بین سبّ الصحابه ونقدهم

0

یحاول بعضهم أن یسلب النقد مشروعیته، ویطعن فی أهدافه السامیه من خلال عدّه لوناً من ألوان السبّ والشتم والانتقاص، وهذا فی الحقیقه التفاف على مفهوم النقد، وتشویه لوجهه المشرق.
فالنقد القائم على أُسس صحیحه وموازین سلیمه، هو قبله الطالبین للحقیقه، والساعین إلى الفضیله.
أمّا أُسلوب السبّ والشتم، فهو ولید العصبیه، ونتاج الغیظ والحقد والهوى.
وبتعبیر آخر: السبّ هو النیل من کرامه الشخص بکلمات مبتذله ولسان بذیء لغایه التشفّی وهدم کرامته. وأمّا النقد، فهو دراسه حیاه الشخص من منظار موضوعی، وبیان ما له من الفضیله والکرامه أو ما اقترف من الم آثم والخطایا، فیثنی علیه تاره، ویجرحه أُخرى کما جرى علیها القرآن الکریم حیث قصّ حیاه الماضین صالحهم وطالحهم لغایات صحیحه، قال سبحانه: (لَقَدْ کانَ فی یُوسُفَ وَإِخْوتِهِ آیاتٌ للسّائلین ) .( [۱]) وقال سبحانه: (لَقَدْ کانَ فی قَصَصِهِمْ عِبرهٌ لأُولی الأَلباب ) ( [۲]) ، إلى غیر ذلک من الآیات الحاثّه على دراسه سیره الماضین ففیها عبر وعظات للخلف، ولم أقف على دلیل یفرق بین جیل وجیل.
وعلى ضوء ذلک فدراسه حیاه الصحابه ونقدها على ضوء الکتاب والسنّه والتاریخ الصحیح، کدراسه حال التابعین وتابعی التابعین ومن جاء بعدهم من خلف.
ومن هنا یعلم أنّ دراسه حیاه الصحابه بنیّه النقد والتقییم، والوقوف على ما فیها من محاسن ومساوئ، أمر مرغوب فیه، ولیس هو من قبیل السب والشتم فانّهما من مقولتین مختلفتین.
قال ابن منظور فی «لسان العرب»: السب: الشتم،وفی الحدیث: سباب المسلم فسوق وقتاله کفر.
قال ابن الأثیر: وفی حدیث أبی هریره :لا تمشینّ أمام أبیک ولا تجلس قبلَه ولا تَدْعُه باسمه لا تستبّ له أی لا تعرّضه للسب وتجره إلیه، بأن تسبّ أبا غیرک فیسبّ أباک مجازاه لک. وقد جاء مفصلاً فی الحدیث الآخر:انّ من أکبر الکبائر أن یسبّ الرجل والدیه، قیل: وکیف یسبّ والدیه؟ قال: یسبّ أبا الرجل فیسبّ أباه وأُمّه.( [۳])
فعلى ذلک فالسب هو أُسلوب الأراذل والأوباش وسفلَه الناس وأخلاطهم تأخذهم الحمیه الجاهلیه فینثرون رکائک الألفاظ على مخالفیهم ومناوئیهم کما هو واضح، وأین هذا من نقد حیاه فئه أو عشیره أو شخص على ضوء الروایات الصحیحه إن خیراً فخیر وإن شراً فشرّ فیصف أعمالهم الحسنه، إلى جانب أعمالهم السیّئه؟!
وأوضح دلیل على أنّ دراسه أحوال الصحابه یفارق السب، انّ الصحاح والسنن والسیر والتاریخ ملیئه بذکر محاسن أعمالهم ومساویها .
نعم صارت لفظه «سب الصحابه» واجهه للصد عن دراسه حیاتهم ونقدها، فکلّ من یذکر شیئاً من حالاتهم المزریه یتّهم بسبّهم وشتمهم، والغایه من ذلک إخفاء الحقائق والستر علیها.
فلو درس الباحث حیاه صحابی فی ضوء الوثائق التاریخیه وأثبت أنّه ظلم ـ فی برهه ـ شخصاً; فنتیجه الدراسه تکون أنّه ظالم، فهذا لیس سبّاً وإنّما هو حصیله الدراسه التی وصل إلیها.
ولو دلّت الوثائق التاریخیه على أنّ صحابیاً قتل مالک ابن نویره ونزا على زوجته، فنتیجه هذه الدراسه هو انّه قاتل وزان، وهذا لیس سبّاً وإنّما هو من نتائج الأدلّه القطعیه التی تعضدها الوثائق التاریخیه.
وذلک لأنّ السب هو إطلاق الکلام البذیء، لشخص تشفّیاً منه وإخماداً لسوره غضبه، فیقول: یا فاسق، یا ظالم، یا زانی.
وأمّا الدارس لحیاه أُمّه أو طائفه أو شخص بالوثائق التاریخیه من دون أن تأخذه الحمیه والغضب إنّما یرفع الستر عن حقیقه تاریخیه أُسدل علیها الستر فیصل إلى النتائج الماضیه فهذا لا یعدّ سبّاً، لأنّ مقوّم السب هو التشفّی والغضب، وهو مفقود فی مثل هذه الدراسات الموضوعیه التی لغتها لغه العلم والتحقیق.
وبذلک یعلم أنّ کلمه سبّ الصحابه صارت ذریعه لحظر الدراسات فی سیر الصحابه والتابعین بموضوعیه وتجرّد.
[۱] -یوسف: ۷٫
[۲] -یوسف:۱۱۱
[۳] -لسان العرب، ماده سب، النهایه:۲، ماده سب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.