غزوه الخندق

0

یقول فضیله الشیخ: نزلت فیها آیات من سوره الأحزاب ومع قصرها إلاّ أنّ فیها تصویراً بلیغاً للترابط بین الصحابه ـ رضی اللّه عنهم ـ مع الوصف الدقیق لحالتهم النفسیه، وما أصابهم من جهد و جوع وخوف وحرصهم على ملازمه رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ .
أخی القارئ تأمّل فی الآیات من الآیه التاسعه من سوره الأحزاب التی نادى اللّه بها المؤمنین وذکر نعمته علیهم فی تلک المواقف (یا أَیُّها الّذینَ آمَنُوا اذْکُرُوا نِعْمَهَ اللّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ جاءَتْکُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ رِیحاً وَجُنُوداً لم تَرَوْها ) الآیات، ثمّ ذکر المولى نعمته علیهم مرّه أُخرى بکفّ ید العدو عن القتال وشهد لهم بالإیمان بقوله سبحانه: (وکَفى اللّهُ المُؤْمنینَ القتال ) ثمّ ذکر اللّه آیتین فیهما بیان لما حصل لبنی قریظه القبیله الیهودیه المشهوره.
فتأمّل فی الآیات وتلاوتها بتدبّر وقِفْ عند قوله تعالى: (وَلَمّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زادَهُمْ إِلاّ إِیماناً وَتَسْلِیماً ) وفضل اللّه سبحانه وتعالى واسع لا یمکن أن یقال بأنّ هذا خاص بأفراد مع الرسول ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ .( [۱])
المناقشه
جرى فضیله الشیخ فی هذا المقام على عادته السابقه، فانتقى من الآیات ما یدعم مدعاه، وأعرض عن الآیات التی تندد ببعض الحاضرین فی غزوه الخندق، وهم على طائفتین:
الأُولى: المنافقون، ولا کلام لنا فیهم لأنّهم لیسوا من الصحابه حقیقه، وان استتروا فی أوساطهم. الثانیه: الذین فی قلوبهم مرض، وهم من الصحابه قطعاً بلا شکّ، والناس أخذوا دینهم من الصحابه عامّه من دون فرق بین مرضى القلوب وغیرهم.
وإلیک هذه الآیات:
انّه سبحانه تبارک و تعالى ابتدأ ببیان ما حدث فی غزوه بدر بقوله: (یا أَیُّهاالّذین آمَنُوا اذْکُرُوا نِعْمَه اللّه… ) .
ثمّ إنّه سبحانه شرح حال بعض من حضر واقعه الخندق بقوله:
( إِذْ جاءُوکُمْ مِنْ فَوقِکُمْ وَمِن أَسفَل مِنکُمْ وَإِذ زاغَتِ الأَبْصار ُوبَلَغَتِ القُلُوبُ الحناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنُونا ) .
(هُنالِک ابْتلیَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلزالاً شَدیداً ) .
(وَإِذْ یَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالّذینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً ) .
(وَإِذْ قالَتْ طائِفَهٌ مِنْهُمْ یا أَهْلَ یَثْرِبَ لا مُقامَ لَکُم فَارجِعُوا وَیَستَأذِنُ فَریقٌ مِنْهُمُ النَّبِیَّ یَقُولُونَ إِنَّ بُیُوتَنا عَوْرَهٌ وَمَا هِیَ بِعَوْرَه إِنْ یُرِیدُونَ إِلاّ فراراً ) .
(ولو دُخِلَتْ عَلَیْهِمْ مِنْ أَقطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفتنهَ لآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِِها إِلاّ یَسیراً ) .
(وَلَقَدْ کانُوا عاهَدُوااللّهَ مِنْ قَبْلُ لا یُوَلُّونَ الأَدبارَ وَکانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً ) .( [۲])
انّه سبحانه یسمّی طائفه من صحابه النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ بمرضى القلوب ویصفهم بأوصاف لا تجتمع مع عدالتهم، وإلیک بیانها:
۱٫ (وتظنُّون بِاللّه الظنُونا ) والجمله وإن کانت ظاهره فی عامّه من حضر، لکنّها وبحسب القرائن ترجع إلى طائفتین سابقتین، فقد ظن المنافقون والذین فی قلوبهم مرض الظنونَ: انّ الکفّار سیغلبون ویستولون على المدینه.
ویقول البعض الآخر: إنّ الإسلام سیُمحق والدین سیضیّع، والثالث منهم یقول: الجاهلیه ستعود، إلى آخر ما قالوا.
وبإمکان القارئ تفسیر قوله: (وتظنُّون باللّه الظنونا ) بما مرّ فی سوره آل عمران التی وردت فی غزوه أُحد حیث حکى عنهم سبحانه قوله: (وطائفهٌ قَدْ أَهمّتهم أَنفسُهُمْ یظنُّونَ بِاللّه غَیرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهلیه ) .( [۳])
۲٫ (وإِذْ یَقُول المُنافِقونَ وَالّذِینَ فی قُلُوبِهمْ مَرَض ما وَعَدَنا اللّه وَرَسُوله إِلاّ غُروراً ) فضعفاء الإیمان من المؤمنین کانوا یظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل یصحّ وصف هؤلاء بالعداله والتزکیه وهم غیر المنافقین الذین یظهرون الإیمان و یبطنون الکفر.
۳٫ (وَإِذْ قالت طائِفهٌ مِنْهُمْ یا أَهل یَثْرب لا مقام لَکُمْ فارجعوا ویستأذن فریق منهم النبی ) والضمیر فی «منهم» یرجع إلى کلتا الطائفتین.
فالطائفه الثانیه کالطائفه الأُولى تخذِّل المسلمین وتخوّفهم من الأحزاب، فکانت تقول: لا طاقه لنا بالجیش الجرّار ولا نجاه منه إلاّ بالفرار والاستسلام، ولأجل ذلک کان یستأذن فریق منهم النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ یقولون: إنّ بیوتنا عوره، أی منکشفه للّصوص فأذن لنا لحمایتها، فأکذبهم اللّه وکشف عن نفاقهم بقوله: «وما هی بعوره ان یریدون إلاّ الفرار من الجهاد ونصره الحقّ».
۳٫ (ولو دُخلَتْ علیهم من أقطارِها ثمّ سُئلوا الفتنه لآتوها وما تلبّثوا بها إلاّ یسیراً ) والآیه تحکی حاله الطائفتین ، أعنی: المنافقین وأصحاب الإیمان المستودع الذی لا قرار له، والمراد من الفتنه الارتداد عن الدین، والمعنى أی إذا دخلت جیوش الشرک المدینه وأحاطت بها من کلّ جانب وطلب المشرکون من المنافقین ومرضى القلوب الارتداد عن دینهم، ارتدّوا عنه وأعلنوا الشرک واستجابوا على الفور من غیر تردّد، أو ترددوا قلیلاً ثمّ استسلموا للقوّه.
ومن الواضح انّ المؤمن الحق لا یرتدّ عن عقیدته، بل یقتل علیها، وهذا شأن شهداء العقیده الذین یستقبلون السیوف برحابه صدر.
۴٫ (ولقد کانوا عاهدوا اللّه من قبل لا یولّون الأدبار ) وهؤلاء تذرّعوا بالأکاذیب للفرار من عسکر رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ بعدما أعطوه المواثیق والعهود على أن یثبتوا فی الجهاد بین یدیه حتّى الموت.
روى الطبری فی تفسیره انّ بنی حارثه وهم الّذین همّوا أن یفشلوا یوم أُحد مع بنی سلمه حین هما بالفشل ثمّ عاهدوا اللّه أن لایعودون لمثلها أبداً فذکرهم اللّه الآن بهذا العهد الذی أعطوه وإن نکثوا.( [۴])
ثمّ إنّ مرضى القلوب لم یکتفوا بالفرار فحسب، بل کانوا یثبّطون عزائم الناس،ویقول بعضهم لبعض تعالوا إلى الراحه والدعه مالنا وللقتال.
یقول سبحانه: (قَدْ یَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقینَ مِنْکُمْ وَالْقائِلینَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَیْنا… ) .( [۵]) وربّما یتوهم القارئ انّ مرضى القلوب کانوا ثله قلیله لا یعبأ بهم أمام الجم الغفیر من الصحابه، ولکنّه وهم خاطئ إذ لو کانوا بهذا الوصف لما رکّز علیهم القرآن فی أکثر من آیه، فترى سبحانه یذکرهم فی غیر مرّه ویقول:
(فَتَـرَى الّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ یُسارِعُونَ فِیهِمْ ) .( [۶])
(إِذْ یَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤلاءِ دِینُهُم ) .( [۷])
(وَأمّا الّذِینَ فِی قُلُوبهم مرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ ) .( [۸])
( أَفِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا ) .( [۹])
(لئِن لَمْ یَنْتَهِ المنافِقُونَ وَالّذِینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرض وَالمُرْجِفُونَ فِی المَدینه لَنُغْرِیَنَّکَ بِهِم ) .( [۱۰])
(رَأَیْتَ الَّذِینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ یَنْظُرُونَ إِلَیْکَ نَظَرَ المَغْشِیِّ عَلَیْهِ مِنَ الْمَوت ) .( [۱۱])
إلى غیر ذلک من الآیات التی تذکر تلک الطائفه بهذا العنوان.( [۱۲])
فإذا ضُمَّت هذه الآیات إلى ما ذکره فضیله الشیخ من الآیات المادحه نخرج بدراسه متکامله حول مَن حضر الأحزاب.
فمنهم من بلغ فی الإیمان والإخلاص والتضحیه شأواً بعیداً لا یدرک مداه، وهم الذین یصفهم سبحانه بقوله:
(وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قَالُوا هذا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِیماناً وَتَسْلیماً ) .( [۱۳]) ومنهم من ضعف إیمانهم وقل إخلاصهم وأهمّتهم أنفسهم فظنوا باللّه ظن الجاهلیه، وتلقّوا وعد اللّه سبحانه غروراً، وکانوا یستئذنون النبی ویقولون إنّ بیوتهم عوره ولکنهم لا یریدون إلاّ فراراً، ولو غلب المشرکون واستولوا على المدینه، لأعلنوا الشرک واستجابوا على الفور من غیر تردّد أو بعد تردد قلیل إلى غیر ذلک من الأوصاف التی ذکرها سبحانه فی حقّ هذه الطائفه.
وهذا إن دلّ على شیء فإنّما یدلّ على أنّ الرأی الصائب الذی یدعمه القرآن والسنّه، والتاریخ الصحیح هو ماعلیه الإمامیه من أنّ حکمهم حکم التابعین بلا مدخلیه للصحبه.
[۱] -صحبه رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ :۲۶ـ ۲۷٫
[۲] -الأحزاب:۹ـ ۱۵٫
[۳] -آل عمران: ۱۵۴٫
[۴] – تفسیر الطبری:۱۱/ ۸۷٫
[۵] -الأحزاب: ۱۸٫
[۶] -المائده: ۵۲٫
[۷] -الأنفال: ۴۹٫
[۸] -التوبه: ۱۲۵٫
[۹] -النور: ۵۰٫
[۱۰] -الأحزاب: ۶۰٫
[۱۱] -محمد: ۲۰٫
[۱۲] -لاحظ سوره محمّد:۲۹; المدثر: ۳۱٫
[۱۳] -الأحزاب: ۲۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.