الشیعه خالفوا إمامهم علیّاً
یقول الشیخ:
إنّ علیّاً یذم الذین ادعوا التشیع له وخالفوا أوامره من شیعه الکوفه حتى قال فیهم:
۱ – «لودِدْتُ أنّ معاویه صارفنی بکم صرف الدینار بالدرهم، فأخذ منّی عشره منکم، وأعطانی رجلا منهم. یا أهل الکوفه منیتُ منکم بثلاث واثنتین: صم ذوو أسماع، وْبکم ذوو کلام، وعمی ذوو أبصار» ( [1]) .
۲ – وقال: «اللهم إنّی مللتُهم وملّونی، وسئمتهم وسئمونی فأبدلنی بهم خیراً منهم، وأبدلهم بی شرّاً منّی» ( [2]) .
وقال: «یا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربّات الحجال لوَدِدْت أنّی لم أَرَکم، ولم أعرفْکم معرفهً ـ والله ـ جرّت ندماً وأعقبتْ سَدَماً، قاتلکم الله لقد ملأتم قلبی قیحاً، وشحنتم صدری غیظاً، وجرّعتمونی نُغَبَ التهمام أنفاساً، وأفسدتم علیّ رأیی بالعصیان والخذلان». ( [3])
المناقشه:
إنّ فضیله الشیخ یتصوّر أنّ أهل العراق کانوا على رأی واحد، وکانوا کلهم شیعه الإمام (علیه السلام) ، وذم الإمام (علیه السلام) یتوجّه إلى شیعته وتابعیه، وبذلک استدلّ على أنّ الشیعه خالفوا إمامهم، ولکنّه لو قلب صفحات التاریخ لوقف على أنّ أهل العراق کانت لدیهم أهواء مختلفه ومشارب متنّوعه.
یقول ابن أبی الحدید: إنّ أصحاب علی کانوا فرقتین :
إحداهما: تذهب إلى أن عثمان قُتل مظلوماً وتتولاّه وتبرأ من أعدائه.
والأُخرى ـ وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغَناء والبأس ـ : یعتقدون أنّ عثمانَ قتِل لأحداث أوجبت علیه القتل، وقد کان منهم من یصرّح بتکفیره. وکل من هاتین الفرقتین یزعم أنّ علیاً (علیه السلام) موافق لها على رأیها، وتطالبه فی کل وقت بأن یبدی مذهبه فی عثمان وتسأله أن یجیب بجواب واضح فی أمره، وکان (علیه السلام) یعلم أنّه متى وافق إحدى الطائفتین باینته الأُخرى وأسلمته وتولّت عنه وخذلته، فأخذ (علیه السلام) یعتمد فی جوابه ویستعمل فی کلامه ما یظن به کل واحده من الفرقتین أنّه یوافق رأیها ویماثل اعتقادها ( [۴]).
والإمام وإن کان یخاطب أهل الکوفه ویذمّهم، إلاّ أنّ المجتمع الکوفی لم یکن آنذاک معقل الشیعه حسب، بل کانت تتقاسمه اتجاهات مختلفه :
۱ – طائفه کانت علویّه الهوى تقاتل مع علی (علیه السلام) عن عقیده وثبات بما أنّه خلیفه الرسول الذی نصّ على خلافته فی یوم الغدیر وغیره، وهم الشیعه الخلّص کعمار بن یاسر، وحجر بن عدی، وعمرو بن الحَمِق، وصعصه بن صوحان، وزید بن صوحان، وکمیل بن زیاد، ومیثم التمار، وغیرهم من أعیان الشیعه وروّادهم.
۲ – طائفه أُخرى کانت على عقیده التربیع، وأنّ الإمام رابع الخلفاء وتجب إطاعته کإطاعه السابقین، فلذلک أجابوا دعوته وحاربوا الناکثین فی البصره والقاسطین فی صفین والمارقین فی النهروان .
۳ – طائفه ثالثه کانت عثمانیه الهوى، وهم أهل البصره الذین ساندوا طلحه والزبیر فی محاربتهما علیّاً، ولمّا قُتلا انضمّوا إلى جیش علی (علیه السلام) کرهاً لا طوعاً، وکانوا یضمرون لعلی (علیه السلام) الحقد والکراهیه، ویطیعونه فی الظاهر.
۴ – طائفه رابعه هی الطابور الخامس لمعاویه، کالأشعث بن قیس (ومن کان معه) الذی أفسد الأمر على الإمام فی قضیه رفع المصاحف، وحتى خُدع به جمع غفیر ممّن کان فی عسکر الإمام (علیه السلام) وإنْ ندموا على فعلهم فیما بعد، وهم الخوارج.
والذی یوقفک على أنّ الإمام لا یخاطب فئه خاصه، بل یخاطب المجتمع الکوفی بکافه عناصره، ما رواه المؤرخون فی أنّ الإمام (علیه السلام) بعدما خاطب القوم بقوله: «یا أشباه الرجال ولا رجال حُلوم الأطفال، وعقول ربَّات الحجال» قام إلیه رجل آدم طوال، فقال: ما أنت بمحمد، ولا نحن بأُولئک الذین ذکرت، فقال (علیه السلام) : «أحسن سمعاً تُحسن إجابه، ثکلتکم الثواکل! ما تزیدوننی إلاّ غمّاً! هل أخبرتکم أنّی محمد، وأنّکم الأنصار! إنّما ضربت لکم مثلاً، وإنما أرجو أن تتأسّوْا بهم»( [5]).
ثم قام رجل آخر، فقال: ما أحوج أمیر المؤمنین الیوم وأصحابه إلى أصحاب النهروان. ثم تکلّم الناس من کل ناحیه ولغطوا، وقام رجل منهم، فقال بأعلى صوته: استبان فقدُ الأشتر على أهل العراق! أشهد لو کان حیاً لقلّ اللغط، ولعلم کلّ امرئ ما یقول.
فقال علی (علیه السلام) : «هبلتکم الهوابل! أنا أوجب علیکم حقّاً من الأشتر، وهل للأشتر علیکم من الحقّ إلاّ حقّ المسلم على المسلم» !
فقام حجر بن عدی الکندی وسعید بن قیس الهمدانی، فقالا: لا یسوءک الله یا أمیر المؤمنین، مرنا بأمرک نتبعه، فوالله ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدتْ، ولا على عشائرنا إن قتلت فی طاعتک، فقال: «تجهّزوا للمسیر إلى عدونا».( [6])
وقد ابتُلی الإمام بهذه الطوائف المختلفه الأهواء المتعدده المشارب، ومع ذلک حارب بها الناکثین والقاسطین والمارقین، وهذا یدلّ على حکمته وصبره.
قال ابن أبی الحدید:
إنّ علیاً کان یقرأ فی صلاه الصبح وخلفه جماعه من أصحابه، فقرأ واحد منهم رافعاً صوته، معارضاً قراءه أمیر المؤمنین (علیه السلام)( إنِ الحُکْمُ إلاّ للهِ یَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَیْرُ الفَاصِلینَ )( [۷]) فلم یضطرب (علیه السلام) ولم یقطع صلاته ولم یلتفت وراءه، ولکنّه قرأ معارضاً له على البدیهه ( فاصْبِرْ إنّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَلا یَسْتَخفَّنّکَ الّذینَ لا یُوْقِنُونَ ) ( [۸]) . وهذا صبر عظیم ( [۹]) .
[۱] . نهج البلاغه: الخطبه ۹۳ ط عبده; شرح نهج البلاغه: ۷ / ۷۰ – ۷۱ .
[۲] . نهج البلاغه: الخطبه ۲۴ ط عبده ; شرح نهج البلاغه: ۱ / ۳۳۳ .
[۳] . نهج البلاغه: الخطبه ۲۶، ط عبده ; شرح نهج البلاغه: ۲ / ۷۴ – ۷۵ .
[۴] . شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید: ۷ / ۷۳ ـ ۷۴ .
[۵] . شرح نهج البلاغه: ۱ / ۸۹ – ۹۰ .
[۶] . شرح نهج البلاغه: ۱ / ۹۰ .
[۷] . الأنعام: ۵۷ .
[۸] . الروم: ۶۰ .
[۹] . شرح نهج البلاغه: ۷ / ۷۳ .