غزوه أُحد

0

یقول الشیخ:
أنزل اللّه سبحانه و تعالى على نبیّه ستین آیه من سوره آل عمران فی أحداث غزوه أُحد وماتضمّنته السوره مـن الثناء على الصحابه یستحق دراسـه واسعـه مفرده.
ومن أوّل آیه تجد الترابط بین الرسول ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ وجنده والشهاده لهم من اللّه تعالى بالإیمان، قال اللّه تعالى: (وإذ غَدوتَ من أهلک تُبوئ المؤمنین مقاعد للقتال… ) ثمّ تمضی الآیات وفیها بیان لما حصل، وحتّى فی آیه العتاب التی فیها ذکر أسباب الهزیمه تجد قوله سبحانه (عفا عنکم ) العفو من اللّه لهم، وتأمّل فی وصف حالهم بعد نهایه المعرکه، بل النصر المبین الذی حصل لهم( [۱]) وهروب قریش منهم، ورجع المؤمنون بفضل اللّه.
قال اللّه تعالى: (الَّذِینَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَکُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِیماناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَکِیلُ *فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَه مِنَ اللّهِ وَفَضْل لَمْ یَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَظِیم ) ( [۲]) شهاده المولى لهم بزیاده الإیمان، وانّهم اتبعوا رضوان اللّه، ولا یخفى علیک بأنّ جمیع الذین شهدوا غزوه أحد ساروا مع الرسول ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ إلى حمراء الأسد هم الذین نزلت فیهم الآیات، وتأمّل فیما ذکره اللّه فی ختام الآیه ممّا یدل على سعه رحمه اللّه.( [۳])
المناقشه
إنّ فضیله الشیخ کعادته السابقه انتقى من ستین آیه من سوره آل عمران التی تتحدث عن غزوه «أُحد» ما یدعم مدّعاه ویؤیّد ما یتبنّاه، ولکنّه أهمل دراسه الآیات الأُخرى التی إذا ضمّت إلى الآیات السابقه لحصلت نتیجه أُخرى، تختلف عمّا ذهب إلیه، ونحن نذکر شیئاً من تلک الآیات .
صفحات من ملف غزوه أُحد
(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِکُمْ وَمَنْ یَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَیْهِ فَلَنْ یَضُرّ اللّهَ شَیئاً وَسَیَجْزی اللّهُ الشّاکِرینَ * وَما کانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ کِتاباً مُؤجّلاً وَمَنْ یَرِدْ ثَوابَ الدُّنیا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ یُرد ثَوابَ الآخرَهِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزی الشّاکِرین *وَکَأَیّن مِنْ نَبیّ قاتَلَ مَعَهُ رِبّیّونَ کَثِیرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِی سَبیلِ اللّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَکانُوا وَاللّهُ یُحبُّ الصابِرین * وَما کانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبّنا اغْفِر لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافنا فی أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلى القَومِ الکافِرین * فَ آتاهُمُ اللّهُ ثَوابَ الدُّنیا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَهِ وَاللّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِین ) .( [۴])
إنّ تفسیر هذه الآیات على وجه التفصیل لا یناسب وضع الرساله، فلنذکر خلاصه الآیات:
إنّ قوله سبحانه: (وما محمّد ) یشتمل على العتاب والتوبیخ لمن شهد غزوه أُحد، ویهدف إلى أنّ محمّداً ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ لیس إلاّ رسولاً من اللّه مثل سائر الرسل، لیس شأنه إلاّ تبلیع رساله ربّه، لا یملک من الأمر شیئاً، وإنّما الأمر للّه، والدین دین اللّه باق ببقائه; فما معنى اتّکاء إیمانکم على حیاته حیث یظهر منکم أنّه لو مات أو قتل، ترکتم القیام بالدین، ورجعتم القهقرى، واتّخذتم الغوایه بعد الهدایه؟!
وهذا السیاق أقوى شاهدعلى أنّهم عندما شاع خبر مقتله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ یوم أُحد ، انسلّوا عند ذلک وتولّوا عن القتال، وسیوافیک بیانه عند عرض ما ورد فی شأن الآیات، ومعنى ذلک أنّ إیمانهم کان قائماً بالنبی یبقى ببقائه ویزول بموته.
ثمّ إنّه سبحانه یستثنی من هذا السیاق الشاکرین الذین لم یظهر منهم هذا الانقلاب، أو لم یظهر منهم التولّی والانسلال حیث قال: (وسیجزى اللّه الشاکرین ) .
کما أنّه سبحانه یذکر بقوله: (وکأیّن من نبیّ قاتل معه ربیّون کثیر… ) قصه من مضى من أصحاب الأنبیاء، و فی الآیه وعظ مشوب بعتاب وتشویق للمؤمنین بأن یأتمّوا بهؤلاء الربیّین، فیعطیهم اللّه ثواب الدنیا وحسن ثواب الآخره کما آتاهم.
قال ابن قیّم الجوزیه: إنّ وقعه أُحد کانت مقدّمه وإرهاصاً ـ أی لوماً ـ بین یدی موت محمّد ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ أو قُتل.( [۵])
ونقل صاحبُ تفسیر المنار عن أُستاذه الشیخ محمد عبده انّ کلمه (انقلبتم على أعقابکم ) من قبیل المثل تضرب لمن رجع عن الشیء بعد الإقبال علیه، والأحسن أن تکون عامّه تشمل الارتداد عن الدین الذی جاهر بالدعوه إلیه بعض المنافقین، والارتداد عن العمل کالجهاد ومکافحه الأعداء وتأیید الحق، وهذا هو الصواب».( [6])
وعلى ضوء ما ذکره فالانقلاب المقصود بالآیه لا ینحصر بترک کلمه التوحید، بل یشمل ترک العمل بالحقّ الذی أوصى به النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ … ویعزز ذلک ما جاء فی الجزء التاسع من صحیح البخاری، کتاب الفتن، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ یقول یوم القیامه: أی ربی أصحابی، فیقول له: لا تدری ما أحدثوا بعدک…وفی حدیث ثان من أحادیث البخاری: إنّک لا تدری ما بدّلوا بعدک؟ فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدی…ولیس فی شک انّ المراد بهذا التبدیل الإعراض عن سنّته و وصیّته، ومخالفه أقواله وشریعته.( [۷]) فخرجنا بهذه النتیجه:
۱٫ أنّ القوم الذین شهدوا غزوه أُحد قد شارف بعضهم على التقهقر والانقلاب على الأعقاب، وکانوا لا یریدون إلاّ متاع الدنیا وثوابها دون ثواب الآخره .
۲٫ أنّ اللّه سبحانه أمر الصحابه بأن یأتموا بالربیّین الذین قاتلوا مع أنبیائهم فما وهنوا لما أصابهم فی سبیل اللّه وما ضعفوا وما استکانوا ، بخلاف من حضر «أُحد» فقد وهنوا وضعفوا واستکانوا.
فتکون النتیجه: انّ الحاضرین فی تلک الغزوه لم یکونوا على درجه واحده فی الإیمان والإخلاص والثبات ورباطه الجأش کما هو واضح.
صفحه ثانیه من ملف «أُحد»
وهنا صفحه من ملف «أُحد» أهمل الشیخ دراستها ، لأنّها لا تدعم ما تبنّاه، بل تهدمه، وهی قوله سبحانه فی شأن الرماه المستقرین فوق الجبل وکانوا یرشقون المشرکین وبقیه الأصحاب یضربونهم بالسیوف، یقول سبحانه:
(وَلَقَدْ صَدَقَکُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذ تَحسُّونَهُم بإِذنهِ حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِی الأَمرِ وعَصَیْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراکُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْکُمْ مَن یُریدُ الدُّنیا وَمِنْکْمُ مَنْ یُریدُ الآخِرَهَ ثُمَّ صَرَفَکُمْ عَنْهُمْ لِیَبْتَلِیَکُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْکُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَلى المُؤْمنین ) .( [۸])
إنّ الآیه تقسّم أصحاب النبی إلى قسمین:
۱٫ منهم من یرید الدنیا وزخارفها و زبرجها.
۲٫ منهم من یرید الآخره ودرجاتها ورضوانه سبحانه.
فعندئذ کیف یصحّ لنا ان نزن الجمیع بکیل واحد؟! فهل یساوى طالب الدنیا، بطالب الآخره؟! (ما لکُم کَیْفَ تَحْکُمُون ) .
وأمّا تفسیر الآیه فقد ذکرت کتب السیر، والتفاسیر، ما حدث فی غزوه «أُحد» ونحن نأتی بملخّص ما قالوه: ذإنّ الرسول أقام الرماه عند الجبل صیانه لمؤخّر المسلمین، وأوصاهم أن لا یبرحوا مکانهم، حتّى ولو رأوا أنّ العدو تخطفه الطیر، وکان الرماه خمسین رجلاً.
ولمّا ابتدأت المعرکه قام کلٌّ من الطائفتین بما خُوِّل إلیهم من الأعمال، فمن کان فی مقدّم الصفوف یقاتل المشرکین بسیفه و من کان على الجبل یرشق العدو بسهامه، حتّى انهزم العدو وتولّى وخرج عن ساحه الحرب وکانوا ثلاثه آلاف، وعند ذاک امتلأ الوادی بما خلّفوه من الغنائم، وحینما رآها الرماه ورأوا أنّ إخوانهم المسلمین یحوزونها دونهم، عصف بهم ریح الطمع واختلفوا فیما بینهم و قال بعضهم: ما بقاؤنا هنا، وتجاهلوا وصیه الرسول وتشدیده علیهم بالبقاء، فقال لهم أمیرهم عبد اللّه بن جبیر: امکُثوا ولا تُخالفوا أمر الرسول، ولکنّ أکثرهم غادروا مواقعهم لانتهاب الأسلاب والأموال، وتارکین أمیرهم عبد اللّه فی نفر دون العشره.
واللّه سبحانه یشیر إلى هذا التنازع والعصیان بقوله: (حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِی الأمر وَعَصَیْتُمْ ) .
کما أنّه سبحانه یشیر إلى طمعهم فی جمع الأموال والأسلاب، بقوله : (مِن بعدِ ما أراکُم ما تحبّون ) .
کما أنّه یشیر إلى أنّ الرماه المستقرین على الجبل کانوا على قسمین بقوله:
الف: (منهُم مَنْ یرید الدّنیا ) وهم الذین ترکوا مقاعدهم طمعاً بالغنیمه.
ب: (منهم من یرید الآخره ) وهم الذین ثبتوا فی مواقعهم مع أمیرهم عبد اللّه بن جبیر و استشهدوا ـ رضوان اللّه تعالى علیهم ـ على ید خالد بن الولید و من معه. وذلک لأنّ خالداً لمّا رأى أنّ مؤخّره المسلمین مکشوفه حیث أخلاها الرماه، اغتنم الفرصه، فهاجم مع جماعه من المشرکین، البقیه الباقیهَ من الرماه، وقاتل هؤلاء بشجاعه وحراره حتّى استشهدوا جمیعاً، ولمّا انکشف ظهر المسلمین ، رجع المشرکون ـ المنهزمون ـ إلى المیدان من وراء المسلمین وأحاطوا بهم من الخلف والأمام وأکثروا فیهم القتل والجراح، ودارت الدائره علیهم بعد أن کانت لهم.
وهذه هی النتیجه القطعیه للتخاصم والتنازع أوّلاً، ومخالفه أمر الرسول ثانیاً.
صفحه ثالثه من ملف أُحد
وهناک صفحه ثالثه أهمل قراءتها الشیخ، کعادته فیما سبق وهو قاض بالمحکمه الکبرى بالقطیف، وکان الأولى به أن لا یُصدر رأیه إلاّ بعد دراسه عامه الصفحات التی یحتویها الملف، ولکنّه ـ یا للأسف ـ اقتفى أثر «الانتقاء» ، وإلیک تلک الصفحه الذی تصف هزیمه المسلمین بعد الانتصار ولجوءهم إلى الجبل، غیر مکترثین بدعوه الرسول إلى نصرته.
یقول سبحانه: ( إِذ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ یَدْعُوکُمْ فِی أُخْریکُمْ فَأَثابَکُمْ غَمّاً بِغَمّ لِکَیْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَکُمْ وَلاَ مَا أَصابَکُمْ وَاللّهُ خَبیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .( [۹])
الخطاب للّذین انهزموا یوم أُحد وهو یصف خوفهم من المشرکین وفرارهم یوم الزحف، غیر ملتفتین إلى أحد، ولا مستجیبین إلى دعوه الرسول، حین کان ینادیهم من ورائهم ویقول: هلم إلیّ عباد اللّه أنا رسول اللّه…ومع ذلک لم یُجبْهُ أحد من المولّین.
والآیه تصف تفرّقهم وتولّیهم على طوائف أُولاهم مبتعدون عنه، وأُخراهم قریبون منه، والرسول یدعوهم ولا یجیبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فترکوا النبی بین جموع المشرکین غیر مکترثین بما یصیبه من القتل أو الأسر أو الجرح.
نعم کان هذا وصف طوائف منهم وکانت هناک طائفه أُخرى، التفُّوا حول النبی ودفعوا عنه شر الأعداء، وهم الذین أُشیر إلیهم بقوله سبحانه: (وسَیجزِی اللّهُ الشاکِرِین ) .( [۱۰])
صفحه رابعه من ملف أُحد
ثمّ إنّه سبحانه یصف بعض من حضر الواقعه بأنّهم ـ عند الانهزام والقنوط من انتصار المسلمین ـ ظنّوا باللّه ظنّ الجاهلیه، یقول سبحانه:
(…وطائِفَهٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ یَظُنُّونَ بِاللّهِ غَیْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلیَّهِ یَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَیء قُل إِنَّ الأَمْرَ کُلَّهُ للّهِ یُخْفُونَ فِی أَنْفُسِهِمْ مَا لا یُبْدُونَ لَکَ… ) .( [۱۱])
الآیه تخبر عن اقتراب بعض من حضر الواقعه من الرده حیث ظنّوا باللّه ظنّ الجاهلیه، فقالوا: لو کان محمّد نبیّاً لما تسلّط علیه المشرکون، جاهلین أو متجاهلین بأنّ الحرب سجال ، وانّ الأُمور بخواتیمها، ولکنّهم ظنّوا أنّ دین الحق لا یُغلب، لأنّ اللّه وعد أن ینصره من غیر قید وشرط.
ثمّ یشیر بقوله سبحانه : (یخفون فی أنفسهم ما لا یبدون لک ) ، إلى طروء الشک، بل الإنکار علیهم، ومن الخطأ تفسیر الآیه بالمنافقین وعلى رأسهم عبد اللّه بن أُبیّ، فإنّهم قد رفضوا المشارکه فی القتال ورجعوا وهم فی وسط الطریق، کما هو واضح لمن سبر کتب السیر.
صفحه خامسه من ملف أُحد
وهذه الصفحه تخبر عن سیّء عملهم وهو تولّیهم یوم التقى الجمعان ویصفه بأنّ الشیطان استزلّهم، قال سبحانه:
(إِنّ الّذین تَوَلَّوْا مِنْکُمْ یَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ إِنَّما استَزَلَّهُمُ الشَّیْطانُ بِبَعضِ ما کَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِیمٌ ) .( [۱۲])
والآیه تشیر إلى ما اقترفوا من عمل سیِّئ و هو الفرار من الزحف، والآیه تعمّ الرماه وغیرهم، ولا تشمل المنافقین لقوله تعالى: (ولقد عفا اللّه عنهم ) ، لأنّ اللّه لا یعفو عن المنافق المصرّ على النفاق الذی هو أعظم من الشرک الواضح. ونحن نقتصر بهذا المقدار من الآیات التی تبیّن لنا، مواقف عدّه من الصحابه فی غزوه أُحد، بحیث لا یترک لنا شکّاً فی أنّ صحابه الرسول على طوائف منهم بلغ قمه الإیمان، فلا یهمه سوى رضا اللّه سبحانه غیر مکترث بحیاته الدنیویه، ومنهم من استزله الشیطان ببعض ما اکتسب، فتولّى یوم التقى الجمعان، مضافاً إلى بعض الأعمال السیّئه التی أدت إلى شهاده جم غفیر من أصحاب الرسول.
أفیصح أن نکیل الجمیع بکیل واحد ونتّخذهم قدوه وأُسوه، ونأخذ معالم دیننا من هؤلاءجمیعاً؟ کلاّ و لا.
موجز ما ورد فی الأحادیث والآثار
قد تعرّفت قضاء القرآن الکریم فی مَن حضر غزوه أُحد، فهلمّ معی ندرس ما ورد فی کتب الحدیث والآثار حول من حضر فیها، وهو کثیر لا یسعنا نقله، ولکن نشیر إلى بعضه:
۱٫ ذکر الحافظ السیوطی فی تفسیر قوله سبحانه: (وَلَقَدْ کُنْتُمْ تَمَنَّون الموتَ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَیْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون ) .( [۱۳])
قال: أخرج ابن أبی حاتم من طریق العوفی عن ابن عباس انّ رجالاً من أصحاب النبی کانوا یقولون لیتنا نُقْتَل کما قتل أصحاب بدر ونستشهد، فأشهدهم اللّه أُحداً، فلم یلبثوا إلاّ من شاء اللّه منهم، فقال اللّه : (وَلَقَدْ کُنْتُمْ تَمنَّون المَوت… ) .
۲٫ نقل السیوطی فی تفسیر قوله سبحانه: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِکُم… ) .( [۱۴])
۳٫ نقل السیوطی وقال: أخرج أبو جریر وابن أبی حاتم عن الربیع فی الآیه قال: ذلک یوم أُحد حین أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح، وتداعوا نبی اللّه…؟ قالوا: قد قُتِلَ. وقال أُناس منهم: لو کان نبیاً ما قتل. وقال أُناس من علیه أصحاب النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ : قاتلوا على ما قتل علیه نبیکم حتّى یفتح اللّه علیکم أو تلحقوا به، وذکر لنا انّ رجلاً من المهاجرین مرّ على رجل من الأنصار وهو یتخبط فی دمه، فقال: یا فلان أشعرت انّ محمّداً قد قتل؟ فقال الأنصاری: إن کان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دینکم، فأنزل اللّه : (وَما مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِکُمْ ) یقول: ارتددتم کفاراً بعد إیمانکم.( [۱۵])
ثمّ إنّ هذه الروایه لم تصرح بأسماء بعض من مرّ یوم الزحف ولکن ابن هشام أفصح عن اسمه حیث قال:
قال ابن إسحاق: وحدّثنی القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنی عدی بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر، عمّ أنس بن مالک إلى عمر بن الخطاب، وطلحه بن عبید اللّه، فی رجال من المهاجرین والأنصار، وقد ألقوا بأیدیهم، فقال: ما یجلسکم؟ قالوا: قتل رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ ، قال: فماذا تصنعون بالحیاه بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات علیه رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ ، ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتّى قتل، وبه سمّی أنس بن مالک.
قال ابن إسحاق: فحدّثنی حمید الطویل، عن أنس بن مالک، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر یومئذ سبعین ضربه، فما عرفه إلاّ أُخته، عرفته ببنانه.( [۱۶])
إنّ فی أحداث معرکه أُحد ووقائعها تجارب مُرّه وأُخرى حلوه، فهذه الحوادث والوقائع تثبت بجلاء صمود واستقامه جماعه، وضعف وهزیمه آخرین.
کما أنّه یستفاد من ملاحظه الحوادث التاریخیه انّه لایمکن اعتبار جمیع المسلمین الذین عاصروا رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ أتقیاء عدولاً بحجّه انّهم صحبوا النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ الذین أخلوا مراکزهم على الجبل، یوم أُحد وعصوا أمر النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ فی تلک اللحظات الخطیره، وجرّوا على المسلمین تلک المحنه الکبرى، کانوا أیضاً ممّن صحبوا النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ .
یقول المؤرخ الإسلامی الکبیر الواقدی فی هذا الصدد: بایع رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ یوم أُحد ثمانیه على الموت ثلاثه من المهاجرین علی وطلحه والزبیر وخمسه من الأنصار فثبتوا وهرب الآخرون.( [۱۷])
وکتب العلاّمه ابن أبی الحدید المعتزلی أیضاً: حضرت عند محمد بن معد العلوی الموسوی الفقیه على رأی الشیعه الإمامیه فی داره بدرب الدواب ببغداد فی سنه ۶۰۸هـ، وقارئ یقرأ عنده مغازی الواقدی، فقرأ: حدّثنا الواقدی عن ابن أبی سبره، عن خالد بن ریاح، عن أبی سفیان مولى ابن أبی أحمد، عن محمد بن مسلمه، قال:سمعتْ أُذنای، وأبصرتْ عینای رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ یقول یوم أُحد، وقد انکشف الناس إلى الجبل وهو یدعوهم وهم لا یلوون علیه، سمعته یقول: إلیّ یا فلان، إلیّ یا فلان أنا رسول اللّه.
فما عرّج علیه واحد منهما، ومضیا فأشار ابن معد إلیّ أی اسمع.
فقلت: وما فی هذا؟ قال: هذه کنایه عنهما.
فقلت: ویجوز أن لا یکون عنهما لعلّه عن غیرهما.
قال: لیس فی الصحابه من یُحتشم من ذکره بالفرار،وما شابهه من العیب، فیضطر القائل إلى الکنایه إلاّ هما.
قلت له:هذا ممنوع.
فقال: دعنا من جدلک ومنعک، ثمّ حلف انّه ما عنى الواقدی غیرهما وانّه لو کان غیرهما لذکر صریحاً.( [۱۸])
[۱] -نعم بعد ما بلغ السیل الزبى واستشهد سبعون صحابیاً جلیلاً لابتغاء البعض عرض الحیاه الدنیا!!
[۲] -آل عمران:۱۷۳ـ ۱۷۴
[۳] -صحبه الرسول:۲۵ـ ۲۶٫
[۴] -آل عمران:۱۴۴ـ ۱۴۸٫
[۵] – زاد المعاد: ۲۵۳٫
[۶] – تفسیر المنار:۴/ ۱۶۱٫
[۷] -تفسیر الکاشف:۲/ ۱۷۱٫
[۸] -آل عمران: ۱۵۲٫
[۹] -آل عمران: ۱۵۳٫
[۱۰] -آل عمران:۱۴۴
[۱۱] -آل عمران: ۱۵۴٫
[۱۲] -آل عمران: ۱۵۵٫
[۱۳] -آل عمران: ۱۴۳٫
[۱۴] -آل عمران: ۱۴۴٫
[۱۵] -الدر المنثور:۲/ ۳۳۵٫
[۱۶] -سیره ابن هشام:۲/ ۸۳٫
[۱۷] -المغازی:۲/ ۲۴۰٫
[۱۸] -شرح نهج البلاغه:۱۵/۲۳ـ ۲۴

Leave A Reply

Your email address will not be published.