حساب التکوینی والتدوینی

0

انّ مصطلح «الحساب» الوارد فی القرآن الکریم استعمل فی معنیین هما:
۱٫ الحساب التکوینی.
۲٫ الحساب التدوینی.
الحساب التکوینی
المراد من الحساب التکوینی أنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق عالم الکون على أساس سلسله من القوانین التی لاتتخلّف، وعلى أساس حسابات دقیقه لا تخطأ، کحرکه الشمس والقمر وبزوغ الکواکب ومهب الریاح وهطول الأمطار واخضرار الأشجار والنباتات ونمو وتوالد الموجودات الحیّه، وبکلمه واحده، انّ کلّ حوادث ووقائع العالم تخضع لقانون ومحاسبات دقیقه جداً.
ولقد أشار القرآن الکریم إلى هذه الحقیقه حیث قال سبحانه: ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبان ) ( [۱]).( [۲])
ثمّ إنّ هذا النظام وتلک المحاسبات لا تختص بالظواهر الکونیه فقط، بل انّ الحوادث والتحوّلات والوقائع التی تتعلّق بحیاه الإنسان الفردیه أو الاجتماعیه تخضع لذلک القانون وتشملها تلک الحسابات، وهذا ما عبّر عنه فی القرآن الکریم بمصطلح«سنّه اللّه».( [3])
فأعمال الإنسان ـ حسنها وسیئها ـ تؤثر تأثیراً فاعلاً فی مصیر الإنسان على المستوى الفردی أو الاجتماعی، وتکون سبباً لانحطاطه أو تکامله، شقائه وسعادته، انهزامه ونصره و….
ثمّ إنّ هذه السنّه لا تختص بحیاه الإنسان الدنیویه، بل تجری فی حیاته الأُخرویه وفی العالم الآخر، وانّ الإنسان یحصد فی عالم الآخره ما یزرعه فی هذه الدنیا «الدُّنْیا مَزْرَعَهُ الآخِرَهِ»، وانّ قانون الثواب والعقاب الأُخروی ووفقاً للکثیر من الآیات یقوم على هذا الأساس المتین.
فإذاً بناءً على نظریه الحساب التکوینی تکون شمولیه الحساب وعمومیته من الأُمور البدیهیه والواضحه، لأنّ جمیع الناس من المؤمنین والمشرکین والمتّقین والمجرمین، وبالتعبیر القرآنی: المقربون وأصحاب الیمین وأصحاب الشمال کلّهم یحاسبون على أعمالهم وما اقترفوه فی هذه الدنیا، وینال کلّ منهم جزاءه أو ثوابه.
الحساب التدوینی
النوع الآخر من الحساب هو الحساب التدوینی، وهو النمط المعروف والرائج فی أوساط العقلاء من الناس فی حیاتهم الاعتیادیه، فلکلّ إنسان أو جماعه یقومون بعملیه إحصاء ومحاسبه دقیقه لوارداتهم وصادراتهم، دخلهم ومصرفهم، ونفعهم وخسارتهم، ویبنون حیاتهم على أساس نتائج تلک الحسابات.
وهکذا الأمر بالنسبه إلى المحاکم ودیوان المحاسبات التی تشرف على مؤسسات الدوله فانّها تخضع تلک المؤسسات والموظفین فیها إلى مراقبه ومحاسبه مالیه دقیقه لتعلم جیداً انّ الأموال التی حوّلت إلیهم هل صرفت فی مجالاتها المخصصه لها بصوره صحیحه أم لا؟ وکذلک مراقبه النظام الإداری من ناحیه وقت العمل، وکیف یقضی العاملون ساعات الدوام الإداری.
الذی یظهر أنّ الحساب فی عالم الآخره هو من قبیل الحساب التدوینی ولکن بنحو ونمط آخر، بمعنى أنّ اللّه سبحانه خلق العالم وخلق الإنسان ومنحه تلک الثروه العظیمه من الحیاه والنعم الوافره لیستفید منها ورسم لهم منهجاً وأمره بالسیر على وفقه، ولذلک سیوقفه یوم القیامه أمام محکمه العدل لیحاسبه عن کلّ النعم التی وهبها له وعن حیاته والمنهج الذی سار علیه. وکیف استفاد من تلک الثروه العظیمه، ویکون حسابه قائماً على أساس قانون إلهی، وتنشر صحائف الأعمال وتفتح الکتب التی دوّنت أعمال العباد حسنها وقبیحها، وهذا ما أشارت إلیه الآیه القرآنیه الکریمه: ( فَأمّا مَنْ أُوتِیَ کِتابَهُ بِیَمینِهِ * فَسَوفَ یُحاسَبُ حِساباً یَسیراً ) .( [۴]) وهناک طائفه أُخرى تتلقّى کتابها بشمالها فتکون عاقبتها الخیبه والخسران والندامه والذل والمسکنه والحیاء والخجل من ذلک المصیر الأسود والمشؤوم، وحینئذ تتمنّى لو أنّها لم تر صحیفه أعمالها السیئه تلک ، یقول سبحانه:
( وَأَمّا مَنْ أُوتِیَ کتابَهُ بِشِمالِهِ فَیَقُولُ یا لَیْتَنی لَمْ أُوتَ کِتابیَهْ )( [۵]) . ( [۶])
[۱] . الرحمن: ۵٫
[۲] . انظر الآیات۳۸و ۳۹ و ۴۰ من سوره یس.
[۳] . انظر الأحزاب:۳۸ و ۶۲، فاطر:۴۳، غافر:۸۵، الفتح:۲۳، الإسراء: ۷۷٫
[۴] . الانشقاق:۷ـ ۸٫
[۵] . الحاقه: ۲۵٫
[۶] . منشور جاوید:۹/۲۹۳ـ ۲۹۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.