دیه المرأه المسلمه

0

قرأنا مؤخّراً مجله الشریعه الغرّاء، العدد ۴۹۵ (آذار / ۲۰۰۷ م، صفر ۱۴۲۸ هـ)، ووجدنا فیها فتوى للشیخ الدکتور یوسف القرضاوی تتضمّن القول بأنّ دیه المرأه تساوی دیه الرجل، وأنّ حکم دیه المرأه على النصف من دیه الرجل لا یسنده نص صریح من القرآن الکریم ولا من السنّه المطهره کما لا یؤیّده إجماع ولا قیاس ولا مصلحه معتبره. وأنّ رأیه فی مساواه الدیتین تعضده آراء علماء سابقین، منهم: صاحب المنار، والشیخ محمود شلتوت، والشیخ أبو زهره، والشیخ محمد الغزالی.
ثم إنّه اعتذر عن فتوى العلماء فی القرون السابقه بالنصف بأنّ قتل المرأه خطأ أو شبه عمد فی الأزمنه الماضیه کان من الندره، فلم تعد مشکله حول الموضوع حتّى تستدعی اجتهاداً جدیداً من العلماء.
أقول: نحن نقدر الاجتهاد الحرّ الخارج عن إطار المذاهب المعینه، فإنّ الاجتهاد رمز خلود الإسلام واستمرار شریعته. ولکن نؤکّد على لزوم اعتماد الاجتهاد الحر على الکتاب والسنّه المطهّره والإجماع وسائر الأُصول المعتبره وعدم الخروج عن مقتضاها قدر شعره.
هذا وقد عادت دراسه دیه الحره المسلّمه إلى الساحه لأجل أنّ طابع العصر الحاضر هو طابع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ کنّ مهضومات الحقوق فی الأدوار السابقه. فقامت مؤسسات وتشکّلت جمعیات لإحیاء حقوقهن، وإخراجهنّ من زی الرقّیه للرجال، إلى الاستقلال والحریه، وربّما یتصوّر أنّ فی القول بأنّ دیتها نصف دیه الرجل، هضماً لحقوقهنّ وإضعافاً لهنّ.
ومع ذلک کلّه ففی المسأله دلیل قاطع من السنّه المطهّره وإجماع المسلمین على النصف.
اتّفاق الفقهاء على النصف
أمّا الإجماع فقد اتّفقت کلمات الفقهاء على النصف عبر أربعه عشر قرناً، ولم یخالفهم إلاّ رجلین لا اعتبار لخلافهما.
قال ابن قدامه فی شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل العلم على أنّ دیّه المرأه نصف دیه الرجل. وحکى غیرهما عن ابن عُلیَّه والأصم أنّهما قالا: دیتها کدیه الرجل لقوله (صلى الله علیه وآله وسلم) : «فی النفس المؤمنه مائه من الإبل»، وهذا قول شاذ یخالف إجماع الصحابه وسنّه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، فإنّ فی کتاب عمرو بن حزم: «دیه المرأه على النصف من دیه الرجل»، وهی أخصّ ممّا ذکروه، وهما فی کتاب واحد فیکون ما ذکرنا مفسِّراً لما ذکروه، ومخصصاً له.
ودیّه نساء کلّ أهل دین، على النصف من دیه رجالهم على ما قدّمنا فی موضعه .( [۸۰۱])
وقال القرطبی (المتوفّى ۵۹۵ هـ): اتّفقوا على أنّ دیه المرأه نصف دیه الرجل فی النفس .( [۸۰۲])
وقال شمس الدین السرخسی (المتوفّى ۴۹۵ هـ): بلغنا عن علی (علیه السلام) أنّه قال: دیه المرأه على النصف من دیه الرجل فی النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه تأخذ .( [۸۰۳])
ومن رجع إلى الکتب الفقهیه یجد نظیر هذه الکلمات فلا حاجه إلى نقل کلماتهم. والذی نلفت إلیه نظر الأُستاذ أنّه لم یخالف ذلک القول فی العصور الماضیه إلاّ رجلان:
أحدهما: ابن عُلیّه: وهو إسماعیل بن إبراهیم المصری (۱۱۰ ـ ۱۹۳ هـ) الّذی کان مقیماً فی بغداد وولی المظالم فیها فی آخر خلافه الرشید، وکفى فی سقوط رأیه أنّه سّیء الأخلاق والسلوک.
وکتب له عبدالله بن مبارک أبیات مستهلها:
یا جاعل الدین له بازیا *** یصطاد أموال المساکین( [۸۰۴])
ثانیهما: أبو بکر الأصمّ عبدالرحمن بن کیسان المعتزلی صاحب المقالات فی الأُصول، والمعتزله یعتمدون على العقل أکثر ممّا یعتمدون على النقل، ولذلک لا یطلق علیهم أهل السنّه فی مصطلح أهل الحدیث والأشاعره .
وأی إجماع أعظم وأتقن من اتّفاق الفقهاء على حکم مضى علیه قرون متمادیه لم ینبس فیها أحد ببنت شفه إلاّ رجلان قد علمت حالهما، والعجب أنّ الدکتور فی صدر کلامه یقول: (لا یّؤیده إجماع ولا قیاس ولا مصلحه معتبره). ونقرأ فی آخر الخبر أنّ المعلّق قد کتب: انّ رأی الدکتور القرضاوی هذا یأتی مخالفاً لآراء الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعه الشهیره، والمذهب الظاهری والزیدی والمذهب الجعفری والمذهب الاباضی.
ولعلّه حاول بذلک إعطاء أهمیه لهذا البحث.
هذا ما یمکن ذکره عن الإجماع، وأمّا السنّه :
تضافر السنّه على النصف
۱٫ أخرج البیهقی بسندین فی أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) : «دیه المرأه على النصف من دیه الرجل».( [805])
۲٫ أخرج البیهقی بسنده عن مکحول وعطاء قالوا: أدرکنا الناس على أنّ دیه المسلم الحرّ على عهد النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) مائه من الإبل، فقوّم عمر بن الخطاب تلک الدیه على أهل القرى ألف دینار أو اثنی عشر ألف درهم، ودیه الحره المسلمه إذا کانت من أهل القرى خمسمائه دینار أو سته آلاف درهم، فإذا کان الّذی أصابها من الأعراب فدیتها خمسون من الإبل، ودیه الأعرابیه إذ أصابها الأعرابی خمسون من الابل لا یُکلّف الأعرابی الذهب ولا الورق . (۲)
۳٫ أخرج البیهقی عن حمّاد عن إبراهیم، عن علی بن أبی طالب (علیه السلام) أنّه قال: عقل المرأه على النصف من دیه عقل الرجل من النفس وفیما دونها. ( [۸۰۶])والمراد بإبراهیم، هو إبراهیم النخعی (المتوفّى ۹۳ هـ) وهو لم یدرک علیّ بن أبی طالب، والسند منقطع.
۴٫ أخرج النسائی والدارقطنی، وصحّحه ابن خزیمه، عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) : «عقل المرأه مثل عقل الرجل حتّى یبلغ الثلث من دیته» ( [807]).
التنصیف فی دیّه الاعضاء
هذا فی دیه النفس، وهکذا الکلام فی دیه الأعضاء والجراحات، إذ اتّفق الفقهاء على أنّ دیه المرأه تساوی دیه الرجل فی الأُروش المقدره إلى حدّ خاص، فإذا انتهت إلیه فعلى النصف، وهذه الضابطه أمر متّفق علیه، غیر أنّ الاختلافِ فی الحدّ الّذی إذا بلغته الدیه، تکون على النصف والضابطه نفسها تؤید الکبرى الکلّیه فی أنّ دیه المرأه، نصف دیه الرجل والاختلاف فی الحدّ الّذی إذا بلغته ترجع إلى النصف لا یضرّ بها.
والمشهور أنّ المرأه تعاقل الرجل فی دیه الأعضاء والجراحات إلى ثلث الدّیه فإذا تجاوزت الثلث رجعت إلى النصف. روى عمرو بن شعیب، عن أبیه، عن جدّه أنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: «المرأه تعاقل الرجل إلى ثلث دیتها» .
وقال ربیعه: قلت لسعید بن المسیب: کم فی إصبع المرأه؟ فقال: عشر، قلت: ففی إصبعین؟ قال: عشرون. قلت: ففی ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففی أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصیبتها قلّ عقلها؟! قال هکذا السنّه.
قوله: «هکذا السنّه» دالّ على أنّه أراد سنّه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وإجماع الصحابه والتابعین .( [۸۰۸])
وقد أخرج البیهقی بسند متصل إلى زید بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، وما زاد فعلى النصف .( [۸۰۹])
ما هی المصلحه فی تنصیف الدّیه؟
یقول الشیخ القرضاوی من أن التنصیف لا تؤیده مصلحه.
ولعلّه عَنْى أنّ التفریق بین الدیتین تفریق بلا سبب ولا مصلحه.
ولکن هناک مصلحه نشیر إلیها وهی:
أنّه لا شک فی أنّ المرأه المسلمه کالرجل المسلم من حیث دورها وأهمیتها فی المجتمع، ولیس لاختلاف الدیّه دلیلاً على نقصان فی کرامتها، وإنّما شرعت الدیه لسدّ الضرر المالی الوارد على الأُسره بسبب قتل النفس، ومن المعلوم أنّ الضرر المالی والخلل الاقتصادی الّذی یصیب العائله بفقد الرجل أکثر منه فی حاله فقدان المرأه .
ولذلک أصبحت دیه المرأه نصف دیه الرجل. کلّ ذلک حسب طبیعه المجتمع الإسلامی الّذی حمّل الرجل مسؤولیه إداره الأُسره والقیمومه.
وهناک شبهات وشکوک حول التنصیف ترکنا التعرض لها روماً للاختصار .
وأخیراً نلفت نظر الأُستاذ إلى هذه الکلمه، وهی: إن کان قد اطّلع على ما لم نطّلع علیه من الأدلّه الشرعیه الداله على التساوی فلیدل بدلیله.
[۸۰۱] . المغنی: ۹ / ۵۳۱ ـ ۵۳۲ .
[۸۰۲] . بدایه المجتهد: ۲ / ۴۲۶ .
[۸۰۳] . المبسوط: ۲۶ / ۷۹ .
[۸۰۴] . طبقات الفقهاء: ۲ / ۶۱ .
[۸۰۵] . سنن البیهقی: ۸ / ۹۵٫ ۲ . سنن البیهقی: ۸ / ۹۵ .
[۸۰۶] . نفس المصدر .
[۸۰۷] . سنن النسائی: ۸ / ۴۵، باب عقل المرأه ; سنن الدارقطنی: ۳ / ۷۳ برقم ۳۱۰۵ ; التاج الجامع للأُصول: ۳ / ۱۱، بلوغ المرام برقم ۱۲۱۲ .
[۸۰۸] . الخلاف: ۵ / ۲۵۴ ـ ۲۵۶، المسأله ۶۳ .
[۸۰۹] . سنن البیهقی: ۸ / ۹۷ ولاحظ بقیه الروایات فی نفس المصدر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.