عناصر الوحده الإسلامیه وموانعها
الوحده الإسلامیه أمنیه یتمنّاها کلّ مخلص له أدنى إلمام بالأوضاع المحدقه بالإسلام والمسلمین ولا یشکّ فی أنّ المسلمین فی أمسَّ الحاجه إلى الوحده وتقریب الخطى، لأنّ فیه عزّ الإسلام ورفع شوکه المسلمین وتقویه أواصر الاخوّه بینهم، وانّ فی التفرقه اضمحلال الإسلام وتشتت شمل المسلمین وتکتلهم إلى فرق وطوائف متناحره.
وقد حثّ سبحانه على الوحده بقوله: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْکُرُوا نِعْمَه اللّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) ( [۶۹۴]).
ویقول أیضاً: ( وَأَنَّ هذا صِراطِی مُسْتَقیماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذلِکُمْ وَصّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُون ) ( [۶۹۵]).
وفی الوقت نفسه یذم التفرقه ویشجبها ویقول: ( إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَکانُوا شِیَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فی شَیْء ) ( [۶۹۶]). ویقول سبحانه: ( وَلا تَکُونُوا مِنَ الْمُشْرِکینَ* مِنَ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَکانُوا شِیَعاً ) ( [۶۹۷]) .
انّه سبحانه یعدُّ التفرقه والتشتت من أنواع البلایا والمحن التی تجابه الأُمم ویقول: ( قُلْ هُوَ القادِرُ عَلى أَنْ یَبْعَثَ عَلَیْکُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِکُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلکُمْ أَوْ یَلْبِسَکُمْ شِیَعاً وَیُذیقَ بَعْضکُمْ بَأْسَ بَعْض أُنْظُر کَیْفَ نُصَرِّفُ الآیاتِ لَعلَّهُمْ یَفْقَهُونَ ) ( [۶۹۸]).
فانطلاقاً من وحی تلک الآیات تجب على کلّ مسلم واع، الدعوهُ إلى توحید الکلمه للحیلوله دون التشتّت والتفرّق.
إنّ الوضع الراهن للأُمّه الإسلامیه یبعث على القلق، واستمرار هذا الوضع یجعلهم ضحیّه للخطط الاستعماریه التی تستهدف الإجهاز على المسلمین واستئصال شأفتهم.
إلاّ أنّ الذی یبعث النشاط فی قلوبنا ویزیدنا أملاً بالغد المشرق هی الآیات الداله على أنّ المستقبل للصالحین من عباده، قال سبحانه: ( انَّ الأَرْضَ یَرِثُها عِبادیَ الصّالِحُونَ ) ( [۶۹۹]). وقال سبحانه: ( وَنُریدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْض وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّهً وَنَجْعَلهُمْ الوارِثین ) ( [۷۰۰]).
هذه سنّه اللّه تبارک وتعالى لکنّها رهن شروط وخصوصیات کفیله بتحقیق ذلک الوعد.
انّه سبحانه یصف المسلمین بأنّـهم أُمّه واحده ویقول: ( إِنَّ هذِهِ أُمَّتکُمْ أُمَّهً واحِدَه وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُون ) ( [۷۰۱]). والأُمّه مشتق من أمَ مَ والماده تحکی عن القصد والهدف والقیاده والزعامه، وعلى ضوء ذلک فلا یکون المسلمون أُمّه حتى یکون لهم هدف ومقصد أسنى وقیاده وزعامه حکیمه، فالأُمّه الواحده لها ربّ واحد وکتاب واحد وشریعه واحده وقیاده وهدف واحد. وهو نیل السعاده الدنیویه والأُخرویه.
وثمه سؤال یطرح نفسه، ما هی العناصر الکفیله لتحقیق الوحده إذ تحققها مع وجود التفرقه والاختلاف أمر متعذر.
هذه العناصر تکمن فی التوحید فی العقیده والشریعه لا فی الوطن ولا فی الجنس ولا فی اللون ولا فی اللغه ولا فی الطائفیه ولا فی القومیه، والإسلام قد شطب بخط عریض على تلک الأفکار، ولم یعر لها أهمیه تذکر بل حذّر المسلمین من الانخراط تحت لوائها والانجراف معها ، قال سبحانه: ( یا أَیُّهَا النّاس إِنّا خَلَقْناکُمْ مِنْ ذَکَر وَأُنْثى وَجَعَلْناکُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاکُمْ إِنَّ اللّهَ عَلیمٌ خَبیر ) ( [۷۰۲]) .
وقال الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) : «إنّ العربیه لیست بأب والد ولکنّها لسان ناطق، فمن قصر به عمله لم یبلغه حسبه» ( [703]) فعلى ذلک یجب الإلماع إلى العناصر التی تکمن فیها الوحده وتبتنی علیها أواصر الاخوه.
فالعناصر العقائدیه هی:
۱٫ التوحید ومراتبه
التوحید ـ بمعنى الاعتقاد بوجود إله واحد لا شریک له، له الأسماء الحسنى والصفات العلیا، عالم قادر، حی لا یموت، إلى غیر ذلک من صفات الجمال والجلال، ولیس فی صحیفه الوجود خالق، مدبّر ومعبود، سواه ـ من العناصر البنّاءه للوحده.
وقد تثار بحوث کلامیه حول صفاته تبارک وتعالى، لکنّها بحوث لا تمت إلى صمیم الإسلام بصله.
فهل صفاته سبحانه عین ذاته أو زائده علیها، فلکلّ من الرأیین دلیله ومنطقه إلاّ انّ هذه البحوث ـ مع تثمین جهود باحثیها ـ یجب أن لا تثیر الریبه فی غرضنا الذی نرمی إلیه ألا وهو الوحده الإسلامیه الکبرى.
لا أنسى وأنتم أیضاً لا تنسون انّ مسأله خلق القرآن وحدوثه أو قدمه قد شغلت بال المسلمین أیّام الخلافه العباسیّه سنین طوال، وقد شقّ عصا الوحده وشتّتهم إلى طوائف وأُریقت دماء ونهبت أموال وما ذلک إلاّ لأنّ طائفه منهم کانوا یقولون بقدم القرآن والطائفه الأُخرى بحدوثه مع أنّها بحوث کلامیه لاتمت إلى صمیم الإسلام بصله، فالبحث و الحوار العلمی والانصیاع للدلیل شیء، وکون هذا الاختلاف یثیر کامن العداء والشقاق ویصبح ـ لاسمح اللّه ـ هدفاً لسهام اللوم والتکفیر شیء آخر ، فلنفسح المجال للبحث العلمی دون أن یمسّ بالوحده الإسلامیه الکبرى.
۲٫ النبوه العامه والخاصه
إنّ من عناصر الوحده الإیمان بأنّه سبحانه تبارک و تعالى بعث أنبیاءً ورسلاً لترسیخ التوحید بین الناس وشجب أیّ عباده سواه.
قال سبحانه: ( وَلَقَدْبَعَثْنا فی کُلِّ أُمَّه رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت ) ( [۷۰۴]) . وهذه هی العقیده المشترکه بین الأُمّه الإسلامیه جمیعاً، کما انّ الإیمان بخاتمیه الرسول و انّه لا نبی ولا رسول بعده من صمیم العقیده الإسلامیه، ومن أنکر الخاتمیه وادعى استمرار الوحی بعد النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أو إمکان ظهور نبی جدید مع شریعه جدیده ، فقد خرج عن ربقه الإسلام، لأنّ ذلک متعارض مع العقیده الإسلامیه قال سبحانه: ( ما کانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجالِکُمْ وَلکِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِیینَ وَکانَ اللّهُ بِکُلِّ شَیْء عَلِیماً ) ( [۷۰۵]).
۳٫ الإیمان بالمعاد
الإیمان بالمعاد وانّ الدنیا قنطره الآخره، ولیس الموت بمعنى فناء الإنسان من العقائد المشترکه بین المسلمین ویعدُّ أصلاً من الأُصول التی جاء بها الأنبیاء قاطبه، ولولاه لما قام للدین عمود، ولذلک نجد انّ القرآن یعطف الإیمان بالمعاد، على الإیمان بالتوحید، ویقول: ( مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالیَومِ الآخر وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ )( [۷۰۶]) وفی آیه أُخرى: ( إِنْ کُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالیَومِ الآخر ذلکَ خَیرٌ ) ( [۷۰۷]) .
فهذه الأُصول الثلاثه، تشکِّل حجر الزاویه للعقیده الإسلامیه، ویدور علیها رحى الإیمان والکفر ، وقد صبّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) اهتمامه على هذه الأُصول وجعلها حداً فاصلاً بین الإیمان والکفر، فمن آمن بها فقد دخل فی زمره المسلمین ومن أنکر واحداً منها فقد خرج عن ربقه الإسلام، وها نحن نذکر بعض ما روى عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی هذا المضمار لتُعلم من خلالها العناصر الکفیله بتحقیق الأُخوه الإسلامیه. روى البخاری عن عمر بن الخطاب: انّ علیّاً صرخ ، یا رسول اللّه: على ماذا أُقاتل، فقال (صلى الله علیه وآله وسلم) : قاتلهم حتى یشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، فإذا فعلوا ذلک فقد منعوا منک دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه. ( [۷۰۸])
روى الإمام الشافعی عن أبی هریره، انّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: لا أزال أُقاتل الناس حتى یقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا، فقد عصموا منی دماءهم وأموالهم إلاّبحقها وحسابهم علیهم. ( [۷۰۹])
وروى الإمام الرضا (علیه السلام) وهو أحد أئمّه أهل البیت عن آبائه عن علی (علیه السلام) ، قال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) : أُمرت أن أُقاتل الناس حتى یقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا حرمت علیّ دماؤهم وأموالهم. ( [۷۱۰])
وحده الشریعه
إذا کانت العقیده بعناصرها الثلاثه هی الرکیزه الأُولى للوحده، فوحده الشریعه عامل آخر لجمع شمل المسلمین وتوحید کلمتهم وصفوفهم.
فالمسلمون عامه فی مجال العباده یقیمون شعائرهم الدینیه من صلاه وصوم وزکاه وحج وجهاد، فلا تجد مسلماً ینکر واحداً من تلک الأُمور.
نعم بین المذاهب الفقهیه اختلاف فی جزئیات المسائل ولکنّها شروط وآداب لا تمسُّ بجوهر الإسلام، فالمسلم من یؤمن بالشریعه التی جاء بها النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ویقیمها حسب الفقه الذی یقلده، واختلاف العلماء لا یمس جوهر الشریعه لانّه اختلاف سطحی فی جزئیاتها وخصوصیاتها. فکما انّ العبادات جزء من الشریعه فالمعاملات بمعناها الأخص أو الأعم جزء من الشریعه أیضاً فالبیع والاجاره والوکاله، والمضاربه والمساقاه والمزارعه معاملات بالمعنى الأخص، کما انّ النکاح والطلاق والوصایا ونظائرها معاملات بالمعنى الأعم، فالمسلمون متحدون فی هذا المجال من الشریعه یبیحون ما أباحت الشریعه ویحرمون ما حرّمت الشریعه.
وعلى ضوء ذلک فالشریعه هی الرکیزه الثانیه للوحده، واختلاف الفقهاء فیها لا یخل بها.
وحده القیاده
إنّ التوحید فی القیاده هی الرکیزه الثالثه لوحده الأُمم، فالجمیع یؤمن بأنّ القیاده للّه سبحانه ولرسوله ولأُولی الأمر مستلهمین من قوله سبحانه: ( أَطِیعُوا اللّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُول وَأُولی الأَمْرِ مِنْکُمْ ) ( [۷۱۱]).
فالقیاده الإسلامیه لیست قیاده سیاسیه بحته، بل قیاده دینیه تقود المجتمع إلى السعاده والرفاه تحت ظل تعالیم الإسلام، وحیث إنّ إطاعه أُولی الأمر جاءت مباشره بعد إطاعه الرسول فی الآیه فیلزم أن تکون طاعتهم شبه إطاعه الرسول فی علمهم وسیاستهم وتقواهم، ولأجل ذلک یجب أن یتوفر فیهم شروط کثیره تخوّل لهم صلاحیه الزعامه.
وحده الهدف
تقع على عاتق الأُمّه الإسلامیه مسؤولیه خاصه وهی سوق المجتمع نحو المثُل الأخلاقیه والمکارم الإنسانیه ، قال سبحانه: ( کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّه أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْکَر وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) ( [۷۱۲]) .
فالطوائف الإسلامیه برمتها لها رؤیه مشترکه فی الهدف الذی جاء به الإسلام ودعا إلیه.
والهدف هو سیاده الدین فی الأرض لتکون السیاده للّه وحده ویکون الدین ظاهراً على سائر الأدیان، قال سبحانه: ( هُوَ الّذی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِینِ الحَقّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلّهِ وَلَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ ) ( [۷۱۳]) .
هذه الوحدات الأربع، أی: وحده العقیده، وحده الشریعه، وحده القیاده، ووحده الهدف إذا تمسک المسلمون بأهدابها تعود إلیهم السعاده المسلوبه والکرامه المنشوده . قال رسول الإسلام (صلى الله علیه وآله وسلم) : «إنّما مثل المسلمین کالرجل الواحد إذا وجع منه شیء تداعى له سائر جسده». ( [714])
تکفیر أهل القبله
إنّ تکفیر أهل القبله ما لم یُنکر أحد منهم شیئاً من تلک الأُصول الثلاثه ممّا لم یجوزه أحد من أئمه المسلمین.
قال ابن حزم نقلاً عن أبی حنیفه والشافعی وسفیان الثوری: إنّه لا یُکفَّر ولا یُفسَّق مسلم. ( [۷۱۵])
وقال السرخسی: لما حضرت الشیخ أبا الحسن الأشعری الوفاه بداری ببغداد أمرنی بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا علیّ إنّی لا أکفر أحداً من أهل القبله بذنب لأنّی رأیتهم کلّهم یشیرون إلى معبود واحد والإسلام یشملهم ویعمَّهم. ( [۷۱۶])
ولقد أحسن الإمام الأشعری حیث أسمى کتابه بمقالات الإسلامیین واختلاف المصلین فأضفى على جمیع الطوائف لفظ الإسلامیین وجعل اختلافهم اختلافَ أهل القبله کما یشعر بذلک قوله اختلاف المصلین.
وقال القاضی الإیجی: جمهور المتکلمین والفقهاء على انّه لا یکفَّر أحد من أهل القبله، واستدل على مختاره بقوله: إنّ المسائل التی اختلف فیها أهل القبله من کون اللّه تعالى عالماً یعلم أو موجداً لفعل العبد أو غیر متحیّز ولا فی جهه ونحوها لم یبحث النبی عن اعتقاد من حکم باسلامه فیها ولا الصحابه ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فیها لیس قادحاً فی حقیقه الإسلام. ( [۷۱۷])
إلى غیر ذلک من کلمات لعلمائنا الأبرار تبعاً للسنه النبویه المنکره لتکفیر المسلم.
***
موانع الوحده
قد عرفت عناصر الوحده وما یمکن أن یجمع به شمل المسلمین، ولکن مع ذلک ثمه عوامل أُخرى تُعرقل خطا الوحده، فعلى المعنیّین بوحده المسلمین دراسه عوامل التفرقه لیعالجوها کی لا تکون سداً أمام تلک الأمنیه، وإلیک دراسه هذه العوامل.
۱٫ المذاهب الکلامیه والفقهیه
إنّ المسلمین ینقسمون فی المذاهب الکلامیه إلى طوائف کالأشاعره والمعتزله والماتریدیه والشیعه.
والشیعه تنقسم بدورها إلى زیدیه وإسماعیلیه واثنی عشریه، فکیف یمکن توحید الکلمه مع سیاده هذه المناهج الکلامیه علیهم؟!
والحقّ انّ هذه المذاهب تتراءى فی النظر البدئی سداً منیعاً بوجه الوحده، ولکن بالنظر إلى أواصر الوحده تبدو وکأنّها موانع وهنه لاتصد المسلمین عن التمسک بأهداب الوحده على کافه الأصعده .
أمّا المناهج الکلامیه فجوهر الاختلاف فیها یرجع إلى مسائل کلامیه لا عقائدیه مثلاً انّ الأشاعره والمعتزله یختلفون فی المسائل التالیه:
۱٫ هل صفاته عین ذاته أو زائده علیها؟
۲٫ هل القرآن الکریم قدیم أو حادث؟
۳٫ هل أفعال العباد مخلوقه للّه أو للعباد؟
۴٫ هل یمکن رؤیه اللّه فی الآخره أو هی ممتنعه؟
إلى غیر ذلک من أمثال هذه المسائل، ومع تثمین جهود الطائفتین فالاختلاف فیها اختلاف فی مسائل عقلیه لا یناط بها الإسلام ولا الکفر فالمطلوب من المسلم اعتقاده بکونه سبحانه عالماً وقادراً، وأمّا کیفیه العلم والقدره بالزیاده أو العینیه فلیس من صمیم الإسلام، فلکلّ مجتهد دلیله ومذهبه، کذلک القرآن هو معجزه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وکتابه سبحانه، فلیس الحدوث والقدم من صمیم العقیده وقس على ذلک ما تلوناه علیک من المسائل، حتى أنّ مسأله رؤیه اللّه فی الآخره وإن أصبحت عقیده ضروریه لأجل روایات وردت فی صحیح البخاری ولکنها من ضروریات المذهب الکلامی الخاص لا من ضروریات الإسلام، فهناک فرق بین ضروریات المذهب الأشعری وضروریات الإسلام، فکلّ أشعری یقول بالرؤیه تبعاً لإمامه وهو تبعاً للدلیل الذی قام عنده ولا یقول به کلّ مسلم.
وقس على ذلک سائر الوجوه المفرقه التی ترجع کلّها إلى فروق کلامیه.
وأمّا المناهج الفقهیه فالمشهور هی المذاهب الأربعه مضافاً إلى الزیدیه والجعفریه فهذه المذاهب السته مذاهب فقهیه والاختلاف یرجع إلى الاختلاف فی فهم الآیه والروایه فلو اختلفوا فإنّما یختلفون فی فهم الکتاب والسنّه وهذا إن دلّ على شیء فإنّما یدلّ على اهتمامهم بهما وإمعانهم فی فهمهما والاختلاف أمر طبیعی خصوصاً بعد مضی ۱۴ قرناً من عصر الإسلام.
ولکن اختلافهم فی المناهج الفقهیه لا یمس بصمیم الفقه الإسلامی فهل هناک من یرى صلاه الفجر ثلاث رکعات أو یرى صلاه الظهر والعصر غیر أربع رکعات؟
ولیس الاختلاف ولید الیوم، بل بدأ الاختلاف بعد رحیل رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) فی أبسط المسائل الفقهیه کعدد التکبیرات على المیت إلى أعمقها، فالاختلاف الموروث إنّما هو اختلاف فی فهم النصوص لا فی رفض النصوص وردها.
ولا شکّ انّ الشیعه ترى جواز الجمع بین الصلاتین مع القول بأنّ التفریق هو الأفضل، والسنّه تخص جواز الجمع بالسفر ومواقف خاصه، ولکلّ دلیله، وقد ورد فی الصحاح والمسانید قرابه عشرین روایه بأنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) جمع بین الصلاتین من غیر سفر ولا مطر ولا مرض لیوسّع بذلک الأمر على الأُمّه.
وقس على ذلک سائر الاختلافات الفقهیه حتى الاختلاف فی متعه النکاح، فذهب جمهور السنه إلى النسخ والشیعه إلى بقاء الجواز ، فالاختلاف فیها کالاختلاف فی سائر المسائل الناشئه من الاختلاف فی النسخ وعدمه.
۲٫ الاختلافات القومیه
یتشکل المسلمون من قومیات متعدده من عرب وعجم وترک وبربر إلى غیر ذلک من الشعوب والقبائل ولکن هذا الاختلاف، اختلاف تکوینی لا یصلح لأن یکون مانعاً عن وحده الکلمه وقد عالج سبحانه هذا النوع من الاختلاف وقال: ( یا أَیُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناکُمْ مِنْ ذَکَر وَأُنْثى وَجَعَلْناکُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاکُمْ ) ( [۷۱۸]).
فالاختلاف فی اللون واللسان والدم والوطن وإن کانت عوامل توحد طائفه کبیره لکنّها عوامل عرضیّه لا تمت إلى جوهر الإنسان بصله، وأمّا الإیمان بالأُصول الثلاثه فهو عامل باطنی ذاتی أقوى من جمیع العناصر المتقدمه.
فالمسلم الشرقی إذا تعارف مع المسلم الغربی مع ما بینهما من الهوه السحیقه یتآخیان، لما بینهما من وحده المبدأ والمعاد والقیاده والهدف وأمّا الاخوان من أُمّ وأب واحد إذا کان أحدهما إلهیاً والآخر مادیاً یتناکران.
أظن انّ هذین المانعین لیسا من موانع الوحده وقد عالجها الإسلام بشکل واضح، وإنّما هناک عوامل واقعیه تعرقل مسیر الوحده وهی بحاجه إلى الدراسه والوقوف علیها بنحو مسهب.
۳٫ الجهل بمعتقدات الطوائف:
الحقیقه انّ جهل کلّ طائفه بمعتقدات الطائفه الأُخرى یعد من أهمّ الموانع التی تشکل حاجزاً منیعاً عن الوحده وهذا لیس بالأمر المستسهل، وإلیک هذا المثال: کان لی صدیق فی مکه المکرمه کنت أزوره عند تشرفی إلى زیاره بیت اللّه الحرام وکان یزاول حرفه بیع الأقمشه، سألنی یوماً ما تقولون أنتم معاشر الشیعه فی آخر الصلاه بعد رفع الأیدی إلى الأُذن؟ قلت: یقولون:اللّه أکبر، اللّه أکبر، اللّه أکبر، فعاد یعتذر ویقول: کنت أعتقد انّکم تقولون: خان الأمین، خان الأمین، خان الأمین!!
فإذا کان هذا مبلغ علم المسلم بعقیده أخیه الشیعی فی قبه الإسلام، فما ظنک بمسلم یسود بینهما آلاف الفراسخ؟! وقد سألنی عالم مکی من قضاه مکه المکرمه ومدرسی الحرم عندما نزلت بیته ضیفاً مع أصدقائی، فقال: شیخنا السبحانی!! هل للشیعه تألیف؟ قلت: سبحان اللّه لیست الشیعه طائفه لا تاریخ لها ولا جذور، وإنّما هی طائفه إسلامیه منذ عصر النبی إلى یومنا هذا قد شارکوا المسلمین فی تأسیس الحضاره الإسلامیه العریقه.
ونأتی بمثال ثالث: انّ الشیعه الإمامیه اقتداءً بالنبی وأئمّه أهل البیت لا یسجدون فی الصلاه إلاّ على الأرض أو ما ینبت منها، بشرط أن لا یکون مأکولاً ولا ملبوساً، فبما انّ السجود على الأرض فی المنازل وحتى المساجد المفروشه غیر میسّـره یتخذون أقراصاً من التربه یسجدون علیها، فعند ذلک نرى أنّ بعض إخواننا من السنّه یرمون الشیعه بالسجود للحجر والتراب کسجود عُبّاد الوثن له مع أنّهم لا یفرّقون بین المسجود علیه والمسجود له، فالتراب هو المسجود علیه وأمّا المسجود له هو اللّه سبحانه.
وعلى ذلک فلو وقف فقهاء المذاهب على ما لدى الطوائف الأُخرى من الفقه و الأُصول والاستدلال والاجتهاد لما عاب أحدهم الآخر ، وإنّما الخلاف فی کیفیه الاستدلال وحقیقه البرهان لا فی الأخذ بالبرهان ولو أردنا أن نمثل فی المقام لطال بنا الکلام وطال مقامنا مع الحضار. وهناک نکته أود أن أذکرها هی انّ أکثر من کتب عن الشیعه فإنّما أخذ عن کتّاب لیسوا شیعه کابن خلدون أو من المستشرقین الحاقدین على الإسلام عامه وعلى التشیع خاصه، أمثال جولدزیهر.
فعلى من یرید نسبه شیء إلى أی طائفه من الطوائف الرجوع إلى مصادرهم الأصلیه المؤلفه من قبل علمائهم.
۴٫ الجهل بالمصطلحات
انّ لکلّ طائفه مصطلحات خاصه فی العقیده والشریعه یجب أن تؤخذ مفاهیمها من کتبهم ولیس لنا تفسیره من جانبنا، ولنذکر هنا مثالین.
أ. البداء
البداء عقیده إسلامیه دلّ الکتاب والسنّه علیها، وهی لا تعنی إلاّ تغیّر مصیر الإنسان بالأعمال الصالحه والطالحه، فالإنسان بما انّه مسؤول عن أعماله بیده تغییر مصیره، فیجعل نفسه من السعداء أو من الأشقیاء، وهذا أمر دلّ علیه الکتاب والسنّه. وهذا هو البداء عند الشیعه فقوم یونس بدّلوا مصیرهم السّیئ إلى الحسن بالأعمال الصالحه والإنابه . قال سبحانه: ( فَلَولا کانَتْ قَریَهٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِیمانُها إِلاّ قَوْمَ یُونُسَ لَمّا آمَنُوا کَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْیِ فِی الحَیاهِ الدُّنْیا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِین ) ( [۷۱۹]). فیقال عندئذ «بدا للّه فی قوم یونس» أی ظهر لهم ما خفی علیهم ، لا ظهر له ـ نعوذ باللّه ـ بعد ما خفی علیه، وهذا النوع من الاستعمال المجازی شایع على لسان النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) حتى فی صحیح البخاری فی قضیه الأبرص والأعمى والأقرع. ( [۷۲۰]) ولکن یُفسر عند من لا یعرف عقائد الشیعه بتغیر إراده اللّه سبحانه وتعالى وظهور الشیء له بعد خفائه ومن المعلوم انّ الأُولى عقیده إسلامیه والثانیه عقیده إلحادیه لا یتفوه بها أحد من المسلمین.
ب . التقیه
التقیه من المفاهیم الإسلامیه، وهی سلاح الضعیف أمام القوی، فإذا خاف المسلم على ماله وعرضه ودمه من أیّ إنسان سواء أکان کافراً أو مسلماً وأراد شخص قوی سلب حریاته فلا محیص له إلاّ کتمان عقیدته وقد أمر به سبحانه وقال: ( إِلاّ مَنْ أُکره وَقَلْبهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِیمان ) ( [۷۲۱]) وقد نزلت فی حقّ عمّار بن یاسر حیث أظهر الکفر وأخفى الإیمان وجاء إلى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) باکیاً فقال (صلى الله علیه وآله وسلم) : لا شیء علیک، فنزلت الآیه، ولکنّ التقیه یُفسر عند بعض المخالفین بالنفاق، مع أنّ بین التقیه والنفاق بوناً شاسعاً، فالتقیه إظهار الکفر و إبطان الإیمان، والنفاق على العکس هو إظهار الإسلام وإبطان الکفر.
هذه بعض الموانع الماثله أمام وحده المسلمین وهناک عوامل أُخرى لا مجال للبحث فیها على هذه العجاله.
نسأله سبحانه أن یرزق المسلمین توحید الکلمه
کما رزقهم کلمه التوحید
[۶۹۳] . أُلقیت فی جامعه الا ُردن شهر محرم الحرام عام ۱۴۱۹ هـ ، عند رحله المحاضر إلیها فی ذلک العام.
[۶۹۴] . آل عمران: ۱۰۳٫
[۶۹۵] . الأنعام: ۱۵۳٫
[۶۹۶] . الأنعام: ۱۵۹٫
[۶۹۷] . الروم: ۳۱ ـ ۳۲٫
[۶۹۸] . الأنعام: ۶۵٫
[۶۹۹] . الأنعام: ۱۰۵٫
[۷۰۰] . القصص: ۵٫
[۷۰۱] . الأنبیاء: ۹۲٫
[۷۰۲] . الحجرات: ۳٫
[۷۰۳] . الکافی: ۸/۲۴۶ برقم ۳۴۲٫
[۷۰۴] . النحل: ۳۶٫
[۷۰۵] . الأحزاب: ۴۰٫
[۷۰۶] . ۲٫ البقره: ۶۲٫
[۷۰۷] . النساء: ۵۹٫
[۷۰۸] . رواه البخاری فی صحیحه: ۱/۱۰، کتاب الإیمان.
[۷۰۹] . الشافعی، الأُمّ: ۶/ ۱۵۷٫
[۷۱۰] . المجلسی، البحار: ۶۸/ ۲۴۲٫
[۷۱۱] . النساء: ۵۹٫
[۷۱۲] . آل عمران: ۱۱۰٫
[۷۱۳] . التوبه: ۳۳٫
[۷۱۴] . مسند أحمد بن حنبل: ۴/ ۲۷۸٫
[۷۱۵] . ابن حزم: الفصل: ۳/ ۲۴۷٫
[۷۱۶] . الشعرانی: الیواقیت والجواهر: ۵۸٫
[۷۱۷] . الإیجی: المواقف: ۳۹۲٫
[۷۱۸] . الحجرات: ۱۳٫
[۷۱۹] . یونس: ۹۸٫
[۷۲۰] . صحیح البخاری:۴/۱۷۱، حیث جاء فیه: بدا للّه أن یبتلیهم فبعث إلیهم ملکاً… الخ.
[۷۲۱] . النحل: ۱۰۶٫