقیمه أزید، وأمّا الانتفاع عن غیر ارتفاع القیمه، کالنماء مع إیقاف التجاره فلیس هو من أقسام المضاربه الرائجه بین الناس، ولعلّه إلى ماذکرنا یرجع ما أفاده العلاّمه فی القواعد والمحقّق الثانی فی شرحها.
نعم لو قال: اشتره وما یحصل من ارتفاع قیمته ومن نمائه فهو بیننا، فالظاهر أنّه من أقسام المضاربه بشرط أن یکون النماء أمراً تبعیاً کنمو الصوف وزیاده اللحم، لا الإنتاج الذی یعد شیئاً مستقلاً لاربحاً للتجاره فلا یبعد أن یکون النتاج للمالک.
وأضاف فی الجواهر قسماً ثالثاً وقال: أو اتفق نماء أعیان المضاربه قبل بیعها شارک فی النماء قطعاً. ( [۴۱۴]) لکن بشرط أن یبیعه بأزید ممّا اشتراه فیحصل الربح، وأمّا إذا أوقف التجاره بالفسخ فلا یبعد أن یکون النماء للمالک ویکون للعامل أُجره المثل.
ثمّ إنّه لو قلنا بعدم وقوع مثل ذلک مضاربه فهل هو صحیح أو لا ؟ قال السید الطباطبائی: یمکن دعوى صحته للعمومات غیر أنّ السید البروجردی (قدس سره) علّق علیه بأنّ الأقوى البطلان. ( [۴۱۵])
أمّا وجه الصحّه، فلأجل أنّ قوله سبحانه: ( أوفوا بالعقود ) یعم المتعارف وغیر المتعارف ما لم یکن مخالفاً للأحکام الشرعیه، ولأجل ذلک قلنا بصحه المعاملات المستحدثه فی عصرنا هذا، وإن لم تکن داخله تحت العناوین الرائجه، وفی ضوء ذلک صح عقد التأمین والشرکات الحدیثه، ولم نتجشّم لإدخال هذه العقود تحت العقود الرائجه کما علیه بعض المعاصرین أو أکثرهم، وبالجمله الإسلام دین عالمی یجب علیه إعطاء الحکم لکل حادث جدید ولیس المتکفّل له إلاّ تلک العمومات ولا وجه لتخصیصها بالرائج فی عصر الرساله. وأمّا وجه البطلان، فلأجل أنّ المتعاقدین قصدا المضاربه فإذا بطلت، بطل من رأس، لأنّ ماقصد لم یقع، ومانحن بصدد تصحیحه باسم عقد مستقل لم یقصداه.
ویمکن أن یقال: إنّ البطلان بعنوان المضاربه لا یمنع عن صحته بعنوان آخر، وذلک لأنّ المطلوب للمتعاقدین هو المساهمه فی الربح بأیّ طریق حصل من دون تقیّد بعنوان المضاربه، فیکون من باب تعدد المطلوب فالرضاء التقدیری ـ على تقدیر بطلان المضاربه ـ بالتصرّف فی المال حاصل وهو کاف وله نظائر فی الفقه ذکرها الشیخ فی باب المعاطاه من المتاجر، فلاحظ.
تحدید عمل العامل فی المضاربه :
لو اشترط على العامل أنّ لایشتری إلاّ من زید، أو لا یبیع إلاّ من عمرو، أو لا یشتری إلاّ الثوب الفلانی أو ثمره البستان الفلانی، سواء کان الجنس عاماً أو قلیلاً أو نادراً صح الجمیع، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، بشرط أن لایؤدّی التحدید إلى تعطیل المضاربه وندره الربح، بحیث یعد العقد عملاً لغواً غیر عقلائی.
فلو شرط علیه شراء ما، لایتمکّن المضارب منه فی طول السنه إلاّ مره واحده صح ولکن بشرط أن یکون له ربح معتد به یلیق أن یضارب علیه المضارب، وإلاّ فیعد أمراً لغواً. نعم نقل ابن قدامه الخلاف عن الأئمه الأربعه. قال:
الشروط فی المضاربه تنقسم قسمین: صحیح وفاسد، فالصحیح مثل أن یشترط على العامل أن لایسافر بالمال، أو أن یسافر به، أو لا یتّجر إلاّ فی بلد بعینه، أو نوع بعینه، أو لا یشتری إلاّ من رجل بعینه، فهذا کله صحیح، سواء کان النوع ممّا یعم وجوده، أو لا یعمّ، والرجل ممّن یکثر عنده المتاع أو یقلّ، وبهذا قال أبو حنیفه.
وقال مالک والشافعی: إذا شرط أن لایشتری إلاّ من رجل بعینه أو سلعه بعینها، أو ما لا یعم وجوده کالیاقوت الأحمر والخیل الأبلق لم یصح، لأنّه یمنع مقصود المضاربه وهو التقلیب وطلب الربح، فلم یصح کما لو اشترط أن لایبیع ویشتری إلاّ من فلان، أو أن لایبیع إلاّ بمثل ما اشترى به. ( [۴۱۶])
یلاحظ علیه: أنّ الإمامین خلطا الشرط المخالف لمقتضى العقد بالشرط المخالف لإطلاقه، والباطل هو الأوّل، کما إذا شرط أن یکون الربح کلّه للمالک لا العامل، أو شرط أن یبیع بأرخص ممّا اشترى به أو لا یبیع إلاّ ممّن اشترى منه أوّلاً، ومن المعلوم عاده أنّه لا یشتری إلا بأقل ممّا باع به، وأمّا التحدید بنوع الجنس والمشتری فلیس هو على خلاف مقتضى العقد، وإنّما هو تحدید لإطلاقه، فإنّ مقتضى إطلاقه أنّ له أن یشتری ویبیع ما أراد، أو یشتری ویبیع ممّن أراد، فلا یُعَدُّ تحدید ذلک مخالفاً لمقتضاه، وإنّماهو تحدید لإطلاقه، وإلاّ یلزم بطلان کل شرط، لأنّ طبیعه الشرط هو تحدید إطلاق العقد.
روى أحمد بن عیسى فی نوادره عن أبیه، قال: قال أبو عبدالله (علیه السلام) : «کان للعباس مال مضاربه، فکان یشترط أن لایرکبوا بحراً ولاینزلوا وادیاً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فابلغ ذلک رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) فأجاز شرطه علیهم». ( [417])
اثنا عشر فرعاً :
۱ ـ إذا تحقّقت المضاربه وصار العامل وکیلاً لصاحب المال فی التجاره، ومشارکاً معه فی الربح، یتبع فی مایجوز وما لایجوز، ومایجب علیه وما لا یجب، متعارف الزمان والمکان فی المضاربه، ولیس للإسلام هناک حکم ثابت سوى تنفیذ الاتّفاق ولزوم الوفاء به، إذا لم یکن مقروناً بشیء على خلاف الشرع: وعلى ذلک فما ذکره المحقّق: «یجوز له عرض القماش والنشر والطیّ وإحرازه، وقبض الثمن وإیداعه الصندوق واستئجاره من جرت العاده باستئجاره کالدلاّل والوزان والحمال» ( [418]) کلّها من باب المثال، وراجع إلى المتعارف فی ذلک العصر وبعده، وقد تبدّلت الأوضاع الاجتماعیه وتکاملت، فربّما ینحصر فی زماننا واجب المضارب بالتفکیر والتخطیط والاتّصال بالشرکات الاقتصادیه بالهاتف والتلکس، ویستخدم لغیر ذلک لفیفاً من العمّال والموظفین، ولأجل ذلک یجب أن نقول بکلمه واحده وهی: إنّه یجب على المضارب أن یقوم بما یقوم به التاجر لنفسه، ویتبع فی ذلک ما هو المرسوم والرائج.
۲ ـ لو استأجر فیما تتعارف مباشرته بنفسه، بالأُجره، فهی من مال العامل لانصراف عقد المضاربه إلى تولّیه بنفسه، کما إذا انعکس الأمر فتولّى بنفسه مایعتاد الاستئجار له، فلو کان متبرعاً فلا أُجره له، وإلاّ یأخذ الأُجره من أصل المال لاحترام عمل المسلم، ویستحب لصاحب المال دفع الأُجره إلیه ولو کان متبرعاً اقتداءً بشعیب النبی (علیه السلام) فإنّ موسى (علیه السلام) کان متبرعاً فی سقی غنم شعیب (علیه السلام) ، ومع ذلک أرسل شعیب بنته إلى موسى (علیه السلام) وقالت: ( إِنَّ أَبی یَدْعُوکَ لِیَجْزِیَکَ أَجْرَ مَا سَقَیْتَ لَنَا ) ( [۴۱۹]).
۳ ـ إذا سافر للتجاره وکان مأذوناً فیه إمّا بالتصریح أو کان الإطلاق کافیاً فی جواز السفر کما إذا اقتضت طبیعه التجاره السفر إلى خارج البلد، فهل نفقه السفر على المالک أو على العامل؟ أو یفصل بین مقدار مایبذله فی الحضر فعلى العامل، ومایبذله خارجه فعلى المالک؟ وجوه واحتمالات، فالمتبع هو ما اتّفقا علیه فی العقد وإلاّ یکون المتبع هو الحکم الرائج فی زمان المضاربه ومکانها، فما فی صحیح علیّ بن جعفر عن أخیه أبی الحسن (علیه السلام) قال: «فی المضارب ما أنفق فی سفره فهو من جمیع المال، وإذا قدم بلده، فما أنفق فمن نصیبه» ( [420]) محمول على المتعارف فی ذلک الزمان واضطرب قول الشافعی فی المسأله فتاره قال: لاینفق کالحضر، وأُخرى: ینفق کمال نفقته، وثالثاً: ینفق القدر الزائد على نفقه الحضر لأجل السفر .( [۴۲۱]) وکان على الإمام الشافعی أن یحیل الأمر ـ بعد الإحاله إلى ما اتّفقا علیه ـ إلى المتعارف، فإذا کان المتعارف هو البذل من أصل المال أو البذل من کیس العامل أو التفصیل بین ماینفق فی الحضر والمقدار فی السفر، فهو المتبع لأنّ الرائج فی وقت المضاربه کالقرینه المتصله، فیکون بمنزله ما اتّفقا علیه، نعم لو لم یوجد متعارف، فما یعد نفقه للتجاره فهو من أصل المال دون غیره، ولکن الفرض أمر نادر.
۴ ـ إذا سافر لأجل التجاره یلزم أن لایقیم إلاّ بمقدار مایتوقف علیه أمر التجاره، فلو زاد على الإقامه للتفرّج أو الزیاره والسیاحه فالنفقه علیه.
۵ ـ وفی کل مورد تکون النفقه على أصل المال، یُحسب علیـه وإن لم یکن ربح، ولو ربح بعد ذلک أُخذت من الربح مقدمه على حق العامل ضروره کون ذلک کالخساره اللاّحقه للمال التی یجب جبرها بما یتجدّد من الربح، ومع ذلک فاللازم هو العمل بما اتّفقا علیه أوّلاً، ثم الرجوع إلى ما هو الرائج، فربّما یکون الرائج الذی ینصرف إلیه عقد المضاربه کون نفقات السفر على رأس المال وعدم کسرها من الربح، فهو أشبه بجعل الربح للعامل أکثر من المالک، ولأجل ذلک یجب أن نقول: المتبع ـ بعد الرجـوع إلى ما اتّفقا علیه ـ هو الرائج فی کل مکان بشرط أن لایکون مخالفاً لمقتضى العقد ولا الشریعه.
۶ ـ لو سافر مأذوناً وفسخ المالک المضاربه وهو فی أثناء السفر؟ قال المحقق: فنفقه عوده منه خاصه. ( [۴۲۲])
وعلّله فی الجواهر بارتفاع وصف المضاربه الذی هو سبب استحقاق النفقه، ولا غرر بعد دخوله على العقد الجائز الذی هو معرض ذلک ونحوه.
یلاحظ علیه: أنّه لو لم یکن اتفاق من الطرفین على أحد الطرفین، أنّ السفر عمل واحد فالإذن بالسفر بمعنى أنّ المالک یتحمّل نفقه الذهاب والإیاب، وفسخ المضاربه فی الأثناء لایؤثّر فی ذلک المعنى، لأنّ الإذن فی الشیء إذن فی لوازمه وتوابعه.
۷ ـ هل للعامل ابتیاع المعیب؟ أقول: إذا صرّح المالک بأحد الطرفین فیتبع تصریحه، وإلاّ فالمحکَّم هو المتعارف فی مورد المضاربه، فربّما یکون المتعارف هو الأعم من المعیب والصحیح، وتکون الغبطه فی اشتراء المعیب وبیعه، أکثر من اشتراء الصحیح والمعیب، وربّما یکون المتعارف على خلافه فلو لم یکن المتعارف، فالقدر المتیقن هو الاکتفاء بشراء الصحیح.
ولو اتفق له ـ فیما لایجوز شراء المعیب ـ شراء المعیب فعندئذ یقوم مقام المالک، فله الرد أو أخذ الأرش على ماتقتضیه المصلحه.
۸ ـ هل إطلاق العقد یقتضی البیع نقداً بثمن المثل من نقد البلد أو لا ؟ یظهر من المحقّق لزوم رعایه الشروط الثلاثه فی مطلق المضاربه مالم یصرّح بالخلاف، فیجب علیه:
أوّلاً: البیع نقداً لانسیئه.
وثانیاً: البیع بثمن المثل لا فی مقابل الجنس والعروض.
وثالثاً: البیع بنقد البلد لا الخارج عنه.
فلندرس القیود الثلاثه، ولیعلم أنّ البحث فی کل واحد فیما إذا لم یکن تصریح من المالک بأحد الطرفین، وإلاّ یکون هو المتّبع وعلى ضوء ذلک، فنقول:
القید الأوّل: حکم البیع نسیئهً
قد استدل على الشرط الأوّل بأنّ فی النسیئه من التغریر بالمال ما لا یخفى، ویعارضه أنّه ربّما تکون الغبطه فی النسیئه أکثر من النقد، وربّما لایتمشّى الأمر فی بعض التجارات إلاّ بالنسیئه کما فی الأمتعه المستورده من الشرکات الخارجیه، فإنّها تأخذ بعض الثمن مثلاً ۲۰% نقداً والبعض الآخر بعد الوصول إلى ید المشتری وشهاده الخبراء على أنّ المبیع صحیح ولیس بمعیب.
وعلى ضوء ذلک فیجب أن یکون المتّبع هو الرائج فی نوع التجاره، فإن کان الرائج هو النقد کما فی بیع الأمتعه الجزئیه کالخبز والخضروات ومنتجات الألبان وغیر ذلک فهو المتّبع. وإن کان الرائج هو الأعم کما فی بیع السجاجید والأقمشه فکذلک، وإلاّ فلیکتف بالبیع نقداً لانصراف الإطلاق إلیه.
ولا یعارض ذلک بما ذکره الفقهاء من أنّ الأصل فی البیع هو النقد، فإنّ ماذکروه راجع إلى اختلاف البائع والمشتری، والبحث فی المقام راجع إلى حکم عقد المضاربه الذی یتکفّلها العامل من قبل المالک فهل هو منصرف إلى البیع نقداً أو لا ؟ فالبابان مختلفان.
ثم لو باع نسیئه فیما لم یکن له إلاّ البیع نقداً، قال السید الطباطبائی: «فإن استوفى الثمن قبل اطّلاع المالک فهو» ( [423]) وعلّق علیه السید عبد الهادی الشیرازی (قدس سره) بأنّ البیع باطل إلاّ إذا أجاز المالک، فما ذکره المعلّق هو الموافق للقاعده، لأنّ بیعه کان فضولیاً فیحتاج إلى الإجازه، فاستیفاء الثمن لایخرجه عن الفضولیه، ولکن ماذکره السید الطباطبائی هو المنصوص لما ستعرف مفصلاً من أنّه إذا خالف العامل الاتفاق بینه وبین المالک فاتّجر وربح، فهو ضامن للمال، ولکن الربح بینهما.
ثم إنّه إذا اطّلع المالک قبل الاستیفاء، فإن أمضى البیع نسیئه فهو، وإلاّ فالبیع باطل، فإذا کان المبیع موجوداً فله الرجوع إلى من کانت العین عنده موجودهً، فینتزع ماله ویبطل ماترتّب علیه من البیوع.
وأمّا إذا تلف المبیع، فله الرجوع على کلّ من المشتری والعامل، فإن رجع إلى المشتری أخذ منه المثل أو القیمه، ثم إذا کانت القیمه التی دفعها إلى المالک أزید من الثمن الذی دفعه إلى العامل یرجع إلى العامل فی التفاوت، لأنّه مغرور یرجع إلى الغارّ، لأنّه رضی بالمبیع بالثمن المحدّد، والتزم بالضمان فی هذا الحد، ولکن المفروض أنّه دفع إلى المالک أزید ممّا التزم به فیرجع إلى الغارّ.
ولو رجع إلى العامل أخذ منه القیمه، فلو کان أزید من الثمن الذی أخذه العامل من المشتری لم یرجع العامل فی التفاوت إلى المشتری إلاّ إذا غرّه المشتری بنحو من الغرور، کما إذا أخبر العاملَ برضى المالک بالبیع نسیئه.
ثم إنّه إذا رضی بالبیع نسیئه، فهل العامل ضامن بالثمن الذی فی ذمه المشتری أو لا ؟ ذهب إلى الأوّل المحقّق الثانی فی «جامع المقاصد» والشهید فی «المسالک»، ولکنه غیر تام إذ أیُّ فرق بینه وبین ما أذن للبیع نسیئه من أوّل الأمر ولم یحصل من العامل مایقتضی ضمانه، ولیس أمر العامل فی المقام أشدّ من الغاصب إذا باع المغصوب ثم ندم فأجاز المالک ذلک ورضی بأنَّ الثمن فی ذمّه المشتری أن یکون له، فینتقل الضمان من ذمّه العامل والغاصب، إلى ذمّه المشتری الذی رضی المالک بکونه فی ذمّته.
اللّهمّ إلاّ أن یتمسّک بالنصوص الدالّه على ضمان العامل فیما إذا خالف تصریح المالک بإلغاء الخصوصیه عن صوره التصریح، وإسرائه إلى المفهوم من الإطلاق کما فی المقام.
القید الثانی: حکم البیع بغیر ثمن المثل
قد استدلّ على الشرط الثانی بلزوم التضییع بالبیع بدون ثمن المثل واحتمال الکساد فی بیع العروض.
یلاحظ علیه: بأنّ الغبطه ربّما تکون بالبیع بالعروض، فإن کان هناک تصریح بأحد الطرفین فهو، وإلاّ فلو کان هناک متعارف فی نوع التجاره فیتبعه العامل، نعم فیما إذا باعه بجنس لا رغبه فیه للناس ینصرف الإطلاق عنه قطعاً. وإلاّ فعلیه الاکتفاء بالثمن.
القید الثالث: حکم البیع بغیر نقد البلد
وأمّا الشرط الثالث وهو البیع بنقد البلد، فالبحث فیه فیما إذا لم یکن من المالک تصریح بأحد الطرفین، ولم یکن هنا قرینه تعیّن أحد الأمرین وإلاّ فینصرف إلى ثمن البلد، نعم فیما إذا کان ثمن البلد ممّا یرغب عنه الناس لتزلزله وعدم ثباته، بل ربّما یکون البیع بغیر ثمن البلد أوثق فیکون هذا قرینه على البیع بالأعم.
***
۹ ـ المراد من السفر هو السفر العرفی لا الشرعی، فیشمل ما إذا کان دون المسافه الشرعیه، ثم إنّه إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر ممّا لیس متعلّقاً بالتجاره فنفقته فی تلک المده على نفسه، لأنّ الإقامه حینئذ لیس لمصلحه المال، فیکون خارجاً عن منصرف عقد المضاربه.
وإن کان مقامه لما یتعلّق بالتجاره ولأمر آخر بحیث یکون کل منهما علّه مستقلّه لولا الآخر، فإن کان الأمر الآخر عارضاً فی البین فلا شکّ فی جواز أخذ تمام النفقه من مال التجاره لشمول الاتفاق على مثل هذه الإقامه.
إنّما الکلام فیما إذا کانا فی عرض واحد، قال السید الطباطبائی: ففیه وجوه: ثالثها التوزیع، وهو الأحوط فی الجمله، وأحوط منه کون التمام على نفسه. ( [۴۲۴])
ولکن الأقوى جواز الإنفاق إذا لم یکن عدم الاشتغال بأمر آخر فی مدّه الإقامه قیداً فی الإذن فی السفر أو فی عقد المضاربه، فیکفی کون الإقامه لمصلحه المال.
وأمّا إذا کانت العله مجموعهما بحیث یکون کل واحد جزءاً من الداعی، فقال السید الطباطبائی: الظـاهر التوزیع وعلیه صاحب الجواهر. ( [۴۲۵])
ولکن الظاهر کون النفقه على العامل، وذلک لأنّه إن شمله الإذن بالمقام فالجمیع على عاتق صاحب المال، وإن لم یشمله ـ کما هو المفروض ـ فلا معنى للتوزیع.
۱۰ـ لو کان لنفسه مال غیر مال القراض فهل النفقه علیه أو على المالک أو یقسّط علیهما؟
قال السید الطباطبائی: لو تعدّد أرباب المال کأن یکون عاملاً لاثنین أو أزید أو عاملاً لنفسه وغیره توزع النفقه، وهل هو على نسبه المالین أو على نسبه العملین ؟ قولان: ( [۴۲۶]).
۱۱ ـ الاشتراء بعین المال أو بالذمه ، هل یتعیّن له الاشتراء بعین المال، أو یجوز له الاشتراء فی ذمّته مضاربه بقصد التأدیه عن مال المضاربه؟ فیه اختلاف.
قال المحقّق: «وکذا یجب أن یشتری بعین المال، ولو اشترى فی الذمّه لم یصح البیع إلاّ مع الإذن». ( [427])
وقال العلاّمه: «وإن اشترى فی الذمه، لزم العامل إن أطلق الشراء ولم یجز المالک وإن ذکر المالک بطل مع عدم الإجازه». ( [428])
وقال فی الإرشاد: «ولو اشترى فی الذمه ولم یضف وقع له». ( [429])
وقال المحقّق الأردبیلی: «لو اشترى المضارب شیئاً فی الذمّه لا بالعین المضارب بها ولم یضف العقد، لا إلى نفسه، ولا إلى المالک وقع الشراء له بحسب الظاهر، بل الباطن أیضاً، إلاّ أن یکون قاصداً غیر ذلک فیعمل بمقتضاه بحسب نفس الأمر وإن عمل معه بحسب الظاهر، وإن أضاف إلى نفسه فهو له، وإن أضاف إلى المالک فیکون موقوفاً على الفضولی». ( [430])
وقال السید الطباطبائی: «المشهور على ما قیل: إنّ فی صوره الإطلاق یجب أن یشتری بعین المال فلا یجوز الشراء فی الذمه، وبعباره أُخرى: یجب أن یکون الثمن شخصیاً من مال المالک لا کلّیاً فی الذمه». ( [431])
ثمّ إنّ السید الطباطبائی البروجردی علّق على عباره العروه بقوله: الظاهر أنّ مرادهم بذلک هو أنّ شراءه على ذمه المالک لایصح، حتى یثبت به شیء فی ذمته، ویلزم بتأدیته من غیر مال المضاربه إن تعذّر عطاؤه منه لا أنّ شراءه فی الذمه وتأدیته من مال المضاربه غیر جائز کما فهمه صاحب العروه، وقوّى خلافه.
ولعلّ بالتدبّر فیما ذکرنا من العبارات تقف على محل النزاع.
ثم إنّ أهل السنه خصّوا البحث بما إذا اشترى فی الذمه وتلف مال المضاربه قبل نقد الثمن، ولیس للمسأله عنوان فی کتبهم بالنحو الموجود فی کتبنا( [۴۳۲])، حتى أنّ الشیخ الطوسی عنون المسأله بالشکل التالی:
إذا دفع إلیه ألفاً للقراض، فاشترى به عبداً للقراض، فهلک الألف قبل أن یدفعه فی ثمنه، اختلف الناس فیه على ثلاثه مذاهب، إلى آخر ما أفاده…( [۴۳۳]).
ویجب البحث فی صور المسأله وقد جاءت بأکملها فی العروه الوثقى، فنقول: إنّ للمسأله وراء الشراء بعین المال الذی هو خارج عن موضوع بحثنا، صوراً نأتی بها:
الصوره الأُولى: إذا اشترى فی الذمّه، لکن بعنوان المضاربه والتأدیه عن المال الموجود عنده للمالک وهذا هو الذی أشار إلیه السید بقوله: أن یشتری العامل بقصد المالک وفی ذمّته من حیث المضاربه ( [۴۳۴])، والضمیر یرجع إلى المالک ولکن محدّداً بمال المضاربه لا خارجاً عنه، فیکون مال المضاربه رهن الثمن لا غیر، فلو تلف مال المضاربه لا تکون ذمّه المالک مشغولهً وإن کان له مال آخر، ولا العامل مسؤولاً، وإن کان له مال آخر. ثم إنّ السید أشار إلى صوره أُخرى ترجع إلى تلک الصوره لبّاً، وقال: «أن یقصد کون الثمن فی ذمّته من حیث إنّه عامل ووکیل عن المالک» وصرّح بأنّه یرجع إلى الأوّل، والحاصل أنّه لافرق بین الاشتراء فی ذمّه المالک محدّداً اشتغاله بمال المضاربه، أو فی ذمّته، بما أنّه وکیل من جانب المالک وعلیه التأدیه من المال المضروب.
فالظاهر أنّ البیع صحیح لو لم یکن هناک تصریح بالاشتراء بعین الثمن، وذلک لأنّه یصعب الشراء بعین المضاربه فی کثیر من الأوقات، بل أکثر المعاملات فی زماننا هذا بالذمه، ثم تأدیه الثمن عن طریق دفع الصک إلى البائع، فلو أراد المالک غیر هذا الفرد الشائع یجب علیه التصریح، فهذا القسم صحیح، والربح بینهما مشترک، إنّما الکلام إذا فرض تلف مال المضاربه، قبل الوفاء فی هذه الصوره.
فهناک أقوال بین أهل السنّه، ذکرها الشیخ فی الخلاف، وإلیک نقلها ونقدها:
۱ ـ قال أبو حنیفه ومحمّد: یکون المبیع لربّ المال، وعلیه أن یدفع إلیه ألفاً غیر الأوّل لیقضی به دینه ویکون الألف الأوّل والثانی قراضاً وهما معاً رأس المال.
۲ ـ وقال مالک: ربّ المال بالخیار بین أن یعطیه ألفاً غیر الأوّل لیقضی به الدین ویکون الألف الثانی رأس المال دون الأوّل، أو لا یدفع إلیه شیئاً فیکون المبیع للعامل والثمن علیه.
ونقل البویطی عن الشافعی: أنّ المبیع للعامل، والثمن علیه ولاشیء على ربّ المال. ( [۴۳۵])
وأمّا فقهاء الشیعه فلهم قولان:
۱ ـ یقع للعامل.
۲ ـ یقع للمالک.
أمّا الأوّل فقد اختاره الشیخ الطوسی قال: وهو الذی یقوى فی نفسی واستدلّ على مختاره بأنّه: «إذا هلک المال تحوّل الملک إلى العامل وکان الثمن علیه، لأنّ رب المال إنّما فسح للعامل فی التصرّف فی ألف إمّا أن یشتریه به بعنیه أو فی الذمه وینقد منه ولم یدخل على أن یکون له القراض أکثر منه». ( [436])
وأمّا الثانی: فیظهر من التعلیل الوارد فی المنع عن الشراء بالذمه فی المسالک، وجود التسلیم على وقوعه للمالک قالوا فی مقام التعلیل: والشراء فی الذمه قد یؤدّی إلى وجوب دفع غیره کما فی صوره تلف المضاربه قبل الوفاء. ( [۴۳۷])
واختاره السید الطباطبائی وقال: «وإذا فرض تلف مال المضاربه قبل الوفاء کان فی ذمه المالک یؤدّی من ماله الآخر». ( [438])
وإلیک دراسه الأقوال:
أمّا القول الأوّل: الذی هو خیره أبی حنیفه وتلمیذه محمد بن الحسن الشیبانی، ویظهر من التعلیل کونه مسلّماً بین الأصحاب وهو صریح السید الطباطبائی، فهو غیر تام لما عرفت من الشیخ فی الخلاف من أنّ المالک لم یفسح له فی القراض أکثر من المال الذی قدّمه إلیه، وأمّا الزائد عنه أی اشتغال ذمته بشیء آخر، فهو لم یأذن به لاتصریحاً ولاتلویحاً فکیف یصح له؟
أمّا القول الثانی: أعنی مانقل عن «مالک» فهو بیّن الإشکال لأنّه یستلزم کون الشراء مردداً فی نفس الأمر بین المالک والعامل، غایه الأمر أنّه إذا قبله المالک بدفع الثمن، یقع البیع له وإلاّ یتعلق الثمن بذمه العامل، ویقع البیع له وهو غیر معقول، لأنّ البیع تبدیل مال بمال، والمال الثانی بما أنّه کلّی إنّما یکون مالاً إذا أُضیف إلى ذمه معینه، وإلاّ لایسمى مالاً. والثمن الکلّی المردّد ثبوتاً بین الذمتین لایکون مالاً.
وأمّا القول الذی هو خیره الشیخ الطوسی ( [۴۳۹]) فهو أیضاً غیر تام، وما استدلّ به إنّما یفی بنفی وقوعه للمالک ولایثبت کونه للعامل، فلاحظ کلامه.
والحق أن یقال: لیس هنا تکلیف لا على المالک و لاعلى العامل بنقد الثمن من غیر مال المضاربه المفروض هلاکه، فإذا کان البیع مقیّداً بکونه مضاربه ولم یمکن الوفاء به بطل العقد لا لخلل فی أرکان العقد، بل لأجل عدم إمکان الوفاء به، کما إذا باع مالاً کان یحمل بالسفینه، وغرق قبل التسلیم.
هذا حسب الثبوت ولو کان المشتری واقفاً على نیه العامل أو صدر التصریح من العامل عند الشراء لم یکن له طلب الثمن منهما. نعم لو لم یذکره أو لم یقف البائع على نیته، تعلّق الثمن بذمته ظاهراً وإن کان فاسداً فی نفس الأمر.
***
الصوره الثانیه: أن یقصد ذمّه نفسه، واشترى لنفسه ولم یقصد حین الشراء الوفاء من مال المضاربه لکن بَدا له بعد، بدفع الثمن منه.
فلا شک أنّ الشراء صحیح واقع للعامل ویکون الربح له، غایه الأمر أنّه عاص فی دفع مال المضاربه عوض الثمن من غیر إذن المالک.
نعم لو کان مأذوناً فی الاستقراض وقصد القرض، تقع المعامله صحیحه بلا عصیان، وهناک محاوله للسید الحکیم (قدس سره) لتصحیح وقوع المعامله للمالک لکن عند دفع العوض من مال المضاربه إذا قصد فی ذلک الحین، الشراء من نفسه للمالک، بمال المضاربه بأنّه لما کان ولیاً على الشراء للمالک، لم یحتج فی شراء مال نفسه للمالک، إلى أکثر من إنشاء الإیجاب، فیقصد المعاوضه بینه وبین المالک بدفع مال المالک وفاءً عمّا فی ذمّته من الثمن، فیکون إنشاء المعاوضه بالفعل، وهو دفع المال إلى البائع لابالقول وبإنشاء واحد بلا قبول. ( [۴۴۰])
وحاصله: أن ینوی بدفع المال من مال المالک کون المبیع له بنفس ذلک الفعل، کما هو کذلک فی الولی من الطرفین کالجدّ والجدّه بالنسبه إلى الصغیرین، وعندئذ یصحّ للمالک.
***
الصوره الثالثه: أن یقصد الشراء لنفسه فی ذمّته مع قصد دفع الثمن من مال المضاربه حین الشراء حتى یکون الربح له، فقصد نفسه حیله منه، فهناک احتمالات:
الف ـ الحکم بصحه الشراء وإن کان عاصیاً فی التصرف فی مال المضاربه من غیر إذن المالک وضامناً له بل ضامناً للبائع أیضاً، حیث إنّ الوفاء بمال الغیر غیر صحیح.
وبعباره أُخرى: الصحّه لأجل تمامیّه أرکان العقد، وهو المبیع الشخصی وکون الثمن فی الذمّه ممّن لذمّته اعتبار وهذا یکفی فی الصحّه، واقتران البیع بنیه إفراغ الذمه بمال حرام لایضرّ بصحه المعامله، وهذا مثل ما إذا اشترى لنفسه فی الذمّه، وکان فی نیته أن یدفع الثمن من المال المغصوب، فالتصرف فی المغصوب حرام، ولایضر بالمعامله وتکون ذمته مشغوله بالثمن واقعاً لاظاهراً.
ب ـ القول ببطلان الشراء لأنّ رضا البائع مقیّد بدفع الثمن والمفروض أنّ الدفع بمال الغیر غیر صحیح فهو بمنزله السارق کما ورد فی بعض الأخبار من أنّ من استقرض ولم یکن قاصداً الأداء فهو سارق.
یلاحظ علیه: بما ذکرنا، من أنّ أرکان العقد ـ أعنی: المالین ـ متحقّقه وأحد المالین شخصی والآخر متقوّم بالذمه، وما یدفعه من مال المالک، وإن کان حراماً لکنّه لیس من أرکان العقد وإنّما هو وفاء بالعقد، فصار وفاؤه بمال الغیر حراماً ولاتسری حرمته وبطلانه إلى العقد، وأمّا ما ورد فی باب الدین فهو مارواه عبدالغفار الجازی عن أبی عبدالله (علیه السلام) قال:
سألته عن رجل مات وعلیه دین؟ قال: «إن کان أتى على یدیه من غیر فساد لم یؤاخذه الله إذا علم من نیته إلاّ من کان لایرید أن یؤدی عن أمانته، فهو بمنزله السارق». ( [441])
یلاحظ على الاستدلال بالحدیث: بأنّه ورد فیما إذا کان ناویاً عدم الدفع رأساً، وهذا غیر ما إذا أراد الدفع بغیر الوجه الشرعی، ومع ذلک فتشبیهه بالسارق کنایه عن قبح عمله، لا أنّه سارق حقیقه ویجری علیه الحدّ.
ج ـ صحّه الشراء للمالک وکون قصده لنفسه لغواً، بعد أن کان بناؤه الدفع من مال المضاربه فإنّ البیع وإن کان بقصد نفسه، والثمن کلّیاً فی ذمته، إلاّ أنّه ینساق إلى هذا الذی یدفعه فکأنّ البیع وقع علیه، وهذا هو الذی یُنسب إلى المحقق البهبهانی.
یلاحظ علیه: أنّ العقود تابعه للقصود والمفروض أنّه اشترى لنفسه، فلا ینقلب عمّا هو علیه إلاّ بإنشاء قولی أو فعلی آخر، والدفع من مال الغیر لایوجب انسیاق العقد إلى الذی یدفعه وإنّما هو فعل محرم فی جنب أمر حلال إلاّ إذا قصد عند الدفع تملیکه للمالک بنفس الدفع، کما مرّ عن السید الحکیم (قدس سره) فی الصوره الثانیه، فالقول الأوّل هو الحق.
***
الصوره الرابعه: أن یقصد الشراء فی ذمّته من غیر التفات إلى نفسه وغیره وحکمه حکم الصوره الثالثه، لأنّ وقوع العقد للنفس لایحتاج إلى النیه بل یکفی عدم اشترائه لغیره، بخلاف وقوعه للغیر فإنّه یحتاج إلى نیه الغیر، وهذا مثل ما قلنا بأنّ الوجوب النفسی العینی التعیینی لایحتاج إلى بیان زائد، فنفس الإنشاء یکفی فی تحقق هذه العناوین بخلاف العناوین المقابله لها فإنّها تحتاج إلى بیان آخر، وعلى ذلک فلو دفع من مال المضاربه یکون عاصیاً.
***
۱۲ ـ إذا اختلف البائع والعامل فی کون الشراء لمن؟
ثم لو اختلف البائع والعامل فی أنّ الشراء کان لنفسه أو لغیره، أی المالک، فقد قال المحقق فی الشرائع: لو اشترى العامل فی الذمه بنیه أنّه للمالک لا مع الإذن منه، لاسابقاً ولا لاحقاً ولم یذکره فی العقد تعلّق الثمن بذمّه العامل ظاهراً. ( [۴۴۲])
ویمکن تعلیله بوجهین:
الأوّل: أنّ حمل الذمه على ذمه المالک خلاف الظاهر فیحتاج إلى بیان، بخلاف ذمه النفس، فإنّه غنیّ عنه، والأصل فی الفعل المنسوب إلى الفاعل کونه عن نفسه. نعم الظاهر وإن کان هو ذمّه العامل لکنّه لایثبت إلاّ بإعمال قاعده القضاء وهو حلف البائع إذا لم یکن للعامل البیّنه، فإذا حلف یدفع الثمن من کیسه ولکن المعامله باطله، لأنّه قصد للمالک ولم یقع لأنّه لم یأذن، وما حکم به حسب قاعده القضاء لم یقصد فیکون صحیحاً ظاهراً، وباطلاً باطناً.
الثانی: لو افترضنا أنّه لم یکن مأذوناً فی الاشتراء فی ذمّه المالک، فادّعاء الاشتراء لها یستلزم الفساد بخلاف الاشتراء لنفسه، فإنّه یلازم الصحه، فأصاله الصحه مع البائع لأنّه یدَّعی أنَّه اشترى لنفسه لا للمالک دون العامل.
وأمّا إذا کان مأذوناً فی الشراء على ذمّه المالک فاختلفا فیحمل على ذمّه العامل أیضاً أخذاً بظاهر الحال، وإن کان البیع صحیحاً على کلا الفرضین، إلاّ إذا شهدت القرینه على أنّه للمالک.
نعم لو وقع الشراء منه بلا نیه أنّه للمالک أو لنفسه، تعلق الثمن بذمته ظاهراً وواقعاً وکان الربح له، لما عرفت من أنّ الشراء للنفس لایحتاج إلى النیه والتصریح وإنّما المحتاج خلافه.
هذه هی الفروع المختلفه التی ذکرها المحقق وغیره، اکتفینا بتوضیحها على وجه الاختصار.
تعدی المضارب عمّا رسمه المالک :
لو تعدّى المضارب عمّا رسمه المالک من الشرط والتخطیط فهل المعامله صحیحه أو لا؟ وعلى فرض الصحه فهل العامل ضامن أو لا ؟
قال الشیخ: «ومتى تعدّى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن یکون أمره أن یصیر إلى بلد بعینه فمضى إلى غیره من البلاد، أو أمره أن یشتری متاعاً بعینه فاشترى غیره، أو أمره أن یبیع نقداً فباع نسیئه، کان ضامناً للمال: إن خسر کان علیه، وإن ربح کان بینهما على ما وقع الشرط علیه». ( [443])
وقال ابن حمزه: «وإن عیّن له جهه التصرّف لم یکن له خلافه، فإن خالف وربح، فإنّ الربح على ما شرط وإن خسر أو تلف غرم». (2)
وقال ابن إدریس: «وإذا لم یأذن فی البیع بالنسیئه أو فی السفر أو أذن فیه إلى بلد معین، أو شرط أن لایتّجر إلاّ فی شیء معیّن، ولایعامل إلاّ إنساناً معیّناً فخالف، لزمه الضمان بدلیل إجماع أصحابنا على جمیع ذلک». ( [444]) وهو وإن لم یصرّح بصحّه العقد، لکن التصریح بالضمان کنایه عنها.
وقال المحقق: «ولو أمره بالسفر إلى جهه فسافر إلى غیرها، أو أمره بابتیاع شیء بعینه، فابتاع غیره ضمن، ولو ربح والحال هذه کان الربح بینهما بموجب الشرط». ( [445])
إلى غیر ذلک من کلمات فقهائنا.
وقال ابن رشد: وإذا دفع إلیه المال على أن لایشتری به إلاّ بالدین، فاشترى بالنقد، أو على أن لایشتری إلاّ سلعه کذا وکذا والسلعه غیر موجوده، فاشترى غیر ما أُمر به، فحکی عن ابن القاسم أنّه فصّل فقال: إن کان الفساد من جهه العقد، ردّ إلى قراض المثل، وإن کان من جهه زیاده ازدادها أحدهما على الآخر، ردّ إلى أُجره المثل، والأشبه أن یکون الأمر فی هذا بالعکس، والفرق بین الأُجره وقراض المثل أنّ الأُجره تتعلّق بذمه ربّ المال. سواء کان فی المال ربح أو لم یکن، وقراض المثل هو على سنه القراض، إن کان فیه ربح کان للعامل منه، وإلاّ فلا شیء له. ( [۴۴۶]) وظاهره هو الصحه. إنّما الکلام فی مایستحق العامل من الأُجره فهل هو قراض المثل أو أُجره المثل؟
وقال ابن قدامه بعد عنوان المسأله: «وإن قلنا: لیس له البیع نَسَاءً فالبیع باطل، لأنّه فعل مالم یؤذن له فیه، فأشبه البیع من الأجنبی إلاّ على الروایه التی تقول: یقف بیع الأجنبی على الإجازه فها هنا مثله، ویحتمل قول الخرقی صحّه البیع، فإنّه إنّما ذکر الضمان ولم یذکر فساد البیع وعلى کل حال یلزم العامل الضمان، لأنّ ذهاب الثمن حصل بتفریطه، فإن قلنا بفساد البیع ضمن المبیع بقیمته إذا تعذّر استرجاعه، إمّا لتلف المبیع أو امتناع المشتری من ردّه إلیه. وإن قلنا بصحته أحتمل أن یضمنه بقیمته أیضاً». ( [447]) ویظهر منه أنّ صحه البیع غیر متفق علیها.
إذا وقفت على الأقوال، فاعلم أنّه تضافرت الروایات على أنّه إذا خالف المضارب ما رسمه المالک من الشروط، تکون المعامله صحیحه والضمان على العامل والربح بینهما، ولکن یقع الکلام فی الجمع بین هذه الأحکام الثلاثه وذلک:
أوّلاً: إذا کان البیع على خلاف ما رسمه یکون فضولیاً لا صحیحاً بالفعل، إذ المفروض أنّه اشترى بعنوان المضارب للمالک، ولم یشتر أو لم یبع لنفسه شیئاً، فتتوقف صحّته على الإذن الجدید ولا یکفی الإذن السابق المحدود، وظاهر الروایات هو الصحه بنفس الإذن السابق.
وثانیاً: لو افترضنا صحّته: فإنّما تصحّ بعنوان المضاربه وعندئذ یتوجه السؤال، وهو أنّه: کیف یکون الربح بینهما ولکن الضمان على العامل، مع أنّ الصحه إذا کانت بعنوان المضاربه تترتّب علیها آثارها وهو کون الخسران على ربّ المال.
فتلزم دراسه الروایات ونقول: إنّـها على طوائف:
الأُولى: مایدلّ على أنّ المخالفه توجب الضمان من غیر دلاله على صحّه المعامله فضلاً عن الاشتراک فی الربح، منها: صحیح رفاعه بن موسى عن أبی عبد الله (علیه السلام) فی مضارب یقول لصاحبه: إنّ أنت أدَنته أو أکلته فأنت له ضامن؟ قال: «فهو له ضامن إذا خالف شرطه». ( [448]) ومثله مارواه أحمد بن عیسى فی نوادره.( [۴۴۹])
الثانیه: مایدل على الصحه فی أمثال مایرجع إلى السفر أو خصوصیاته التی لاتعد قیوداً للمضاربه ولاینتفی الإذن بانتفائها بل تکون الغایه منها، هو التضمین مع المخالفه، کصحیح محمد بن مسلم عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن الرجل یعطی المال مضاربه، وینهى أن یخرج به فخرج؟ قال: «یضمن المال والربح بینهما». ( [450]) وبهذا المضمون روایات أُخرى. ( [۴۵۱]) ولأجل ذلک لایصحّ انتزاع قاعده کلّیه شامله لسائر موارد المخالفه حتى فیما إذا کان النهی متعلقاً بنفس المعامله أو ببعض قیودها، وهذا بخلاف النهی عن السفر مطلقاً أو إلى جهه خاصه فإنّه متعلّق بشیء خارج عن ماهیه المعامله وقیودها وهذا النوع من النهی أشبه بما إذا نهى عن البیع بلا بسمله وتحمید، أو بلا لبس ثوب خاصّ فالنهی فی الجمیع یتعلّق بأمر خارجی من دون تحدید الإذن بوظائف.
الثالثه: مایدل على کلا الحکمین: الربح بینهما والضمان على العامل لکن لا إطلاق فیه بالنسبه إلى الأوّل وإن کان فیه إطلاق بالنسبه إلى الثانی، وذلک فی روایات منها:
صحیح أبی الصباح الکنانی عن أبی عبد الله (علیه السلام) فی الرجل یعمل بالمال مضاربه؟ قال: «له الربح ولیس علیه من الوضیعه شیء إلاّ أن یخالف عن شیء، ممّا أمر صاحب المال». ( [452]) فإنّ القدر المتیقّن أنّ الاستثناء یرجع إلى کون الوضیعه علیه وأنّ المخالفه بأیّ وجه کان توجب الضمان ولیس له إطلاق فی جانب الربح، وأنّ المخالفه بأیّ وجه کان یوجب الشرکه فی الربح ویستلزم الصحه وبهذا المضمون روایات . ( [۴۵۳])
الرابعه: مایدل على الضمان والاشتراک فی الربح مع المخالفه من غیر فرق بین مورد دون مورد وهو لایزید على اثنین:
۱ ـ صحیح الحلبی عن أبی عبد الله (علیه السلام) فی الرجل یعطی الرجل مالاً مضاربه، فیخالف ما شرط علیه ؟ قال: «هو ضامن والربح بینهما». ( [454])
۲ ـ صحیح جمیل عن أبی عبد الله (علیه السلام) فی رجل دفع إلى رجل مالاً یشتری به ضرباً من المتاع مضاربه فاشترى به غیر الذی أمره ؟ قال: «هو ضامن والربح بینهما على ما شرط» . (3)
إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ الشروط المأخوذه فی المضاربه على قسمین:
قسم یکون قیداً للمضاربه، ویخصِّصها بموردها کما إذا قال: اشتر به متاعاً ولاتشتر الأکفان، فإنّه یخصّ مورد المضاربه بغیر الأکفان ویکون الاشتراء بما لها فضولیاً قطعاً.
وقسم یذکر لأجل حفظ رأس المال عن التلف والضیاع من دون أن یعدّ قیداً لها ومن دون أن یخصّها بغیر مورده وذلک کالنهی عن السفر مطلقاً، أو السفر إلى مکان خاص، فإنّ روح هذه القیود تضمینیه لغایه صیانه رأس المال عن التلف فلو خالف، فأقصى مایترتب علیه هو الضمان، لا کون العقد فضولیاً لأنّ الغایه هی الضمان، لا عدم الرضاء بالمعامله.
إذا عرفت ذلک فلنرجع إلى الروایات بأصنافها.
أمّا الطائفه الأُولى : فلیس فیها مایخالف القواعد، لأنّها وارده فی خصوص الضمان لو خالف.
أمّا الطائفه الثانیه : فقد عرفت أنّ الشرط فیها لیس قیداً للمضاربه حتى یخصَّها بغیر مورده وإنّما هو تحدید لغایه الضمان لو خالف، لا عدم الرضاء بالعقد لو خالف، فیکون الضمان وصحه المعامله واشتراک الربح على القاعده.
وأمّا الطائفه الثالثه : فالإطلاق فی جانب الضمان دون صحّه العقد واشتراک الربح، فیصحّ حملها على الطائفه الثانیه.
بقیت الطائفه الرابعه التی یعدّ القید فیها قیداً للمضاربه ویخصّها بغیر مورده، فنقول: هناک وجوه من الحلول:
۱ ـ إنّ الصحه على خلاف القاعده فیقتصر على موردها وهو:
الف ـ المخالفه فی جهه السفر.
ب ـ المخالفه فی ابتیاع شیء معیّن فخالف واشترى غیره، کما یظهر من المحقق فی الشرائع حیث لم یذکر إلاّ هذین الموردین.
یلاحظ علیه: أنّ الصحه فی المورد الأوّل، لیس على خلافها، لما عرفت. نعم المخالفه فی المورد الثانی کذلک.
۲ ـ ماذکره صاحب الجواهر من تنزیل هذه النصوص على إراده بقاء الإذن فی المضاربه وإراده الضمان من الاشتراط کما یومی إلیه خبر رفاعه عن أبی عبد الله (علیه السلام) ، فی مضارب یقول لصاحبه: إن أنت أدنته أو أکلته فأنت له ضامن، قال: «هو ضامن إذا خالف شرطه». ( [455])
***
انفساخ العقد بموت المالک أو العامل:
المشهور أنّ عقد المضاربه یبطل بموت المالک أو العامل، وإلیک بعض الکلمات:
۱ ـ قال الشیخ: «ومتى مات أحد الشریکین بطلت الشرکه». ( [456])
۲ ـ وقال المحقق: «فبموت کل منهما تبطل المضاربه لأنّها فی المعنى وکاله».( [457])
۳ ـ وقال یحیى بن سعید: «وموت کل منهما یبطلها». ( [458])
۴ ـ وقال العلاّمه: «وینفسخ بموت أحدهما وجنونه». ( [459])
۵ـ وقال فی التذکره: «یعتبر فی العامل والمالک مایعتبر فی الوکیل والموکل، ولا نعلم فیه خلافاً» .( [460])
۶ـ وقال فی الإرشاد: «ویبطل بالموت منهما والخروج عن أهلیّه التصرف».( [461])
۷ ـ ونقله العاملی: عن «التذکره» و «جامع المقاصد» و «المسالک» و «مجمع الفائده والبرهان» وأنّهم زادوا الإغماء والحجر علیه لسفه، وزید فی «التذکره» و «جامع المقاصد»: الحجر على المالک للفلس، لأنّ الحجر على العامل للفلس لایخرجه عن أهلیه التصرف فی مال غیره بالنیابه، لأنّ المالک یخرج بعروض هذه له عن أهلیه الاستنابه، والعامل عن أهلیه النیابه لأنّها وکاله فی المعنى. ( [۴۶۲])
۸ ـ وقال المحقق الأردبیلی فی وجه البطلان: قد علم أنّه توکیل فیبطل بموت کل منهما کالوکاله، ولأنّ بالموت یخرج المال عن ملک المالک ویصیر للورثه فلا یجوز التصرف بالإذن الذی کان من المورث .( [۴۶۳])
۹ ـ وقال ابن قدامه: «وإذا مات ربّ المال قدّمنا حصه العامل على غرمائه، ولم یأخذوا شیئاً من نصیبه لأنّه یملک الربح بالظهور، فکان شریکاً فیه، ولیس لرب المال شیء من نصیبه فهو کالشریک بماله ـ إلى أن قال: ـ وإن مات المضارب ولم یعرف مال المضاربه بعینه صار دیناً فی ذمته. ( [۴۶۴])
فهذا النص یکشف عن أنّ المضاربه تبطل عندهم بالموت فعلیه بنى ما ذکر من الفرع.
دلیل بطلان المضاربه بالموت:
أمّا بطلانها بموت العامل فلأنّه کان هو المجاز، وطرف العقد، ولیس هی من الحقوق حتى یرثها وارثه، وبعباره أُخرى هو کالوکیل، فإذا مات بطلت الوکاله، ولیست أمراً وراثیاً لأولاد الوکیل.
وأمّا إذا مات ربّ المال، فلأجل أنّه ینتقل إلى الورثه، فیکون أمر المال بیدهم بعد الانتقال، ولعلّه هو معنى البطلان، لابمعنى عدم قابلیه المضاربه للإبقاء کما سیوافیک.
توضیح ذلک: أنّ العقود على قسمین: إیجادی وإذنی، ففی الأوّل یکفی الإنشاء وإیجاد الأمر الاعتباری عن اختیار، وإن ارتفع الإذن والرضا بعد الإنشاء، فالإذن آناً ما مقروناً بالإنشاء کاف فی إباحه المثمن والثمن للمشتری والبائع، ومثله النکاح والإجاره، ولأجل ذلک قلنا فی محله: إنّ الإجاره لاتبطل بموت المؤجر، لأنّها من العقود الإیجادیه التی یکفی فیها الإذن آناً ما، لإنشاء تملیک المنفعه فی مدّه معینه.
وأمّا الثانی فهو یتقوم بالإذن فی التصرف ویدور مدار وجوده، فما دام الإذن باقیاً فی خلد العاقد، فالحکم باق وإذا ارتفع یرتفع بارتفاعه، وهذا کالعاریه، والأمانه والوکاله، والهبه إلى غیر ذوی الرحم فإنّ المقوّم لجواز التصرف هو الإذن الباطنی، ولایحتاج إلى الإنشاء اللفظی بل یکفی إعلان الرضا بأیّ وسیله أمکنت.
فالمضاربه من العقود الإذنیه فمقوّمها الإذن، فإذا مات أو جنّ یرتفع الإذن عن خلده، وبارتفاعه یرتفع الحکم من غیر فرق بین موت العامل أو المالک وإن کان الحکم فی الثانی أوضح، لأنّ إذنه فی التصرف مؤثر فی جواز تصرف العامل فی المال.
نعم هذا إذا لم یکن هناک إنشاء محدّدٌ أو مشروط بعدم الفسخ، فتصیر المضاربه لازمه بالعرض فلا تنفسخ بموت المالک کما مر.
هل یمکن إبقاء المضاربه ؟
انفساخ المضاربه بموت أحد المتعاقدین فی المضاربه إنّما یتمشّى فی المضاربه بین شخصین، وأمّا إذا کان المضارب قانوناً هو الشرکات الکبیره ذات السهام الکثیره، فإنّ القول بانفساخ المضاربه بموت بعض أصحاب السهام یُشلُّ أمر التجاره وربّما تتعلق رغبه الوارث ببقاء الشرکه، والإعاشه من منافعها، وربّما یکون هناک التزام فی بدء الأمر بعدم سحب الشرکاء سهامهم فی سنین محدده عن الشرکه، لئلاّ یختلّ أمر التجاره، ولأجل ذلک یلزم على الفقیه، بذل الجهد لتصحیح بقاء المضاربه إذا رضی الوارث فنقول:
إنّ الإبقاء یتصوّر على وجهین: تاره یکون بعقد جدید مع العامل، وإن کان فی تسمیته إبقاء نوع مجاز.
وأُخرى إبقاؤها بالمعنى الحقیقی، أی استمراریه العمل والاتفاق على النحو الذی عقد فی بدء الأمر.
أمّا الأوّل : فلا إشکال فی صحته، فیصح إذا کان رأس المال ناضّاً لا دیناً ولامنفعه، ولامتاعاً على ما سیجیء من أنّه یشترط أن یکون رأس المال غیر دین ولا متاع، نعم لو قلنا بصحه المضاربه بالمتاع فیکون العقد الجدید صحیحاً، وإن لم یکن المال ناضّاً، وسیوافیک الکلام فی لزوم هذا الشرط.
وأمّا الثانی: فیراد منه استمراریه العقد بلا حاجه إلى عقد جدید وإنشاء کذلک.
قال المحقق: «ولو مات ربّ المال، وبالمال متاع فأقرّه الوارث، لم یصحّ، لأنّ الأوّل بطل بالموت» ( [465]). والظاهر من المحقق هو إراده القسم الثانی لا الإنشاء الجدید، ومراده من البطلان، ارتفاعه اعتباراً فلا یقبل الإبقاء فلیس له أیّه صحه لا فعلیه ولا تأهّلیه.
وعلى ذلک فلو خالفنا قول المحقّق وقلنا بالصحه على النحو الثانی أیضاً، تظهر الثمره فیما إذا کان المال غیر ناض، فلا یصح بالإنشاء الجدید، بخلاف ما لو قلنا بالصحه بالوجه الثانی، فإنّه لمّا کان مفاده استمراراً للعقد المتحقق صحیحاً سابقاً، فلا یشترط فیه کونه ناضّاً أو عیناً، وذلک لما سیوافیک من أنّ دلیل الاشتراط منصرف إلى العقد الجدید، والاتفاق الابتدائی لا فی إعطاء الاستمراریه للعقد المتحقق سابقاً، غیر أنّ کثیراً من محشّـی «العروه» لما لم یفرّقوا بین القسمین من حیث النتیجه علّقوا على عباره «العروه»، أعنی: «وهل یجوز لوراث المال إجازه العقد بعد موته؟» ما هذا لفظه:
لمّا کان عقد المضاربه من العقود الإذنیه الصالحه لأن تنعقد بأیّ لفظ یدل علیها، جاز أن ینشأ بذلک ویکون إنشاءً لعقد المضاربه من الوارث، لا إنفاذاً لعقد المورث. وقال معلّق آخر: یمکن أن یقال: لمّا کان عقد المضاربه من العقود الإذنیه الصالحه لأن یعقد بأیّ لفظ یدل علیها، جاز إنشاؤها بذلک ویکون إنشاء العقد مضاربه مستأنفه من الوارث، لا إبقاءً لعقد المورث. ( [۴۶۶])وحاصل کلامهما: أنّ ظاهر اللفظ وإن کان إبقاء المضاربه بشکل تنفیذ ماسبق فیما یأتی ولکن یحمل على إنشاء العقد مضاربه مستأنفه، لأنّها یکفی فیها کل لفظ یدل علیها.
أقول: لو کان الإشکال عدم إیفاء اللفظ للإنشاء الجدید، کفى ما ذکروه فی دفعه.
ولکن الإشکال فی موضع آخر وهو أنّه یشترط فی الإنشاء المستأنف کل ماذکره من الشروط فی رأس المال وهذا بخلاف الإبقاء، فلا یشترط فیه ماذکر لانصراف الأدله وکون القدر المتیقّن منها هو العقد الابتدائی. فإرجاع القسم الثانی إلى القسم الأوّل وإن کان یُضفی على العقد وصف الصحه، ولکن لایفی بمقصود القائل بالصحه وهو إثباتها وإن کانت بعض الشرائط غیر موجوده، إذ على الإرجاع یشترط کون المال ناضّاً أو لا أقلّ عیناً، مع أنّه یمکن التصحیح مطلقاً وإن کان دیناً.
الاستدلال على عدم صحه الإبقاء :
ثم إنّ صاحب الجواهر استدلّ على عدم الصحه بالنحو التالی: «ولیس هو ـ أی عقد المورث ـ فضولیاً بالنسبه إلى الوارث الذی لم یکن له علقه بالمال حال العقد بوجه من الوجوه».
وتوضیح ما قال: أنّ العقد الفضولی إنّما یصح بالإجازه إذا کان المجیز مالکاً للمعقود علیه أو ذا حقّ فیه ولیس الوارث بالنسبه إلى رأس المال فی حیاه المورِّث کذلک، فلیس بمالک ولا ذی حق.
ثم إنّه خاض فی النقض والإبرام ما هذا توضیحه.
فان قلت: إذا آجر البطنُ الأوّل العین الموقوفه مدّه زادت على حیاتهم، فإنّ الإجاره تصح بإجازه البطن الثانی، فما الفرق بینه وبین المقام ؟
قلت: الفرق واضح بین المقامین، لتعلّق حقّ البطن اللاحق بالعین من جانب الواقف یوم الوقف، ولأجل ذلک تکون الإجاره على المدّه الزائده فی نفس الأمر لهم. وإن لم یعلم بها حال العقد بخلاف المقام الذی هو ابتداءً ملک للوارث بالموت، وحینئذ فالمدار فی الفضولیه کونُ المعقود علیه حال العقد للغیر، ولکن الفضولیّ أجرى العقد علیه، بخلاف المقام الذی هو للمالک ولکن بالموت ینتقل عنه إلى وارثه، فلیس هو فی عقده على ماله فضولیّاً عن الغیر الذی لا مدخلیه له حال العقد.
فإن قلت: ما الفرق بین المقام وبین تصرّف الموصی فی ماله بأزید من الثلث، فإنّ التنفیذ یتوقف على إجازه الوارث، مع أنّ الموصی کان مالکاً لماله ولم یکن للوارث حین الإیصاء حقّ فی ماله؟
قلت: الفرق هو أنّ الوصیه تصرف بعد الموت الذی هو محل تعلّق حقّ الوارث، وهذا بخلاف عقد المضاربه، فإنّه تصرّف فی المال فی حال حیاته. ( [۴۶۷])
هذا کلامه، ولکن الحق أنّ المعاملات أُمور عرفیه یکفی فی صحه الإجازه کون المال فی معرض الانتقال إلیه، وإن لم یکن له علقه به حال العقد، فکونه سیصیر له کاف، ومرجع إجازته حینئذ إلى إبقاء ما فعله المورث، لا قبوله ولا تنفیذه، فإنّ الإجازه على أقسام: قد تکون قبولاً لما فعله الغیر کما فی إجازه بیع ماله فضولاً، وقد تکون راجعاً إلى إسقاط الحق کما فی إجازه المرتهن لبیع الراهن، وإجازه الوارث لما زاد عن الثلث، وقد تکون إبقاءً لما فعله المالک کما فی المقام. ( [۴۶۸])
***
هذا ماذکره الأعلام فی المقام، وقد عرفت فی بدء البحث أنّ القول بانفساخ العقد بموت أحد المتعاقدین، یشلّ أمر التجارات الکبیره والشرکات المتشکّله من أصحاب السهام المختلفه التی أُسِّسَتْ على البقاء والانتفاع بالمنافع طیله سنین. وربّما تتوفر رغبه الوارث إلى استمرار الشرکه والإعاشه بما تدرّ فلا عتب للفقیه إذا جاهد فی طریق التصحیح فنقول: إذا تدبّرت فی الأُمور التالیه یسهل لک تصدیق ما ذکره السید الطباطبائی:
۱ ـ إذا قلنا بعـدم اشتراط کون المال عیناً. بـل یکفـی کونـه دیناً قابلاً للتحصیل، أو قلنا ـ بعد تسلیم اشتراط کونه عیناً ـ : بعدم اشتراط کونه ناضّاً بل یکفی کونه عروضاً ومتاعاً فلا حاجه إلى بذل الجهد لتصحیح الإبقاء، إذ للوارث أن یَدخل من باب الإنشاء الجدید لعدم الفرق بین الأمرین فی عدم الکلفه الزائده.
ولو قلنا باعتبار کونه عیناً بل درهماً أو دیناراً، فإن قلنا: بعدم الفرق بین الإنشاء الجدید، والإبقاء فی الشرائط، فلا حاجه أیضاً إلى بذل الجهد لتصحیح الإبقاء لعدم الاختلاف فی رعایه الشرائط.
وأمّا لو قلنا بلزوم وجود هذه الشرائط حدوثاً لا بقاءً لأنّ الدلیل المهمّ لها هو الإجماع ولا إطلاق لها والقدر المتیقّن منه هو الحدوث لا البقاء، فیکون السعی لتصحیح إبقاء المضاربه أمراً مطلوباً، لعدم الحاجه إلى الشرائط فیه بخلاف العقد المستأنف.
۲ ـ إنّ تفسیر الانفساخ بالموت ببطلان العقد وصیرورته کالمعدوم إنّما یتم فیما إذا کان عقد المضاربه مطلقاً غیر محدّد بأجل، فإذا کان من العقود الإذنیّه ولم یکن محدّداً بأجل یعمّ بعد الموت یتقوّم بالإذن، فیرتفع بارتفاعه وأمّا إذا کان العقد محدّداً بأجل یمتد إلى ما بعد الموت یکون له اقتضاء البقاء إذا انضمّ إلیه إذن المالک. فیکون جامعاً للشرائط ویکون معنى الانفساخ هو خروج أمر المال من ید المورّث وانتقاله إلى الوارث.
۳ ـ إنّ حصـر العقد الفضولی بما إذا کان المعقود علیه حال العقد ملکاً للغیر أو متعلّق حقّ للغیر حین الحدوث، لا وجه له إذ لم یرد فیه نصّ حتّى یقتصر علیه بل یعمّه، وما إذا کان ملکاً أو متعلق حقّ للغیر بقاءً لا حدوثاً، کما فی المقام لأنّ موت المالک موجب لانتقال رأس المال إلى الورثه فصار متعلقاً للغیر بقاءً لا حدوثاً، فإبقاء المضاربه متوقّف على إذن صاحبه. وهذا مثل ما إذا أعار ماله ثم باعه، فبقاء عقد العاریه رهن إذن المشتری، لأنّه صار متعلقاً للغیر بقاءً وإن لم یکن حدوثاً.
وبذلک یظهر النظر فیما أفاده السید الحکیم (قدس سره) فقد استقـرب عدم الصحه بوجهین:
۱ـ الإجازه لا تصح إلاّ بشرطین: الأوّل: أن یکون العقد المجاز صادراً من غیر الولی علیه، فلا یصح منه إلاّ بالإجازه. الثانی: أن یکون للمجیز ولایه على العقد، فإذا انتفى ذلک لم تصح الإجازه. وهذان الشرطان موجودان فی الأمثله المذکوره فی الجواهر وفی المتن، أمّا فیما نحن فیه فمفقودان معاً، إذ العقد الواقع من المالک صادر من الولی علیه فیصح، ولا معنى لإجازته والإجازه الصادره من الوارث ـ سواء کانت صادره منه حال حیاه الموروث، أم بعد وفاته ـ صادره ممن لا ولایه له على العقد. نعم إذا کانت صادره منه بعد وفاه الموروث فهی ممن له ولایه على تجدید العقد لا على العقد نفسه، فلا معنى لتعلقها بالعقد. ( [۴۶۹])
وجه النظر: أن ماذکره إنّما یتم إذا لوحظ العقد حدوثاً فی مده حیاته، فله الولایه دون الوارث، فالشرطان غیر موجودین، وأمّا إذا لوحظ بقاءً حسب التحدید الوارد فی العقد فلیس للمالک الولایه، بل الولایه للوارث.
۲ ـ إنّ الإبقاء متعذّر، لأنّ المفروض بطلانه فکیف یمکن إبقاؤه مع أنّه غیر مقصود للمجیز.
یلاحظ علیه: بما عرفت من أنّ الانفساخ فی العقد المطلق یلازم البطلان، ولکنّه فی العقد المحدّد بمعنى انتهاء ولایته له، وانتقال الولایه للوارث، فإذا انضمّ إلیه إذنه، یکون نافذاً، لعدم القصور فی العقد، إلاّ من ناحیه إذن الولی والمفروض انضمامه، ثم لم یتحقّق لی معنى قوله: «مع أنّه غیر مقصود للمجیز» بل مقصوده هو الإبقاء.
۳ ـ إنّ المالک رکن فی عقد المضاربه کالعامل، فإذا مات أحدهما بطل العقد ضروره، کما هو فی موت أحد الزوجین فلا یمکن جعل إبقائه.
یلاحظ علیه: أنّ المضاربه علاقه بین عمل العامل ورأس المال، لا العامل والمالک ولذلک یصحّ، ولو لم یعرف المالک کما فی المضاربه جعاله، ولأجل ذلک تبطل المضاربه بهلاک رأس المال، وهذا بخلاف الزوجین فإنّهما رکن، یقول سبحانه: ( وَأنْکِحُوا الأَیامى مِنْکُمْ وَالصّالِحِینَ مِنْ عِبادِکُمْ وإمائِکُمْ ) ( [۴۷۰]) والنکاح علاقه بین الزوجین.
وعلى ضوء هذا، یلزم التفصیل بین موت العامل فتبطل المضاربه، وتحویلها لوارث العامل یحتاج إلى عقد مستأنف بخلاف المالک، إذ الرکن هو المال وهو باق وإن تغیّرت إضافته من المالک إلى الورثه، فتدبّر.
***
ثم إنّ المیت إمّا هو المالک أو العامل ولکلّ صور خمس، لأنّ المال حین الموت إمّا ناضّ أو عروض، وعلى تقدیر کونه ناضّاً إمّا أن یکون فیه ربح أو لا، وعلى کونه متاعاً إمّا أن یکون الربح فیه قطعیاً أو مرجوّاً أو معلومَ العدم. وتظهر أحکام جمیع الصور من الإمعان فیما تقدم فنقول:
أمّا إذا کان المیت، هو المالک وکان المال ناضّاً فإن ربح یُقسَّم حسب الاتفاق ولیس للغرماء مزاحمه العامل فی حصته، لما ستعرف من أنّه یملک الربح بالظهور فکان شریکاً للمالک. وإن لم یربح، فالمال کلّه للوارث.
وإن کان المال عروضاً فإن علم الربح بظهوره، فیشارک الوارث فیه حسب سهمه من الربح. وإن علم عدمه فالمال کلّه للوارث. وإن رجا فقد ذهب صاحب المسالک إلى أنّ للعامل بیعه، وهو کما ترى مع عدم رضایه الوارث المالک فعلاً، وقد عرفت أنّ البحث فی المضاربه المطلقه، لا المحدوده بعام أو عامین الذی نفترض توفّی المالک أثناء المدّه، أو المشروط فیها عدم الفسخ وإلاّ فله الاشتغال بالعمل. والأولى التصالح إذا کان هناک رجاء للربح.
هذه الصور الخمس فیما إذا کان المیت هو المالک.
وأمّا إذا کان المیتُ هو العامل فتأتی فیه تلک الصور أیضاً، فإن کان المال ناضّاً، رابحاً یدفع سهمه من الربح إلى وارثه. وإن لم یربح فالمال کلّه للمالک.
وإن کان المال متاعاً، فإن علم فیه الربح بظهوره یشارکه حسبَ سهمه، وإن علم عدمه یدفع المال إلى المالک، وإن کان الربح مرجوّاً ففی الجواهر أنّه ینصِّب الحاکم أمیناً یبیعه، فإن ظهر فیه ربح، أوصل حصّته إلى الوارث، وإلاّ سلّم الثمن للمالک .( [۴۷۱]) ویمکن القول بالتصالح أیضاً.
[۴۰۳] . النهایه: ۴۲۹٫ ۲ . المهذب: ۱/۴۶۰٫
[۴۰۴] . الوسیله: ۲۶۴٫ ۴ . السرائر: ۲/۴۰۹٫
[۴۰۵] . الجواهر: ۲۶/۳۴۰ (قسم المتن) .
[۴۰۶] . بدایه المجتهد: ۲/۲۴۰٫ ۲ . المغنی: ۵/۱۷۹٫
[۴۰۷] . الجواهر: ۲۶/۳۴۰٫
[۴۰۸] . المکاسب: ۸۰٫ ۲ . شرائع الإسلام: ۲ / ۱۳۷، کتاب المضاربه، فی العقد .
[۴۰۹] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۳، کتاب المضاربه المسأله ۲٫
[۴۱۰] . جواهر الکلام: ۲۶/۳۴۳٫
[۴۱۱] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۳، کتاب المضاربه، المسأله۲٫
[۴۱۲] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۳، کتاب المضاربه، المسأله۲٫
[۴۱۳] . القواعد: ۲ / ۳۳۵ . ۲ . جامع المقاصد: ۸/۷۸٫
[۴۱۴] . الجواهر: ۲۶/۳۴۴٫
[۴۱۵] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۵، کتاب المضاربه: المسأله۳٫
[۴۱۶] . المغنی: ۵/۱۸۴٫
[۴۱۷] . الوسائل: ج ۱۳، کتاب المضاربه الباب۱، الحدیث۱۲٫
[۴۱۸] . الجواهر: ۲۶/۳۴۴ (قسم المتن) .
[۴۱۹] . القصص : ۲۵٫
[۴۲۰] . الوسائل: ج ۱۳، الباب۶ من أبواب المضاربه، الحدیث۱: موثقه السکونی.
[۴۲۱] . الخلاف: ۳/۴۶۲، کتاب القراض، المسأله ۶٫
[۴۲۲] . الجواهر: ۲۶/۳۵۰ (قسم المتن) .
[۴۲۳] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۷، کتاب المضاربه، المسأله ۸٫
[۴۲۴] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۵۱، کتاب المضاربه، المسأله ۱۷٫
[۴۲۵] . الجواهر: ۲۶/۳۳۶٫
[۴۲۶] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۵۱، کتاب المضاربه، المسأله ۱۸٫
[۴۲۷] . الجواهر: ۲۶/۳۵۲ (قسم المتن) .
[۴۲۸] . مفتاح الکرامه: ۷/۴۶۲ (قسم المتن) .
[۴۲۹] . مجمع الفائده: ۱۰/۲۴۵٫ (قسم المتن) .
[۴۳۰] . مجمع الفائده: ۱۰/۲۴۵٫ (قسم المتن) .
[۴۳۱] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۸، کتاب المضاربه، المسأله ۱۲٫
[۴۳۲] . المغنی لابن قدامه: ۵/۱۸۳; بدایه المجتهد: ۲/۱۴۱ـ ۱۴۲٫
[۴۳۳] . الخلاف: ۳ / ۴۶۷، کتاب القراض، المسأله ۱۵٫
[۴۳۴] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۸، کتاب المضاربه، المسأله ۱۲٫
[۴۳۵] . الخلاف: ۳ / ۴۶۷ ، کتاب القراض، المسأله ۱۵٫
[۴۳۶] . الخلاف: ۳ / ۴۶۷ ، کتاب القراض، المسأله ۱۵٫
[۴۳۷] . المسالک: ۱/۲۹۵٫
[۴۳۸] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۴۸، کتاب المضاربه، المسأله ۱۲، الوجه الثانی.
[۴۳۹] . وهو أوّل القولین لفقهاء الشیعه.
[۴۴۰] . المستمسک: ۱۲/۲۹۳٫
[۴۴۱] . الوسائل: ج ۱۳، الباب ۵ من أبواب الدین والقرض، الحدیث۱٫
[۴۴۲] . شرائع الإسلام: ۲ / ۱۳۸ ، کتاب المضاربه، فی العقد، بتصرف .
[۴۴۳] . النهایه: ۴۲۸٫ ۲ . الوسیله: ۲۶۴٫
[۴۴۴] . السرائر: ۲/۴۰۷٫
[۴۴۵] . الجواهر: ۲۶/۳۵۳ (قسم المتن) .
[۴۴۶] . بدایه المجتهد: ۲/۲۴۳٫
[۴۴۷] . المغنی لابن قدامه: ۵/۱۵۱٫
[۴۴۸] . الوسائل: ج ۱۳، الباب۱ من أحکام المضاربه، الحدیث۸ .
[۴۴۹] . الوسائل: ج ۱۳، الباب۱ من أحکام المضاربه، الحدیث ۱۲٫
[۴۵۰] . المصدر نفسه: الحدیث ۱ .
[۴۵۱] . راجع الوسائل: ج ۱۳، الباب ۱ من أحکام المضاربه، الحدیث ۲، ۶، ۱۰، ۱۱٫
[۴۵۲] . الوسائل: ۱۳ الباب۱، من أحکام المضاربه، الحدیث ۳ .
[۴۵۳] . الوسائل: ج ۱۳ الباب۱، من أحکام المضاربه، الحدیث ۳ و ۴ و ۷٫
[۴۵۴] . المصدر نفسه: الحدیث ۵ . ۳ . المصدر نفسه: الحدیث ۹٫
[۴۵۵] . الجواهر: ۲۶/۳۵۵٫ ومن المعلوم أنّ حدیث رفاعه صحیح سنداً.
[۴۵۶] . النهایه: ۴۲۷٫
[۴۵۷] . الجواهر: ۲۶/۳۵۵٫
[۴۵۸] . الجامع للشرائع: ۳۱۶٫
[۴۵۹] . القواعد: ۲ / ۳۴۵ ، انظر مفتاح الکرامه: ۷/۵۰۲ (قسم المتن) .
[۴۶۰] . التذکره: ۲/۲۳۱٫
[۴۶۱] . مجمع الفائده والبرهان: ۱۰/۲۴۵٫
[۴۶۲] . مفتاح الکرامه: ۷/۵۰۲٫
[۴۶۳] . مجمع الفائده والبرهان: ۱۰/۲۴۵٫
[۴۶۴] . المغنی: ۵/۱۷۷٫
[۴۶۵] . شرائع الإسلام: ۲ / ۱۴۰، کتاب المضاربه، فی مال القراض.
[۴۶۶] . التعلیق الأول للسید جمال الدین الگلپایگانی، والثانی للسید الاصطهباناتی ـ قدّس سرّهما ـ .
[۴۶۷] . الجواهر: ۲۶/۳۶۲ ـ ۳۶۳٫
[۴۶۸] . العروه الوثقى: ۲ / ۶۵۸، کتاب المضاربه، المسأله ۲۹٫
[۴۶۹] . المستمسک: ۱۲/۳۲۰٫
[۴۷۰] . النور: ۳۲٫
[۴۷۱] . الجواهر: ۲۶/۳۵۶٫