استظلال المحرم فی اللیل

0

الحمد لله رب العالمین والصلاه والسلام على خیر خلقه محمد وآله الطاهرین .
أمّا بعد ; فهذه رساله وضعتها لحکم المسأله المبتلى بها فی زماننا هذا، وهی حکم استظلال المُحرم فی اللیل، فنقول:

استظلال المحرم فی اللیل
لا شکّ أنّ الاستظلال من محظورات الإحرام، إنّما الکلام فی: أنّ الممنوع هو ما کان له فعلیه الاستظلال، أو أنّ الممنوع هو ما له شأنیه الاستظلال، وإن لم یکن کذلک بالفعل کالسفر بالسیاره لیلاً أو فی النهار الغائم؟
وبعباره أُخرى: هل المانع عن الستر هو فوت الضحى، أو أنّ المانع هو التستر عن السماء وإن لم تکن هناک شمس؟
وأشار إلى الوجهین الشهید فی «الدروس» قال: هل التحریم فی الظلّ لفوات الضحى أو لمکان الستر؟ فیه نظر لقوله (علیه السلام) : «إضحَ لمن أحرمت له»، والفائده فیمن جلس فی المحمل بارزاً للشمس وفیمن تظلّل به، ولیس فیه.( [۲۸۰]) أی تظهر الفائده فی موردین:
۱٫ إذا جلس فی المحمل بإزاء الشمس، فلو کان الموضوع هو الضحى لما کان علیه شیء، ولو کان الموضوع هو الستر، ارتکب حراماً لاستتاره بالمحمل.
۲٫ إذا تظلل بالمحمل ولیس فیه، فلو کان الموضوع هو الستر لیس علیه شیء، لکونه خارج المحمل، ولو کان الموضوع هو التعرّض للشمس ارتکب المحظور.
ثمّ إنّه لم یرد فی روایه حکم التستر باللیل، ولم یسأل عنه سائل ولم یتعرض له الفقهاء إلاّ فی الآونه الأخیره، بعد توفّر المواصلات الحدیثه کالطائرات والسیارات الناقله للزائر لیلاً إلى مکه، أو من عرفات إلى المشعر، فهل یکون السکوت وعدم التعرض فی الروایات وکلمات الأصحاب دلیلاً على اختصاص الحرمه بالنهار، أو یکون دلیلاً على کون النهار واللیل فی المقام سیّان؟ تظهر الحال بالإمعان فی الروایات.
اعلم أنّ الروایات الوارده فی المقام على طوائف خمس:
الأُولى: النهی عن التظلیل و الاستظلال.
الثانیه: الأمر بالإضحاء والتعرض للشمس والنهی عن الاستتار عنها، وإلیه یرجع ما ورد من النهی عن الاستتار من الشمس بثوب وغیره.
الثالثه: ما دلّ على استثناء المریض و من به علّه.
الرابعه: النهی عن رکوب القبه والکنیسه.
الخامسه: النهی عن التستر عن المطر.
وإلیک دراسه الطوائف الخمس:
الأُولى: النهی عن التظلیل و الاستظلال
وقد وردت الکلمتان فی کثیر من الروایات. فنقول: إنّ الظل وإن کان فی الأصل هو ستر شیء لشیء کما علیه ابن فارس فی مقاییسه حیث قال: «ظل» أصل واحد یدلّ على ستر شیء لشیء، وهو الّذی یسمّى «الظل»، وکلمات الباب عائده إلیه.( [۲۸۱])
لکن المتبادر ممّا ورد فی القرآن الکریم هو السواد الحاصل فی الجهه المخالفه للشمس، وکأنّ اللفظ انتقل من معناه المطلق إلى قسم خاص، وهو الاستتار من الشمس.
یقول سبحانه: ( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّکَ کَیْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاکِناً ) .( [۲۸۲])
ویقول سبحانه: ( فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ) . (۳)
و یقول سبحانه: ( وَدانیهً عَلَیْهِم ظِلالُها وَذلّلت قُطُوفها تَذلیلاً ) .( [۲۸۳])
یلاحظ علیه: أنّ الظَّل بفتح الظاء ـ کما فی المنجد ـ بمعنى الثبات والدوام، یقال: ظَلَّ یَظِل ظَلاّ یفعل کذا: دام. وعلیه الآیتان التالیتان:
یقول سبحانه: ( قالوا نعبد أصناماً فنظَّلُ لها عاکفینَ ) ( [۲۸۴]) ، فإنّ معناها أن نقیم على عبادتها مداومین (۲) ، وما فی الجلالین ـ فی تفسیر الآیه ـ (من قوله: نقیم نهاراً على عبادتها) غیر واضح، ویؤیده قوله سبحانه: ( إنْ یَشَأْ یُسْکِنِ الرِّیحَ فَیَظْلَلْنَ َرَواکِدَ عَلى ظَهْرِه إِنَّ فی ذلکَ لآیات لِکُلِّ صَبّار شَکُور ) .( [۲۸۵]) أی إن
یشأ اللّه أن یسکن الریح فتبقى السفن واقفه راکده على ظهر الماء لا یبرحن عن المکان.( [۲۸۶]) ومن المعلوم أنّ عدم مجیء الریح لا یختص بالنهار، بل یعمّ النهار واللیل.
وقد فسره السیوطی فی الجلالین بمثل ما ذکرنا وقال: یصرن رواکد ثوابت لا تجری.
وأمّا الظِّل ـ بالکسر ـ فهو بمعنى الفیء غالباً لا دائماً بشهاده قوله: ( وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ کأَنَّهُ ظُلَّهٌ وَظَنُّوا أَنّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَیْناکُمْ بِقُوَه وَاذْکُرُوا ما فِیهِ لَعَلَّکمْ تَتَّقُون ) .( [۲۸۷])
أی قلعنا الجبل من أصله فرفعناه فوق بنی إسرائیل کأنّه سقیفه، فظنوا أنّه واقع بهم فهو لیس بمعنى الفیء، بل بمعنى الشیء الذی لو وقع علیهم لقتلهم.
وفی اللغه أیضاً شواهد على وجود هذا المعنى بین أهل اللغه ، ففی لسان العرب: الظِلّ ما سترک من فوق، وظلال البحر: أمواجه، لأنّها تُرْفَع فتظل السفینه ومن فیها، والمظله: بیوت الأخبیه، وکل ما أکنّک قد أظلّک. وقوله: فتظل السفینه أی تسترها، لا أنّها تفیئها.
وفی الروایات ما یشهد على ذلک، حیث استعمل فی الاستتار عن المطر، ففی روایه علی بن محمد القاسانی قال: کتبت إلیه عن المحرم هل یظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر أو کان مریضاً أم لا.( [۲۸۸])
و سیوافیک نقل هذه الروایات فی الطائفه الرابعه، فتفسیر هذا النوع من الاستعمال، عن طریق القول بالمجاز غیر تام، بشهاده عدم الحاجه إلى العنایه ولحاظ العلاقه فیه، فالاستدلال بهذه الطائفه على اختصاص الحرمه بالاستظلال عن الشمس، مشکل بعد تنوّع الاستعمال.
الثانیه: الأمر بالاضحاء أو التعرض بالضحى
قد وردت روایات تعرب عن أنّ الواجب على المحرم هو التعرّض للشمس وانّه بنفسه مطلوب، وإلیک ما یدلّ على ذلک من الروایات:
۱٫ صحیح عبد اللّه بن المغیره عن أبی الحسن الأوّل (علیه السلام) فی حدیث، قلت: فإنْ مرضتُ؟ قال: «ظلّل وکفّر ـ ثمّ قال: ـ أما علمت أنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: ما من حاج یضحى ملبّیاً حتّى تغیب الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها».( [289])
فقوله: «ما من حاج یضحى ملبیاً حتّى تغیب الشمس» فإنّ المناط هو التعرّض للشمس والبروز لها، إذ لو کان الممنوع هو مطلق التظلیل ـ ولو شأناً ـ و الرکوب فی کلّ ماله شأنیه التستر، لما کان للتعلیل بلزوم التعرّض للشمس وجه.
۲٫ صحیحه الآخر، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الظلال للمحرم؟ فقال:«إضحَ لمن أحرمت له». قلت: إنّی محرور وإنّ الحرّ یشتد علیّ؟ فقال:«أما علمت أنّ الشمس تغرب بذنوب المحرمین (المجرمین خ ل)».( [290])
قال ابن الأثیر فی «النهایه»: ضاحت الشمس أی برزت، ومنه حدیث «ابن عمر» عندما رأى محرماً قد استظلّ فقال: إضحَ لمن أحرمت له: أی اظهر واعتزل الکِنَّ والظلَ.( [۲۹۱])
والروایه بصدرها، أعنی قوله: «إضحَ لمن أحرمت له» وذیلها، دلیل على أنّ الواجب هو البروز للشمس، ولذلک نُهی عن الاستظلال لأجل فواته عنده.
۳٫ روایه عثمان بن عیسى الکلابی قال: قلت لأبی الحسن الأوّل (علیه السلام) : إنّ علی بن شهاب یشکو رأسه و البرد الشدید ویرید أن یحرم؟ فقال:«إن کان کما زعم فلیظلّل، وأمّا أنت فاضحَ لمن أحرمت له».( [292])
فقوله: «وأمّا أنت فاضح لمن أحرمت له» دلیل على أنّ المطلوب هو الإضحاء و التعرّض للشمس، وأنّ المراد من قوله (علیه السلام) : «فلیظلل» هو التظلیل فی النهار (وان کان لغایه دفع البرد الشدید) لا مطلق التظلیل ولو فی اللیل لتلک الغایه ، وإلاّ لبطلت المقابله بین الراوی وعلی بن شهاب، فإنّ المتبادر هو أنّ الوقت الذی یجب علیه الإضحاء، یجوز له فیه التظلیل، وبما أنّ الأوّل محدّد بالنهار فیکون التالی کذلک، فیدلّ الجمیع على أنّ المطلوب هو الإضحاء، والممنوع هو الاستتار عن الشمس، وفی الوقت نفسه أُجیز ذلک للمریض.
۴٫ صحیح سعد بن سعد الأشعری عن أبی الحسن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن المحرم یظلل على نفسه؟ فقال:«أمِنْ علّه؟» فقلت: یؤذیه حرّ الشمس وهو محرم. فقال:«هی علّه، یظلل ویفدی».( [293])
فالروایه تدلّ على أنّ الواجب هو الظهور للشمس وعدم الاستتار عنها. وبما أنّ حرّ الشمس کان یؤذی مَن به علّه، أمر الإمام بالتظلیل أی الاستتار عن الشمس بشیء. فالمحور منعاً هو الشمس وضوؤها وحرارتها، وجوازاً استتارها، فیجوز التستر فی الیوم الغائم، لولا الإجماع على خلافه.
۵٫ روایه المعلّى بن خنیس، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال:«لا یستتر المحرم من الشمس بثوب، ولا بأس بأن یستتر بعضه ببعض».( [294])
۶٫ روایه معاویه بن عمّار عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال:«لا بأس بأن یضع المحرم ذراعه على وجهه من حرّ الشمس، ولا بأس أن یستر بعض جسده ببعض».( [295])
والروایتان ظاهرتان فی أنّ الموضوع هو لزوم البروز للشمس، فإذا برز للشمس فلا بأس بأن یستر بعض جسده ببعض.
۷٫ روایه عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (علیه السلام) یقول لأبی وشکا إلیه حرّ الشمس وهو محرم وهو یتأذّى به، فقال: ترى أن أستتر بطرف ثوبی؟ فقال: «لا بأس بذلک».( [296])
إلى غیر ذلک من الروایات الدالّه على أنّ الغایه من المنع عن الستر هی فوت الضحاء والبروز للشمس، فتدلّ على حرمه الستر عند وجود الشمس لمنافاه الستر عندئذ مع الضحاء، وأمّا الستر فی اللیل فالضحاء منتف لکن بانتفاء موضوعه.
هذه الروایات تؤیّد الوجه الأوّل (فعلّیه الاستظلال لا شأنّیته، وإنّ المحظور فوت الضحاء لا الستر عن السماء)،وعلى ضوء ذلک یجب البروز للشمس نهاراً ویجوز السفر بالسیارات غیر المکشوفه لیلاً، بل ـ لولا الإجماع ـ فی النهار الغائم أیضاً.
ومع ذلک کلّه فالاعتماد على هذه الطائفه فی تجویز الاستظلال باللیل مشکل، إذ الاستدلال مبنیّ على أنّ البروز إلى الشمس هو الغایه الوحیده من النهی عن الاستظلال، إذ لا مانع من أن تکون هناک غایه أُخرى لا تختص بالنهار وهی التعرض للحوادث الجویّه من المطر و البرد، والعجاج وغیرها. والجامع بین الغایات، هو عدم التستر مطلقاً، لیکون معرضاً لکلّ ما یطرأ علیه من حرّ الشمس وبرد الجوّ وعجاج الریاح وامطار السماء، والتعرض لخصوص الشمس لکونه مورداً للسؤال، فتدبّر.
إلى هنا تمّ إیراد ما یمکن به الاستدلال على اختصاص حرمه الاستظلال بالنهار وعدم عمومها للّیل، بل النهار الغائم. وإلیک ما یمکن أن یکون دلیلاً لسعه الحرمه وعمومها لعامّه الأحوال.
الثالثه: استثناء المریض و من به علّه
وردت روایات تدلّ على جواز التستر للمریض ومن به علّه، نظیر:
۱٫ عن إسحاق بن عمّار، عن أبی الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن المحرم یظلّل علیه وهو محرم؟
قال: «لا، إلاّ مریض أو من به علّه والّذی لا یطیق الشمس».( [297])
۲٫ عن محمد بن منصور، عنه (علیه السلام) قال:سألته عن الظلال للمحرم؟ فقال: «لا یظلّل إلاّ من علّه أو مرض».( [298])
وجه الاستدلال على عمومیه حرمه التستر، هو إنّه قد استثنی فیها طوائف ثلاث:
۱٫ المریض.
۲٫ من به علّه.
۳٫ من تؤذیه الشمس.
والترخیص للطائفه الثالثه وإن کان یختص بالنهار، لکنّه فی الطائفتین الأُولیین یعمّ اللیل أیضاً فیجوز لهما التستر مطلقاً. وإطلاق المستثنى دلیل على إطلاق المستثنى منه، وانّ الموضوع مطلق التستر مادام محرماً لیلاً ونهاراً استثنی منه ما استثنی .
یلاحظ علیه: أنّ إطلاق المستثنى فرع ثبوت الإطلاق فی المستثنى منه، إذ من المحتمل أن تکون حرمه التستر مختصّه بالنهار ویستثنى منها الطوائف الثلاث فی ذلک الظرف، وأمّا التستر فی اللیل، فلم یکن داخلاً فی المستثنى منه حتّى یحتاج إلى الاستثناء، وجواز التستر فیه من باب الحلیّه الذاتیه، لا الاستثناء من الحرمه.
الرابعه: النهی عن رکوب القبه
وهذه الروایات بظاهرها و إطلاقها تؤید الوجه الثانی من أنّ المحظور هو الاستظلال الأعمّ من الفعلیه والشأنیه، وکأنّ الملاک هو المستوریه عن السماء، نظیر:
أ. روایه محمد بن مسلم، عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن المحرم یرکب القبه؟ فقال:«لا» قلت: فالمرأه المحرمه؟ قال: «نعم».( [299])
ب. روایه الحلبی قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن المُحرم یرکب فی القبه؟ قال: «ما یعجبنی إلاّ أن یکون مریضاً» قلت: فالنساء؟ قال:«نعم».( [300])
ج. روایه الحلبی قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن المحرم یرکب فی القبه؟ قال: «ما یعجبنی ذلک، إلاّ أن یکون مریضاً».( [301])
والتعبیر «ما یعجبنی» لأجل رعایه حال المخالف، لأنّ الجواز هو المشهور بین السنّه، ولذلک عبّر الإمام (علیه السلام) بقوله:«ما یعجبنی»، وإلاّ فالحکم الواقعی عنده هو الحرمه.
د. روایه هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن المحرم یرکب فی الکنیسه؟ فقال (علیه السلام) :«لا، وهو للنساء جائز».( [302])
الروایات الثلاث الأُولى تمنع عن رکوب القُبّه والرابعه عن رکوب الکنیسه، وهی کما مرّ سابقاً ـ شیء یغرز فی المحمل أو الرحل و یلقى علیه ثوب یستظل به الراکب ویستتر ـ فهی بظاهرها دالّه على أنّ الممنوع هو المستوریه لا فوات الضحى.
ومع ذلک فیها احتمالان:
۱٫ أنّ الملاک لمنع رکوب القبه، هو فوت الضحاء، وانّ إطلاقات الروایات راجعه إلى هذه الصوره.
۲٫ أنّ الملاک المانع هو الستر وأنّ المنع عن رکوبها هو فوت الستر، وأنّ الأمر بالضحاء لأجل الابتعادعن الستر، کما هو ظاهر روایه هشام (الروایه الرابعه).
وحصیله الکلام: أنّه یجب إرجاع أحد الملاکین إلى الآخر. أمّا الأخذ بملاک الاضحاء وإرجاع النهی عن رکوب القبه ـ لکونه مفوّتاً له ـ إلیه ، وأمّا الأخذ بإطلاق حرمه رکوب القبه، وانّ الملاک هو التستر عن السماء وأنّ الأمر بالاضحاء لأجل الابتعاد عن التستر، ولا یحتمل أن یکون فی المقام عنوانان مستقلان خلافاً لبعض الأساطین على ما فی تقریرات بحثه حیث احتمل أنّ المحرم عنوانان مستقلاّن.
أحدهما: الاستتار من الشمس بإیجاد ما یظلّل به.
ثانیهما: التظلیل بالقبه والهودج والکنیسه وما یضاهیها فی اللیل والنهار الغائم، وبین العنوانین عموم من وجه یجتمعان فیما إذا رکب القبه مع شروق الشمس، ویصدق الأوّل دون الثانی فیما إذا استتر بالثوب أو الشمسیه فی النهار المشرق، وبالعکس فیما إذا رکب القبه فی اللیل وفی الیوم الغائم.( [۳۰۳])
وجهه: أنّه خلاف ما فهمه المشهور من الروایات من وحده الملاک، ولا محیص من إرجاع أحدهما إلى الآخر .
ویمکن أن یقال بإرجاع هذه الطائفه (رکوب القبه)، إلى الملاک الأوّل، وانّ المنع عن رکوبها لأجل کونه مفوّتاً للضحاء، وذلک للوجه التالی.
إنّ الأخذ بالإطلاق فرع أن یکون المتعارف هو سیر القوافل لیلاً ونهاراً، وعندئذ یصحّ التمسّک بإطلاق هذه الروایات.
وأمّا لو کان الرائج فی الأزمنه السابقه هو السیر نهاراً، فیکون القدر المتیقّن هو المنع عن رکوب المحامل والکنائس فی النهار. والّذی یدلّ على أنّ الرائج هو سیر القوافل فی النهار دون اللیل، أُمور:
أ. فقد الطرق المعبّده فی تلک العصور، فلأجل التحرّز عن الضلال فی الصحاری، کانوا یسیرون فی النهار دون اللیل، إلاّ شیئاً یسیراً أحیاناً فی أوّل اللیل أو آخره قریباً من الفجر.
ب. التجنّب عن السباع والضواری لاختفائهن فی أکنانهنّ فی النهار دون اللیل.
ج. الروایات الوارده فی أبواب صلاه المسافر فی مقدار السفر، نذکر منها ما یلی:
۱٫ روى الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) أنّه سمعه یقول:«إنّما وجب التقصیر فی ثمانیه فراسخ لا أقلّ من ذلک ولا أکثر، لأنّ ثمانیه فراسخ مسیره یوم للعامّه والقوافل والأثقال، فوجب التقصیر فی مسیره یوم».( [304])
۲٫ روى الصدوق:«وقد سافر رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) إلى ذی خشب، وهو مسیره یوم من المدینه یکون إلیها بریدان».( [305])
۳٫ وعن سماعه قال: سألته عن المسافر فی کم یقصر الصلاه؟ فقال:«فی مسیره یوم، وذلک بریدان وهما ثمانیه فراسخ».( [306])
۴٫ روى أبو بصیر قال: قلت لأبی عبد اللّه (علیه السلام) : فی کم یقصّر الرجل؟ قال:«فی بیاض یوم أو بریدین».( [307])
إلى غیر ذلک من الروایات، وحمل الیوم فیها على الیوم واللیله خلاف الظاهر، وخلاف صریح لقوله (علیه السلام) : «بیاض یوم».
وعلى ضوء ذلک یشکل التمسّک بإطلاق ما ورد من النهی عن رکوب القبه والکنیسه للقول بحرمه رکوبهما فی اللیل. وکأنّ السیره المستمره فی تلک الأعصار قرینه حالیّه تمنع عن انعقاد الإطلاق فیما دلّ على المنع من رکوب القبّه، هذا و للنظر فیما ذکر مجال:
أوّلاً: أنّ تخصیص سیر القوافل بالنهار، وإقامتهم باللّیل خلاف ما یظهر من الذکر الحکیم حیث إنّه سبحانه یخبر بأنّ السائرین فی اللیل یهتدون بالنجوم فی البرّ والبحر، قال سبحانه: ( وَهُوَ الّذی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فی ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر ) ( [۳۰۸]) ، ولولا وجود السیر فی اللیل فی الجزیره العربیّه وغیرها، لما أخبر سبحانه عن استهداء القوم بالنجوم لیلاً.
وثانیاً: ولو صحّ ما ذکر فإنّما یصحّ فی الطرق البعیده والمسافات غیر المعبّده، إذ کانت القوافل تسیر فی النهار وتقیم فی اللیل، وأمّا فی الطرق القصیره والمسافات القریبه، ـ کما هو الحال فی أکثر المواقیت بالنسبه إلى الحرم المکی ـ فاللیل والنهار فیها سواء بالنسبه إلى القوافل، وقد مرّ فی الجزء الثانی من کتابنا الحج فی الشریعه الإسلامیه الغرّاء عند البحث عن المواقیت أنّ الفاصل المکانی بین الحرم وقرن المنازل، هو ۷۵ کیلومتراً، وبینه و بین یلملم ۱۰۰کیلومتر، وبینه و بین الجحفه ۸۷کیلومتراً، وقریب منه بینه وبین ذات عِرْق، فقله المسافه من جانب، و تردد القوافل بینها عبر السنه من جانب آخر صارا سبباً لصیروره الطریق معبّداً، واضح المعالم، بعیداً عن الضواری و السباع فیحلو السفر فی اللیل کالنهار.
وأمّا الروایات فهی محموله على المسافات البعیده، والطرق الوعره، أو على أنّ تحدید المسافه ببیاض یوم أوضح وأبین من تحدده باللیل.
وثالثاً: ولو سلّمنا سیر القوافل بالنهار فلا محیص من السیر باللیل عند الإفاضه من عرفات إلى المشعر، فإنّ السیر کلّه یتحقّق باللیل، فیکون إطلاق النهی عن رکوب القبه شاملاً لهذه الحاله بلا إشکال، ومع عدم القول بالفصل بینه و بین السیر من المیقات یتم القول بحرمه الاستظلال لیلاً.
والحاصل: أنّ هذه الطائفه من الروایات أصحّ ما یمکن به الاستدلال على سعه الحظر وعمومه للیل والنهار، وإنکار إطلاقها مع أنّ الافاضه من عرفات إلى المشعر تتحقق باللیل، لا وجه له.
الخامسه: ما تنهى عن التستر عن المطر
وهذه الطائفه بظاهرها تدلّ على أنّ الواجب هو عدم التستر عن السماء; لحرمه التستر عن المطر، فی عرض حرمه التستر عن الشمس، وذلک کالروایات التالیه:
۱٫ روایه علی بن محمد (القاسانی المعروف) قال: کتبت إلیه عن المحرم هل یظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر أو کان مریضاً أم لا؟ فإن ظلّل هل یجب علیه الفداء؟ فکتب (علیه السلام) :«یظلل على نفسه ویهریق دماً إن شاء اللّه».( [309])
۲٫ روایه محمد بن إسماعیل قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس؟ فقال: «أرى أن یفدیه بشاه ویذبحها بمنى».( [310])
۳٫ روایه إبراهیم بن أبی محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام) : المحرم یظلّل على محمله ویفدی إذا کانت الشمس والمطر یضرّان به؟ قال: «نعم». قلت: کم الفداء؟ قال (علیه السلام) : «شاه».( [311])
۴٫ صحیح محمد بن إسماعیل بن بزیع، عن الرضا (علیه السلام) قال: سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس ـ وأنا أسمع ـ؟ فأمره «أن یفدی شاه، ویذبحها بمنى».( [312]) و هو غیر ما مرّ برقم ۲، لأنّ السائل فیما مرّ هو نفس محمد بن إسماعیل، و أمّا المقام فالسائل غیره وهو یسمع.
وهذه الروایات تعرب عن أنّ الغایه من التظلیل هو النهی عن التستر عن الشمس وبعض الطوارئ الجویّه کالمطر.
فإذا کان الواجب هو التعرّض للمطر فلا فرق بین النهار واللیل، فلو کان اللیل ممطراً یحرم الاستظلال بأیّ شیء حصل، سواء أکان بالمحمل أو السیاره أو الطائره.
والنسبه بین نزول المطر ووجود الشمس فی السماء هی نسبه العموم والخصوص من وجه، فربما یکون مطر ولا شمس، کاللیل الممطر، وربّما یکون شمس ولا مطر، کالنهار الصحو، وربّما یجتمعان وعندئذ وجه لإرجاع حرمه التستر إلى المطر إلى خصوص النهار.
۵٫ ویؤیّد استقلال المطر فی المانعیه ما رواه فی «الاحتجاج» عن محمد بن عبداللّه بن جعفر الحمیری أنّه سأل صاحب الزمان (عجل اللّه فرجه الشریف) عن المحرم یستظل من المطر بنطع أو غیره حذراً على ثیابه وما فی محمله أن یبتلّ فهل یجوز ذلک؟ فوافاه الجواب:«إذا فعل ذلک فی المحمل فی طریقه فعلیه دم» .( [313])
هذا فلو أغمضنا عن الإطلاق الموجود فی الروایات الناهیه عن رکوب القبه یمکن أن یقال المحظور هو الأمران على وجه القضیه المانعه الخلو وهما:
۱٫ الشمس.
۲٫ المطر.
فیجوز رکوب السیاره أو الطائره فی اللیل إذا کان الجو هادئاً ولم تکن السماء ممطره، وفی غیر هذه الصور یحرم ذلک فلو رکب فعلیه الکفّاره.
ولو رکب السیاره ولکنّه واجه فی أثناء سفره المطر، فیتوقف حتى یتحسن الجو وینقطع المطر، ولیس علیه شیء، لأنّه لیس سائراً بل واقفاً، وعند ذلک یستمرّ فی المسیر. ولکن الإغماض عن إطلاق ما ینهى عن رکوب القبه ممّا لا وجه له.
والحقّ: انّ الطائفتین الأخیرتین من الروایات (أعنی: النهی عن رکوب القبه على وجه الإطلاق والذی یعمّ رکوبها الإفاضه من عرفات إلى المشعر، والنهی عن التستر من المطر الذی ربما یکون عنوانا مشیراً إلى الحالات الجویه من البرد القارص و العواصف الترابیّه) ممّا یصدان الفقیه عن الإفتاء بجواز الاستظلال فی اللیل من دون ضروره.
وما ربما یقال من التستر بالقبه وأمثالها فی الأسفار کان للتوقّی عن حراره الشمس، وأمّا فی اللیل فکانت السیره على رفع الستر، لترویح النفس والتعرض للجو المفتوح، فغیر تام، لأنّ الجو فی اللیل حتى فی فصل الصیف فی تلک المناطق الحاره ربّما یکون بارداً مزعجاً جداً، وربّما یکون مرفقاً بالعجاج، وقد جربناه فی أسفارنا فیحتاج إلى التستر بشیء.
فالإنصاف أنّ الإفتاء بجواز الستر لیلاً، أمر مشکل، والأحوط هو عدم رکوب السیارات غیر المکشوفه إلاّ عند الضروره کما هو الحال فی هذه الأعصار، مع أنّ رکوب السیارات المکشوفه محاط بالأخطار، لقدمها وعدم استعمالها إلاّ فی موسم الحج الذی یجعلها غیر صالحه، وربّما یؤدی رکوبها إلى عواقب غیر حمیده.
[۲۸۰] . الدروس:۱/ ۳۷۸٫
[۲۸۱] . مقاییس اللغه: ۳ / ۴۶۱، ماده « ظل » .
[۲۸۲] . الفرقان: ۴۵٫ ۳ . القصص: ۲۴٫
[۲۸۳] . الإنسان: ۱۴٫
[۲۸۴] . الشعراء: ۷۱٫ ۲ . مجمع البیان:۳/ ۱۹۶٫
[۲۸۵] . الشورى: ۳۳٫
[۲۸۶] . مجمع البیان:۵/ ۳۲٫
[۲۸۷] . الأعراف: ۱۷۱٫
[۲۸۸] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیه کفّارات الإحرام، الحدیث ۱٫
[۲۸۹] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۳٫
[۲۹۰] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۱۱٫
[۲۹۱] . النهایه:۳/ ۷۷٫
[۲۹۲] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۱۳٫
[۲۹۳] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیّه کفّارات الإحرام، الحدیث ۴٫
[۲۹۴] . الوسائل:۹، الباب۶۷ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۲٫
[۲۹۵] . الوسائل:۹، الباب۶۷ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۳٫
[۲۹۶] . الوسائل:۹، الباب۶۷ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۴٫
[۲۹۷] . الوسائل:۹، الباب۶۷ من أبواب تروک الإحرام ، الحدیث ۷٫
[۲۹۸] . الوسائل:۹، الباب۶۴، من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۸٫
[۲۹۹] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۱٫
[۳۰۰] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۲٫
[۳۰۱] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۵٫
[۳۰۲] . الوسائل:۹، الباب۶۴ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۴٫
[۳۰۳] . کتاب الحج:۲/ ۵۳۹٫
[۳۰۴] . الوسائل:۵، الباب۱ من أبواب صلاه المسافر ، الحدیث ۱٫
[۳۰۵] . الوسائل:۵، الباب۱ من أبواب صلاه المسافر ، الحدیث ۴٫
[۳۰۶] . الوسائل:۵، الباب۱ من أبواب صلاه المسافر ، الحدیث ۸٫
[۳۰۷] . الوسائل:۵، الباب۱ من أبواب صلاه المسافر ، الحدیث ۱۱٫
[۳۰۸] . الأنعام: ۹۷٫
[۳۰۹] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیه کفّارات الإحرام ، الحدیث ۱٫
[۳۱۰] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیه کفّارات الإحرام ، الحدیث ۳٫
[۳۱۱] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیه کفّارات الإحرام ، الحدیث ۵٫
[۳۱۲] . الوسائل:۹، الباب۶ من أبواب بقیه کفّارات الإحرام ، الحدیث ۶٫
[۳۱۳] . الوسائل:۹، الباب۶۷ من أبواب تروک الإحرام، الحدیث ۷٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.